|
1-1- هل
هناك لغة
شعرية ،
وأخرى غير
شعرية ؟ لقد
غدا هذا
السؤال
كلاسيكيا
وبعيدا عن
المناقشات
السجالية
التي أثارها
عبر العصور
فانه يمكن
القول - مع
بعض
الدراسات
الحديثة - إن
الشعر هو
اللغة بمعنى
من المعاني
ذلك ان اللغة
الشعرية لا
تتحقق إلا
على مستوى
التركيب ،
الذي يقوم
على خرق منطق
العلاقات
المألوفة في
اللغة
العادية ، عن
طريق
الانزياحات
التي يحدثها
بين الكلمات
والجمل
والمقاطع . ومن
هنا فان
اللغة
الشعرية لا
تتحدد إلا من
خلال
وظيفتها
البنائية
داخل
القصيدة وهي
وظيفة
مزدوجة في
بعدها: ترمي
من جهة الى
التواصل
بحملها «مضمونا»
ما، وتهدف من
جهة ثانية
الى التأثير
الجمالي
والنفسي على
المتلقي. وهكذا
يمكن أن نميز
داخل اللغة
الشعرية بين
مستويين :
مستوى
إخباري
تواصلي ،
ومستوى رمزي
اشاري، ولا
فصل بين
المستويين ،
إذ العلاقة
بينهما
جدلية تنهض
عل الاضاءة
المتبادلة .
فبدون
المستوى
الأول يتحول
الشعر الى
الغاز
وطلاسم ،
وبدون
المستوى
الثاني، لا
تتحقق
الشعرية ،
وينعدم
الفرق بين
الكلام
العادي وبين
الشعر،
ونصبح آنذاك
. في أحسن
الأحوال
أمام نثر
موزون . إن
اللغة ليست
قالبا
للافكار
بقدر ما هي
تعبير عن
رؤية
مستعملها
الى العالم
وهذا
بالضبط ما
فرض منطق
التطور على
اللغة ، فكما
طرأ تحول في
حياة
الانسان ،
اشتدت حاجته
الى ابتكار
أشكال جديدة
، بإمكانها
أن تستوعب
هذا التحول ..وهذا
ما يفسر
انقراض لغات
، وولادة
لغات أخرى. ومن
هذه الزاوية
فإن للغة
العربية
وضعا خاصا،
فنظرا
لأسباب
تاريخية
ودينية ،
احتفظت
بنياتها
الاساسية
بقرون طويلة
، ولم تستطع
رياح
التغيير
التي عصفت
بالعالم
العربي -
سلبا
وايجابا -أن
تنال منها -
فكان أن
تطورت
المجتمعات
العربية ،
ولكن اللغة
بقيت كما
كانت عليه . والنتيجة
: هذه
الازدواجية
اللغوية
التي يعرفها
العالم
العربي من
أقصده الى
أقصده بين
لغة تكتب
وأخرى تتكلم
. واذا سلمنا
بأن
الازدواجية
ليست مقصورة
على العرب
وحدهم ، على
اختلاف
حدتها، فان
اللغة
العربية
الفصحى،
التي هي
اللغة
الرسمية لكل
العرب _
بالمعنى
المؤسساتي
للكلمة -
تحتاج الى
مجهود جدي
لتساير
التطور
الحضاري
السريع
للعالم .
فالعربي "يتوفر
على لغة
للكتابة
والتفكير،
على درجة
عالية من
الرقي، من
حيث آلياتها
الداخلية ،
ولكن هذه
اللغة ذاتها
لا تسعفه
بالكلمات
الضروريه
عندما يريد
التعبير عن
أشياء
العالم
المعاصر" (1). لقد
كان من نتائج
هذا الخلل ان
اتسعت الهوة
بين العربية
الفصحى
والعربيات
المحلية .
وزادت
المرحلة
الاستعمارية
والنزعات
الاقليمية
التي ظهرت
هنا وهناك في
اتساع تلك
الهوة . ولما
كان التواصل
وظيفة
رئيسية في كل
عمل أدبي،
فان شكوكا
كثيرة قد
أثيرت حول
مقدرة اللغة
العربية
الفصحى على
تحقيقه ،
خاصة وأنها
لغة
المتعلمين
والمثقفين
فحسب . وفي
وقت كان فيه
أغلب أفراد
المجتمعات
العربية
يعانون
الأمية ،
فكان
التعبير
الأدبي
باللغة
الفصحى،
أصبح مجالا
للسؤال عن
جدواه ويمكن
أن نميز في
هذا الصدد
بين ثلاثة
اختيارات
رئيسية : 1
- يتمثل
الاختيار
الأول في
التمسك
باللغة
العربية
الفصحى،
لأنها تجسد
الى حد بعيد
هوية
الانسان
العربي، فهي
لغة القرآن ،
ولغة التراث
، والتخلي
عنها يعني
التخلي عن
أحد
المقومات
الحضارية
التي تحدد
ملامح
الهوية
العربية .
وبدل
التفكير في
بدين عنها،
ينبغي العمل
على
انتشارها. 2
- ويقول
الاختيار
الثاني
باللغة
الوسطى التي
تبقي على
جوهر
العربية
الفصحى،
ولكنها لا
ترى بأسا في
تقريبها الى
اللغة
اليومية
وذلك
بالتخلص من
المفردات
الصعبة
والتراكيب
المعقدة .
وبهذا تكون
اللغة
الوسطى
مزيجا
توفيقيا بين
الفصحى
والعامية ،
فتتمكن بذلك
من تحقيق
التواصل من
ناحية ،
والحفاظ على
الهوية
العربية من
ناحية ثانية
. 3
- ويذهب
الاختيار
الثالث الى
أن الأدب لكي
يقوم بدوره
ووظيفته
داخل مجتمع
ما، لا
مندوحة له في
أن يعبر بلغة
العامة ،
وذلك من شأنه
أن يخرج
الأدب من
نخبويته من
جانب ، ويضمن
التطابق بين
اللغة
والواقع من
جانب آخر. 1-2- لا
يتسع مجال
هذه الدراسة
لمزيد من
التفصيل في
الحديث عن
تلك
الاختيارات
ولا عن
الخلفيات
الأدبية
وغير
الأدبية
التي
حكمتها،
وانما أتينا
على ذكرها
لأن حركة
مجلة " شعر" (2)
قد عاشت في
خضم المشكل
اللغوي في
الشعر، في
أعنف صوره .
بل يمكن
القول : إنها
حاولت أن
تصوغ طرحا
متميزا في
هذا المجال . ولعل
المشكل
اللغوي كان
يحظى من لدن "شعر"
بحساسية
خاصة وهناك
مظهران _على
الأقل - لهذه
الحساسية :
المظهر
الأول يتجلى
في أن هذا
المشكل كان
سببا مباشرا
في توقف
الحركة عن
النشاط ، حين
أعلن يوسف
الخال
اصطدامها ،
بما اسماه
جدار اللغة .
والمظهر
الثاني
يتمثل في أن
المشكل أثار
خلافا كبيرا
بين أعضاء
الحركة ،
يرجح أن يكون
وراء
الانسحابات
التي عرفتها
منذ1962(4). الشي ء
الذي يدل على
وجود صراع
داخل حركة
مجلة "شعر"
بخصوص اللغة
، بين جناحين
جناح يتبنى «اللغة
المحكية »
وكان يتزعمه
يوسف الخال .
وجناح كان
يدافع عن
اللغة
العربية
الفصحى،
وكان يقوده
أدونيس . 1-3- لقد
وجدت دعوة
بعض الشعراء
الغربيين -
وعلى رأسهم ت
.س . إليوت - الى
ضرورة
اعتماد
اللغة
اليومية في
الخطاب
الشعري، صدى
واسعا لدى
الشعراء
العرب
المعاصرين ،
فافتتنوا "بما
حققه شعراء
الغرب
وبالآفاق
البعيدة
التي بلغتها
تجاربهم
الابداعية .
وقد مال
البعض الى
الاعتقاد أن
واحدة من
صعوبات
اللحاق
بشعراء
الغرب ،
واختزال
المسافة
الابداعية
القائمة ،
تبدو كامنة _
كما ذكر يوسف
الخال _ في
كون الشاعر
العربي يفكر
ويكتب
باللغة
الحية
لمجتمعه ، في
حين أن زميله
العربي يفكر
ويتحدث بلغة
ثانية " (5) وبالنظر
الى الفرق
المشار اليه
بين اللغة
العربية
الفصحى
واللغات
المحلية ،
فان الأمر
يكتسي طابع
الخصوصية في
البلاد
العربية ،
ذلك ان ركوب
اللهجات
المحلية
يعني الفاء
للبعد
العربي
وتكريسا
للبعد
القطري
والجهري.
لهذا فإن
يوسف الخال
عندما يتحدث
عن لغته
الشعرية
المقترحة ،
فانه لا
يسميها لهجة
، ولا لغة
عامية ولا
لغة دارجة .
وانما
يسميها "لغة
فصيحة " تارة
و" لغة حديثة
" تارة أخرى،
و" لغة محكية
" تارة ثالثة
. وهذه
التسميات
انما هي مؤشر
على
الحساسية
التي تتميز
بها المسألة
اللغوية ،
وادراك
لخطورتها.
فهل يتعلق
الأمر
بمحاولة "
ترميم "
للعربية
الفصحى حتى
تصبح أكثر
استجابة
لروح العصر؟
أم يرفضها
ويأتي
اقتراح بديل
عنها؟ ينطلق
يوسف الخال
في تحديده
لما يسميه "
اللغة
المحكية " من
مسلمة تقول:
إن "اللغة لا
تنفصل عن
الانسان
،وانها أداة
تتطور
بتطوره ، وان
صفاتها
الأساسية
واحدة في
اللغات
جميعا" (6)
وراح يناقش
المساله
اللغويه
على ضوء هذه
المسلمة.
فاكتشف ان "اللغة
العربية
مظلومة
بالمتكلمين
بها لقد
تطورت
بالكلام ،
ولكن
المتكلمين
لم يعترفوا
بتطورها
بالكلام ،
كأي لغة حية
في العالم .
لقد طوروها
بالكلام ،
ولكنهم
يكتبونها
كما هي، حسب
الطريقة
القديمة
التي لم
تتطور. واقصد
قواعدها
ونحوها
وصرفها، ولا
أقصد
المفردات .
اللغة
العربية هي
ذاتها، لغة
الجريدة مثل
لغة نهج
البلاغة ،
بدون فرق .
إذن ، اللغة
واقعة في ظلم
لابد أن
ينفجر يوما"(7). هكذا
يصوغ يوسف
الخال
اشكالية
اللغة
العربية ، أو
ما يسميه "
جدار اللغة ".
فالمسألة
تتعلق
بازدواجية
لغوية ، ولكن
ليس بين
الفصحى
واللهجات ،
كما قد
يتبادر الى
الذهن لأول
وهلة ، بل
بين المكتوب
والمنطوق .
فالمنطوق
يخضع لطقوس
اللغة
العربية
التي لم
تتغير منذ
القديم ،
والمنطوق
يتمرد على
هذه الطقوس
ويكون لغته
بعيدا عنها. ولما
كان الكلام _
مثله مثل
الكتابة -
خلقا، فان
هناك علاقة
تفاعل بين
الكلام
والكتابة .
وهو ما أدى
الى تقليص
المسافة بين
الكتابة
والكلام ، أو
محوها ، في
اللغات
الأخرى، اما
في اللغة
العربية "فلا
يتم هذا
التفاعل إلا
ببطء كثير،
لأن لنا
لغتين ،
تطورت
احداهما عن
الأخرى،
واتسعت
الهوة
بينهما الى
حد الانفصال
" (8). كيف
يتم ردم هذه
الهوة ؟
يقترح يوسف
الخال «اللغة
المحكية »
كمخرج من هذا
المأزق
اللغوي. وذلك
بغية إذابة
الفرق بين
اللغة
المكتوبة (الفصحى)
واللغة
المنطوقة (العامية
). وهكذا أضاف
لغة أخرى
فأصبح
التمييز بين
ثلاثة
استعمالات
للعربية
ضروريا. 2-1-1 اللغة
العامية .
وهي لغة
التواصل
اليومي
العادية .
انها اللغة
التي لا تكتب
، مما جعلها
غير صالحة
للخطاب
الأدبي. وهذا
ما يؤكده
يوسف الخال
نفسه حين
يقرر :"أنا
أرفض أن أقول
إنني أكتب
لغة عامية» (9).
لأن "كتابتها
في نظري غير
صحيحة من
ناحية ضبط
كيانها
اللغوي
وقواعدها.
فلفة الكلام
كما درج على
كتابتها لا
تزال متأثرة
بالصوتية
على أسلوب
الزجالين "(10). اللغة
العربية
الفصحى
ويضيف اليها
يوسف الخال
صفة "القديمة
" . ومن
خصائصها
عنده انها
تكتب ولا
تتكلم
ولأنها لم
تتطور بتطور
المجتمع
العربي،
فانها قاصرة
عن التعبير
عن حاجات
الانسان
المعاصر.
وعليه فانه
يرى انها لا
تصلح بدورها
لغة شعرية .
انها معقدة
في نحوها
وصرفها الى
الحد أدان
أبناءها لا
يستطيعون
تعلمها "(11). 2-1-3 اللغة
المحكية
ويسميها
يوسف الخال "اللغة
العربية
الحديثة "
كما سلف . وهي
التي تحكي
وتكتب في نفس
الوقت ، ويصر
صاحب مجلة "
شعر" على
انها تطوير
للعربية
الفصحى.
لذلك يرفض
أي فصل
بينهما. ويشرح
يوسف الخال
مفهومه – "اللغة
المحكية "
بقوله : «أنا
نظريتي
بكتابة
اللغة
المحكية
أدبيا، مع
الحفاظ على
أصولها
وانتمائها
للغة
الفصيحة . لا
أفصل بين
المحكية
والفصحى. أنا
أقول إن
اللغة التي
كتبت بها (الولادة
الثانية ) هي
اللغة
العربية
الحقيقية"(12). واضح
ان في كلام
يوسف الخال
هذا بعض
الاضطراب .
ولعل مرده
الى انه أخذ
من حديث شفوي
اجراه معه
جهاد فاضل .
ولكن هذا
الاضطراب لا
يمنع من
تحديد "اللغة
المحكية "
بخاصيتين
: أولاهما ان
هذه اللغة هي
امتداد
للعربية
الفصحى،
ولذلك فإنها
تكرس
أصولها،
وتعلن
انتماءها
اليها.
ثانيتهما أن
"اللغة
المحكية " هي
غير العامية
. ومن ثم فان "المحكية
" يمكن
اعتبارها
بمعنى ما
فصيحة حديثة
، في مقابل
الفصحى
القديمة
وحداثتها هي
التي جعلت
منها لغة
الأدب
بامتياز . إذ
أدلا أدب
حديث إلا
بلغة حديثة .
ما هي اللغة
الحديثة ؟ هي
التي تحكي.
لا التي تكتب
ولا تحكي .
هذه ليست لغه
حديثه " (13). 2-2- لم
يقدم يوسف
الخال نظرية
مفصلة
لمشروعه
اللغوي
الداعي الى
تبني "اللغة
المحكية ".
وانما جاء
عرضه
للمشروع
عبارة عن
إشارات
موزعة هنا
وهناك .
ويبدو أن
طموحا كان
يقوده
الاعجاب بما
حققا بعض
الشعراء
الغربيين في
هذا المجال
،أكثر مما
كان ينطلق من
بحث معمق في
وضعية اللغة
العربية .
ومن ثم فإن
مرجعيته في
صياغة مفهوم
"اللغة
المحكية " لا
تستند الى
تحليل
المعطيات
التاريخية
والموضوعية
للوا قع
اللغوي
العربي.
وانما تستند
بالدرجة
الأولى الى
النجاح الذي
حققته
التجربة
الغربية ، في
محاولتها
لتقريب
اللغة
الشعرية من
اللغة
اليومية .
فإذا صح
القول إن
الشعر لغة
فان اللغة
شعر
بالمقابل "فلولاه
لا تتجدد
اللغة ، ولا
تنمو ولا
تبقى فهو
دائما
يخلقها
كتابيا ،
ويخلقها
المتكلمون
بها كلاميا.
وبين الخلق
الكتابي،
والخلق
الكلامي صلة
حميمية ،
جعلت عزرا
باوند وت .سي .
إليوت
رسواهما من
أقطاب الشعر
والنثر
المعاصرين
ان يقولوا
بضرورة
اقتراب
الشعر في
الأخص من
الكلام
المحكي"(14). إن
سلطة هذه
المرجعية
على يوسف
الخال لم
تمهله ما
يكفي من
الوقت لكي
يبلور بشكل
واضح مفهومه
للغة
المحكية
ولهذا جاء
كلامه عاما،
لا يسعف على
تحديد دقيق
لملامحها. 2-3- إن
الطرح
المركزي
الذي انطلق
منه يوسف
الخال ، يقول
بتجاوز
الازدواجية
اللغوية بين
الكلام
والكتابة .
ومن أجل ذلك
دعا الى
تخليص اللغة
العربية مما
يعتبره "اثقالا
" تكرس تلك
الازدواجية
، ذلك ان "الاثقال
التي نحملها
بهذه اللغة
العربية
الفصيحة ،
والتي لا
نحكيها،
طرحناها
جانبا.
ونتكلم
بدونها
ونتفاهم .
نتكلم أعمق
موضوع نشاء
بهذه اللغة ،
متروكا منها
الأحمال
والاعباء:
النحو مثلا،
المثنى،نون
النسوة الخ .
هؤلاء لا
نستعملها
عند الكلام .ومع
ذلك فاننا
نتفاهم "(15).
واضح من خلال
هذه الاشارة
- ولعلها من
الاشارات
القليلة
التي يدخل
فيها يوسف
الخال في
التفاصيل -
ان "اللغة
المحكية "
تحتفظ بجميع
مكونات
العربية
الفصحى ، ما
عدا بعض
القواعد
النحوية ،
بما فيها
الحركات
الاعرابية
وبعض
الضمائر. ولما
كانت اللغة -
اية لغة -
تتأطر في
بنية لا يمكن
فصل عنصر
منها دون
المساس
بالعناصر
الأخرى، فان
الدعوة الى
التخلي عن
قواعد
النحو، بعض
الضمائر لا
يكفي
لانجلاء
الرؤية عن "اللغة
المحكية ". وقد
زاد من صعوبة
تحديدها ان
الخال نفسه
لم يمارس هذه
اللغة
شعريا، إلا
في حدود ضيقة
جدا. مما لا
يسمح معه
بالخروج
بنتائج
واضحة
وحاسمة .
فلقد اتخذ
توظيف يوسف
الخال للغة
المحكية
ابداعيا
أربعة مظاهر. في
الأول ، كان
يحرص _ شأنه
في ذلك شأن
أغلب شعراء
الحداثة على
تبسيط
العربية
الفصحى من
خلال انتقاء
المفردات
القريبة من
القاموس
اليومي
والابتعاد
عن الترا كيب
المعقدة.
باعتماد
الجمل
القصيرة
التي لا تثير
اشكالات
نحوية
للقاريء وقد
كتب على هذا
المنوال
"البئر
المهجورة ". وفي
الثاني، لم
يكتف
بالاقتراب
من المعجم
اليومي ، بل
لجأ الى خرق
قواعد اللغة
العربية كما
في المثال
التالي (16): رفاقنا
الهناك في
الرمال أثروا
البقاء تحت
رحمة الأجير
والنقيع
والضجر فقد
استعمل يوسف
الخال " ال "
اسم موصول
بدل "الذي"
اضافة الى
انه قد ألحق "
ال " بغيرها
تلحق به في
العربية إلا
شذوذا. ويتجلى
ثالث
المظاهر، في
أن الخال عمد
الى دس جمل
بكاملها
باللغة
العامية في
طيات بعض
قصائده .كما
في قوله (17): راح
أرجع عيش
بابيات شعر
دارج واتغزل
للعرب ديوان
كله برق يعلقوا
قصائده ع حجر
اسود جديد أما
في المظهر
الرابع فان
الخال يتبنى
"اللغة
المحكية " في
العمل كله
والواقع انه
لم يكتب سوى محاولتين
على صفحات
مجلة " شعر"،
تدخل في هذا
الباب .
الأولى
متابعة
نقدية (18) والثانية
فصل من
مسرحية
شعرية تحت
عنوان "غريب
في يوم واحد"(19)،
نثبت منها
هذا المقطع
كنموذج للغه
المحكية. مسكين
قلبي يايسوع
صغير لكن
بحبك وسع
هالدنيا غفر
لي أنا
الخاطي. مضت
أيام نكرت
فيها محبتك
ويئست منك
ومن حالي
يئست كتير يفصح
هذا المقطع
الذي سيق عل
سبيل المثال
لا الحصر ،
عن أن "اللغة
المحكية "
التي نادى
بها الخال ما
هي في
الحقيقة سوى
العامية
اللبنانية
التي سبق أن
تبناها ودعا
اليها سعيد
عقل . مع فارق
شكلي يتمثل
في أن عقل
عمل على
تحقيق
التطابق
الصوتي
،وتحققه على
الحرف ، في
حين أن الخال
راعي علاقة
الحرف
بالتركيب
والصيغ
الصرفية .
وهكذا فان
سعيد عقل
يكتب "معلمة
" و" كتابه "
مثلا ،"معلمي"
و"كتابو"
دونما
اعتبار لتاء
التأنيث
وللضمير
المتصل أما
الخال فكان
يرى أن "التاء
"معلمة " هي
حتى صوتيا
ماء مخففة
وليست ياء.
والدليل ذلك
أنك عندما
تضيفها تصبح
تاه مربوطة
مثل " معلمة
المدرسة "،كما
الحال في
اللغة
العربية
المكتوبة"(20). وهكذا
فان الخلاف
بين الخال
وعقل بصدد
هذه النقطة
لا يطال جوهر
المسألة
اللغوية .
فهما متفقان
على مبدأ
اللغة
العامية -
على اختلاف
التسمية -
انهما
يختلفان حول
الجانب
التقني فحسب
، أي طريقة
كتابة تلك
اللغة ، ورغم
ذلك فان هذا
الخلاف ليس
هينا، لأن
الخال كان
يهدف الى
اثبات
العلاقة بين
الفصحى
والعامية ،
باعتبار
الثانية
تطويرا
للأولى
وامتدادا
لها. أما
سعيد عقل
فكان يروم
الى إعطاء
اللغة
العامية
استقلالا
كاملا عن
الفصحى. ومن
هنا فان يوسف
الخال يأخذ
على عقل
طريقته في
كتابة
العامية .
ويقول إن تلك
الطريقة "تقتلع
لغة الكلام
من أصولها
كلفة فصيحة ،
متطورة . وهو
موقف ينطلق
سعيد عقل من
إيمانه
الطامح
بالمعادلة
التالية : أمة
لبنانية =
وطن لبنان =
لغة لبنانية
"(21). ومهما
يكن من أمر
الاختلاف
بين يوسف
الخال وسعيد
عقل ، فان
الامثلة
التي ساقها
البحث من شعر
صاحب مجلة "
شعر" تبين عن
عجز فادح عن
استيعاب "اللغة
المحكية "
شعريا. فهناك
مسافة بين
التحديدات
النظرية
وبين تحققها
على مستوى
الابداع .
وهو ما يبدو
طبيعيا لأن
التغيير
اللغوي _ في
أية لغة -
لا يتم
بقرار فردي
أو جماعي ،
بل يتم متى
توافرت
الشروط
الموضوعية
لذلك ،´تبعا
لحاجة
المجتمع الى
التواصل .
ومن هنا
فالظاهرة
اللغوية
أكثر تعقيدا
مما تصوره
يوسف الخال .
ويهذا يمكن
تعليل الفشل
الذريع الذي
منية به
دعوته الى "اللغة
المحكية ". لقد
بدا هذا
الفشل واضحا
على مستوى
ابداع الخال
الشعري فلقد
كتب أغلب
شعره
بالعربية
الفصحى.
وتكاد
المحاولات
التي اتخذ
فيها "اللغة
المحكية "
اداة
للتعبير، لا
تعتبر إذا
قيست
بانتاجه
الشعري
الفصيح . وقد
سئل الخال عن
سبب عجزه
التوفيق بين
ما يدعو اليه
نظريا وبين
ما يمارسه
ابداعيا
فأجاب :
ددغير ضروري
أن يستطيع
الانسان
تجاوز ما
يدعو اليه .
فإذا دعوت
مثلا الى
إلغاء
الازدواجية
في اللغة
العربية
باعتماد لغة
الكلام لغة
أدبية ، فهذا
لا يعنى
بالضرورة أن
أفعل ذلك
وأتوفق فيه
"(22) . وكما
لم يستطع
يوسف الخال
تحقيق
التطابق بين
ما ينظر له ،
وبين ما
يمارسه
ابداعيا،
فانه لم
يستطع أن
يقنع رفاقه
داخل حركة
مجلة " شعر"
بجدوى
مشروعه
اللغوي،
باستثناء
انسي الحاج
الذي أبدى
تعاطفا مع
الخال، على
الرغم من انه
لم يحاول
الكتابة
بالمحكية أو
التنظير لها. ويظهر
ان المسألة
اللغوية _كما
طرحها الخال
_كانت مثار
خلاف حاد
بينه وبين
باقي أعضاء
حركة مجلة "شعر".
ولكنه كان
خلافا
داخليا، لم
يتخذ طريقه
الى صفحات "
شعر" حفاظا
على ابقا؟
الحركة على
قيد الحياة
لمدة أطول . ولكن
المتتبع
لحركة مجلة "
شعر" ،
وللصراعات
الظاهرة
حينا،
والخفية
أحيانا أخرى
بين
اجنحتها، لا
يسعه في
نهاية
التحليل إلا
الاقرار بأن
الانسحابات
التي عرفتها
"شعر" سنتي 1962
و1968، كانت
ترجع في جانب
كبير منها
الى
الاختلاف
حول المسألة
اللغوية ،
وهذا ما
اعترف به
يوسف الخال
نفسه بعد
سنوات من
توقف نشاط
حركته
الشعرية ، إذ
قال : "إننا
قد اصطدمنا
بجدار اللغة
. فالأدب
الحديث لا
يكون حديثا،
ما لم يكتب
بلغة حديثة .
ولغتنا
الحديثة هي
اللغة التي
نتكلمها
وبها يجب أن
نكتب شعرا
ونثرا،
يستمد لغته
وتعابيره
وعبقريته
وايقاعه من
كلام الناس
"(23). 2-5- لم
يكن يوسف
الخال أول من
دعا الى
التخلي عن
العربية
الفصحى في
الأدب . فقد
أخذ المشكل
اللغوي حجم
معركة أدبية
، قبله
بعقود، بين
كتاب
اعتبروا ذوي
نزعة
فرعونية
وآخرين عدوا
قوميين ولم
تؤد تلك
المعارك الى
نتائج حاسمة
، سوى أنها
أبانت عن
الخلفية
الأيديولوجية
للمشكل . ولعل
الاعتماد
على
الطروحات
الايديولوجية
، دون مراعاة
الشروط
الموضوعية
للغة نفسها،
هو ما جعل
تلك
المحاولات
تؤول الى
اليأس
والفشل .
وعلى الرغم
من أن أحدا
لا يستطيع
اقصاء البعد
الايديولوجي
في المسألة
اللغوية ،
الا أن هذا
البعد لا
يمثل المكون
الوحيد فيها. ولما
كان يوسف
الخال غير
قومي النزعة
، فان علاقة
اللغة
العربية
بوحدة الوطن
العربي يجب
أن تهمل في
رأيه ، لأنها
تفسر اللغة
تفسيرا
خارجيا . فقد
كان يعتقد
أننا يجب
أولا أن "نقرر
إذا كان
اعتماد لغة
الكلام
حقيقة أم لا.
فاذا كان
حقيقة توجب
علينا الأخذ
بها، دون
اعتبار
خارجي. فماذا
تفيد وحدة
العرب إذا
قامت على أسس
مزيفة "(24). لا
شك أن في هذا
إقرارا بأن
اللغة
العربية لا
تمثل مكونا
من نومبة
العربية .
وهو اقرار
يستمد
خطورته من
أنه جاء في
سياق المد
القومي
العربي. وفى
مقابل ذلك
ينتصب الغرب
مرة أخرى
كنموذج لحل
الازدواجية
اللغوية . إذ
يلجأ يوسف
الخال الى
أسلوب
المقارنة ،
فيعامل
اللغة
العربية ،
تماما كما
تعامل الغرب
مع اللغة
اليونانية
واللغة
اللاتينية .
فكما ماتت
هاتان
اللغتان على
يد أهلهما،
وتطورتا الى
لغات
متباعدة
تكتب وتتكلم
في نفس الوقت
فان الخال
يدعو الى موت
اللغة
العربية
كانت
المجتمعات
الغربية
تتحدث لهجات
متباينة ،
فان التحريض
على كتابة
هذه اللهجات
أدبيا من
شأنه أن يخلق
منها لغات
كالفرنسية
والانجليزية
. وكما أن هذه اللغات لم تؤثر على التراث اليوناني واللاتيني، فإن الوضع اللغوي الذي يقترحه الخال ، لن يمس بقيمة التراث العربي، ذلك أن لنا "عبرة بغيرنا من الشعوب التي اعتمدت لغة الكلام دون لغة الكتابة ، كاليونانية واللاتينية . إن التر |