محاورة "عبدالله العروي" في
"من التاريخ الى الحب":
الرواية، النقد والتجربة الابداعية


صدوق نور الدين (كاتب من المغرب)


في طبيعة الحوار

1- قلة هي الكتب التي اتخذت تقنية الحوار منطلقا لفهم تجربة كاتب أو مبدع، بحثا عن إضاءة مسافات في تجربته الابداعية.. القول بالقلة لا يمتد الى التجارب العالمية، وانما ينحصر في العربية.. واذا استثنينا جمع الحوارات في كتب، نحو ما حدث و" حنا مينه " ثم "عبدالرحمن منيف "، فإننا لا نقف على صيغة الحوار الموسع الطويل، سواء بخصوص إبداعية مبدع أو رأيه في الكتابة العربية، إلا على نموذج يكاد يكون متفردا، إذا ما ألمحنا لمستوى التكافؤ الجامع بين متحاورين. "جواد حيداوي" و" صلاح ستيتيه ".. وهو الحوار المرسوم بـ "دليل المعنى" (1).

في الأدب المغربي الحديث، استحضر "حرقة الأسئلة ".. الكتاب الذي خص به الشاعر والروائي "عبداللطيف اللعبي" وكان حاوره "جاك أليساندرا" فيما أنجز الترجمة "علي تيزكاد"(2).. أعتبر من "التاريخ الى الحب " بمثابة تجربة ثانية استهدفت التركيز أساسا على "الوصف " كما تمثل لدى "عبدالله القروي" في:

أ - قراءة الرواية العالمية والعربية..

ب - الاسهام في كتابتها وطرح تصورات نظرية عن /وفي ذلك.

ج - تقويم الجهد النقدي العربي..

2- إن طبيعة الحوار الشفوية (لا أتحدث عن الأسئلة التي تجاب عنها كتابة ) تفرض على السائل اعداد أسئلة الحوار،وبالتالي التهيؤ لخلق أسئلة وليدة اللحظة، فتأتي على نمط رد، استفسار أو تدخل..

أما شخص المحاور فإن ليس بين يديه إلا أن يجيب.. وهو في إجاباته يستحضر خيوطا فيما تغيب عنه أخرى.. ذلك أن فسحة التأمل والتخييل تقترن بالمكتوب لا بالشفوي.. وليس غريبا إن كانت مزالق الحوار أوقعت رؤساء دول وحكومات وليس الكتاب وحدهم.

3- لن نحتاج في هذا المقام، محاورة حوار "من التاريخ الى الحب "، التذكير بأن الأستاذ "عبدالله القروي" قد خص بـ «الوصف » الفصل الأخير من كتابه: "الأيديولوجية العربية المعاصرة ": "الرب والتعبير عن الذات " وكان أيضا نشر بأحد أعداد مجلة "أقلام " المغربية موضوعا عن "الأقصوصة "..

امتدت محاورة "العروي" في "من التاريخ الى الحب " خمس ساعات متصلة، ويظهر من التفصيص الوارد في شكل إشارة وتوضيح (ص / 9) أن إدارة الحوار تمت من جانب طرفين:

أ/طرف اعتمد كتابة الأسئلة وارسالها مباشرة، ويتعلق الأمر بالاستاذ "محمد برادة "..

ب / طرف أسهم وأنجز ورتب الأسئلة، وأقصد الأستاذ: "محمد الداهي"..

ما أريد بلوغه، هو أن محاورة "عبدالله العروي" روائيا ليست كقراءته كاتبا.. وسوف نستدل على ذلك في حينه.

وقتية " دستويفسكي الدائمة:

1- إن كل حديث عن الرواية بمثابة تطرق لجنس أدبي حديث.. وباعتباره كذلك، فإن ما يسميه مرونته.. فلا توجد مكونة أساسية ثابتة يعتمدها لانشاء كتابة روائية تامة المواصفات.. لذلك تعددت صياغات الانجاز الروائي، كما توسعت كفاءات ممارسيه، وبالتالي صعب /يصعب الذهاب الى تقويم تجربة روائية وحصرها في جوانب دون أخرى.. فكل قراءة للرواية متجددة وقوع على خيط، خيوط انفلتت في سياق التناول النقدي والتأويل الأدبي..

إن الرواية تجنح لقول عالم الحياة الواسع، وما دام الروائي، لا يمسكه في كليته (والا كانت تجربة واحدة تغني عن كثيرات )فكيف بالناقد الذي يتخيل إلا من خيال سابق، فهو خيال الروائي بالذات ؟

2- في القسم الأول من حوار أدمن التاريخ الى الحب " يركز على الرواية العالمية نشأة وتقويما.. والملاحظ في سياق تمثل وضع الرواية العالمي، امتداد الحكم الى الرواية العربية تلقيا وتداولا، الى جانب تقويم تجربة "نجيب محفوظ " الروائية.

ما يلفت النظر بالنسبة الينا - نحن العرب- كون التفكير في الرواية العالمية لا يتحقق خارج استحضار تجربتنا والعكس.. إن القياس والبحث عن العالمية بمثابة هاجسين يطمح اليهما.. ولكأن الذات لا تحقق هويتها الحقة، إلا متى اعترف الآخر بها..

يذهب الأستاذ "العروي" في حديثا من شاة الرواية العالمية وطورها، وفي سياق مناقشة  "فورستر، الى التالي:

".. يبدو لي أن الرواية بالمعنى المعاصر نشأت في انجلترا وتطورت فيها وانتقلت بعد ذلك الى بلدان أخرى.. ولكن بقيت انجلترا باستمرار، تمثل أحدى قمم الفن الروائي، فلا أدري ما هو السبب الحقيقي وراء هذا الحكم." (ص / 10من الكتاب ).

إن الحديث عن النشأة، التطور، الى حد ما الانتقال، مواصفات اختصت بها الرواية الانجليزية لكن حصر الرواية كفن، وعقمة لهذا الفن بانجلترا يغدو اقصاء لتجارب روائية عالمية في دول أخرى من هذا العالم.. ألم يتحدث "العروي" في مقام أخر من هذا الحوار عن الرواية الأمريكية بتحفظ شبه شديد هو التالي:

".. لا أحد من كتاب أمريكا الكبار، يستطيع أن يقول: كتبت الرواية الأمريكية.. لا ملفيل ولا همنجواي ولا فيتزجيرالد.. كل واحد حاول، في نطاق محدود، هذا في الشمال وهذا في الجنوب، وهذا في الشمال الشرقي، وهذا في الغرب.." (ص / 26)..

فما جيء به عن الرواية الأمريكية يحق اعتماده بخصوص الرواية العالمية ككل.. ذلك أن التجربة ليست واحدة وانما هي تجارب وممارسات الرواية في روسيا، في أمريكا اللاتينية، اليابان، ألمانيا، ألبانيا واليونان..

إن التجربة العالمية للرواية تجربة دول وأمم..بالاضافة لهذا، فإن الأثر الذي تخلفه لم تخلقه تجارب عالمية أقوى مما يحضر لدى أخرى.. كمثال إن فاعلية النص الروائي الروسي وانتقاله السريع ممثلا في "دستويفسكي" تفاوت عن الأثر الانجليزي وبشكل قوي.. فما من كاتب غربي أو عربي وحتى لا نقول قارئا لا يستحضر هذه التجربة.. تقول:" فرجينيا وولف ":

"إن أكثر الملاحظات أولية عن الرواية الانجليزية الحديثة لا تكاد تتجنب ذكر التأثير الروسي، واذا ما ذكر الروس فإن المرء يتعرض لخطر الشعور بأن الكتابة عن أي قصص آخر غير قصصهم ليس إلا مضيعه  للوقت.."(3).

إذن، قد يتعلق الأمر ببداية ويتطور، لكن ليس بتمثيل دائم، لنتأمل هذا الرأي الروائي التشيكي "ميلان كو نديرا"، بصدد تعداد شيمات الرواية العالمية والأبرز معن خاضوا فيها:

".. لقد اكتشفت الرواية، واحدة بعد أخرى، بطريققها الخاصة، ويمنطقها الخاص، مختلف جوانب الوجود: تساءلت مع معاصري سرفانتس عما هي المغامرة وبدأت مع صموئيل ريتشارد سون في فحص "ما يدور في الداخل " وفي الكشف عن الحياة السرية للمشاعر، واكتشفت، مع بلزاك تجذر الانسان في التاريخ وسبرت مع فلوبير أرضا كانت حتى ذلك الحين مجهولة هي أرض الحياة اليومية، وعكفت مع تولستوي على تدخل اللاعقلاني في القرارات وف السلوك البشري.. إنها تستقمي الزمن: اللحظة الماضية التي لا يمكن القبض عليها مع مارسيل بورمت واللحظة الحافرة التي لا يمكن القبض عليها مع جيس جريس وتستجوب مع توماس مان دور الأساطير التي تهدي وهي الآتية من أعماق الزمن، خطانا، الخ الخ..، ( 4).

3- ليست الكتابة الروائية كفاءة أدبية فقط، إنما اقتناع بما يقدم على انجازه. إذ الكفاءة وحدها، تزج بصاحبها الى رهان التحدي دون الاقتناع بما يفعل.. فلم يعد كافيا التفكير في الانجاز الروائي لمجرده، كيما يقال: إن الاسم الفلاني أصدر رواية..

الجمع بين الكفاءة والاقتناع يدعو للتفكير وضبط تصور للرواية.. وكل تصور بمثابة بحث عن "مادة " و"صيفة ".. إذا توقفنا عند المادة فقط، فإن البحث عنها يبدأ بـ:

*جمع المعلومات ومراجعة الوثائق..

أو

* مهارة الاستماع والنظر، مع اللجوء الى التدوين..

أو

*رسم تخطيطات تصاميم أولية للعمل..

أو

*كتابة مقالات ثم العودة ال التوسيع عبر جنس الرواية..

ثم وأخيرا،، التصور ثقافة للرواية وانتاج للرواية الثقافة..

لما نتحدث عن "وقتية دستويفسكي الدائمة " فإننا لا نتصدى لزمنية محدودة سرعان ما تموت بانطفاء صاحبها. ولكأن لسان الحال يموت الروائي فتدفن معه رواياته..

إن "دستويفسكي" يستمر عبر الوقت وفي الاستمرارية دليل الابداعية.. أترى يذكر "إيكو" ذكر "دستويفسكي " مستقبلا؟

يقوم الأستاذ "عبدالله القروي" التجربة الروائية  "دستويفسكي" على النحو التالي:

".. "دستويفسكي" مثلا لا شك أنه من كبار الروائيين.. لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن ؟ أنا لا أشاطر، تماما من يقول بهذا الرأي.." (ص / 11من الكتاب ).

إن نفي الابداعية الروائية اقصاء للعوامل الخارجية المتحكمة فيها، والتي تنتهي باستواء العمل واكتماله.. لكنها تظل حاضرة إذا ما اقتضى الأمر استجلاءها (كيف أنجز "صنع آلله ابراهيم " مشروع،"نجمة أغسطس " ؟).. واذا كان "العروي" حصر انتفاء الابداعية في:

1- الشفوية: (املا؟ الرواية بعد كتابتها مباشرة ).

2- مضامين الروايات هي مقالات اجتماعية أنجزت وتمت العودة اليها..

فإننا بحق نتحدث عن وضع ما قبل رواية "دستويفسكي"، وعن الظرف المحيط بها/ ولها..ذلك أنه انطلق من تصور مجاوزة الكتابة التي تمت بها كتابة الرواية آنئذ.. ولكي يكتمل التصور راهن على "المظهر الحواري"،، ممثلا في الوعي المستقل، والتعدد الشخصياتي والهوتي.. "(5).

بهذا المظهر لم يكن "دستويفسكي" يقصي كتابة روائية سابقة، وانما كان يمتد بها من أجل تطوير فن كتابة الرواية ثم يجدر الا نغفل توجيه النقد للرواية (مثلما هو وضع الرواية في المغرب  الآن )، وفق ما أشار اليه "العروي" في سياق الاجابة عن سؤال وارد في القسم الثاني من الكتاب / الحوار (ص / 30).. والتوجيه النقدي يرد ما قبل الانجاز، ثم بعده،، وثمة من يقرن ابداعية "دستويفسكي" بـ "رواية المغامرة الأوروبية " وفي هذا الاقتران تلوح أبعاد "التصنيف المنيبية ".. يقول "ميخائيل باختين ":

".. وفي الدراسات المكرسة لدستويفسكي يربطون في حالات كثيرة جدا خصائص ابداعه بخصائص رواية المغامرة الأوروبية.. وفي هذا الربط يوجد نصيب معلوم من الصدق..."(6).

لكل هذا أقول لم يكن "دستويفسكي" ليشتغل على الفكرة وحدها (مادة الرواية ) وانما كان هاجس الابداعية المضيفة حاضرا على السواء.

إذا انتقلنا الى روايات الروائي نفسه، وتحدثنا عن المحلية والعالمية بصيغة أخرى: كيف يجد "دستويفسكي" صداه فيما هو أبعد من بلده.. أقول مما تحدث عنه ؟

يرد في سياق محاورة الأستاذ "عبدالله العروي" التالي:

".. كيف نفسر أن هذه الأمور خاصة بروسيا، ومع ذلك يتفهمها القاري؟ بالمغرب وأوروبا والصين وامريكا اللاتينية ؟ أظن، وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة بالذات ليست نقطة خاصة بووسيا وانما هنا يكمن الابداع هذه النقطة نجد ما يشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى.. " (ص / 13من الكتاب ).

ليست المحلية في الابداعات القمة، سوى الطريق الى العالمية.. والروائي الذي ينشغل بـ "مادة الرواية "، يفكر فيما تكاد الشعوب تشترك فيه.. فتصوير الذل الاجتماعي، المهانات التي تتعرض لها الشعوب، والفقر بقطاعات واسعة في / من المجتمع الى جانب الحقارة والاستعباد، قضايا حيثما عبر عنها أصابت أهدافها.

إن محنة الشعوب في / وعلى تأكيد الحضور: الهوية والحرية،محنة مشتركة.. وكلما طالها الابداع إلا ووجدت صداها.. لكأن متلقي الرواية المقتنع بها واحد، الرواية المنجزة من لدن الروائي الذي راكم قراءات متباينة في حقول أدبية، فكرية وفلسفية (الا يستمد ابداع القروي أهميته من قضايا وهموم عربية وغيرها مشتركة، دون أن نسوي بين الفكر والوصف؟).

اختتم مناقشة القسم الأول بما يلي:

".. يجب التذكير بأن كبار الروائيين كانوا كلهم ذوي ثقافة موسوعية.. بلزاك كان يعرف كل شيء عن العلم والفلسفة والقانون واللغة.. الخ.." (ص /27. من الكتاب ).

صخرة "نجيب محفوظ"

1- في القسم الثاني من الكتاب / الحوار، والموسوم بـ "ملاحظات عن التجربة الروائية العربية " يتصدى للحديث عن هذه التجربة انطلاقا من مجالات تداولها، ثم من العلامة المؤسسة لها، وأرمي الى "نجيب محفوظ ".. علما بأن الرأي في هذا الأخير شبه موزع وعلى امتداد الأقسام الثلاثة، الى حضوره في "الأيديولوجية العربية المعاصرة "، وفي حوارات أخرى سبق وأجريت ضمن مجالات مختلفة..

2- إن أي حديث عن التداول، يرد في سياق "سوسيولوجيا الأدب "، ويفرض تأسيس تصور عن صناعة تخضع لشروط تاريخية وسياسية واجتماعية أدبية.. هذه البنى في تداخلها هي ما يحقق أعلى مستويات التلقي: منتج مستهلك أو قاريء عمل أدبي.. يرى الأستاذ "عبدالله العروي":

".. أقول فقط إن الكاتب العربي يمكنه أن يستغني عن هذه الأسئلة لسبب واحد أنه لا يملك جمهورا.. على أي حال، باستثناء بعض النقط كالقاهرة لأسباب تاريخية معروفة التي تعطي للكاتب جمهورا مهيأ لقراءته في حدود، فلا نجد في العالم العربي، جمهورا بالمعنى الواسع، الذي يمكن للكاتب أن يقول إنه يكتب للجمهور الفلاني" (ص /18 من الكتاب ).

يرد الجواب السابق ضمن الحديث عن الوظيفة: وظيفة الرواية.. وهي المرتبطة بمجال التداول..لكن،، وعلى امتداد تاريخ الرواية العالمي والعربي، لا يتوقع لجنس الرواية وظيفة المواجهة والتغيير فهذا متروك لجنس الشعر بالأساس.. فالرواية تستهلك بين قاريء وكتاب، وحتى إذا امتد الأمر الى النقاش أو التحويل الى شريط سينمائي، أو نص مسرحي، فالوظيفة تبقى محدودة.. لكن التوقف عند مسألة التداول، يدعو الى التفكير بعمق.. فحين نضرب المثال بالقاهرة يجدر الا نقص مثلا دمشق وبيروت.. فالعوامل التاريخية متحكمة أصلا في ازدهار الرواية، وفي وجود القاريء لها داخل العواصم السالفة الذكر.. لما نتحدث عن "نجيب محفوظ " نستحضر "حنا مينه "، "هاني الراهب " وقبلهما "عبدالسلام العجيل " وأيضا "عبدالرحمن منيف " الذي جاء عن طريق "بيروت ".. هذا الى جانب "توفيق يوسف عواد" و" يوسف حبشي الأشقر".

بعيدا عن الشرط التاريخي، فتمثل الاجتماعي والأدبي، ونقف عند تونس.. ويحق القول بأن وضع الرواية تداولا وتلقيا في تونس يجاوز الحالة في المغرب.. فالرواية لا تتداول ما لم تخلق لذلك بنيات وفي اعتقادي فإن الاعداد النفسي والاجتماعي يتأسس بالافصاح عن أهمية وقيمة جنس هو الرواية.. مثل هذا الاعداد تجلوه وترسم خططه المقررات التعليمية الى جانب دعم النشر وتقويته.. الدعم الذي لا يدفع الى ذيوع الابداع المحلي فقط، نحو ما كتب "الدوعاجي" و "المسعدي" و" خريف " بل توسيع الدائرة الى العربي وهو ما نزعت اليه "سلسلة عيون المعاصرة " التي عملت على اعادة طبع أهم الروايات العربية، لأهم الأسماء: "نجيب محفوظ "، "الطيب صالح "، "عبدالرحمن منيف "، "حنا مينه "، "أميل حبيبي"، "جمال الغيطاني " وغيرهم..

لقد استطاع الروائي في تونس خلق جمهور داخل تونس وخارجها.. كما أنه من عاصمة هي تونس، تمكن الكاتب العربي الوصول الى أكثر من قاريء داخل رقعة المغرب العربي.. لا أريد الحديث عن / وفي الوضع السياسي، وبالرغم أقول بأن نزعات الاستبداد واحدة.. لكن الفرق يكمن في توجهين: توجه التنمية الثقافية، وثمة تستعاد صورة المثقف والكاتب، وتوجه التحديث الأعمى، حيث تصبح القراءة وانتاج المعرفة وترويجها عناصر لا علاقة لها بالتنمية.. لذلك فان مشكلة القراءة الجمهور، التداول في أكثر من قطر عربي، مشكلة جذورها الأساسية تكمن في السياسي بمظاهره المتباينة والمختلفة.. والا فكيف نفسر قوة الصدى الذي تخلفه كتابات أكثر من مبدع عربي: من "حنا مينه " الى "محمد زفزاف " ومن "عبدالرحمن منيف "، "ادوار الخراط " الى "واسيني الأعرج "، وغير هؤلاء معن تعددت طبعات كتبهم ؟

2- أشرت سلفا الى كون الرأي في تجربة "نجيب محفوظ " يتوزع على امتداد أقسام الكتاب / الحوار.. وبقار ما يرتبط بالشكل، صيغة انتاج الجمال الروائي، يمتد الى تقويم مضمون واياتي "محفوظ " ككل.. لنتأمل التالي.

".. فهذا الحس بالجمال لا أجده عند نجيب محفوظ..،(ص 15من الكتاب ) ".. فنجيب محفوظ لا يعير، لحد الآن، أية فمية الى الوسيلة اللغوية." (ص 32. نفسا) ".. ومع ذلك، في نظري لا يحس نجيب محفوظ بالشفة زيادة على أشياء أخرى.جائزة نوبل لا تغير شيئا.." (ص /33.

نفسه ). " خيبتي مع مذا الروائي هو أنا لم يكشف لنا عن مستوى العقدة المصرية.."(ص 45).

لو أن الأستاذ "العروي" وضع مكان "نجيب محفوظ " خصوص التأسيس للرواية،وطولب بالتالي الحكم على تجربته لروائية، فما أعتقد الرأي يختلف.. ذلك أن تجربة الروائي لواحد تثير من النقد (الكثير هذه الاثارة بيان لتفاوت في درجة لحكم والتقويم.. التباين ذاته الذي يمكن أن يسم انتاج لروائي.. لكن لما.. يصدر الحكم عن روائي ومفكر هو "عبدالله العروي"، ويكون القاريء خبر ابداع "نجيب محفوظ "، كما نقى سيلا من الكتابات النقدية عنه وفي كتاباته، فإن الأمر يتطلب تفكيرا.

لنقل بداية إن الأحكام السابقة يعوزها الدليل، والمطلوب قامته كيما يستقيم الرأي ويتأكد.. إذا ما أضفنا لهذا كون لأستاذ "العروي" يسكت عن "أشياء أخرى" كان بإمكانه لفصل التفصيل فيها.

يبلغ الكم الروائي _ "محفوظ ": 37 رواية.. إذا ما أضفنا ليها "أصداء السيرة الذاتية " نكون أمام 38 نصا روائيا، ستهلت  "عبث الأقدار" (1938) دون أن اجرؤ على القول فتهت سر««أصداء السيرة الذاتية " (1996).. لذلك فالحكم على نجربة "نجيب محفوظ " الروائية، لا يرتبط بمرحلة معينة من مراحل انتاجه الابداعي، إذ ما ألمحنا لكونه يمثل مراحل متباينة، مختلفة باختلاف التطور الذي جسدته الرواية العالمية.. فمصدر التباين أصلا مواكبته للزمن قطعه الشكل الروائي، للتحولات التي خضع لها المجتمع العربي، تلك التي يتحكم فيها من خارج وليس من داخل.. أقول: إن أثار الغرب في / وعلى التبالات الاجتماعية العربية وعلى غيرها واضح.. في "نجيب محفوظ " كان في رواياته أكثر من واحد، من روائي، وليس سهلا تأسيس جهد من هذا القبيل.. على أن الذين جنحوا لتقليد مساره عملوا على التكرار إن لم أقل النسخ..

في حكم دال على هذه التجربة قال الناقد السوري "جورج طرابيشي ":

".. وأعمال نجيب محفوظ ينطبق عليها بشكل خاص "قانون التطور المتفاوت والمركب ".. فقد بدأ بالرواية التاريخية في "كفاح طيبة "، و"رادوبيس " وعيرهما، وانتقل ال الرواية الواقعية متوجا ذلك ب "الثلاثية "، ثم بدأ انطلاقا من "اللص والكلاب " يطور أشكالا أخرى، وصولا الى توظيف التراث في الرواية وهو سباق الى هذا بخلاف ما يزعم،، إذ جميع ما حققته الرواية الغربية خلال قرون استطاع روائي عربي واحد أن  يصل اليه خلال سنوات من حياته الخاصه.."(7)

إن "محفوظ " في ابداعه كليا، رأي ال المجتمع العربي في مسار نهضته وكبوته، رأى اليه من خلال مصر التاريخ والفكر، أكاد أقول من خلال موقع قد لا يصله مستقبلا وفي ظل الظروف الواهنة، أي مجتمع عربي آخر.. لذلك فعقدته هي عقدة التقدم، الاصلاح، ونقد المجتمع.

أختتم هذا الجانب بالقول، إن الرأي في "نجيب محفوظ " وبالأخص ضمن الثقاب / الحوار، انطبع بنوع من الاستعجال، كما افتقد الشاهد والدليل.. يذهب "جابر عصفور" الى القول:

".. وعلى رغم هجومه المتعجل، غير المنصف على روايات نجيب محفوظ، فان كلماته عن علاقة الرواية بالمدينة ظلت مقنعة مؤثرة .." (8)

4- أبدأ من حيث انتهيت: هل إن ما كتبه "محفوظ " لا يمثل للرواية في المجتمع العربي؟ بمعنى آخر: هل تخلو المجتمعات العربية مما يمكن أن يكون حقا "مادة " للكتابة الروائية:؟ وهو ما قد يدفع للتساؤل: كيف استطاع "عبدالله العروي" تصيد "مادة الرواية " وتحويلها الى "مادة "

للرواية ؟ أعتقد الفصل في "مادة " الرواية أمر غير ممكن.. ذلك أن التحكم فيما سنقدم على كتابته، يرتبط بنوعية الوعي لدى الروائي: الوعي السياسي والفكري والاجتماعي.. فمن الروايات التي استقت عادتها من "الذهني" مباشرة، فجاءت فكرية خالصة والتي ترهن أسئلتها بالاجتماعي في البحث عن "الواقعية "، وقد يتداخل الاتجاهان معا.. والأصل أن المجتمعات العربية تطفح بأكثر من موضوع،ومادة للكتابة.. ذلك أن ما نعيشه من ظروف سياسية متر دية وواقع اجتماعي فكري وتربوي متخلف، يسهم في انتاج أكثر من مادة،ومن رواية.. ولنتأمل وضع أمريكا اللاتينية، وكيف ازدهرت داخله وخارجه الرواية.. إن "السيد الرئيس " لـ

"استورياس " صورة من / وعن هذا المجتمع با