نظريات السرد وموضوعها
(في المصطلح السردي)


سعيد يقطين (ناقد واستاذ جامعي من المغرب)


1- تقديم:

1- 0 تتطور نظريات السرد باستمرار ،وغدا شبه مستحيل أن يواكب المرء هذه الاجتهادات المتعددة والمتراكمة . وفي الثقافة العربية تم التعرف على بعض هذه الأعمال ، وتتحقق في هذا المضمار دراسات عديدة ، وأنجزت ترجمات لبعض الانجازات المسردية الغربية . لكن الملاحظ هو أن الأعمال السردية العربية تفتقر الى ما يعطي لمختلف هذه الأعمال قيمتها الخاصة ، وليحقق لها مصداقيتها . ذلك لأنها ظلت في أغلب الأحوال عبارة عن اجتهادات ذاتية أو فردية . وعمل كل دارس أو مترجم يتم بناء على رؤية صاحبه أو اقتناعه ، الشيء الذي طبع هذه الانجازات بالاختلاف القائم على الخلاف ، والتعدد الذي يصل حد التسيب . فلا حوار بين المشتغلين بالسرد العربي، ولا رؤية توحد الاهتمام ، ولا لقاء بينهم لتوحيد لفتهم ، أو مناقشة اصطلاحاتهم ، التي هي في أغلب الأحيان مقابلات لما يوجد في المصطلحا ت الغربية . بل الأدهي من ذلك والأمر، أن أحدهم ،وهو يدخل عالم نظريات السرد لأول مرة من خلال اطلاعه على مقال أو كتاب أجنبي لا يكلف نفسه عناء الاشارة الى مصادر سابقة ، أو دراسات أنجزت في المضمار نفسه ، فيقدم عمله وكأنه كشف جديد، ويقترح مصطلحات لا تساهم إلا في إشاعة نوع من الاضطراب ، ومزيد من فوضى الاستعمال .

1 - 1 هذا الوضع الذي يخلو من الانصات الى أعمال الآخر والى الحوار العلمي الصريح والواضح في وضعنا الثقافي العربي، لا يمكن أن يؤدي نهائيا الى انتاج معرفة علمية أو الى تطوير معرفتنا بالسرد العربي القديم أو الحديث . قد تكثر الدراسات والترجمات ، لكن الحصيلة كلام قد يملأ بياض الصفحات ، لكنه لا يمكن أن يسهم وبأي صورة في جعلنا ذات يوم نتحدث عن "الانجازات " السر دية العربية ، ودورها في تعميق الفهم والادراك ، وخلق الأسس الملائمة لتأسيس تقاليد علمية رصينة عميقة .

إن أي تأخير في التوقف الآن لقراءة ما تراكم ، ومناقشة ما أنجز من دراسات وترجمات عربية في نطاق السرد، لا يمكنه إلا أن يضع المزيد من العراقيل ، ويخلق المزيد من المشوشات التي تساهم في تعطيل نمو الفكر العلمي والنقدي في الثقافة العربية الحديثة . كما أن عدم الاقدام على ممارسة النقاش بصدد ما أنجز لا يمكنه إلا أن يصب في مسار التسيب المهيمن ، والفوضى السائدة .

1- 2أقدم فيما يلي مساهمة متواضعة ، من خلال التوقف عند بعض المصطلحات _المفاتيح ، أو المصطلحات الأصلية أو الأساسية التي تنهض على قاعدتها نظريات السرد وعلومه الحالية . ذلك لأني أومن إيمانا قويا أنه بدون تدقيق فهمنا، ووعينا بالأسس لا يمكننا إلا أن نقيم بناءات واهية .

إننا ما دمنا لا ننتج هذه المفاهيم والمصطلحات فإنه لا يمكن إلا أن نختلف في فهمها ونقلها الى لغتنا العربية .

والنقل الى لغة أخرى لا يمكن أن يتأتى بالسهولة التي يتصورها البعض : الرجوع الى منهل أو مورد وتناول قطرة منه . وجعلها شرابا سائغا للشاربين ! الذهاب الى العين مهم لكن للوصول الى الرأس . وما أصعب الدخول الى الرأس لمعاينة كيف يشتغل . إنه بدون فهم طريقة اشتغال المفهوم وبدون تحديد خلفيته ومقاصده ، لا يمكن أن نستوعبه . وبدون الاستيعاب الجيد، لا يمكن النجاح في الاقتراح المناسب .

2- في المصطلح السردي :

2- 0 إن مصطلحات أي اختصاص كيفما كان نوعه تكتسب دلالاتها الخاصة في الاختصاص نفسه . إنه يحددها وفق ما يمليه عليه السياق الذي يضعها فيه . وهذا هو مرد اختلافات دلالات المصطلح الواحد باختلاف الاختصاصات والتصورات إذا اتفقنا على هذه القاعدة ،يمكن أن نذهب الى أن هناك نظريات عديدة ومختلفة لتحليل السرد. وطبيعي أن نجد المشتغلين بهذه النظريات يستعملون دوال مصطلحات معينة لكن كل اختصاص يحصلها بمدلولات تطابق التصور الذي ينطلق منه . إذا اتفقنا على هذه القاعدة كذلك لا مفر من الذهاب الى أن:

- الدال السردي (المصطلح ) الواحد له مدلولات سردية (اصطلاحية علمية ) متعددة بتعدد النظريات والاجتهادات .

ويقتضي هذا، إذا ما حصل التسليم بذلك أن أي مصطلح من المصطلحات السردية لا يمكن أن نضع له مقابله المناسب ما لم نفهم جيدا، ونستوعب جيدا مدلوله داخل الاطار النظري الموظف في نطاقه .

هذه القاعدة تتصل بالمصطلح الأصلي في اللغة الأجنبية . ولابد من قاعدة موازية ترتبط هذه المرة بـ "المصطلح " المقابل الذي نود "اقتراحه " من داخل اللغة العربية ، بعد تمثل القاعدة الأولى ووضعها في الاعتبار : فهم المدلول الخاص بالمصطلح فهما دقيقا.

تقدم اللغة إمكانات مهمة في الاستعمال ، وعلينا انتقاء الأنسب والاقرب ، والأجمل من المفردات التي نعتزم اقتراحها. وعلينا أن نحسن اقتراح كلمة معينة من وسط شبكة من الكلمات المتقاربة ، وفي تقديرنا الضمني أن بعضا منها قابل للاستثمار للدلالة على مصطلح قريب .

وبمراعاة هذا التوزيع يمكننا في حال انتقاء بعضها أن نحمل مجاورتها دلالة قريبة ، ولكنها تكون أخص أو أعم ، أو ما شاكل هذا من العلاقات التي تنظم الوحدات المعجمية المشتركة (عام _ خاص _ كل _ جزء/تراتب / تدرج..) بذلك ، وتبعا للاقتضاء والاستعمال ، يمكننا تقديم "المصطلح " المتقابل والقابل للتميز عن المصطلحات القريبة منه ، بمقوم ذاتي أو أكثر.

2- 1 لا نود من هذا الاقتراح أن نحل مشكلة المصطلح ، وإذا نكون نروم ذلك ، فإننا نتوهم ، لكن ما نود الوصول اليه ، وهذا ممكن هو أن تتوافر لدينا رؤية واضحة ، وأسس دقيقة للاجتهاد والعمل . إنه في غياب الأسس والرؤية الخاصة لا يمكن أن تكون لدينا إمكانية للاختلاف والحوار والنقاش. إن العمل الاعتباطي وغير المؤسس على أية قاعدة أو تصور غير قابل للنقد أو النقاش . ويهمنا توافر إمكانيات للحوار بناء على رؤيات مختلفة وتصورات محددة ، لأن ذلك هو الذي يضمن تحقيق التراكم والتطور.

2- 2هناك مصطلحات سردية عديدة تروج فيما ينشر من دراسات وترجمات . إنها من الغنى والتنوع والتعدد الذي يمكن أن يشي بالايجاب ، ولكنه للأسف يغدو مظهرا سلبيا يدل على التسيب ، وعدم التقيد بأي ضابط محدد. وهذا المظهر السلبي علاوة على أنه يخلق ارتباكا لدى المشتغلين لأنهم يصبحون غير قادرين على التواصل فيما بينهم ، رغم أن الموضوع الذي يشتغلون به واحد، يؤثر بشكل أكثر سلبية على القاريء الذي يجد نفسه بصدد كل دراسة أمام ترسانة من المصطلحات السردية المتضاربة والمختلطة التي تتكرر أحيانا، ولكنها في كل مرة تظهر له بوجه . ومن المؤسف أن يغدو المشتغل والقاريء معا "كالمنبت لا ظهرا أبقى، ولا أرضا قطع " ! وهذا وصف حال !..

3- في الموضوح السردي.

3- 0 نريد أن نبدأ من البداية مع البدء تولد المشكلات . وإذا لم تتوضح لنا مشكلات البداية ، لا نورث اللاحقين من بعدنا إلا المشاكل . والرجوع الى البدايات محاولة لتدقيق رؤيتنا الى التطورات وما صاحبها من تراكمات كانت بمنأى عن مواكبة دراساتنا أو وعينا لها.

منذ اجتهادات الشكلانيين الروس النظرية ، ودعوتهم الى ضرورة ميلاد علم جديد يعني بـ "أدبية " الأدب ، أسموه "البويطيقا"، الجديدة ،وأعمال فلاديمير بروب حول الحكاية العجيبة وصولا الى السرديات (كما اقترحها تودوروف )، وسيميوطيقا "السرد" ونظريات لسانيات النص ، وتحليل الخطاب مرورا باجتهادات الانثروبولوجيين (ستروس ) وعلماء الأديان (م . إلياد) وعلماء الأساطير (كايوا - دوميزيل ...)، نجد الاشتغال بـ "السرد" يحظى بمكانة متميزة ، سواء تجلى من خلال الخطاب اليومي، أو الصحفي ، أو التاريخي أو الأ سطوري، أو الأدبي،، وسواء ظهر من خلال المستوى اللفظي أو الصوري أو الحركي... تعددت المقاربات واختلفت باختلاف المدارس والاختصاصات .

ولعل أهم الانجازات في هذا النطاق يبرز فيما يمكن اختزاله بكلمة في ظهور علوم عديدة تعني بـ "السرد" أي أننا صرنا منذ أواسط هذا القرن أمام علوم سردية خاصة لها مناهجها وقضاياها الخاصة "بالسرد" الحديث (الرواية القصة ..) أو القديم (الحكايات العجيبة - الاساطير - الأشكال البسيطة ...).

تبلورت هذه العلوم مجتمعة في الحقبة البنيوية (منذ أواسط الستينيات

وأوائل السبعينيات ). لكن للاسف الشديد، هو أننا بانتباهنا في أواسط السبعينيات وأوائل الثمانينيات الى النقد الجديد لم يثر اهتمامنا الا الطابع "البنيوي" العام والمشترك الذي وسم هذه المرحلة ، لكننا لم ننتبه الى الطوابع العلمية المختلفة بين كل الاجتهادات ، وما يتميز به بعضها عن بعضها الآخر. وهذا ما جعل التميز لدينا يصبح بين نقد بنيوي وآخر أيديولوجي . ولم يكن يدور بالخلد التساؤل عن معنى بنيوي وفي أي اتجاه ؟!

3- 1 إن العلوم السردية التي تبلورت في الحقبة البنيوية ، شأنها في ذلك شأن أي اختصاص علمي، قامت أولا على أساس تحديد موضوعها بدقة . وعلى غرار الشكلانيين الروس الذين حددوا موضوع "البويطيقا" في "الأدبية " باعتبارها الخاصية التي تجعل من عمل ما عملا أدبيا، نادى المشتغلون بـ"السرد" من منظور علمي بضرورة تحديد موضوع "علم السرد" فكان

 هو N arrativité, Narrativity" ´´ .إن الموضوع واحد،لكن كل علم سنعطيه دلالة خاصة تتماشى مع إجراءاته ومقاصده .

هذا الموضوع في نقله الى اللغة العربية أخذ ترجمات غير دقيقة تنم عن سوء الاستيعاب والفهم . فهو مرة يستعمل بمعنى "السردية " ، ومرة بمعنى "الشعرية " ، على ما بينهما من اختلاف . كما أن "السردية " كانت تستعمل مرة للدلالة على العلم "Narratologie", ، ومرة على الخاصية التي يتميز بها العمل السردي Narrativité" . ويعود هذا الفهم أو ذاك الى طبيعة استيعاب مفهوم "العلم " و" موضوعه " وما يتصل بهما . وفي كل الحالات كان هناك اضطراب وخلط ، لا يرتبط فقط بـ "الترجمة "، ولكن بفهم النظريات بسبب الاختزال والتسرع .

وبدون الدخول في سجال مع الترجمات والاستعمالات ، نرى ضرورة تحديد "الموضوع " الذي جعلته مختلف العلوم مدار اهتمامها، لتتاح لنا إمكانية تدقيقه ، بتدقيق المفهوم الذي يطابقه في هذا الاستعمال أو ذاك وذلك بقصد توضيح مدلولات الدوال وتدقيقها على النحو الأمثل والأنسب .

3- 2يمكننا الوقوف عند دلالتين مختلفتين جذريا، لتبيين اختلاف "الموضوع " من خلال تباين منطلقات واجراءات علمين سرديين ، فرضا نفسهما بشكل قوي هما : سيميوطيقا "السرد" و"السرديات " . ظهر هذان العلمان في أواسط الستينيات ، ويمثل الأول منهما غريماس ، والثاني جيرارجنيت بامتياز.

هذان العلمان يحددان معا موضوع اشتغالهما من خلال مصطلح واحد هو´انه Narrativiti . وعلينا أن نوضح أن كلا منهما يستعمله بمعنى مخالف للآخر.وهذا الاختلاف عندما لا نفهمه حق الفهم ، لا يمكن لاستعمالاتنا للأشياء، في لغتنا ، إلا أن تظل مضطربة ومشوهة وغير دقيقة وأي اضطراب أو تشويه أو انحراف ، لا يمكنه إلا أن يسهم في تعطيل تحقيق المعرفة العلمية أو تطويرها بالصورة التي تقدم در استنا وتحليلاتنا.

أبدأ أولا بسيميوطيقا "السرد" وبعد ذلك بالممبرديات ، وبعد التوضيح أقدم الاقتراحات المناسبة للطم وموضوعه بحسب ما يقتضيه كل علم وما يتميز به عن غيره .

4 - السيميوطيقا والحكي:

4 - 0 ينطلق السيميوطيقيون على اختلاف مشاربهم من تحديد موضوعهم باعتباره  "المحتوى"الحكائي، وذلك بناء على أنهم يحددون العلامة تبعا لتمييز يلمسليف للعلامة اللسانية . والعلامة "الحكائية " تتمفصل الى دال (التعبير) ومدلول (المحتوى .وبتركيزهم على المدلول (المحتوى) يلغون الدال من دائرة اهتمامهم .

يبرز ذلك في تأكيد شميات على أن المهمة الأساسية للسرديات (وهو يقصد علم السرد سيميوطيقا) هوتحليل المحتوى بصفه عامة (1) . كما أن غريماس في مختلف أعماله يشدد على البعد نفسه ،وذلك بناء على أن المحتوى هو الذي يشترك بواسطته مختلف الخطابات التي تقوم على الحكي.

والهدف من التحليل السيميوطيقي هو الامساك بالمعنى أو الدلالة بفض النظر عن مختلف التجليات (التعبير )التي يتخذها(2). ولقد مكن الاهتمام بالمحتوى السيميوطيقيين من الوصول الى نماذج خاصة في التحليل ويبدو لنا الاهتمام بالمحتوى جليا من خلال تعريف جماعة أنتروفيرن Narrativité :"إنها مظهر تتابع الحالات والتحولات المسجل في الخطاب ، والضامن لانتاج المعنى" (3). ويسير كورتيس في الاتجاه نفسه بذهابه الى أن الحكي يرتبط ارتباطا وثيقا بـNarrativité"   لأن ما يحددهما هو كون الحكي "يتعلق بالانتقال من حالة الى حالة  أخرى"(4)، وبواسطة هذا الانتقال يحدث التحول من حاله أو وضع الى آخر عن طريق التتابع .

نلاحظ بجلاء من خلال هذه التحديدات أن الأمر يتعلق بـ"المحتوى"  أو "المادة الحكائية " ، أو "الفابولا" والمحتوى تبعا لذلك أعم وأشمل من "التعبير"، لأن وجوده هو الذي يحدد جنس الخطاب ، لذلك فهو الثابت والمشترك بين مختلف الأشكال أو الأنواع الذي تتضمنه ,وهو  الذي يمكن أن نجده في العمل الأدبي وغيره وفي سائر الفنون وكل أجناس الكلام .وأنه بكلمة أخرى «المدلول » الذي تختلف دواله في تقديمه .

- المحتوى ثابت وعام . نضع مقابلا له مفهوم "الحكي" ذلك لأن "الحكي" عام ، وهو الذي يمكن أن نجده من خلال اللغة والصورة والحركة والايقاع .. أما السرد فهو أخص منه لأنه يتصل فقط باللغة .وبهذا التحديد يصبح "الحكي" مقابل (Nrécit)  باعتباره يتصل بالمحتوى ويغدو "السرد"  مقابلا لـ(Natration)  لكونه يرتبط بالتعبير.إن الحكي شديد الصلة بـ «الخبر» ، لذلك نجده يتضمن ما يوحي اليه المحتوى من خلال حضور " المادة الحكائية "، أو القابلة أن تحكي . أما السرد فيتعلق بطريقة تقديم الحكي.وفي مخكف دلالاته في العربية يعني "النظم " ،أو «التركيب » أو "النسق " القائم على الترتيب .. ويمكن أن نلمس الفرق من خلال قولنا:

- فلان يحكي، وفلان يسرد.

إذ يوحي التعبير الأول الى «نوع » الخطاب (الحكاية ) ،في حين يومي، الثاني الى الطريقة . هذا التمييز يمكن أن يجسد لنا بعض الفروقات البسيطة بينهما (الحكي - السرد) والا فإن التداخل بينهما وارد، والتفريق بينهما صعب للغاية . هذا الوضع لا يعرفه الاستعمال العربي فقط ، فالاستعمالات الغربية بدورها لمختلف هذا النوع من المفاهيم لا يخلو من التباس ،وابهام .

4- ا لقد شهدت المصطلحات "السردية " اختلافات عديدة بين مختلف المشتغلين بـ "السرد" أو "الحكي".وأثيرت مجالات عديدة بشأنها . وعندما لا نعي خصوصية هذه الاختلافات ، وما تتخذه في هذا الاستعمال أو ذاك ، ونأخذ منها موقفا واضحا نضاعف الاختلافات في التوظيف والاستعمال لقد دافع كل المشتغلين بـ "السرد" عن الدلالات التي يخصون بعض المفاهيم وعملوا على دفع الاستعمالات الأخرى.

إن السيميوطيقيين وبعض الفلاسفة (بول ويكور) حاولوا حصر الموضوع في المحتوى. وفي هذا النطاق تقول آن هينو : "يمكن أن نتحدث عن Narrativité" عندما يصنف نص ما من جهة أولى ، حالة بداية على صورة علاقة امتلاك أو فقدان لموضوع زي قيمة ومن جهة ثانية ، فعلا أو متوالية من الأفعال التي تنتج حالة جديدة ، مخالفة لحالة البداية " (5)، وهو نفس التحديد الذي تقدمه في كتابها اللاحق الذي يحمل عنوان " السرديات ، والسيميوطيقا العامة" (6). هذا التحديد يبدو لنا بوضوح من خلال اعتبار بول ديكور "السرديات " : "حقا عاما يضمن لكل من الحكي التاريخي ،والحكي التخييلي " (7)، وأن كل التاريخياتHistographie)  )إذا كانت تهتم بالأفعال ،فهي أيضا سرديات " (8).

إننا هنا أمام اختلاف بشأن الاختصاص "السر ديات "، وموضوعه (الحكائية أم السردية ) . وهذا ما جعل جيرار ـ دونيس فارسي ،"يرى بأن لا إجماع حول أي منهما".(9) واذا كان السيميوطيقيون يتخلون أحيانا عن استعمال "السرديات " ، فإنهم يتشبثون بمصطلح N arrativité" ´´ ويحدده غريماس سواء في مختلف أعماله ، او في المعجم (10) بقوله : «إن نظرية الحكي تسعي الى الاهتمام بالشكل السيميوطيقى " للمحتوى " (11)، وهي من هذه الناحية  لا علاقه لها بالأدبيه (12). إنها كما يلاحظ بول ويكور مقابل : (Mutos  )عند أرسطو، وتتعلق بتحريك الأحداث (13).

4- 2نتبين من خلال كل هذه التحديدات والنقاشات المختلفة التي أثيرت بشأنها في المنظور السيميوطيقي، ولدى الذين يحاولون توسيع المفهوم ليشمل الروائي والأدبي وسواهما من أجناس الكلام ، ومختلف أنواع العلامات (لفظية أو غير لفظية )، حتى وان توحدت المصطلحات المشتقة أو المتصلةبـrécit - narrative)  )سواء بشأن الاختصاص أو الموضوع ، أن المقصود هو "المادة الحكائية " أو المحتوى،أو القصة ، وحسب ما نذهب اليه ،فإن المصطلح المناسب الذي نضع هنا بسبب طابعه الثابت هو الحكي، وليس السرد. إن الحكي عام ، والسرد خاص . فالحكي هو الذي ينسحب عليه مصطلح narrative   récit   وهو الذي يمكن أن نجده في الأعمال التخييلية وفي الصورة والحركة وسوأها. أما السرد . فلا يمكن أن يتحقق إلا في الأعمال اللفظيه (14). وأجدني في هذا المضمار اتفق مع ما ذهب اليه جيرار دونيس فارسي بذهابه الى اقتراح مصطلح "récitologie"  مقابل Narratotogié"  للتمييز، لولا أن اقتراحه جاء متأخرا كما يقول ، (15).وفعلا فإن مصطلح "الكائنات " يمكن أن يدل أقوى على الطابع الشمولي

والواسع لما يمكن أن يتصل بما هو حكائي ، كيفما كان وحيثما وجد. ويكون موضوع "الحكائيات " هو "الحكي" أو "الحكائية " . ولما كان السيميوطيقيون يوظفون "السيميوطيقا الحكائية " أحيانا تمييزا لها عن السرديات ،أرى أن الأنسب ، وبسبب اهتمامهم المنصب على "المحتوى" أن نقابل كل ما يتصل لديهم " بـNarration"  بالحكي، لأنهم لا يهتمون ،عموما ، بالتعبير (السرد) وبذلك نغدو أمام الحكائيةNarrativité"   والبنيات الحكائية ،

والبرنامج الحكائي والملفوظ الحكائي، والمسار الحكائي ، وما شاكل هذا من الاستعمالات المتصلة لديهم بالمادة الحكائية ، الموضوع الأساسي لا شتغالهم وتحليلاتهم .

إن السيميوطيقيين وهم يشددون على المحتوى يريدون الامساك بالعنصر الثابت في أي عمل حكائي لأنهم يعنون بشكل خاص بـ "المعنى" أو "الدلالة " . ولا يمكن بروز هذا العنصر الثابت إلا من خلال "المحتوى" ،لأنه أساس الحكي.

5- السرديان والسرد:

5- 0 إذا كان السيميوطيقيون يشتغلون بـ "المحتوى"، فالسرديون يهتمون بـ "التعبير" ، اذا وظفنا مصطلحية السيميوطيقيين ، أو الخطاب كما يستعملون كمقابل للقصة أو الفابولا. إن ما يهم السرديين بشكل خاص هو الاختلاف المتعلق بالعمل الحكائي، ومكمنه في الخطاب لأن المحتوى الواحد يمكن أن يقدم من خلال خطابات متعددة لكل منها خصوصيته ، لأن ما يهمهم هو العنصر الجمالي الكامن في هذا الاختلاف .

هذا العنصر الجمالي هو الذي يصل Narrativité"  لدى السرديين بالأدبية ، ويجعلها مختلفة عن نظيرتها لدى السيميوطيقيين يقول جيرار جنيت موضحا: "إن الخاصية الأساسية للسردي (السردية ) توجد في الصيغة ، وليس في المحتوى، إذ لا وجود للمحتويات الحكائية . هناك تسلسل أفعال ، أو أحداث ، قابله لأن تتجسد من خلال أي صيغه تمثيليه "(16) . واضح هنا أنه يركز على التعبير إذ هو الذي بواسطته تتجسد الأفعال أو الأحداث . ولذلك يذهب الى أن لا وجود للمحتوى الحكائي. وبما أن الخطابات تتعدد بتعدد الصيغ التمثيلية ، يحصر مجال اهتمام السرديات ، ويقصره على ما يتحدد فقط بواسطة صيغة السرد (وليس الحكي)، بقوله : "ولا نسم ما هو سردي Narratif)  )إلا ما يقدم الينا بواسطة التمثيل السردي" (ص 13).

 5-1 أن جنيت ،كما نلاحظ هنا بجلاء ،يضيق مجال السرديات بحصر موضوعها من خلال صيغة السرد (الخطاب ). أما المشتغلون بالحكي والحكائية ، فيوسعون مجال اهتمامهم ، بانطلاقهم من "المحتوى" لذلك نجد غريماس على سبيل المثال يقول عن "الحكائية " بأنها سابقة عن التجلي (التعبير) ، أو التحقق من خلال خطاب معين ، ويربطها "بمستوى سيميوطيقى متميز عن المستوى اللساني، وهو منطقيا سابقة ، كيفما كانت اللغه المختارة لتحققها"(17).

5- 2 لقد تباينت التصورات بشأن تحديد المصطلحات ، نفسها. ورغم الرجوع الى أصول وجذور المفاهيم(18) لمقاربه الهوة ومحاولة ردمها تظل الحدود والفواصل قائمة .إنها حدود الاستعمال المرتهن الى هذا التصور أو ذاك . وهذا ما يجب الانتباه اليه ، إذا ما أردنا فعلا تحقيق الفهم المناسب ، والاستيعاب المطابق لما نتلقاه من نظريات واتجاهات .

تتحد " Narrativiti  " بحسب الاختصاص والمقاصد، وبتمييزنا بينها، نعتبرها عند السيميوطيقيين تناظرا ما أسميناه بـ "الحكائية " لاتصالها بالقصة ، أو المادة الحكائية أو المحتوى"  ونربطها بمبدأ الثبات ، وتتصل بالجنس . ونرى أنها عند السرديين مقابل لما نسميه بـ "السردية " لارتباطها بـ "الخطاب أو التعبير، ونسميها بمبدأ التحول وتتعلق بالنوع . وكل ما يرتبط بالموضوع من مفاهيم أو مشتقة يجري مجرى طبيعة الموضوع ، ونوع الاختصاص الذي  يعالجه .

إن تحديد تصور دقيق للمصطلحات النظرية ضرورة