رسالة من علم 1920


نص: إيفواندريش
ترجمة:زهير خوري


شهر آذار/مارس عام 1920.. محطة القطار في سلافونسكي برود. انتصف الليل قبل قليل وهبت ريح هوجاء، بدت للمنهكين من قلة النوم وعناء السفر، أبرد وأشد مما هي عليه . وفي الأعلى ، كانت النجوم تنبجس خلسة من بين الغيوم الطائشة . وفي البعد، كانت الأضواء الصفراء والحمراء تتناوب في حركة مستمرة بين الأرصفة ، يرافقها صفير حاد تطلقه صفارات ناظري المحطة ، وأخر ممدود تطلقه القاطرات ، ونضفي عليه نحن_المسافرين ، كآبة الارهاق وقنوط الانتظار الطويل اليائس .

كنا جالسين على حقائبنا بجانب الرصيف الأول ، ننتظر القطار الذي لا نعلم متى يصل ولا متى يغادر.. لكننا نعلم مسبقا بأنه سيكون مكتظا بالمسافرين وأمتعتهم .

إن الشخص الجالس الى جانبي وهو صديق قديم لم أره منذ خمس سنوات أو ست ، اسمه ماكس لفنفلد ، طبيب ابن طبيب ، ولد في سراييفو وترعرع فيها. كان أبوه قد غادر فيينا، طبيبا شابا، وقصد سراييفو وبقي فيها، وزاول مهنته وذاع ميته . أما أمه ، فهي من تويستا، ابنة بارونة ايطالية وأب ضابط في البحرية النمساوية ، سليل أسرة فرنسية مهاجرة . إن الجيلين الأخيرين في سراييفو يحتفظان بذكرى قد تلك المرأة الممشوق ومشيتها الرشيقة وملبسها النفيس . لقد كان جمالها من ذلك النوع الذي ينظر اليه بكل احترام وحياء، حتى من قبل أصفق الناس وأجلفهم وهم في العادة عديمو الاحترام والحياء.

جمعتني به ثانوية سراييفو، وكان يتقدمني بثلاثة صفوف . ولهذا الفارق أهمية كبيرة بالنسبة لتلك السن .

أتذكر بغير وضوح ، أنني لحظته فور دخولي الثانوية ، وكان قد ترفع الى الصف الرابع ، وما يزال يرتدي ملابس ولادية . صبي قوي البنية ، ألماني القسمات يرتدي "بحرية " زرقاء داكنة ياقتها العريضة تتدلى على الكتفين وتزين زاويتيها مرساتان مطرزتان وسروال قصير، وحذاء أسود بغاية الاناقة ، وجوربين أبيضين قصيرين .وكانت ساقاه ممتلئتين قوة ، يغطيهما زغب أشقر.

حينها ، لم يكن بيننا تماس مبامشر وما كتب له أن يكون . فكل شي ء كان يباعد ما بيننا؟ العمر ، المظهر، العادات ، مكانة الأهل الاجتماعية ، الفنى والفقر..

لكنني أتذكره بمزيد من الوضوح ، في مرحلة لاحقة ، عندما كنت في الصف الخامس ، وكان هو في الصف الثامن . حينها كان قد صار شابا طويل القامة ، عريض المنكبين . كانت عيناه الزرقاوان تنمان عن حساسية مفرطة وروح حيوية ، وكان حسن اللباس ولكن دون تكلف ، وشعره الاشقر الغزير يتدلى خملا لا تستقر في وضع معين فهي تارة على الجانب الأيمن من وجهه ، وتارة أخرى على جانبه الأيسر.

التقينا أثناء نقاش دار بين رفاقنا من الصفوف العليا، وكنا متملقين حول مقعد في حديقة عامة . لقد كانت مناقشاتنا تتخطى جميع الحدود وكل الاعتبارات وتقلب المفاهيم . وكانت العبارات الحماسية تهدم مروح الفكر من أساساتها. وما إن تنتهي المناقشة حتى يعود كل شي ء الى موضعه ،غير أن العبارات الحماسية هذه كانت لها أهميتها بالنسبة لنا وبالنسبة للمصير الذي ينتظرنا، كأنها إيذان بأعمال جسام وكفاح مرير وتيه طويل أمامنا.

ذات مرة ، رافقني ماكس في طريق عودتي الى منزلي بعد انفضاض أحدى تلك المناقشات ، وكنت حينها أرتعش من شدة الانفعال ونشوة النصر (بنفس الحمية التي أظهرها خصمي في المناقشة ). وكانت هي المرة الأولى التي بقينا فيها وحدنا. لقد أطراني ذلك وأجج نشوة انتصاري وضاعف اعتزاري بنفسي وبدأ ماكس يستفسر عما أقرأ من كتب ، وهو يتفحصني بنظرته وكأنه يراني لأول مرة أجبته وعلائم الاضطراب بادية علي . فتوقف وحدق في عيني وقال بلهجة هادئة غريبة : 
- إنك لم تقتبس بأمانة ارنست هيكل .

شعرت بالخجل ، وخيل لي أن الأرض تنزلق تحت قدمي ثم تعود الى مكانها. فيقينا أن اقتباسي لم يكن أمينا. لقد قرأته في كراس رخيص ، ولم أنقله بأمانة ، والأرجح أن ترجمته رديئة . وتحول شعوري بالنصر الى تأنيب ضمير وشعور بالخجل . رمقني بعينيه الزرقاوين بنظرة خالية من الشفقة ، ولكن دون أي أثر للمكر أو الشعور بالتفوق ، وكرر اقتباسي التعيس بشكله الصحيح . ولما اقتربنا من بيته الجميل على ضفة نهر ميلياتسكا، ضغط بقوة على يدي، ودعاني لزيارته بعد ظهر الغد ليريني كتبه.

يا لها من متعة حقا! لقد رأيت لأول مرة في حياتي، مكتبة حقيقية ، ورأيت فيها مصيري: عدد هائل من الكتب الالمانية وقليل من الكتب الايطالية والفرنسية تخص والاته . لقد أخذ ماكس يريني ذلك كله . بهدوء حسدته عليه ، أكثر من حسدي على كتبه ، لا، لم يكن ذلك حسدا،بل شعورا برضا لا متناه ورغبة جامحة في أن أحوال ، يوما ما، في عالم الكتب التي تشع بالنور والدف ء. وأخذ يتكلم بطلاقة وكأنه يقرأ في كتاب ، وراح يجول ، دون تباه في عالم الاسماء الشهيرة اللامعة والأفكار العظيمة ، بينما كنت أنا أرتعش من الاضطراب ، خجلا من هؤلاء العظام الذين أدخل بينهم ، خائفا من العالم الذي تركته في الخارج والذي لابد من أن أعود اليه .

تكررت زيارات الأصيل لرفيقي الأكبر مني سنا، بل وأخذت تتقارب . وسرعان ما أتقنت الألمانية وبدأت أقرأ الكتب الايطالية . كنت أحمل معي الى منزلي الفقير، الكتب الأجنبية الفاخرة التجليد، فأهملت المواد الدراسية وتخلفت في الدراسة . إن كل ما قرأت قد بدا لي حقيقة مقدسة وواجبا ساميا لا أستطيع التحرر منه ، فيما إذا كنت أحرص على كرامتي وايماني بنفسي ، وكنت أوقن بأن على أن أقرأ كل ما يتاح لي من كتب ، وأن أكتب مثلها أو ما هو شبيه بها. وقد استعبدتني هذه الفكرة طيلة حياتي.

ذات يوم من أيام أيار/مايو، ( كان ماكس يستعد لامتحان الثانوية النهائي، من غير انفعال أو جهد ملحوظ ) قادني الى خزانة للكتب ، صغيرة ، منعزلة في ركن كتب عليها بحروف ذهبية ؟ طبعة "هليوس " المتازة ، وأتذكر أنه قال ، بأن الخزانة قد أشتريت سوية مع الكتب . لقد بدت لي الخزانة شيئا مقدسا ، يشع النور من خشبها أخرج ماكس مجلدا لجوته ، وأخذ يقرأ قصيدة برومثيوس ، بصوت ما ألفته عنده من قبل . ويكتشف المستمع على الفور، أن ماكس كان قد قرأ هذه القصيدة عددا من المرات لا يحصى:

احجب سماءك يازفس،
بظلمات السحاب،
وامتحن قواك على السنديان والجبال!
ولكن ،عليك أن تدع لي
أرضي،
وكوخي الذي لم تبنه أنت لي ،
ومأواي الذي تحسدني
على لهب موقده!

وفي النهاية ، أخذ يضرب بقبضة يده ، ضربات قوية موزونة ، على ذراع المقعد الذي كان يجلس عليه ، وكان شعره يتدلى على جانبي وجهه المتورد:

ها أن حيث أجلس،
أخلق بشرا على صورتي
نسلا كفوءا لي
يكابد ويبكي ،
ينعم ويفرح ،
ولا يلتفت إليك
مثلي أنا !

لم أره من قبل على هذه الصورة فكنت أصغي اليه بإعجاب وببعض الخوف. ثم خرجنا ال الشارع وواصلنا في النسق الدافيء، حديثنا عن القصيدة . رافقني حتى شارعي المنحدر، ثم رجعنا ثانية حتى ضفة النهر، وعاودنا ذلك مرات عديدة . هبط الليل وقل عدد المدرة في الشارع ، ونحن نذرع الطريق جيئة وذهابا ونتحدث عن مغزى الحياة وأصل الآلهة والبشر. أتذكر جيدا لحظة بعينها حين وصلنا أول مرة ، الى زقاقي الوعر، وتوقفنا عند سياج رمادي مائل .. أتذكر أن ماكس مد يده اليسرى أمامه وقال لي بدف ء كأنه يأتمنني على سر من أسراره :

- إنني ملحد.

كانت أزهار البيلسار تتدلى بكثافة على حواف السياج المائل ، ناشرة عبيرها القوي الذي يشبه ، في نظري رائحة الحياة ذاتها، وكانت الأمسية مهيبة هدوء من حولنا، وسماء من فوقنا مرصعة بنجوم ، بدت لي ، جديدة . ولشدة انفعالي لم أستطع أن أتفوه بحرف . غير أنني شعرت بأن شيئا هاما قد حدث بيني وبينه ، وأن لا يمكن لنا أن نفترق ببساطة ، ليذهب كل الى بيته . وهكذا بقينا نتمشى حتى ساعة متأخرة من الليل .

انفصل أحدنا عن الآخر حينما أنهى ماكس الثانوية وسافر الى فيينا لدراسة الطب . تراسلنا لفترة قصيرة ثم صمت كلانا . ولما كنا نلتقي أثناء العطل الدراسية ، كانت لقاءاتنا خالية من الود الذي ألفته من قبل ، ثم جاءت الحرب ، ففرقت بيننا تماما.

والآن وبعد مضي بضع سنين ، هانحن نلتقي في هذه المحطة القبيحة المنفرة لقد انطلقنا من سراييفو بنفس القطار ولم نكن ندري بذلك الى أن التقينا هنا بمحض الصدفة بانتظار قطار بلغراد الذي لا نعرف متى يصل !

حكى كل منا للآخر، ببضع كلمات ، كيف قضى فترة الحرب . فماكس كان قد أنهى دراسته في العام الأول للحرب ، والتحق بالخدمة في الأفواج البوسنية ، متنقلا على طول الجبهة النمساوية كلها. توفي أبوه أثناء الحرب ، إثر اصابته بالتيفوس ، فغادرت أمه سراييفو الى تويستا حيث تعيش مع ذويها. أما هو، فقد قضى الشهور القليلة الماضية في سراييفو، لتصفية أموره . فبعد أن حصل على موافقة أمه باع دار أبيه على ضفة ميلياتسكا، وقسما كبيرا، من أثاثها. وها هو الآن قاصد تويستا ومنها الى الأرجنتين ، أو ربما الى بوليفيا. لم يتكلم فواحة عن نوديا ، غير أنه عازم على مغادرة أوروبا الى الأبد.

لقد ازداد ماكس ضخامة واخشوشن . وكانت ملابسه أشبه بملابس ، مقاول ، وتمكنت من خلال الظلام ، أن أتبين رأسه الضخم بشعره الاشقر الغزير. إن صوته قد ازداد عمقا ورجولة ، وأن لهجته لهجة أهالي سراييفو، قد تغيرت أيضا: فلقد باتت الأحرف الساكنة أكثر لينا ، وحروف العلة أطول مدا.

مازال ماكس ، حتى الآن يتكلم بطلاقة كأنه يقرأ وكثيرا ما يستخدم مصطلحات غير مألوفة وتعابير كتبية وعلمية . ولقد كان ذلك ، كل ما تبقى من ماكس الذي كنت أعرفه . فلا ذكر للشعر والكتب (لم يعد أحد يذكر برومثيوس ). تكلم أولا عن الحرب عموما، بمرارة شديدة ، لاحت في الصوت أكثر منها في الكلمات .. مرارة لا يتوقع بأنها سوف تجد من يفهمها. (لم يكن في هذه الحرب الكبرى، حسب وجهة نظره ، جبهات متهادية ، لأنها اختلطت وانصبت احداها في الأخرى وانصهرت كليا. لقد أعمت النكبة الشاملة بصره ، وشلت لديه القدرة على تفهم الأمور الأخرى.) أذكر أنني صعقت لما قال أنه يهنيء المنتصرين ، لكنه يرثي لحالهم ، لأن المهزومين هم على بينة من أمرهم ويعرفون ما عليهم فعله ، أما المنتصرون فلا يدرون بما هو آت . كان يتكلم بنبرة لاذعة وبلهجة انسان قانط ، انسان مني بخسارة فادحة ، فيحق له أن يقول ما يشاء، وهو على علم مسبق بأن أحدا لا يستطيع إيذاءه ولا ساعدته في سحنته ، فلشد ما ازداد بعد هذه الحرب الكبرى، عدد الحقودين بين المثقفين ، وحقدهم هو من نوح خاص ، حقد ينصب على أمور غير محددة . إن هؤلاء لم يكونوا قادرين على قبول الواقع وعلى التكيف معه ، ولا على اتخاذ قرار معاكس . لقد بدا لي ماكس في تلك اللحظة ، واحدا منهم .

وسرعان ما تعثر حديثنا، لأن أحدا منا ما كان يرغب في أن يتشاحن مع الآخر، أثناء هذا اللقاء السريع ، بعد غياب طويل . لذلك أخذنا نتحدث عن أمور أخرى، وبالاحري كان هو الذي يتحدث . كان يتكلم كعادته ، بعبارات منتقدة ويجمل معقدة كانسان يقضي جل وقته مع الكتب ، وقليله مع الناس ، فلا يحوم حول الموضوع ولا ينمق فكأنه يقرأ عليك من مرجع طبي اعراض مرض ما.

قدمت اليه سيجارة فرفض بنزق وتقزز. وبينما كنت أشعل سيجارة من أخرى، كان هو يتكلم بتكلف ، كأنه يكتشف معاني أفكار أخرى أكثر غموضا:

- ها نحن أمسكنا بقبضة الباب المؤدي الى عالم كبير. إننا نغادر البوسنة ، أنا بغير رجعة ، أما أنت فسوف تعود .

- من يدري تساءلت وأنا مستغرق في التفكير، يستحثني غرور الشباب الذين يرون قدرهم في أقصى البقاع وعلى دروب غريبة . لكن صاحبي أجاب اجابة الواثق كأنه يشخص مرضا ما:

- كلا إنك عائد، لا محالة ! أما أنا فسوف تلازمني ذكريات البوسنة طيلة حياتي، مثل مرض بوسني، لا أدري مسببه الحقيقي .. هل لأنني ولدت في البوسنة وترعرعت فيها، أم لأنني لن أعود اليها أبدا؟ الأمر سيان في

النهاية .

ففي مكان غير عادي ، وفي وقت غير عادي ، يصبح الحديث غير عادي أيضا، ويقترب من حديث يجري في المنام . نظرت بطرف عيني الى وجهه المظلل الضخم المتشنج ، وجه رفيقي الجالس بجانبي، وفكرت ، فما وجدت إلا شبها ضئيلا بينه وبين ذلك الشاب الذي كان يضرب بقبضة يده وهو ينشد : "احجب سماءك يا زفس .." ثم فكرت بما سيحل بنا إذا ما استمرت الحياة تبدلنا من جذورنا بمثل هذه السرعة ، فتصورت أن التبالات التي تطرأ علي ، هي وحدها التبالات الحسنة والصحيحة . وبينما كنت أفكر في ذلك طه ، تنبهت فجأة الى رفيقي الذي كان قد عاود الكلام ، فتخلصت من أفكاري وأصغيت اليه بكل انتباه ، حتى ما عدت أسمع ضوضاء المحطة .. كنت لا أسمع غير صوته يترجع في هذه الليلة العاصفة :

- نعم لقد كنت أعتقد فعلا، دهرا طويلا، بأنني سأمضي حياتي، مثل أبي، في علاج أطفال سراييفو، وبأنني سأترك عظامي ، مثله أيضا ، في مقبرة كوشيفو. لكن ما شاهدته وعشته أثناء خدمتي في الأفواج البو سنية ، أيام الحرب جعلني أتردد. وبعد أن سرحت الصيف الماضي ، فأمضيت شهورا ثلاثة في سراييفو ، تبين لي بأني لن استطيع البقاء والعيش هنا. كما أن مجرد التفكير بأن أعيش في فيينا أو تويستا، أو في أي مدينة نمساوية أخرى، يثير في القرف ،، القرف حتى درجة التقيؤ لهذا السبب ، بدأت أفكر بأمريكا الجنوبية .

فسألته دون مراعاة لمشاعره بالطريقة التي تعود عليها أبناء جيلي في طرح أسئلتهم :

- هل يمكن معرفة سبب هروبك من البوسنة ؟

- يمكن معرفته . لكن ليس من السهل ابداؤه ، هكذا بشكل عابر .. في محطة .. وبا يجاز. ولكن إن كنت مضطرا لأن ألخص بكلمة واحدة ما يدعوني على ترك البوسنة ، لقلت : الكراهية .

نهض ماكس فجأة كأنه اصطدام أثناء كلامه ، بحاجز غير مرئي. وعدت بدوري الى واقع الليلة الباردة في محطة سلافونسكي برود. كانت الريح قد ازدادت شدة وبرودة ، وكانت الأضواء تنبجس من البعيد وتومض والقاطرات الصغيرة تصفر. غابت السماء ونجومها، وحل مكانها ضباب ودخان .. غطاء يليق بهذه الأرض المنبسطة التي يغوص الانسان في تربتها السوداء الخصبة حتى عينيه .

تأججت بداخلي ، رغبة جامحة لدحض ادعاءاته ، مع أن هذه الادعاءات لم تكن واضحة بالنسبة لي كل الوضوح ولا مفهومة كل الفهم . صمتنا في حالة من الارتباك . صمت ثقيل الوطأة ، يلفنا في الليل البارد، بانتظار مبادرة مني أو منه لكسر طوقه .

في تلك اللحظة ، سمع هدير القطار السريع ، آت من بعيد، ثم صغيره الممدود المكتوم ، كأنه آت من مجرى تحت الأرض . وفجأة دبت الحياة في المحطة . مشات من البشر ينهضون من خلال الظلام ، ويتدافعون لملاقاة القطار. وثبنا نحن الاثنين أيضا، وانضممنا الى هذا السيل الذي جرفنا وباعد ما بيننا، حتى اني كنت مضطرا للصراخ بأعلى صوتي، لأعطي ماكس عنواني في بلغراد.

بعد حوالي عشرين يوما، تلقيت مغلفا سميكا لم استطع معرفة مرسله قبل فضا لقد كتب لي ماكس ، رسالة من تويستا، باللغة الألمانية :

"العزيز ، صديقي القديم "،

حينما التقينا بالصدفة ، في سلافونسكي برود، كان الحديث الذي جرى بيننا، مفككا ومرهقا. وحتى لو كان ظرف اللقاء أفضل وأطول مدة ، لما كان لنا أن نتفاهم ، أو نجلي الأمور كلها. فلقاؤنا غير المتوقع وافتراقنا على نحو مفاجيء قد حالا ، حيلولة تامة دون ذلك .

إنني أتهيأ لمغادرة تريستا ، وسوف أذهب الى باريس ، ولي فيها أقارب من طرف أمي. فإن سمح لي ، كوني أجنبيا، بمزاولة مهنة الطب ، فسوف أبقى في باريس ، وإلا ، سأذهب فعلا الى أمريكا الجنوبية .

لا أعتقد أن هذه المواقف اللامترابطة التي أسجلها الأن على وجه السرعة يمكنها توضيح الأمر توضيحا كاملا،وتبرير "هروبي" من البوسنة في نظرك . ولكن رغم ذلك ، سوف أرسلها اليك لشعوري بأني مدين لك برد. واذ

أتذكر أيام المدرسة ، فإني أحرص على أن لا تسي ء فهمي، فتعتبرني مجرد "شفابا"(1)، يهوى "حزم الحقائب " ، ويغادر ببساطة ، البلد الذي ولد فيه .. يغادره في لحظة بدء الحياة الحرة فيه ، وفي ظرف يتطلب حشد جميع الطاقات .

لانتقل فورا ، الى صلب الموضوع . إن البوسنة بلد رائع ، ممتع . وهي ليست بلدا عاديا، لا من حيث طبيعتها ولا من حيث أناسها ، وكما أن جوفها يخبي، كنوزا من الخامات ، كذلك فإن انسانها ينطوي، من غير شك ، على قيم أخلاقية جمة ، يندر وجودها لدى أشقائه في البلدان اليوغسلافية الأخرى.

ولكن ، ثم مسألة ، يجب على البوسنيين ، إن لم يكن جميعهم ، فعلى الأقل الذين من صنفك ، أن يدر كوها والا تغيب عن بالهم قط : أن البوسنة هي بلد الكراهية والرعب . ولكن ، لندع الرعب جانبا، لأن الرعب ملازم للكراهية ،وهو صداها الطبيعي، ولنتكلم عن الكراهية .نعم عن الكراهية . إنك ترتعش وتثور عند سماعك هذه الكلمة (لقد لاحظتك تلك الليلة في المحطة )، ويرفض كل منكم سماعها وفهمها وادراكها. وهنا تكمن المشكة . إذ لابد من ادراك هذه الظاهرة وتحديد معالمها وتحليلها . وفيها أساس البلية : إذ لا أحد يريد ذلك ولا يستطيع ذلك . وهنا تكمن خاصيتها القاتلة : حيث إن الانسان البوسني لا يعي بأن الكراهية تعيش في داخله ، فهو يشمئز حتى من فكرة تحليلها، بل ويكره كل من يحاول ذلك . ومع هذا ، ثمة حقيقة ، لابد من ذكرها: إن في البوسنة والهرسك ، من هو على استعداد لأن يقتل أو يقتل ، في شتى المناسبات ، مدفوعا بكراهية باطنية ، متذرعا بأسباب مختلفة ، وأن عدد هؤلاء هو أكبر من عددهم في أي بلد سلافي أو غير سلافي آخر، يفوق بلدهم مساحة وتعدادا في السكان .

إنني أعرف أن للكراهية ، كما للغضب وظيفة في تطور المجتمع ، ذلك أن الكراهية تولد العزيمة ، وأن الغضب يحفز الحركة . فثمة ظواهر قديمة ، عميقة الجذور، كما هو الحال مع الظلم وسوء المعاملة ، لا يمكن استئصالها وجرفها إلا بعواصف من الكراهية والغضب . وحين تهدأ هذه العواصف وتتلاشى ، يتوافر المناخ لممارسة الحرية ، ولحياة أفضل . ولئن كان المعاصرون يعرفون أكثر من غيرهم ، الكراهية والغضب على حقيقتهما ، لكونهم يعانون منهما، فإن الأجيال القادمة لن ترى سوى شمار العزيمة والحركة . إنني ملم بذلك كل الالمام . غير أن ما شاهدته في البوسنة ، قضية مغايرة . انها كراهية من نمط أخر، لا علاقة لها بالتطور الاجتماعي ولا بمرحلة حتمية من مراحل التاريخ ، وانما هي تصول وتجول كقوة لها كيانها المستقل ، تجد غديتها في ذاتها.. كراهية تحرض انسانا على أخيه ، ثم تلفظهما معا الى البؤس والتعاسة ، أو تدفنهما معا تحت التراب .. كراهية أشبه بالسرطان في جسم الكائن الحي، تنهش وتهلك كل ما حولها، وفي النهاية تفني حتى نفسها، لأنها كاللهب ، لا صورة لها دائمة ، ولا حياة خاصة بها.. إنها مجرد أداة لنزعة الافناء أو التدمير الذاتي. فلا وجود لها إلا بهذه الصفة ووجودها يستمر الى أن تنجز مهمتها، الا وهي الافناء الكامل.

نعم ؛ إن البوسنة هي بلد الكراهية . هذه هي البوسنة . وقلة هي البلدان التي تتميز بهذا التباين العجيب (وهو في الحقيقة ليس عجيبا، اذ يمكن تفسيره بسهولة ، باجراء تحليل دقيق ) بين هذا الكم من المعتقدات الراسخة والخلق المتين ، والحب المتقد، والمشاعر العميقة ، والاخلاص المتفاني ، والتعطش للعدالة وبين ما يختبيء تحت ذلك كله ، في الأعماق اللاشفافة ، من عواصف وأعاصير من الكراهية المكتومة والمكبوتة ، التي تنمو ، وتينع ، حتى يحين ميعادها. إن بين حبكم وكراهيتكم ، هي نفس النسبة الكائنة بين جبالكم الشاهقة والترسبات الجيولوجية الدفينة التي ترقد عليها ، وهي أكبر من تلك الجبال ألف مرة . وكما ترى، لقد حكم عليكم ، بأن تعيشوا على طبقات من المتفجرات التي تشعلها من وقت لآخر، شرارات حبكم وعواطفكم المتأججة التي لا ترحم . ولعل سحنتكم الكبرى، هي أنكم لا تحسون بمدى الكراهية الكائنة في حبكم ونشرتكم وتقواكم وتقاليدكم . وكما أن الأرض التي نحيا عليها، تنفذ بفعل رطوبة الجو وحر ارته ، الى أجسادنا ، وتعطيها اللون والمظهر، وتحدد الطباع وأسلوب الحياة وقواعد السلوك ، كذلك فان الكراهية العاتية الدفينة اللامرئية ، التي يعيش عليها الانسان البوسني، تنسل خلسة وبطريق ملتوية ، الى جميع تصرفاته ، حتى الى الفضلى منها، إن الرذائل تولد الكراهية في كل مكان ، لانها تهلك ولا تخلق تهدم ولا تبني . ولكن في بلد كما هي البوسنة ، حتى الفضائل تتكلم وتقنع بالكراهية غالبا. إن نساككم لا يستخلصون الحب من نسكهم ، وانما الكراهية يصلون بها الفساق . إن الذين لا يتعاطون المسكرات يكرهون الذين يتعاطونها ، كما أن السكارى يكرهون العالم أجمع كرها قاتلا. ومن يؤمن ويحب ، ويكره حتى الموت ، من لا يؤمن أو من يؤمن بشكل مغاير، أو يحب أمرا آخر . فجل ايمانهم وحبهم يستنفد، للاسف في الكراهية . (إذا بحثت عن الوجوه الشريرة والكئيبة ، تجدها قرب المعابد والأديرة والتكديا.) إن الذين يضطهدون ويستغلون الأضعف منهم ، يمارسون الكراهية أيضا، مما يجعل استغلالهم أضنى وأقبح مائة مرة . أما الذين يتحملون هذا الظلم ، فانهم يحلمون بالعدل والثأر .. بانفجار انتقامي، لو تحقق تصورهم له لأودى بالمضطهدين والمضطدين على حد سواء. لقد تعود معظمكم على حفظ كراهيته لمن هو بقربه . إن مقدساتكم ، هي دوما خلف الانهار والجبال ، أما مرامي كراهيتكم فهي قريبة منكم ، في نفس البلدة وغالبا على الجانب الآخر من سياج فناء الدار. إن حبكم لا يبحث عن مآثر، أما كراهيتكم فانها تنتقل من القول الى الفعل ، بغاية السهولة . إنكم تحبون بلدكم حبا جما، ولكن بأساليب ثلاثة أو أربعة مختلفة ، يلفي أحدها الآخر، ويكره بعضها بغضا وغالبا ما تتجابه فيما بينها.

في إحدى قصص نمي دي موباسان ،