في الذكرى الثالثة لرحيل زكي نجيب محمود حديث معه

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

عبدالغفار مكاوي (باحث وكاتب/ استاذ سابق للفلسفة
بجامعات القاهرة والخرطوم وصنعاء والكويت)


لم يكن هذا هو أول ولا آخر حديث معه، وان كان هو الوحيد الذي خطر لي أن أسجله على الورق. كنت أحس دائما منذ أن استمعت الى محاضراته في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات - أن هناك شيئا حميما يقربني منه، وربما يميز صلتي به عن غيري من زملائي الكرام. ذلك هو الوصف الذي أطلق على أبي حيان التوحيدي وعليه (وتعطف البعض، كرما منهم أو إشفاقا، فأطلقوه علي!) واختزل في هذه العبارة المخلة التي تعجز عن الدلالة على عذاب الصراع المحتدم في كيان من قدر عليه أن يحاول التأليف بين الضدين والسير على الحبلين الخطرين ويجرب الحياة - كما تقول عبارة هيدجر - على قمة جبلين متجاورين ومنفصلين في وقت واحد: أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء.. ولعل الأستاذ قد شعر منذ أن بدأ الفتى يقدم اليه، بعض قصصه الرديئة وأشعاره الساذجة أن مزاجه وتكوينه أقرب الى الفلاسفة الشعراء والشعراء الفلاسفة منه الى المناطقة والوضعيين الذين كان يحاول ما وسعه الجهد والحماس والاخلاص أن يقنع بهم طلابه (إن أنس لا أنسى كيف كنت أقف أمام باب القاعة الصغيرة التي تعود أن يلقى فيها دروسه، وكيف كان يوقف عقارب الساعة التي لم تختل طوال ستين عاما من حياته وعمله المنظم لكي يناقش ويشجع الشاب - المتعثر في خجله الريفي وروما نسيته الخائبة - في الأوراق التي اهتم غاية الاهتمام بقراءتها له..)

ومرت الأيام والأعوام وأصبح الفتى أستاذا في نفس المكان الذي شهد كفاحهما العلمي وأحزانهما الشخصية (طعنني زملاء توهمت يوما أنهم ذخر البقية الباقية من العمر، وعضني تلاميذ وأبناء أعطيتهم تعب العمر) في هذه الفترة من منتصف الثمانينات كان من الطبيعي أن يسعى الفتى - الكهل الى أستاذه الشيخ كما سعى الحواريون والمريدون الى حكماء الشرق القديم أو الى أئمة العلم والفضل من أسلافنا وليتبادل معه الحوار عن أزمة تعليمنا ومحنة وجودنا. وكان ما كان فاستجبت لدعوة كريمة من جامعة الكويت، وكان أول ما فكرنا فيه - مع زميلي العزيزين عزمي إسلام رحمه الله وأرضاه، وعبدالله العمر مد الله في عمره، وبرعاية كريمة من فؤاد زكريا -أن نحرر كتابا نكرم به - مع اخواننا وأبنائنا - أستاذنا المشترك وقدرتنا العالية، بحيث يكون - كما قلت في الكلمة التي صدرت بها الكتاب نيابة عن لجنة إعداده - زهرة حب وعرفان ووفاء من غرس يديه، نقدمها اليه في زمن عز فيه الوفاء والاحترام أو العرفان وظهر الكتاب بفضل جريدة "الوطن" تحت عنوان "زكي نجيب محمود فيلسوفا وأديبا ومعلما" وعندما سلمه اليه المرحوم عزمي إسلام - قبل أيام قليلة من وفاته المفاجئة في خريف عام 1987- قال له المعلم مبتسما: "جاءت من الكويت ولم تجيء من مصر".. لكن الكتاب نفسه ينطق بأفصح لسان: لقد جاءت من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه العرب الى "حكيم العرب"..

توخيت في هذا الحديث أن يبتعد بقدر الامكان عن التخصص الحرفي ومصطلحاته الفنية ومشكلاته العسيرة، وأن يتناول قضايا عامة تهم الرجل العادي الذي يعلم الجميع أنه يدين لزكي نجيب محمود - وبخاصة في مقالاته المتأخرة التي نشرها على مدى سنوات بـ"الأهرام" - بفضل تبسيط الفلسفة وتقريبها منه، واشاعة الوعي بإشكالاتها التي هي في النهاية اشكالات حياته العقلية وحياة مجتمعه وثقافته ومستقبله - وذلك بأسلوبه البليغ العذب الذي ينبض بالعاطفة الصادقة والوضوح الناصع والصور الفنية الحية، كما يشهد على تمكنه من تاريخ الفكر الفلسفي وأدواته المعرفية الدقيقة، وحرصه الدائم على إشراك قرائه في التفكير معه في أصعب قضايا فلسفة العلم ومذاهب المعاصرين ومقومات العصر الذي نعيشه، لعل ذلك يتمخض في النهاية عن "مشاركته" فيه بالوعي والنقد والابداع، لا بالوقوف موقف المتفرج والمستهلك والمتباهي بأزياء يستعرضها دون أن ينسج منها خيطا واحدا! وقد اهتم الحديث بنقاط قليلة أستأذن القاريء في إلقاء شيء من الضوء عليها:

- فهو يبدأ بالسؤال عن "المقال الفني" الذي ارتبط باسمه وتفرد به واتخذ على يديه شكلا يذكرنا من ناحية بنماذجه المكتملة منذ "مومنتنى" و"بيكون" وكتاب المقال الانجليز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما يدلنا من ناحية أخرى على مدى تطوره في أدبنا الحديث من نظرات المنفلوطي ومقالات الرافعي والزيات والعقاد وغيرهم حتى المازني بوجه خاص - والجدير هنا بالتأمل أن المقال الفني الذي امتعنا به منذ أن بدأ في نشره في منتصف الثلاثينات في مجلة "الثقافة" واعترف بأنه يمثل "العصب" الحقيقي لفكره وأدبه - قد كاد ينقرض من حياتنا لقد اغتصب مكانه المقال - البحث، والمقال - المعلومة، والمقال - الثرثرة.. وأحسب أن هذا القالب الفريد هو أفقر القوالب والأشكال الفنية حظا من اهتمام النقد الأدبي وأولاها بالبعث والاحياء...

- ويتطرق الحديث لصيغة "الاصالة والمعاصرة" التي طالما اتهمت بالتوفيق أو التلفيق، وتعرضت لانتقادات عدد كبير من مفكرينا الذين نعتز بهم (مثل فؤاد زكريا وعابد الجابري ومحمود العالم وأحمد صبحي) وتحولت في صورتها التعميمية المختزلة الى أحد الكليشهات المملة التي لا نسأم ترديدها وكأنها الخرزة السحرية التي ستجيب على كل الأسئلة وتفتح مغاليق الأسرار الغامضة بمجرد أن تلوكها الأفواه.. وفي ظني أن الإشكال الذي تتضمنه، والذي لم يتوان المعلم الكبير عن الخوض في تنويعاته التي لا حصر لها، ما فتي، قائما منذ عصر التدوين والترجمة الى بدايات نهضتنا الحديثة وحتى اللحظة الحاضرة، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه علينا هو هل نحقق مضمونها أو مشروعها أو طموحها عن طريق التنظير والثرثرة والقواعد الهابطة "من فوق" على رؤوسنا، أم عن طريق الفعل والتجربة المباشرة والابداع (الذي لا نكف عن الكلام عنهما) وهل استطعنا حقا - أو بدأنا حقا - في معرفة تراثنا وفهمه ودراسته ونقده لكي يتسنى لنا "تضفيره" في تراث العالم المعاصر الذي عجزنا كذلك عن استيعابه وقراءته قراءة صحيحة بدلا من الاستعراض والادعاء والانبهار به، أو نقله نقلا أعمى بغير نقد ولا تمحيص ؟ إن المتفلسف العربي يمكنه أن يتعلم الكثير من زميله الفنان التشكيلي، ومن القاص والكاتب المسرحي (ومن عديد من "الأصلاء" في ميادين العلوم الانسانية والطبيعية والرياضية وفي العمارة - مثل حسن فتحي -والموسيقى وغيرها) في تجاربهم المستمرة - وربما العفوية - في انتاج علم وابداع فن "يعصر" الأصيل و"يؤصل" المعاصر في عقولنا ووجداننا وتجربة حياتنا الواقعية واليومية - ويسري هنا ما يسري على شعار وجود فلسفة عربية أو عدم وجودها، فالأمر هنا وهناك رهن بالتجربة المباشرة والفرص في فعل الابداع لا التسكع على شواطيء الثرثرة وفوق رمال التنظير الأجوف. وعندما نبدأ في معرفة تراثنا وتراث الانسانية معرفة علمية ونقدية دقيقة - هي السبيل الوحيد لانقاذنا مما نحن فيه - (فتكون لدينا طبعات نصوص محققة لتراثنا وتراث غيرنا نتعلم منها كيف نقرأ ونحلل وننقد، مثل سلاسل النصوص الكلاسيكية والحديثة عند الغربيين - لريب - وبيل ليتر وتوسكولوم وريكلام وايفري مان وغيرهم) وعندما نسترد الثقة بأنفسنا وننتقل من مرحلة رد الفعل الى الفعل، ونضيق فجوة الفصام "العربي" بين السلوك والمعرفة ونتخلص من آفة النقل والتكرار ونغامر بالتفكير النقدي المستقل المتزن، وعندما تتم المراجعة الجذرية للتعليم الفلسفي وغير الفلسفي الذي أصابه التدهور والانهيار، وخرج جيوشا من الدكاترة الذين لا نفع فيهم ولاحظ لهم من أدوات المعرفة أو التفكير أو التعليم (وصدقت كلمة ماركس الشهيرة: المعلمون يحتاجون للتعليم، والمربون يحتاجون للتربية) عندها يمكن أن نقول إننا بدأنا بالفعل لا بالقول الطريق الصحيح نحو تحقيق الهوية والخصوصية أو نحو تعصير الأصيل وتأصيل المعاصر حتى في أصغر البحوث الجزئية وليس بالضرورة في أنساق أو "مشروعات" يعلم أصحابها قبل غيرهم أنها قصور وهمية معلقة في السحب والضباب..

- لم يتسع المقام في هذا الحديث للتعرض للوضعية المنطقية التي تبناها المعلم الكبير وتحمس للدفاع عنها في المرحلة الوسطى من تطوره الفكري - ربما الى حد التزمت والتشدد الذي اتسمت به عند روادها الأوائل - دون أي محاولة جدية لنقدها من الداخل أو من الخارج - ويستطيع القاريء أن يتعرف على هذه المدرسة من الكتاب التذكاري السابق الذكر أو من أي كتاب عن الفلسفة المعاصرة أو فلسفة العلم - ويهمني هنا أن أقدم الملاحظات المختصرة التالية عن هذا الموضوع:

أول هذه الملاحظات أن صاحب الذكرى العطرة الطيبة لم يقدم إلا الجيل الأول لهذه المدرسة (التي انطلق أعضاؤها مما يعرف بحلقة فيينا ومن فلسفة فتجنشتين الأول في رسالته المنطقية الفلسفية الشهيرة ومن فلسفة رسل ومور التحليلية، كما اعتمد في البداية على كتاب "آير" المعروف "اللغة والصدق والمنطق" الذي تعرف عليه وعلى صاحبه - كما يقول في "قصة عقل" أثناء عمله في رسالته للدكتوراة عن الجبر الذاتي (التي تفضل بترجمتها للعربية الزميل الدكتور إمام عبدالفتاح إمام.) ومعلوم أن الوضعية أو التجريبية المنطقية تطورت بعد ذلك تطورا كبيرا عند أصحابها أنفسهم - لاسيما كار ناب في فلسفته اللغوية والمنطقية المتأخرة - كما تخل عنها بعض أنصارها القداس من خلال مناقشتهم لمبدأ التحقق - مثل رايشنباخ وكارل بوبر - وغني عن الذكر أن المعرفة الدقيقة بهذه المدرسة أو غيرها مطلب علمي ضروري مهما رفضنا الأسس التي تقوم عليها أو اتجه بنا الطبع أو الاقتناع وجهة أخرى لذلك فإن من واجب الوفاء أن يواصل الأبناء دراستها في أدق تفاصيلها، ومن حقهم المشروع أيضا أن ينقدوها ويتجاوزوها. ولن يسعد المعلم الحقيقي شيء قدر سعادته باختلاف تلاميذه عنه، بل ونقدهم وتجاوزهم له سر على أن يلتزم النقد بالشروط الموضوعية وبأخلاقيات العلم وآداب الحوار، وهو أمر شديد الندرة في حياتنا النظرية والعملية.

وثاني هذه الملاحظات أن هدف الراحل الكريم من الدعوة لمقولات هذه المدرسة كان في المقام الأول هدفا تنويريا واصلاحيا - تنوير "العقل العربي" لكي يميز عبارات تستخدم في مجال العلم أو المعرفة الضرورية العامة الصدق. سواء أعانت طبيعية وتركيبية تقوم أو يمكن أن تقوم على التحقق من صدقها بالتجربة، أو رياضية ومنطقية تحليلية تعتمد على صحة الاستنباط من المقدمات وفق قواعد محكمة ومتفق عليها - وعبارات أخرى تتعلق بالوجدان أو العاطفة ولكنها في رأيهم فارغة من الاشارة الى مدلول حسي ومن ثم فليست صادقة ولا كاذبة - كالعبارات المستخدمة في مجال الأخلاق والدين والميتافيزيقا والأدب.. والخلاصة أن الهدف من هذا التشدد الوضعي المبسط - الذي طالما تعرض للنقد وثبت بعد ذلك خطؤه من وجوه لغوية ومنهجية وعلمية عديدة. لم ينفصل في النهاية عن هدف حياته ورسا لتها الكبرى التي تمثلت منذ البداية في مقالاته الثورية المبكرة، ولم تخمد جمرات غضبها الكظيم في مقالاته وكتبه المتأخرة بعد تراجع الحماس المبكر للوضعية المنطقية الى الدعوة للتفكير العلمي وحضارة العلم ومنطقا وعقلانيته مع التوسع في استخدام منهج التحليل اللغوي - المنطقي لتوضيح الكثير الكثير من مفاهيمنا وألفاظنا الغامضة المضطرمة..

وثالث هذه الملاحظات أنه يحمد للمعلم الكبير - برغم ثقافته الموسوعية التي تأثر فيها بجيل الرواد وبخاصة العقاد، وبرغم اهتماماته المتنوعة بالفن والشعر والنقد والتاريخ والحضارة - يحمد له التركيز على مدرسة واحدة والاخلاص العميق لدعوتها - وقد كان المأمول أن تتكون من ذلك مدرسة علمية تواصل جهود الرائد، لكن الرجل كان أكبر من أن يفرض معتقده الفلسفي على أحد من تلاميذه، كما يبدو أن حياتنا العلمية (مع استثناءات معدودة على أصابع اليد الواحدة في بعض العلوم الانسانية والطبيعية) قد فشلت فشلا ذريعا في تأسيس مدارس واتجاهات محددة مستمرة، وانقطع الموجود منها أو انفرط عقده وهو لم يكد يتخطى مرحلة التأسيس. أقول هذا بعد أن رحل عن دنيانا أقرب وأخلص تلميذين لزكي نجيب محمود، وهما المرحومان عزمي إسلام ومحمود فهمي زيدان - كلاهما تعب في صمت وذهب، وكلاهما عاش متعففا عن إثارة الغبار والضجيج، مترفعا عن قرع الطبول والنفخ في الأبواق.. وليتنا نتوقف هنا قليلا لنتساءل: أهي لعنة خرافية تحكم علينا بالا نواصل بناء أو نتضافر لانجاز عمل مشترك ؟ أم هو مرض قديم، تحمله موروثات خفية وخبيثة ربما منذ حرب البسوس، وتجعلنا نسي ء لكل الأفكار العظيمة بمجرد أن تهبط على أرضنا وتحاول أن تجد لها مكانا فوقها؟ (الاشتراكية حولناها الى استبداد وتعذيب ونفخ وسجون ومعتقلات وطوابير محرومين مقهورين، والديمقراطية صارت لصوصية وسمسرة وشطارة وثرثرة إعلامية وفساد وانتهازية على كل الأصعدة حتى ما كان يعد حتى وقت قريب مقدسا لا يمكن أن تلوثا أو تمس طهارته تلك السموم والظلمات، والفلسفة استحالت لدى البعض سفسطة كاذبة وتجارة رخيصة وزعامة جوفاه وترديدا وتكرارا أعمى أو تخبطا عشوائيا وصياحا غوغائيا بكلمات وشعارات متضخمة تنتمي لأزمنة و "أيديولوجيات" وأفكار تخضع اليوم في العالم كله للمراجعة الشاملة ويتم تجاوزها بمنهجيات وتقنيات ومقاربات علمية جديدة لم نكد نعرف حتى ألف بائها..، حتى التدين السمح العميق الجذور لم يتورع ضعاف النفوس وطلاب الشهرة والسلطة إما عن استغلاله في نفاق النظم وتبرير وتثبيت الأوضاع الفاسدة واما عن تشويهه بالتعصب والتطرف والتخبط في ظلمات الجريمة والاندفاع المجنون الى هاوية الكوارث الجماعية، حتى "الحداثة" في السنوات القليلة الماضية، وباستثناء قلة محدودة لا تزال لديها بقية من الضمير العلمي والتمكن المعرفي صارت استعراضا مربكا للاتجاهات والأسماء والمصطلحات دون تأسيس فلسفي أو علم بالجذور والأصول أو محاولة حقيقية للنقد والتأصيل.)

إن ما جرى للوضعية المنطقية - التي انقصف عودها قبل أن تنضج وتثمر قد ألم باتجاهات ومدارس وتيارات أخرى كانت حرية أن تنمو وتتطور وينشأ بينها حوار يندي "أرضنا الخراب" وينعش جونا الخانق المختنق بالسأم والركود والجمود (ولننظر ماذا آل اليه مصه البدايات المخلصة للظاهراتية والوجودية والشخصانية والحدسية أو الجوانية والماركسية والعقلانية النقدية والأرسطية والرشدية والمثالية المعتدلة".. ألم تصبح اليوم كتبا تطل علينا من فوق الرفوف كبقاينا أطلال أو جذوع أشجار مقطوعة ومتناثرة في وحشة الخلاء والخواء؟!..)

والملاحظة الرابعة والأخيرة هي أن الوضعية بأشكالها التقليدية أو الحديثة قد ساءت سمعتها وقلت قيمتها في ساحة الفلسفة المعا هوة (وبخاصة في الظاهريات والفلسفات التي خرجت من معطفها..) ولكن هل يعني هذا أنها فقدت الحق في دراستها أو أنها اختفت من الوجود؟..لا شيء يختفي في الفلسفة - كما علمنا هيجل - بل كل شيء يتحول الى مستوى آخر أكثر غنى ونضجا -والدارس الجاد يحتاج لمعرفة الوضعية حاجته لمعرفة غيرها من المذاهب والمدارس والاتجاهات. والمهم أن يعمل في صبر ودأب على تربية حسه النقدي الذي لا تستقيم بغيره فلسفة ولا علم ولا حياة واعية ويبقى النقد بمعناه الشامل هو روح الفلسفة، إذا خلت منه أصبحت جثة هامدة بلا روح، وتلقينا ركاما من المعلومات التاريخية والحقائق المذهبية ترددها الببغاوات الكبيرة والصغيرة، ويرزح فوق صدور الجميع فيحبس عنهم أنفاس الحياة والتجربة العقلية الحية، ويزيد اغترابهم عن واقعهم واغتراب واقعهم عنهم ويمكن للوضعية بأشكالها المختلفة أن تكون إحدى المدارس التي نتعلم منها النقد - أي التفلسف الحر - بممارسة التحليل المنطقي للقضايا والمفاهيم والقيم والأوضاع السائدة بغية توضيحها ومن ثم تغييرها عن وعي (كما فعل الراحل العظيم مع كثير جدا من المفاهيم الشائعة في حياتنا) كما يمكن أن تكون قيدا ولجاما ونيرايشل حريتنا ووعينا وتقدمنا - فالأمر يتوقف في النهاية علينا نحن - والمهم في هذا كله أن زكي نجيب محمود قد حقق بفلسفته العلمية والتحليلية قدرا لا يستهان به من المهمة التي ننتظرها وينتظرها كل حريص على حاضرنا ومستقبلنا - من "توظيف" الفلسفة في نقد واقعنا وتنبيه وعينا وتوطين العقل في حياتنا، بجانب متابعتها لتخصصاتها الدقيقة وتطوير البحث في نظمها المعرفية المتنوعة، وبهذا تكون قد أدت دورها الاجتماعي على يديه "هنا" في مكاننا و "الآن" في لحظتنا التاريخية، وواجهت - بغير ترد في الاعلامية الفجة أو الغوغائية المرتفعة الصوت ويغير أن نتنكر لحظة واحدة لعلمية الفلسفة ومنهجيتها الصارمة أشكال "اللاعقل" و "اللامعقول" التي أدت في الماضي وتؤدي في الحاضر الى تزييف العقل والمعقول، واهداره وتغييبه أو سحقه وطمسه في بعض الأحيان ولست أقصد بهذا ما جرى في تاريخنا القريب، في ظل نظم النقهر والطغيان، للعقل والحرية والانسان بوجه عام، بل أعني كذلك ما جرى للفلسفة نفسها على يد نفر تسللوا الى حرم معبدها العريق بعقليات اللصوص والسماسرة والمسفسطين الجوف أفرزهم زمن العسكر الأغبر ثم عصر الانفتاح الفاسد واقتصاديات السوق المسعورة التي تكتسح اليوم كل القيم التي تربت عليها وتشربتها أجيال يهال عليها التراب اليوم وترجم بكل الأحجار.. ولكن يقيني الذي لا يهتز في أقسى ساعات الشك واليأس يؤكد لي أن آلاف المخلصين العاملين في صمت في كل أركان عالمنا العربي سيعيدون الزمن المعوج الى محوره، ويساعدون في صبر وصدق على تكوين الضمير الثقافي في العام الذي يضع "العلمية" الدقيقة، والأمانة والجدية الصامتة كما وضعت دامعات << ريشتها في كفة الميزان فخسفت جبال الكذب والاثم والضحالة والغثاثة في الكفة الأخرى.. ولا ننسى أبدا ما أكده افلاطون في "الجمهورية" وفي غيرها من المحاورات الافلاطونية من أن عدم وجود فلسفة على الاطلاق أفضل بكثير وأكرم من وجود فلسفات أو بالأحرى سفسطات كاذبة...

ومع انني لا أومن بأن الأخلاق وحدها تكفي لتفسير التاريخ، فإن الجميع يتألمون اليوم لغياب "القدوة" على كل المستويات، ومعلمنا الكبير رحمه الله قد كان - ولا يزال بعلمه وسيرته وتأثيره -هو "الضمير المجسد" لكل حريص على أن تكون لنا ثقافة تستحق الاحترام، وكلما ذكرت الضمير تذكرت حسرتي الدائمة على عجز جراحينا الممتازين عن إجراء عمليات زرع للضمير الغائب بمثل ما مكنتهم براعتهم الفائقة من نقل القلب والكبد والكل وبعض الأعضاء...، إن عصور الانبعاث والتغيير الحقيقي قد حمل تبعاتها الجسام وجسدها رجال عظام -حدث هذا في فجر الاسلام وعصر الفتوح كما حدث في بدايات المسيحية وغيرها من الديانات الشرقية القديمة وفي بواكير عصر النهضة الاوروبية ومطالع نهضتنا الحديثة، وزكي نجيب محمود - في تقديري المتواضع - يستمد قيمته الباقية واشعاعه الحقيقي من تجسيده للضمير العلمي والانسان الحي الأمين - أقول هذا وأعتقد أنه لابد أن يقوله كل من أسعده الحظ بالتتلمذ على يديه والاتصال به عن قرب (مهما يكن من الاختلاف بينهم وبينا في وجهات النظر الفلسفية والأمزجة الفنية والأدبية كما سبق القول.).

وفي الختام يخيل الي أن شخصية المفكر والأديب "المنقذ" أي شخصية المعلم والمفكر والكاتب المنذر والمحذر والموقظ والمتنبيء والمنبه - تتمثل فيه ولا تقل أهمية عن شخصية الأديب البليغ والمعلم الفذ والعالم المتمكن والمترجم الرائع والداعية - في إطار الثنائية العلمية والتنويرية التي تسود كل جهوده وتتفلفل في كل كتاباته كما سبقت الاشارة -الى حركة أو مدرسة فلسفية بعينها. صحيح أن شخصية المفكر والأديب "المنفذ" التي اعتقد أنها تتمثل فيه صراحة أو ضمنا -لم تعبر عن نفسها في صورة شعرية (كما فعل على سبيل المثال لا الحصر شاعر مثل صلاح عبدالصبور على لسان النبي الذي يحمل قلما في مسرحيته ليل والمجنون، أو كما فعل شعراء آخرون مثل خليل حاوي والبياتي وأمل أنقل في بكائه بين يدي زرقاء اليمامة لم ولا في صورة قصصية وروائية (كما نجد لدى نجيب محفوظ في تحت المظلة والشحات والثرثرة وغيرها من روائعه) أو أشكال مسرحية (مثل سعدالله ونوس في رأس المملوك جابر والمنمنمات التاريخية، ومثل كاتب هذه السطور في بعض قصصا ومسرحياته التي اكتشف في كهولته أن أحدا لم يكلف نفسه بقراءتها ولا نقدها فحق عليه الا يكلف نفسا بذكرها..) - والرأي عندي أنها عبرت عن نفسها في العديد من مقالاته المبكرة والمتأخرة التي سيرد ذكرها في تضاعيف الحديث كما أنها مبثوثة في ثنايا أعماله العلمية ودعوته التنويرية والاصلاحية من خلال المدرسة والمنهج التحليلي اللذين تبناهما وطبقهما بصورة شاملة متسقة وشديدة الوضوح والقوة والصدق مع النفس.. إن مهمة "المنقذ" أي الكاتب والمفكر المحذر والمبشر أيضا بمستقبل لن يقوم بناؤه الا على عمودي العلم والعمل الصامت الجاد - تظل مهمة ملحة ومطلبا مستمرا لا مجرد أمل رومانسي أو يوطوبي حالم يحركا التمني أو الغفلة - وحسن النية - ولاشك عندي أن قراءة تراث زكي نجيب محمود العلمي والأدبي ومعاودة قراءته والتعلم منه، ونقده وتجاوز» أيضا مع كل الاحترام له والاعتراف بفضله - يمكن من هذا المنظور الذي حاولت تحديد معالمه وأبعاده أن يعيد الينا الثقة المنتقدة بالنفس - بلا غرور ولا تطاول على الآخرين - وأن يساعدنا على اكتشاف طريق الخلاص وتحقيقه بالفعل المبدع لا بالكلام والأصوات العالية - وخطوات هذا الطريق تتلخص باختصار في الرجوع الى رحاب العلمية الدقيقة والى حمى الضمير الصادق الأمين..

في الطريق شعرت بالخشوع والرهبة التي تكاد أن تشل قدمي العابد قبل دخول المحراب، كما شعرت في الوقت نفسه بجناحين ينبتان في كتفي ويطيران شوقا ولهفة اليه. ولم تكن هذه هي أول مرة أن وره فيها، فلقد طالما فتح لي أبواب بيته وعقله وقلبه، وأعطاني فأجزل في العطاء من نبع حكمته وفهمه وتعاطفه. لكن هذه المرة تختلف عن المرات الأخرى. فعلي اليوم أن أسأله وأدون إجاباته، وهو عمل لم أتعود عليه من قبل، ولعلي لن أحاوله أبدا من بعد..

قلت لنفسي: أيها العصفور التائه في سماء مصرية وعربية تلبدت بسحب المحنة، وحومت فيها غربان التمزق والضياع وتدمير الذات الى الحد الذي يذكرنا بالانقراض والانتحار الجماعي لبعض القبائل والجماعات القديمة أو لبعض فصائل الحيوان، وبالانتحار الحضاري لكثير من الشعوب والحضارات المنهارة - اذهب الى النسر الشامخ الحكيم وأحمل اليه همومك القومية والفردية وجراحك الفلسفية وعند من تلتمس الدواء إن لم تلتمسه عند "حكيم العرب" ؟ - ها هو ذد المفكر الجاد والمعلم الأمين - منذ أكثر من خمسين  سنة م