الواقعية القذرة ريتشارد فورد نموذجا


 

كامل يوسف حسين (كاتب ومترجم من مصر)


الذين قرأوا ، بحب وتعاطف ، المقدمة التي مهدنا بها لترجمتنا لرواية "حياة وحشية " للكاتب الأمريكي ريتشارد فورد، وطالعوا هذه الرواية واستشعروا ، بهذه الدرجة أو تلك من الوضوح ، أنهم أمام شيء مختلف ، ومغاير وله ما بعده ، لم يخنهم حدسهم ، فهذا العمل أول كتاب من مؤلفات تيار الواقعية القذرة في الأدب الأمريكي يمثل بين يدي القاريء العربي بلغته .

ومنذ أطل هذا الكتاب للنور في طبعته البيروتية ، تتابعت الأسئلة التي وجهت لي عن تيار الواقعية القذرة ، وعن أفقه الابداعي، والمساهمين في انجازاته ، والوضعية الواهنة لأعماله ، والمسيرة المستقبلية المتوقعة له ، ومدى ابتعاده أو اقترابه مما يسمى بالتيار الرئيسي لحركة الابداع الأدبي الأمريكي ،وغير ذلك كثير.

وقد تفهمت حقا العالم الخلفي الذي نبعت منه هذه الأسئلة والسر في تواترها والحاحها واستمرارها بهذا الشكل ، فتيار الواقعية القذرة على نحو ما تناهى للكثير من القراء العرب ،ما كان يمكن الا أن يوحي بالجدة والصدمة معا.

ولا حصر لعدد المرات التي بادرت فيها الى القول إنني أتفهم الشعور الذي ساور الكثيرين بالصدمة حيال هذه الاطلالة الفريدة من نوعها لتيار الواقعية القذرة في إطار المكتبة العربية . ذلك أن "حياة وحشية " شأن معظم أعمال الواقعية القذرة تستشرف أفقا غير مألوف في الكتابات الماثلة بين أيدينا وتمني الى هذا الأفق بشكل باتر وعلى نحو غير معهود وبأدوات لا يمكن إلا أن تثير الشعور بالصدمة حقا. أما الشعور بالجدة فلا أحسب أني أوافق عليه تماما.

لماذا ؟

في المقام الأول لأن الواقعية القذرة ليست صرعة ، ولا "موضة " ولا هي وليدة الأمس ، وانما يمكنك القول بأن حشدا من الكتاب الأمريكيين يحفرون هويتها بإصرار ، وكأنما في قلب الصخر، منذ ربع قرن من الزمان على الأقل .

وحتى بالنسبة للقاريء العربي فالواقعية القذرة ليست جديدة تمام الجدة ، فالقواء الذين يتابعون الصحف العربية التي تصدر خارج العالم العربي لا شك في أنهم قد لاحظوا أن بعض الصفحات والملفات الثقافية في عدد من هذه الصحف _ وهي جديرة بالاهتمام والمتابعة حقا _ قد ألقت الضوء عل هذا التيار، عبر الاشارة الى بعض انجازاته وعدد من مبدعيه ثم هي بين الحين والأخر تقدم بعض النصوص القصيرة لهؤلاء المبدعين .

ما المشكلة إذن ؟

المشكلة ، في اعتقادي، نبعت من الاطار الذي صيغ فيه ، اصطلاح الواقعية القذرة نفسا، حيث أطل هذا الاصطلاح على يد بيل بو فورد، رئيس التحرير السابق لمجلة "جرانتا" في مقدمته الشهيرة للعدد الثامن من هذه المجلة والتي قام فيها وعبر أقل من صفحتين بتعريف القاريء بالاصطلاح وبالتيار وبالكتاب المندرجين في إطاره قبل أن يقدم أعمال جانب من هؤلاء الكتاب ، ثم عاد في العدد الثاني عشر من المجلة ليقدم أعمال عدد آخر من مبدعي هذه التيار دون إضافة كلمة واحدة في معرض التعريف بعالمهم الابداعي والقاء الضوء على ما يميزهم عن غيرهم من الكتاب الأمريكيين .

وما كان يمكن لهذه المشكلة إلا أن تزداد عمقا وصعوبة مع مرور السنين دون أن يقرر للتيار والاصطلاح معا أي تأصيل نقدي حقيقي، بل حدث العكس تماما، حدث نوع من محاولة التنصل من الانتماء الى هذا التيار وايجاد صلات تربط بعض مبدعيه بتقاليد أدبية أمريكية أقدم عهدا.

ومن الواضح أن ما سيجده القاريء عبر هذه الصفحات ليس محاولة لاستدراك هذا القصور أو حتى اقترابا من مساهمة في مثل هذه المحاولة ، كما أنه ليس تكرارا لما أوردناه في مقدمة "حياة وحشية " من إضاءات حول هذا التيار.

ما الذي نجد أنفسنا حياله هنا إذن ؟

لا يعدو ما أحاول تقديمه للقاريء هنا أن يكون تناولا موجزا لثلاثة أبعاد، هي على التوالي : إضاءة لعالم الواقعية القذرة من خلال عشر ملاحظات لنا على ما أنجزه هذا التيار وما أضافه الى الأدب الأمريكي حتى الآن ، وتناول للمسيرة الابداعية لريتشارد فورد باعتباره أحد أبرز مبدعي هذا التيار، وقراءة في رواية "العاشق" لفورد باعتبارها من أجمل أعماله وأكثرها تجسيدا لطموحات الواقعية القذرة ، وأيضا لأننا نأمل أن ندفع نصها المترجم الكامل ال القاريء العربي عما قريب كإضافة أخرى الى جهود التعريف بهذا التيار.

فلنبدأ ، إذن بمتابعة كل بعد من هذه الأبعاد الثلاثة على حدة ، مع التزام الحرص على الا نثقل على القاريء باستفاضة في الطرح ، ليس هنا الموضع المناسب تماما لها.

واذا بدأنا بالبعد الأول المتعلق باضاءة عالم الواقعية القذرة ، لوجدنا أن علينا أن نبدأ البداية ، كما يقولون ، من محاولة فهم ما الذي تعنيه الواقعية القذرة ، فلندع هذه الملاحظات العشر تقود خطانا عبر هذا البعد:

1- مأساة الواقعية القذرة ، أو بالأحرى ماساتنا معها، أنها قدمت لنا من خلال التعريف بالسلب بأكثر مما قدمت عبر التعريف بالايجاب ، فقد حرص بيلي بو فورد على أن يوضح ما ليست عليه ، وأشار الى أنها مفارقة للواقعية الأمريكية في تقاليدها المعروفة ، وهي مفارقة لكل ما يكتب في بريطانيا، إنها ليست بطولية ولا شامخة ، وهي بعيدة عن الطموحات الملحمية عند كتاب مثل نورهان ميللر وسول بيلو، وهي أيضا ليست تجريبية بصورة واعية مثل الكثير من كتابات الستينات والسبعينات ، وهي ليست فنا للقص مكرسا لصياغة الطرح التاريخي الكبير.

ما هي الواقعية القذرة إذن ؟

الاجابة ليست لنا، إنما هي أيضا لبو فورد، حيث يقول في الموضع الوحيد من افتتا حيته الشهيرة الذي يحاول فيها تحديد مضمون هذا الاصطلاح ، من حيث مقوماته الذاتية ، وليس من حيث التحديد بالسلب ، "إنها فن للقص على نطاق مختلف ، مكرس للتفاصيل المحلية ، العنا هر العاطفية للقلب ، القلاقل الصغيرة في اللغة والايماء، ومن المناسب تماما أن الشكل الأولى لفن القص هذا يتمثل في القصة القصيرة ، وأنه على نحو ملموس تماما جزء من حركة إحياء القصة القصيرة الأمريكية ، ولكن هذه القصص هي قصص غريبة ، بعيدة عن التجميل ، لا أثاث فيها، إنها تراجيديات تدور في أماكن رخيصة الايجار حول أناس يشاهدون التليفزيون نهارا، ويقرأون الروايات الرومانسية الرخيصة ، ويستمعون الى الموسيقى الريفية وموسيقى القرب ، إنهم ناد لات في مقاه على جوانب الطرق ، وموظفو تحصيل في محال السوبرماركت ، وعمال بناء ، وسكرتيرات ، ورعاة بقر لا يجدون عملا، يلعبون البنجو، ويلتهمون شطائر التشيزبرجر، ويصطادون الغزلان ، وينزلون في فنادق رخيصة ، ويشربون الكثير ويتعرضون للمتاعب ، غالبا لسرقة سيارة أو تهشيم واجهة عرض ، أو سرقة حافظة نقود. إنهم من كنتاكي، أو الاباما، أو أوريجون ، ولكن بالأساس يمكن أن يكونوا من أي مكان ، إنهم ضائعون في عالم حافل بالغذاء الذي يلحق الضرر بمن يتناوله ، وبالتفاصيل القاهرة المنتمية للنزعة الاستهلاكية الحديثة ".

ليكن . ولكن عبر أي لفة تتناهى الينا تفاصيل عالم الواقعية القذرة ؟ الاجابة ، مرة أخرى ليست لنا ، وانما هي لبو فورد، حيث يوضح إنه : "كثيرون ، مثل ريتشارد فورد، أو ريموند كاوفر، أو فراريك بار ثلمي ، يكتبون بلفة شديدة الصراحة ، لا تعكس شعورا بالدهشة ثم الوصول بها الى أبسط الأساليب ، فالجمل مجردة من الزخرفة ، وتحكم سيطرتها التامة على الموضوعات والأحداث البسيطة ، التي تطلب منا أن نكن شهودا عليها. أما ما يبدو أنه يتحدث أكثر من غيره فهو ما لا يقال ، ضروب الصمت ، ألوان الحذف ، صفوف الإلغاء".

2- إذا استقر ما تقدم فلا شك أن سؤالا بديهيا سيبادر بطرح نفسا: من هم الواقعيون القذرون وما الذي يجمع بينهم فيجعل إبداعهم يشكل تيارا مستقلا من تيارات الأدب الأمريكي؟

مرة أخرى سنلمح هنا جانبا من سوء حظ هذا الاصطلاح ، فبيلي بو فورد في إطلاقه له في سماء الاهتمام الأدعبي والنقدي لم يحدد على وجه الدقة ما الذي يربط بين كتاب هذا التيار، واكتفى بإيراد قائمة حصرية لهم ، وهم : ريموند كاوفر، ريتشارد فورد، جين آن فيليبس ، إليزابيث تالينت ، فريد ريك بار ثلمي، بوبي آن ما سون ، توبياس وولف ، ماري ربيون ، آن بيتي، ريتشارد بيقس ، جين ترمسون ، ستيفن ديكسون ، لويز إريدريك ، ريتشارد روسو، إيلين جيلكريست ، روبرت أولمستيد، جوي وليا مز.

غير أن المزيد من التأمل يتيح لنا اكتشاف العرى والصلات التي تربط هذا التيار وتضم روافده وينابيعه معا، وما إلقاء الضوء على هذه العرى والصلات الا جوهر ما نحاوله عبر هذه الصفحات .

3- منذ البداية لم يندفع تيار الواقعية القذرة في صورة تيار متكامل ولا حتى جهود تندفع من منابع واحدة ، وانما انطلق في شكل سلاسل متتابعة من الكتابات الغاضبة ، التي تتخذ من القصة القصيرة أساسا شكلا للا بداع ، وان لم يحل ذلك دون الامتداد الى الرواية ، بل والشعر، والتي تعبر عن الاحتجاج على الخيبات الكبيرة وانكسار الأحلام وتأكل الايديولوجيات ، وسيطرة ليل طويل من اللامعني واللا جدوى والسقوط الانساني في نزعة استهلاكية تستمري؟ ذاتها، ولا تضر إلا بنفسها .

4- في ضوء هذا، بالضبط ، كان من الطبيعي لكتابات الواقعية القذرة أن تتأمل الانسان والمكان من حوله والانتقا؟ المطلق لهوية هذا المكان في صورة الرحيل الدائم ، ومن هنا فإن الطريق وقصص التشرد والمقاهي والحانات والنزل على جانبي طرق تمتد من اللا مكان الى اللاموضع ، ولا تفضي الى شيء ، أو هدف ، أو مكان أو غاية تلعب دورا ليس بالهين في كل كتابات الواقعية القذرة .

5- هناك أمر لابد أن يلفت نظرنا بشدة ، فهذه الأماكن والشخوص والطرق هي أمريكية تماما، ولكنها أيضا غير مميزة الملامح ، وبلا هوية ، وبلا طابخ محدد. وكأنها تستحضر تلك البوتقة الأمريكية الهائلة ، التي تمتزج فيها الألوان والأ خلاط والأمزجة والاتجاهات والرؤى، ولكن ما الذي يخرج من هذا طه ؟ إنه مسخ شائه ، عملاق ، يفرض قبحه على كل مشيء في الكون ، وبصقة خاصة على كل ما هو جميل ومتميز وحضاري، وشديد الخصوصية . ترى هل من قبيل الصدفة أن شركة والت ديزني العالمية قد اختارت وادي المدرن على بعد كيلومترات قليلة من باريس لتقيم هناك حديقتها المعروفة باسم دداليوروديزنيدد والتي تقدم النقيض الفج والبشع - الصارخ لكل ما هو راق وانساني وأصيل في الثقافة الفرنسية ؟

6- خلافا لما حاول بعض النقاد الترويج له فإنه لا يمكن القول بحال إن تيار الواقعية القذرة قد استنفد أغراضه وضرب عميقا في أرض كل ينابيعا، فعلى الرغم من مرور عقد ونصف العقد منذ صياغة الاصطلاح نفسه ، إلا أن الحركة التي يختزلها تندفع بقوة واقتدار، وعلى الرغم من فقدها رصيدا حقيقيا برحيل ريموند كارفي عن عالمنا في العام 1988 متأثرا باصابته بسرطان الرئة ، إلا أن دما جديدا يتدفق في عروق الحركة مع انضمام كتاب شبان الى تقا ليدها في الكتابة ، ومع إضافة نجومها للزيا من الأعمال الى رصيدها ورصيدهم الابداعي.

7- من الصعب التنبؤ بإمكان استيعاب أعمال الواقعية القذرة في إطار ما يعرف بالتيار الرئيسي للادب الأمريكي. ومن المحقق أنه ليس من قبيل الصدفة أن إبداعات كتاب الواقعية القذرة تنشر أساسا في انجلترا وفي دور نشر صغيرة في الولايات المتحدة ، وحتى في الحالات الاستثنائية ، مثل حالة ريتشارد فورد نفسه ، فإن كبرى دور النشر الأمريكية ، عندما تطرح حالة من حالات الاستثناء الذي يؤكد القاعدة وتنشر عملا لأحد مؤلفي هذا التيار، فإنها لا تستخدم اصطلاح الواقعية القذرة ، ولا تشير اليه من قريب أو بعيد في المقدمة ، أو تعريف الناشر بالكتاب أو في الاعلانات عنه ، بل وقد تحاول أن تتدخل لدى كبرى المطبوعات المتخصصة في عروض الكتب للحيلولة دون تناول العمل من هذا المنظور. ومح ذلك فإن كتاب هذا التيار يملكون مصدر قوة هائلة ، يتمثل في صلتهم الوثيقة منذ انطلاق تيارهم ، بعدد من عباقرة السينما غير التقليديين . ومن المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن المخرج روبرت التعان قد استلهم روح فيلمه ذائع الميت "مختصرات " من عشر قصص من أجمل أعمال كاوفر، كما أقبل الجمهور على رواية وولف "حياة هذا الفتى" الى حد التخاطف بعد قيام روبرت دي نيرو بتحويلها الى فيلم ناجح .

8- تتعرض الواقعية القذرة لخطر حقيقي، وداهم ، ولا يمكن التقليل من شأنه بحال ، هو خطر الانحصار داخل عالمها بمعناه الضيق ، والعكوف داخل هذا العالم على تقليد الذات ،وهو الخطر نفسه الذي قضى على الواقعية الأمريكية في تقا ليدها الأقدم عهدا، ودفع كاتبا في شموخ قامة إرنست هيمنجواي الى الانتحار. وتجاوز هذا الخطر يتوقف على مدى قدرة كتاب الحركة على المزيد من الحفر في ينابيع الابداع ، وربما كان الوعي بهذا هو وحده الذي يفسر الحرص الاستحواذي من جانب ريتشارد فورد على أن يقدم في كل عمل جديد عالما جديدا ومختلفا وأفقا مغايرا لما قدمه في عمله السابق مباشرة .

9- لا يتردد كتاب ما يعرف بالتيار "السوريالي المستنقعي" وهو أحدث تيارات الأدب الأمريكي ، وفي سقدمتهم مارك ريتشارد، ودونالد أنتريم ، في القول بأن أعمالهم ستبلغ من التألق حد وضع تيار الواقعية القذرة في هامش الظلال المنسية ، ومع إنني يخيل الي أن هذا الطرح يبدو أقرب الى التفكير بالتمني منه الى أي شيء آخر، إلا أنني أعتقد أن هذا التيار جدير بأن نلقي عليه ولو نظرة فضولية تستشرف الكيفية التي حول بها كتاب هذا التيار مستنقعات الساحل الشرقي الأمريكي الى ساحة للا بداع الحقيقي.

10- على امتداد النصوص التي طالعتها لكتاب الواقعية القذرة ، وهي ليست بالقليلة ، ساورني شعور مدهش بأن هناك جسورا لا حصر لها تمتد بين أدبهم وبين ما يكتبه كثيرون من الكتاب في عالمنا الثالث ، إن لم يكن في التفاصيل وفي جزئيات النسيج الحياتي، فعلى الأقل في الأجواء وفي الهموم ترى هل يرجع ذلك الى أن الرجع في عالمنا العربي ليس بعيدا تماما عن نظيره في أمريكا الأخرى، التي لا تظهر لنا في الأفلام ولا المسلسلات ولا المجلات ذات الورق اللامع والألوان البراقة ، أمريكا الصدق : الريف الميت والضواحي الخالية من الروح والطرق المفتوحة الى العدم ؟

هذه النقطة على وجه التحديد، ستنقلني الى البعد الثاني من الأبعاد الثلاثة التي تتناولها هذه الصفحات وهو البعد المتعلق بالمسيرة الابداعية للروائي ريتشارد فورد، باعتباره من أبرز من تلمح في أدبهم هذه الجسور التي أشرت اليها لتوي.

ولكن قبل أن نرصد محطات المسيرة الابداعية التي قطعها فورد، أليس من حق القاريء علينا أن نرد على سؤال من المؤكد أنه سيقفز الى ذهنه على الفور ، لماذا فورد على وجه التحديد؟

الأسباب عديدة ، ربما في مقدمتها أن تيار الواقعية القذرة كان يتصدى لقيادته ريموند كارفي وريتشارد فورد، فلما غيب الرحيل عن عالمنا الفاني أولهما، كان من الطبيعي أن ينصب كل الضوء على الثاني.

وربما كان هناك أيضا الثراء المدهش لعالم فورد الابداعي، وقدرته المذهلة على التجدد وعلى طرق آفاق جديدة ، حتى ليذهب البعض الى القول بأن خير دليل يمني بنا تحت آفاق العالم الرحب للواقعية القذرة هو فورد.

وربما كذلك لأن فورد يثير جدلا محتدما بين النقاد يتراوح بين فتح النار على ابداعه وبين الاشادة المطلقة بهذا الابداع .

ربما هناك أيضا أن فورد من كتاب الواقعية القذرة القلائل الذين أفلحوا في الخروج من ليل التعتيم والتجاهل والتهميش الذي طال فرضه في المؤسسة الأدبية الأمريكية التقليدية على هذا التيار. وأعترف للقاريء بأنني شعرت بالذهول ، عندما فوجئت بأن أحدث روايات فورد "عيد الاستقلال " صادرة عن الناشر الأمريكي العتيد الفريد نوف ، لا غيره .

ولكن قبل بدء الانتقال بين محطات فورد الابداعية ، يتعين علينا أن نلقي نظره على مسألة على جانب كبير من الأهمية في فهم عالم فورد الابداعي.

لقد سبق للناقد الأمريكي جيف جايلز أن أشار الى أنه : أدفي كل مرة ينتهي فورد من انجاز كتاب جديد يتساءل عما إذا كان سيقدر له أن يؤلف كتابا آخر".

والعلاقة الدقيقة التي تربط فورد بكل كتاب جديد يقدمه للقاريء هي من الموضوعات التي تحظي باهتمام يكاد يكون استحواذيا لدى فورد نفسه ، وهو في هذا الصدد يبادر ال القول في حوار قصير مع جايلز نشرته مجلة " نيوزويك " عقب صدور روايته "عيد الاستقلال " حول هذا الموضوع : ددإنني أحاول أن أخترع المهنة بأسرها من جديد، فلابد من أن يكون هناك دافع قوي لكي يؤلف شخص ما كتابا. وعندما يسألني الكتاب الشبان عن الكتابة ، فإنني أقول : ددعاملوها كالزواج ، ولا تقدموا عليها إلا إذا لم تفلحوا في إقناع أنفسكم بالعدول عنها".

ومسألة إضافة كتاب جديد الى الرصيد المنجز بالفعل تستمد حساسيتها عند فورد من حرصه على الكمال ، من رغبته في أن يكون ما يقدمه إضافة جديدة وابداعا مختلفا ، وليس إعادة تأليف للكتاب نفسه بطريقة أخرى، أو استمرارا في الكتابة من جانب مؤلف كان ينبغي أن يقلع عنها منذ وقت طويل .

من هنا ، بالضبط ، سيأتي قوله لأنطوني كوين في مقابلة مطولة نشرتها مجلة ددإسكوايردد في طبعتها البريطانية بعد صدور رواية "عيد الاستقلال " بوقت قصير : أدفي نهاية كل كتاب أقوم بإغلاق آلية الكتابة 0تماما ، أو شيء من هذا القبيل ، وأعود الى الصفر، وعندما انتهى من كتابة رواية قصيرة وأتوقع أن يكون ذلك في وقت ما خلال نصف العام المقبل ، فإنني سأكف عن الاهتمام . وما زلت في سن تتيح لي التفكير في القيام بشي ء آخر. وما من أحد قال إنه بسبب تأليفك ستة كتب جيدة فحسب يتعين أن تؤلف كتابا سابعا، وفضلا عن ذلك فإننا جميعا نعلم أن هناك الكثير من الكتاب الذين يواصلون الكتابة بينما كان ينبغي أن يتوقفوا عنها منذ سنوات".

غير أن هذا الحرص من جانب فورد على مطاردة الجديد، وعدم تكرار ما يقدمه ، في تجسيد مباشر لاهتمامه الدائم بالرحيل والانطلاق تحت آفاق مفتوحة بلا انتهاء وتلمس ملامح جديدة باستمرار وهو ما سنرى أنه يشكل معلما رئيسيا من معالم عالمه الروائي، قد يسي ء بعض النقاد تفسيره . كيف ؟

في مقال يعد من أعنف الهجمات النقدية التي وجهت الى فورد على امتداد تاريخه الابداعي، نشرته مجلة "زاورلد أندآي" الأمريكية في عددها الصادر في سبتمبر 1990، لا يتردد الناقد والروائي الأمريكي تشيلتون وليامسون تحت عنوان "الحريق الهائل يبدأ في الدار" في أن يقول عن مجمل إنجاز فورد الابداعي هي تلك المرحلة "في غمار تصفحي لا أعماله ساورني شعور غير مريح بأن هذه الكتب لا ينبني كل منها فوق الآخر، ولا يضيف اليه كثيرا، سواء على الصعيد الفلسفي أو الفني، وأنها بشكل أو بآخر ليست منحوتة حقا من مجمل الاهتمامات الأساسية للكاتب .

فهل الأمور كذلك حقا؟

يغلب على ظني أن ما يقوله وليامسون هنا يعكس خلطا حقيقيا بين حرص فورد على ارتياد آفاق جديدة ومختلفة من حيث المكان والموضوع في كل عمل من أعماله وبين عدم وجود خطوط مستمرة في نسيج هذه الأعمال تعكس رؤية كلية للمياة وللوجود.

وفي اعتقادي أن نظرة ولو عجل على محطات المشوار الابداعي عند فورد كفيلة بأن تضع يدنا على جانب من هذه الخطوط .

وأول ما سيلفت نظرنا في مشوار فورد الابداعي أنه خلافا للكثير من الكتاب الأمريكيين بدأ بإصدار عمل كبير وطموح ، وذلك في العام 1976 هو روايته "قطعة من قلبي" . والطموح هنا ليس على مستوى المعمار فحسب ، وانما على صعيد النسيج اللغوي كذلك ، حيث نرحل طويلا مع لفة الجنوب الأمس يكي الخشنة ، وقد اكتسبت فجاجة الصدام مع المنعطف الرابع للقرن العشرين .

الساحة التي تجرى عليها أحداث رواية "قطعة من قلبي" هي ولاية المسيسبي، حيث نلتقي مع عجوزين في دارهما المتداعيتين ، ولا يكف الرجل عن الثرثرة وصب اللعنات ، دون أن يحجب عنا هذا كله لمحات من حكمته ، ومز رعتهما ترتبط عن طريق القوارب بجزيرة يستثمرانها في الحصول على مقابل من الراغبين في ممارسة الصيد عليها، وخاصة في مواسم صيد البط والد يكة الرومية البرية . ويقبل الى هذه الساحة شابان ، يحظى كل منهما بقسم من الرواية بالتبادل مع الأخر.

الشاب الأول يردد أصداء شخصية كوينتين كومبسون عند فوكز، وهو تأثر يبدو لنا طبيعيا ومنطقيا، وسنواه في أكثر من موضع من أعمال فورد الأولى . وهذا الشاب خريج جامعة كولومبيا ، ويدرس القانون في جامعة شيكاغو، وهو يعيش حالة من السقوط والهموا. وتعتقد صديقته أنه بما أنه من أبناء المسيسبي، فإنه قد يستعيد نفسه من خلال رقية سحرية من نوع ما في هذه المزرعة التي يمتلكها أحد أقاربها:

لكن الشاب الثاني هو الذي سيلفت أنظارنا حقا. إنه يدعى رو بارد، ومصيره يثير دهشتنا من خلال انطلاقه من نسيج روائي بالغ التشابك بلا حدود ، فهو يستيقظ ذات يوم في غبش الصبح ، ويلقي نظرة عجل على زوجته الغافية في سلام . وعلى الرغم من أنه يكن لها مشاعر رقيقة ، إلا أنه يرحل دون أن يترك لها كلمة واحدة . ورحلته ، أو إن شئت الدقة فقل سيرته الشائكة الى مستنقع الجنس الوحشي تطل من خلال التزام فضولي وملتو بخوض غمار تجربة هي اللعنة أقرب من - أي شي ء أخر . فقبل سنوات كان رو بارد قد التقط فتاة من الطريق - عندما تعطلت سيار تها، وانتهى الأمر بهما في ساحة للسيا رات القديمة حيث أمضيا ليلة أو ليلتين من الجنس الوحشي ، الفج ، النافر العروق ، كأنه مسيرة من الجحيم الى الجحيم . وبالنسبة لرو بارد كانت تلك هي نهاية الأمر، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة للفتاة التي تدعى بيونا.

وفي اعتقادي أن بيونا من أغرب الشخصيات التي يصادفها القاريء في الأدب الأمريكي الحديث ، ومن أكثرها قدرة على الالتصاق بالذاكرة ، ففي قرارها جوهر انساني وحقيقي لكنها لكي تحقق هذا