مـدارات الشـرق
بنيات التفكك والاحتراق


واسني الأعرج ( ناقد وروائي من الجزائر)


1- بين المحيلة والمتخيل

من الصعب بل من المتعسر جدا إيجاد تعريف علمي مطلق لمفهوم "المخيلة" ، على الرغم من كون المفهوم ليس غريبا على الدراسات التاريخية والفلسفية والدينية مطلقا. فهو يشكل حجر الزاوية في الفكر الإنساني ، ومنه الفكر العربي، والفلسفي على وجه التحديد، سواء في عقلانية الفارابي، أو في صوفية ابن عربي، أو في تاريخية الطبري، المحكومة بشبكة المتخيل في جزء كبير منها . لكن في كل الأحوال يظل المفهوم يسير بآلية تكاد تكون هلامية وميتافيزيقية ، ولا تساهم مطلقا في بلورة مفهوم واضح ، قادر على حل الإشكال / الإشكالات التي يصادفها النص الأدبي. ومع ذلك ، فنحن نحتاج حتما الى حسم ولو إجرائي لقضية لها بعد روحي وفلسفي، من أجل السيطرة على متجلياتها في النص الأدبي عموما، والروائي خصوصا، في علاقته الحميمة بالتاريخ .

في هذا المدخل الجزئي سننطلق من التصور المبطن الذي قدمه تودوروف في تعريفه للنص الروائي، وآلية اشتغاله داخليا يقول : "كل رواية أو قصة تحكي من خلال حبكتها قصة إبداعها الخاص . قصتها الخاصة (1)"

عندما تقوم بتفكيك هذه الجملة النقدية الممتلئة . سنحصل على مجموعة من التصورات التي يمكن تنضيدها بالشكل التالي .

الحكاية والإبداع

أولا : كل نص هو في نهاية المطاف عبارة عن حكاية ، أي مجموعة هن الرموز والدلالات المناهضة للمرئي والحقيقي، وهي مبنية على تراكمات قبلية . أي أننا لا نحكي من الفراغ ، لكننا نحكي انطلاقا من شيء موجود، من مادة متخيلة ، عامة ، ومشتركة وهي ملك مشاع ، وهلام لا شكل منته له ، إلا أنه يتخذ شكل الخصوصية عندما يخرج من "المشاعية " ويدخل سياق الإنجاز الفردي. وبشكل أكر تبسيطا هو مثل الماء، هو سائل ، لا شكل ولا لون له ، لكنه عندما يوضع في كأس يصبح ملكا للكأس ، أو لشكل الكأس ويتخذ صبغته .

ثانيا : وكل ني يبدع نفسه من الحكاية قصته الخاصة . أي انتقال المادة المحكية بوصفها مادة أولية matiere premiere ،  مشاعة من الحيادية ، الى الانتظام والتقولب والتشكل . أي أن الهلام ، أصبح كيانا مستقلا، أصبح مخيلة منجزة ، أي متخيلا ينتمي الى صاحب النص مثلا، ولم يعد ينتمي الى العموم ، وكل من أخذ منه يدخل في مجال السرقة الأدبية ، لأنه لبس لباس مشكله وصانعه . مثل النحات الذي يتعامل مع الأحجار الموجودة في كل مكان ، وهي تحت تصرف كل الناس . ولكن منذ اللحظة التي يمس فيها إزميل الفنان جنباتها يتغير كل شيء وتبدأ عملية الانتماء والخصوصية الى الفنان .

يوصلنا هذا التنضيد ال استخلاص المصطلحين التاليين ضمن تعريف أولي.

أولا المخيلة (بكسر الياء ) Lfimagination  وهي ذات فضاء عام .

ثانيا : المتخيل (بفتح اليا،) Llmaginaire  هو فضاء خاص .

بمعنى آخر هو المادة الأولية العامة ، بعد إبداعها من جديد وادخال عنصر الذاتية عليها. تكون خارج النص (في المجال الأدبي مثلا) فهي تنتمي الى الفضاء الواسع الذي يمكن لأي واحد أن يتمني منه . أي هي تنتمي الى المخيلة العامة .

وعندما يخضع هذا الفضاء للعسل ، ويشتغل على عادته بجدية ، ليدخل ضمن تركيب نصي أو في لوحة فنية ، أو على الرخام والصخور، والزرابي، أو حتى في المادة التاريخية كنص ، أو في السياسة وغيرها ... تصبح المخيلة مادة إبداعية منجزة ، أي متخيلا. وهنا قد توضع أمام مأزق ما عندما يطرح السؤال التالي : إذا افترضنا أن للقاريء الناقد مخيلته (وهذا مؤكد) ويتعاط مع كاب إبداعي لنقده ، أي مادة منجزة مع متخيل فكيف سيكون الأمر؟ إن المتخيل في هذه الحالة يصبح مادة مشاعة ،أي يمكن لمجموعة من النقاد أن ينجزوا دراسات مختلفة انطلاقا من نفسر النص . هذا صحيح تماما. ويقودنا الى ضرورة الاعتراف سلفا بأن الحدود الفاصلة بين المخيلة والمتخيل هي حدود نسبية ، يمكن أن يتبادلا فيها المواقع بسهولة ، ولكن هذه النسبية لا تضر مطلقا بجوهر التعريفين ، أي عمومية المخيلة وخصوصية المتخيل متناولا في نص محدد. فالمتخيل ليس مغلقا إلا في حدوده الخاصة .

نستطيع أن ننجز متخيلات كثيرة ، من مخيلة مشتركة . وبهذا تصبح المخيلة موضوعا للمتخيل . un Sujet  فهي مشروع غير منجز عندما يفتح انغلاقه ويمتلك طابع الديمومة . كأن أقول مثلا: المخيلة الشعبية غنية وصالحة لأن نكتب حولها نصا أو مجموعة نصوص . أما المتخيل فهو فعل منجز ومنته ، كأن أقول مثلا، إن كاتب ياسين انجز متخيلا هاما (روائيا) ومتميزا، في روايته "المضلع المرصع " ........ انطلاقا من المخيلة الشعبية في السيرة الهلالية .

حتى الجانب اللغوي المباشر، يقترب جدا من هذه التفريقات الجوهرية بين المصطلحين الأساسيين الفاعلين في النص الأدبي: المخيلة والمتخيل . فالمخيلة (بكسر الياء) ، تحيل الى الاستمرارية وعدم الثبات ، والتجدد الدائم والدينامية . أي : مادة عامة خاضعة للتغيرات .

أما المتخيل (بفتح الياء) فيحيل الى نوع من الثبات (ضمن انفلاق النص طبعا) فالفعل أنجز وانتهى، ولهذا يتحول الى آلية داخل النص تعطيه خصوصيته ورائحته ، وتعدد بنيته ومعالمه .

نستطيع أن نقول الآن في نهاية هذه المقاربة الأولية ، التي تصادفنا مصطلحاتها فيما تبقى من هذا البحث أننا أمام موضوع وفاعلية .

 * المخيلة بوصفها موضوعاL'magination comme Sujet] .  

* والمتخيل بوصفه آلية L'imaginaire comme Macanismel

وأمام أصل أساسي ، وفرع يعطي للنص تمايزه ضمن دينامية متحولة . وهذا لا ينطبق إلا عندما يؤخذ النص المنجز / كنص مغلق . لكن هذا النص كما ذكرت سابقا، بفتحه النقد للتأويل والدراسة ، سيتحول الى مخيلة يشتغل عليها الناقد، ومادة حيوية ، ينجز من خلالها متخيله الخاص ، أي عادته النقدية المنجزة .

نستطيع الآن أن نركن الى هذا المدخل عن المصطلحين الأساسيين في هذه الدراسة ، ونحاول أن نتقرب من خلالهما لقراءة التاريخ بوصفه مخيلة والرواية كمتخيل منجز.

2- فضاء التاريخ / فاعلية النص :

هل الرواية تاريخ ؟ بمعنى أدق : هل هي إعادة إنتاج وتنظيم للتبدلات الحاصلة في القشرة والعمق للمجتمعات والأنماط ؟ هل تمتلك حقيقتها الخاصة ؟ وهل تتجسد هذه الخاصية في وقائعها المسرودة أم.في شكل حكيها في طريقة تلقيها وتاويلها أم في مرجعيتها (2).

السؤال ليس جديدا. لكن الإجابات المبلورة حتى الآن انطلاقا من هذا السؤال تضع الرواية كنص أدبي، ضمن مصاف التاريخ . وعل هذا الأساس تبدأ في إنجاز مشروعها النقدي الذي يحاسب الرواية بمسطرة التاريخ المسبقة . ضمن منظور يعتبر الفعل التاريخي، فعلا منجزا ومغلقا وفق نمطية (منهجية ) مسبقة . هذا العقل الناقد، ما يزال حتى الآن ماثلا بيننا، بل وفاعلا ومقوما(؟) أحيانا. ويكفي أن أسوق مقالا بسيطا ومحرجا لنتبين فداحة هذا النقد الإحالي للتاريخ ، حتى عندما يتعلق الأمر بنص مبدع ، أي ببنية مؤسسة جوهريا عل عناصر ودلالات تحكمها عملية التخيل أكثر مما تحكمها التنضيدات التاريخية للوقائع والأحداث ، تلك هي "آيات شيطانية " لسلمان رشدي التي حركت الكثير من القراءات الأدبية النقدية ، العربية ، لتتحول فجأة الى قراءات في نص يفترض وكأنه من التاريخ ، وبدأت في تقييمه عل هذا الأساس (تهديمه ؟) ناهيك عن اعتماد هذه القراءات عل الإعلامي، واليومىر، والأيديولوجي والاستهلاكي، وبدون قراءة للنص . ويكفي -   الرجوع لكتاب ذهنية التحريم لصادق جلال العظم (3) لنكشف هول الفاجعة .

ليس هذا مكان السجالية حول رواية "آيات شيطانية " ، ولا لتناول السذاجة النقدية التي لا تفرق بين النص التاريخي، والنص المتخيل ولكن هذه النماذج وغيرها، تعطي للسؤال المطروح في بداية هذا البحث بعض الشرعية المؤسسة على شي ء موجود، وليس عل فرضية نقدية متخيلة ، أو انتهى وجودها من ساحتنا الثقافية ، والتي تلزمنا بضرورة البحث عن إجابات مناقضة أكثر ارتباطا بطبيعة وبنية النص الأدبي. إذن الرواية ليست تاريخا؟!

وكتحصيل حاصل فهي بنية نوعية genre  تتأسس على المتخيل (تحويل المخيلة ال عناصر نصية /. وهذا لا يعني مطلقا أنها بنية مناقضة للتاريخ بشكل مطلق . فالتاريخ نفسه ، رغم علميته ، التي ما تزال مثار جدل ، لا يقع خارج المخيلة (بمعناها العام ) فالترميمات والنقائص والنقاط البيضاء والمساحات الفارغة لا يمكن أن تحل إشكالها إلا المخيلة (المضبوطة علميا، نسبيا) وتتحول لاحقا الى متخيل داخل بنية الحكي في عمق النص /النصوص ، التاريخي.

فالمخيلة وحدها تعطي للتاريخ نسقا، وطريقا ومسارا متمايزا من خلال الافتراضات التي يقترحها المؤرخ لترميم البياض . وإن كانت هذه المخيلة مؤطرة بمجموعة من الضوابط هي نفسها من حيث الجوهر بالنسبة للنص الأدبي، ولكنها تختلف باختلاف الطبيعة التكوينية للعقل المعين . ففي الرواية كذلك يقدم المتخيل وكأنه واقع ملموس ومجسد، يضاهي الواقع في كل تفاصيله ، ويبتعد عنه من حيث كونه بنية لغوية أولا وأخيرا تشتغل على الرموز والدلالات . والتاريخ عندما يقوم بفاعلية مل ء الفراغات ، يندر عليه الالتجاء الى المخيلة المكونة من عناصر تراثية وحداثية ، دينية وغير دينية ، أيديولوجية وسياسية الخ ... فهو في نهاية المطاف : قراءة ، قراءة مشفوعة بمنهجية وبالرغم من ذلك يطل بتكوينها، شي ء من الذاتية . وفي المجال النقدي الفعل تبيان . هناك قراءات نقدية كنيرة الرموز روائية عربية : مثلا نجيب محفوظ ، لكنها كلها تحمل بصمات أصحابها وقدرات أصحابها على التخيل للاشتراك والغوص في متخيل الآخر ، أي متخيل "الأنا" الناقدة، ومتخيل "الأنا" الكاتبة .

فجسد هذه الكتابات ليس إلا نواة كم هائل ، يشتمل على كل ما أنجز حوله ، والذي يتحول مع الزمن الى مجموعة من العناصر التأويلية التي تتحكم في مسارات المتخيل النقدي المصاحب لفعل القراءة المغير أو المنتمي لبروتوكول القراءة ، ذاته . فالكثير من النصوص الخالدة تشكلها القراءة المتخيلة يوميا، وتدفع بها الى الواجهة ، بل إن عظمة عمق المتخيل الأدبي داخل نسيج هذه النصوص ، دفع بالنص المتخيل الى درجة مغادرة صاحبه نهائيا وتحقيق وجود مستقل يقع خارج الحالة الزمنية المرهقة والمغنية لكل التفاصيل المشروطة بالحياة والموت . فالقليل منا مثلا يعير أهمية كبيرة ليمفوال دي سرفانتس ولكن كلنا نعرف دون كيخوتي (دون كيشوت ) وكأنه إنسان حي بلحمه ودمه ، وليست شخصية متخيلة زاحمت الواقع بقدراتها، حتى احكت وحدها مساحة النص والكاتب معا. الشي ء نفسه ، وان بدرجة أقل يمكن أن يقال عن إيفا بوقاري في "مدام بوفاري" لغبرستاف فلوبير،وعن شهرزاد في ألف ليلية وليلة ، والتي لا يشغلنا كيرا كاتبها أو كتابها كعادة النص الشعبي، بل شهرزاد هي التي تشغلنا، وقدراتها عل الالتجاء الى الحكاية والمخيلة لإنقاذ ذاتها من الواقع المسطح واليومي والتاريخي المأنة في شهريار. إن ما صنع هذه النصوص وخلدها هو قدراتها التخيلية وبياضاتها المستديمة القادرة باستمرار على استفزاز القاريء ودفعه الى فعل إثبات جدوى القراءة الجديدة ، وتنميقها: "تنحو الكتابة ، والنص معا الى اللعب ومن ثمة لشرح ذاتها وممكناتها التقنية واللغوية والدلالية وتدخل في هذه اللعبة ذات الكاتب المخيبة وذات القاريء المستحضرة . إنها تستدعي متخيلهما معا ليشاركا في لحظة القراءة . الكتابة ، ويعيدا تشكيل صورة النص ، إذ بكل نص خصائص وثغرة دائمة متجددة الاشتغال تهدي للقراءة فراغها باعتباره موطىء قدم رغبات ومتخيل القاريء ومجال تجدد النص في الزمن والفضاء. إنها موطن القلق الذي يفترض التساؤل حول المعنى، والتواصل والكتابة (4) ويفجر مسبقات القلتي الأدبي (4) .

ونعود من جديد الى حافة السؤال المركزي. هل الرواية تاريخ ؟! بالمعنى الصادم ، وهل وظيفتها وقدرها أن تتحدد ضمن دوائره المغلقة عموما؟

التاريخ الأدبي، يضع أمام أعيننا اعير من النصوص التي تحيل الى التاريخ كبنية فاعلة بشكل مباشر، وموجهة لمسارات الكتابة ، ولكنه يزخر كذلك بعكس هذا. لقد قدم بلزاك نصا الكبير "الكوميديا الإنسانية " في شكل مجموعة متماسكة من الروايات تشكل الضرورة التاريخية لظهور فرنسا الحديثة ، من خلال اختراق المخيلات السائدة واقتحامها وتجديدها بحاجات روحية جديدة ورموز ودلالات تربك السائد والمستقر، وتضعه عل حافة الارباك والاختلال ، على عكس مثلا - والترسكوت الذي ظل محجوزا ومؤطرا داخل التاريخ . منه ينطلق واليه يعود باستمرار حتى وان لم يكن التاريخ هو الضابط المطلق ، ولكن والترسكوت لا يتخيل خارج ما تقدمه الحقيقة لم الحقائق التاريخية ولا يدفع بإمكاناتها الداخلية الى التجلي والظهور ليظل المتخيل التاريخي في حدود المخيلة .

ولكن هل تستطيع الرواية أن تفلت من التاريخ لتحقق كياناتها الذاتية ، أي لتصبح نصا مضادا للتاريخ ، أي مضادا للوثوقية والمطلق والحقيقة ، أي مضادا للمخيلة بوصفها فضاء واسعا يفتقد الى الخصوصية والتمايز و"الأنا" الإبداعية المحولة ؟

استحضر هذه "الحدوثة " التي وقعت فعلا في إحدى قرى الغرب الجزائري، وكتبت عنها الصحف بنوع من التهكم ، وتقع يوميا آلاف المرات في العالم ، لأن فوادتها لا تكمن في طبيعة الحادث ، وانما تكمن في قراءته من موقع التقصيص والحكي والتخيل .

تقول الحدوثة "وقع حادث سيارة في الطريق A7 الذي يربط أقصى الغربي بمدينة تلمسان . خلف هذا الحادث العديد من الجرحى ، متفاوتي الخطورة . نقل الجميع الى أقرب مستشفى ، مستشفى مدينة مغنية " هنا تنتهي الحدوثة ، وهي في جوهرها تكاد تكون عادية ، وربما مبتذلة لتكرارها يوميا، والمهم هو كيف رويت فيما بعد على مدار أقل من يوم واحد، قبل ظهور الحقيقة نهائيا، والتي تعيد الأمور الى نصابها. أي كيف اشتغل المتخيل داخل تاريخ ومخيلة هذه الحدوثة التي تشكل واقعة تاريخية سنحاول أن نقدم هذه الروايات الشعبية بنوع من الاقتضاب .

* الرواية الأولى (وهي الرواية القريبة زمنيا من الحادث ). تقول :

"وقع حادث سيارة في الطريق A7(....) ويبدو أن معظم المتواجدين بالسيارة أصيبوا بجروح بليغة بمن فيهم "س " (وهو من سكان القرية التي نشأت داخلها هذه التعددية في الرواية ) .

* الرواية الثانية: (وهي الرواية المنشأة على الأولى ، بعد زمن ، ومروية من طرف راو واحد).

"وقع حادث سيارة في الطريق A7(....) وكان «س » موجودا على متنها وقد أصيب في رجله اليمنى التي قد تكون قطعت إضافة الى رضوض خطيرة في الصدر".

* الرواية الثالثة (وهي مبنية على تراكمات الرواية الثانية وعناصرها يرويها شخص ثالث ).

"وقع حادث سيارة في الطريق A7(....) وأصيب «س » بجروح قاتلة بترت على إثرها اليد والرجل اليمنى وارتشقت بعض الضلوع

المكسورة في القلب . والأطباء يقولون إنه ميت ، ولا أمل في نجاته ".

* الرواية الرابعة والأخيرة (تبدأ حيث تنتهي الثالثة ، أو يرويها راو رابع)

"وقع حادث سيارة في الطريق A7(....) وقد تكر من كان بداخل السيارة ، بمن فيهم "س " الذي تكسرت اوصاله ، وجمجمته والتصق لحمه بحديد السيارة المحروقة ، ومات قبل أن يصل المستشفى بسبب النزيف والحروق".

* وفي النهاية يرجع "س " الى القرية ، في نفس اليوم بعد الحادث الذي كان بسيطا، والذي لم يخلف أي ضحية ، ولا حتى أضرارا كبيرة في السيارة لتنسحب بعدها كل الروايات باتجاه الرواية الأولى التي تشكل مصدرا تاريخيا أو قريبا من التاريخ ، وبؤرة للمتخيل اللاحق بالحدوثة البسيطة والعادية .

والمسألة عندما تعالج أخلاقيا، هي أن تصبح كل الروايات المنسوجة على الرواية الأصلية ، كذبا أو تسلية للسيطرة عل الزمن الضائع في الريف الذي يتعامل مع السيولة أكثر مما يتعامل مع الانضباط . لكن عندما تؤخذ المسألة من الزاوية الإبداعية ، سيتغير الوضع حتما، وتتحول "الكذبة " الى متخيل ، أي الى حكاية تنظم أشواق الناس وتشيل فراغهم .

وتتجلى قيمة الحكايات لم الروايات في القدرة (الواجب ) عل الإضافة الذاتية ، لتعميق وسائل الاقناع الإبداعية باتجاه الآخر. كل واحد يضيف من عنده من مخيلته للتمايز وامتلاك القدرة الخلاقة على توليد حكاية من داخل حكاية أصلية ، تشكل الجذر التاريخي الأول . أي الاعتماد على عملية التقصيص (اختراع القصص المتعددة من قصة واحدة مركزية ) وتشغيلها في النسق العام للحكاية (القصة ). المركزية . إن كل أثر، وكل رواية أو قصة كما يقول تودوروف "تحكي من خلال حبكتها قصة إبداعها الخاص ، قصتها الخاصة "أ" ". ففي الرواية ، بوصفها فضاء أكثر تعقيدا وصعوبة في البنية والتركيب ، تحدث التحولات بعلاقاتها باللحظة التاريخية والمشكلة للنقطة صفر في الكتابة ، بشكل أكثر صعوبة ، ولكن أكثر وضوحا. ولا يكون الارتباط بالتاريخ إلا في حدود اللحظة المحركة لعملية الحبك القصصي. ويظل عنصر المتخيل الحكائي هو المتحكم جوهريا في النسيج السردي للنص ، يحدث هذا حتى في النصوص التي اعتبرها النقد العربي نصوصا ذات انتماء الى نوع يسمى"الرواية التاريخية " كما حدده جورج لوكاتش ( بحيث يصبح التاريخ هو الشرط المسبق للحاضر بما في ذلك العملية الإبداعية ذاتها. إن شخوص النصوص الروائية الانتقالية (بين الشعبي الشفهي والرسمي المكتوب لم لجرجي زيدان ، أو لمعروف الأرناؤوط ، أو لغيرهما، لا تندرج دائما ضمن الأطروحة التاريخية التي تتعامل مع النص كاستجابة لمعطيات ثابتة ومطلقة ، ولا ضمن التصور الصارم الذي قدمه السير والتر سكوت الذي كان يلتزم في كتاباته بالتاريخ كحقيقة ، ولكنها أقرب نسبيا (مع بعض التحفظ ) من أطروحة الفريد أو فيشيني Alfred de Vigny كانت تدعر وتؤكد على حرية الفنان وتقر بحق الكاتب في تغيير حوادث التاريخ وترتيبها وتأويلها، لأن الحقائق التاريخية وحدها لا ترمي العقل ، ولكن الفن يتدخل في هذه الحقائق ، فيغيرها ويؤولها جمالا فتصير حقيقة فنية بعدما كانت حقيقة تاريخية (7) فقد خالفت هذه النصوص المعتبرة" تاريخية " التاريخ ذاته وتجاوزت حدوده ومسطراته باتجاه تنشيط أكثر للمخيلة الفاعلة ، التي ينشأ النص السردي داخلها، لدرجة أن السذاجة النقدية ، اتهمت جرحي زيدان مثلا بالقصدية المسيحية لتشويه التاريخ الاسلامي، من موقع العداوة الصليبية المسبقة .. والشي ء نفسه حدث مع معروف الأرناؤوط عندما كتب (سيد تريش ) (8) بأجزائها الثلاثة التي تبدأ بالعصر الاسلامي وفق الرؤية نفسها، والتي وان ارتبطت بالتاريخي، فهي تدرك مسبقا حدوده وفضاء اته وامكاناته في المجال الإبداعي. ولهذا فهي تتكيء أكثر على المفهوم الشعبي لعملية القص ، المفتوح أكثر والقادر على إحداث مختلف الاختراقات داخل التراث والدين والمجتمع والجس وغيرها من مكونات المخيلة الشرقية (؟). أي زحزحة الأنماط المتخيلة التي وصلت الى درجة التحول الى تا بو، ومحنط يمنع كل إمكانية للتجديد بحجة مناهضة التاريخي بوصفه ثابتا أنجز، وما على الخلف إلا تلقيه بنفس النمطية وينفس المخيلة ، التي لم يعد ممكنا استمرارها في ظل المتغيرات السريعة والعنيفة.

وكلما تمادينا في الابتعاد عن المصادر التاريخية ، حافظت الروايات العربية على خيط رقيق مع التاريخ يزداد رقة عبر الحقب ، وتفتح مكانه أبوابا واسعة أمام المتخيل الذي ينشي ء الكتابة ،ويشكل الى حد بعيد ملامح القراءة . فقد وممد نجيب محفوظ مثلا تحولات الأحياء الشعبية في مصر ما بين الحربين والصراع مع الانجليز في العديد من رواياته ، خصوصا الثلاثية (بين القصرين ، قصر الشوق ، السكرية )، كذلك فعل حنا مينه في (الشراع والعاصفة ) و(الياطر) ، و(المرصد) . وغيرها. وهو ما قام به يحيى يخلف في (نجران تحت الصفر) (تصوير نضالات الشعب اليمني)، وجمال الغيطاني في (الزيني بركات ) مستعيرا جزئيات من تاريخ مصر العثماني من خلال المخيلة التي يصنعها المامي، والراهن بهزائمه (967 الم وانتصاراته القليلة ، أما شخوص محمد ديب في ثلاثية (الحريق ، الدار الكبيرة ، النول لم فإذا كانت لها علاقة لم علاقات ، وطيدة باليومي وتعيد تشكيل تفاصيل تاريخ مضى (ما بين الحربين والتحولات اللاحقة )، فإنها تطل في جوهرها تسرد تاريخا متخيلا، تاريخا يصنعا النص وبه يخترق الروايات الرسمية للتاريخ .

ولا تشكل إذن من حيث الجوهر، العناصر التاريخية الأولى إلا ما تشكله الرواية الأولى في الحدوثة المذكورة سابقا، والتي غامت فيما بعد بحيث أصبحت الحذافيرية التاريخية عاملا ثانويا مضللا بالواقعية الملموسة ، وهو ليسر كذلك داخل بنية تحكمها عملية القص والتخيل .

ولا مانع من أن نذكر مرة أخرى، أن هذه القطيعة مع التاريخ ليست مطلقة ، لكنها حاصلة بدرجات متفاوتة ، بحسب النصوص المعاينة للدرس التحليل . ويمكننا في هذا السياق ملاحظة مستويين داخل البنية الروائية العربية في علاقاتها بالتاريخ العلمي، والتاريخ المتخيل .

المستوى الأول : مستوى تاريخي يكاد يكون مباشرا ومشابها للمصدر المنحوت منه في الكثير من تفاصيله ، مشيدا على منظور محدود للواقعية بوصفها استعادة أمينة لتفاصيل الحياة والتاريخ . أي كما استوعبت وما تزال تستوعب حتى الآن على أساس أنها الانعكاس المباشر للحياة الفعلية بمعنى ربط المتخيل (اذا وجد) بالنبوذج الجاهز، ومنعه من التطور عبر السيرورة النصية .

إن معضلة النقد العربي، التي ما تزال حتى الآن ماثلة بيننا، هي ميله نحو تحبيب الجاهز والمسطح على حساب تشغيل مكامن المتخيل التي تشكل حجر الزاوية في بنية الحكاية ، أي الرواية مثلا، وتحجيم إمكاناتها ودفعها الى الارتباط بالمرئي والملموس أي الواقعي بمعنى ما م