ادوارد سعيد في الثقافة والهيمنة


 

كمال أبوديب


القسم الأول _ و فضاء الكتاب والمؤلف

قليلة هي الكتب التي تستحق أن توصف بأنها عظيمة، بين هذه الكتب، دون ريب كتاب ادوارد سعيد "الثقافة والامبريالية ": إنه عظيم أولا في مداه ورحابة آفاقه وعلمه. وهو عظيم ثانيا في منظوره. بالمقارنة مع جلال المنظور والقضايا التي يناقشها سعيد في فكره عامة، يبدو بضعة المفكرين الكبار في العالم اليوم، الذين يقترن اسمه باسمائهم كاعلام معاصرين، من جاك دريدا الى يورغن هابر ماس، محدودي الأفق والمكان والمنظور، ضامري الاحساس بعظمة الانسان والانشغال بقضاياه وهمومه، وبدنيوية العالم وحميمية انخراطنا الشبقي فيه كل لحظة وآن... وقد يكون ذلك بين ما يفسر الاقبال الهائل على قراءة سعيد، وتأثير عمله، وازدحام محاضراته العامة، حيثما ذهب، وفي أي بلد تحدث، في محاضرتين دعوته لالقائهما في جامعة لندن وكان لي شرف تقديمه فيهما، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1993، بعد صدور الثقافة والامبريالية في انجلترا بأشهر قليلة، غصت القاعة الكبيرة حتى كان عدد من انتظروا خارجها، مع انهم مدعوون رسميا، أكثر من الذين وجدوا لهم أماكن للجلوس أو الوقوف المتراص داخلها. رغم أن المحاضرتين كانتا في امسيتين متعاقبتين وعن موضوعين متباعدين، أحدهما تخصص. وهو "التجربة التاريخية ودراسة الأدب " والثاني سياسي خالص وهو "اتفاق أوسلو واحتمالات السلام ". وكار ذلك كله بعد محاضرة مختلفة تماما كان قد ألقاها قبلها بليلة. قدمه فيها رئيس جامعة لندن، غصت بالمستمعين في أكبر قاعة للمحاضرات في الجامعة.

ثم إن هذا الكتاب عظيم في طبيعة الموقف الاخلاقي والفكري الذي ينطلق منه ادوارد سعيد فيه: ايمانه بالانسان، والحرية، وضرورة التواصل، والتفاعل، والاثراء المتبادل بين الثقافات والمجتمعات، والصراع ضد الاستعلائية والاستعمار والامبريالية والو يمنة والتسلط والتمركزية الغربية وضد نقائضها من قوميات ضيقة، وهويات متشرنقة، وتمركزيات اسلامية أو عربية أو هندية أو افريقية. وهو عظيم في اللغة الجليلة التي بها يكتب ادوارد سعيد، وفي قوة فكره، والشبوب العاطفي الذي يتوهج هن جمله وعباراته، متجاوزا حدود الجامعية الجامدة، لكنه محتفظ بصرامتها المعرفية وشروط تكوينها. وهو منيم أيضا في تأويلا- الجديدة ونظرياته المتعلقة بالعالم، وحركة المجتمعات الانسانية، وحركة التاريخ. والثقافة والأدب، والروائي منه خاصة. في تأويلاته الجديدة في هذا الكتاب يطرح سعيد مثلا، نظرية ثالثة تضاف الى اثنتين مشهورتين في نشأة الرواية وتاريخها: ويفسر انتشار الرواية الملازم لانتشار الامبريالية وفكرة الامبراطورية بطريقة تجل عن أن تقارن بنظرة باختين أو ايان واط مع انها تتمثلهما. فهو يربط بين تجاوز الفضاء الجغرافي والرواية، وبين حركة التوسع الامبراطوري وازدهار الرواية، لا ربطا آليا جامدا، بل ربطا حيويا خلاقا، يجلو كيف تتجسد الوشائج في بنية الرواية ذاتها وآليات تشكيلها، مما لا يفعله واط أو باختين. وهو يعيد قراءة انتاج الفكر الغربي عبر مئتي عام بأذكى ما عرفت من تحليل وسفسطة فكرية ونفاذ بصيرة وألمعية. إن قراءاته لكامو لأخطر ما عرفته من قراءات تسلخ عن كامو سريته وسحر ما لفعه به القاريء من ولع بالشرط الانساني: بل ان سعيد يحيل هذا التعبير الى مصدر للسخرية اللاذعة اذ يكشف أن في الجوهر من عمل كامو الدفاع عن الامبريالية الفرنسية والغاء التاريخ الجزائري السابق على استعمار فرنسا؟ وهو يفسر المكونات الأساسية لعمل كامو في إطار اشكاليات معرفية مرتبطة بمنظوره الامبريالي وفي قراءته لفيردي وجين أو ستن وغيرهما،، يسلخ عن عمالقة الفكر الغربي الاهاب المفتعل الذي تلفعوا به ويكشف منظورهم الحاقد، المتعالي، اللاإنساني، المشبع بروح العنصرية والتفوقية والاستغلال الاقتصادي والعرقي ولا عجب بعد كل ذلك أن يثير عمل سعيد زوابع في الفكر الغربي لا تهدأ، ويتدفق مريدوه وتلامذة فكره الشباب عبر جامعات العالم يقوضون بأسلحته تراث الامبريالية الغربية وعمالقتها من مبدعين الى تربويين الى سياسيين الى عساكر. إن في كل شيء يمسه ادوارد سعيد بفكره لفوحا من عظمة الانسان، وشيئا من روح إبائه ووعيه النقدي الضدي المتفجر اللامهادن.

غير أن عظمته لا تقف عند حد القراءة والتأويل على مستوى المضمون، بل إنها لتتجلى في أخطر أشكالها، واذكاها وأكثرها تفردا وأصالة (رغم موقف سعيد المعروف نقديا من مشكلة الاصالة / في طريقة قراءته التي تكشف تجليات العمليات والهواجس التي يناقشها في ابداعات الفكر الغربي على مستوى تشكيلها النصي، كما سأفصل بعد قليل. ولعل قراءته  لـ"قلب الظلام " لجوزيف كونراد ومغناه "عائدة " لفيردي و "روضة مانسفيلد" لجين أو ستن و"كيم"  لرديارد كبلنغ أن تكون بين أبرع ما أنتجه الفكر النقدي الضدي، المشبع بمنطلقات فكرية ناضجة، من تأويلات للعسل الفني في أي من اشكاله وأنواعه وأجناسه، في علاقاته المعقدة بذات مبدعه وبالعالم الرحب الذي يعيش فيه هو ذد مقطع ختامي من هذه القراءة الفذة لمغناة "عائدة "، مثلا.

تتطلب خصائص عائدة الشاذة _ موضوعها واطارها المشهدي، وفخامتها النسبية، ومؤثراتها البصرية والموسيقية الخالية حتى الغرابة من التأثير الشعوري وموسيقاها المنعاة بشكل فائض ووضعها الداخلي (المتعلق بايطاليا) المقيد المكبوح، وموقعها الشذاذ في مهنة فردي الفنية - ما اسميته تأويلا طباقيا غير قابل للتمثل لا في وجهة النظر السوائية السائدة الى المغناة الايطالية ولا بشكل عام في وجهات النظر السائدة الى روائع الحضارة الأوروبية في القرن التاسع عشر. إن عائدة، كشكل المغناة ذاته، عمل هجين، مشوب عكر جذريا (راديكاليا) ينتمي سواء بسواء الى تاريخ الثقافة والى التجربة التاريخية للسيطرة الماورابحارية. إذنها عمى مركب، مبني حول تفاوتات وتباينات وتعاوضات لما تزل.إما متجاهلة أو غير مكتنهة، لكنها قابلة للاستعادة والمسح الخرائطي مسحا وصفيا ؟ وهي شيقة في ذاتها ومن أجل ذاتها، وقادرة على تقديم تفسير لاختلال المستويات في عائدة، ولشذوذياتها، ولكوابحها وصموتاتها، أفضل مما تقدمه التحليلات التي تركز بصورة حصرية على ايطاليا والثقافة الأوروبية.

سوف أضع أمام القاريء مادة لا يمكن تجاهلها لكنها بمفارقة ضدية، تجوهلت بانتظام واطراد حتى الآن. والسبب الغالب في ذلك هو أن المحرج في "عائدة " في نهاية المطاف ليس كونها تدور حول السيطرة الامبريالية بل كونها (بعضا) من هذه السيطرة. وستنبثق تشابهات من عمل جين أو ستن _الذي (يبدو) بقدر مساو بعيدا عن احتمال أن يكون فنا سنشبكا متلبسا  بالامبراطورية واذا ما أول المرء "عائدة " من هذا المنظور، بوعي لكونها كتبت من أجل، وانتجت للمرة الأول في بلد افريقي لم يكن لفيردي من صلة به فإن عددا من الملامح الجديدة لها ستبرز بجلاء.

وماهي مقاطع من تأويلاته لكامو وكبلنغ:

1- 1 "لكي يموضع المرء كامو طباقيا في معظم (نقيضا لجزء صغير من ) تاريخه الفعلي ينبغي أن يكون متيقظا بالغ التنبه لأسلافه الفرنسيين الحقيقيين، إضافة الى أعمال الروائيين والمؤرخين، وعلماء الاجتماع، وعلماء السياسة، الجزائريين ما بعد الاستقلال. ما يزال ثمة اليوم تراث أوروبي التمركز قابل لحل رموزه (وملحاح ) من السد التأويلي لما قام كامو (وميتران ) بسده حول الجزائر، وما قام هو وشخصيات مختلقاته بسده. حين وقف كامو في سنواته الأخيرة علنيا بل وبحدة متشبثة معارضا لمطالب الوطنيين الجزائريين بالاستقلال، فقد فعل ذلك بالطريقة ذاتها التي كان قد مثل بها الجزائر منذ بداية حياته الفنية، مع أن كلماته الآن كانت تحمل بشكل يثير الاكتئاب رنين نبرات البلاغة الا نجلو _ فرنسية الرسمية التي تشكلت ابان غزو قناة السويس. إن تعليقاته على "العقيد ناصر"، وعلى الامبريالية العربية والاسلامية، مألوفة لنا، بيد أن التصريح السياسي الوحيد الصارم الذي لا مهادنة فيه الذي يعلنه حول الجزائر في النص يظهر كخلاصة سياسية خالية من التزويق لكتاباته السابقة :

فيما يتعلق بالجزائر، إن الاستقلال القومي صيغة من العاطفة المشبوهة الخالصة. لم يكن ثمة أمة جزائرية أبدا. وان من حق اليهود، والاتراك، واليونانيين، والايطاليين، والبربر أن يدعوا لأنفسهم حق قيادة هذه الأمة الكامنة. في الواقع الفعلي، لا يشكل العرب وحدهم الجزائر كلها. وان أهمية الاستيطان الفرنسي والزمن الذي مضى عليه، بشكل خاص لكافيان لخلق مشكلة لا تقارن بها أية مشكلة أخرى في التاريخ. إن فرنسيي الجزائر هم أيضا، بأشد معاني الكلمة قوة اصلانيون. وعلاوة، فإن جزائر عربية محضا تعجز عن تحقيق ذلك الاستقلال الاقتصادي الذي

لا يعدو الاستقلال السياسي من دونه أن يكون وهما وأيا كانت درجة نقص كفاءة الجهد الفرنسي، فلقد كان هذا الجهد من رحابة المدى بحيث أن أية دولة أخرى (سوى فرنسا) لن توافق اليوم على تحمل ذلك العبء."

تكمن المفارقة اللاذعة في أن كامو حيثما يسرد قصة في رواياته أو في مقطوعاته الوصفية يسوغ الحضور الفرنسي في الجزائر إما كسردية خارجية، جوهرا لا يخضع للزمان أو التأويل (كما هي جانين ) أو بوصفه التاريخ الوحيد الجدير بأن يسرد كتاريخ... إن عناد كامو وتشبثه لتفسر الفراغ والغياب في خلفية العربي الذي قتله سيرسو، ومن هنا أيضا الاحساس بالدمار في وهرأن الذي يراد له بشكل ضمني أن يعبر لا عن موت العرب بشكل رئيسي (وهو بعد كل حساب مكمن الأهمية من وجهة نظر سكانية) بل عن الوعي الفرنسي.

من الدقيق أن يقال لذلك إن سرديات كامو قد أرست مطالب صارمة وسابقة وجوديا على جغرافية الجزائر. فبالنسبة لأي امري، يملك درجة عابرة من المعرفة بالمغامرة الاستعمارية الفرنسية المديدة فيها، ان هذه المطالب والمزا عم من الشذوذية المكشوفة المخالفة للعقل بقدر ما كأنه الاعلان الفرنسي عام 1938 من قبل الوزير الفرنسي شوتوم إن العربية "لغة أجنبية " في الجزائر. وليست هذه بمزاعم كامو وحده، مع أنه منحها شيوعا وانتشارا شبه شفافين وباقيين. إن كامو يرث ويقبل بصورة لا نقدية تلك المزاعم كتقاليد وأعراف شكلها تراث طويل من الكتابة الاستعمارية عن الجزائر، أصبح اليوم منسيا أو غير معترف به من قبل قرائه ونقاده الذين يجد معظمهم تأويل عمله بوصفه يدور حول "الشرط الانساني" أمرا أكثر سهولة عليهم.

إن أسلوبه النظيف والمعضلات الأخلاقية المبرحة التي يعريها والمصائر الفردية المعذبة لشخصياته التي يعالجها بقدر عال من الرهافة والمفارقة اللاذعة المقننة - هذه الخصائص كلها تمتدح من تاريخ السيطرة الفرنسية على الجزائر، بل تعيد في الواقع إحياءه بدقة محتاطة وبغياب لافت للندامة والرأفة والتعاطف الشعوري.

من جديد، ينبغي أن يعاد نفح العلاقة المتداخلة بين الجغرافيا والنزاع السياسي بالحياة بالضبط حيث يغطيها كامو، في رواياته، ببنية فوقية احتفى بها سارتر لأنها تقدم "مناخا للعبثي اللامعقول " إن كلتا "الغريب و الطاعون " تدوران حول موت عرب، وهو موت يبرز ويفعم بصمت مصاعب الضمير والتأمل التي تعانيها الشخصيات الفرنسية.وعلاوة فإن بنية المجتمع المدني التي تقدم بنصاعة بارزة - بلدية المدينة، الجهاز القضائي والمستشفيات، المطاعم، النوادي، أماكن التسلية ووسائلها، المدارس _ هي بنية فرنسية، رغم أنها بشكل غالب تقوم بإدارة (شؤون) السكان غير الفرنسيين. إن التطابق بين الطريقة التي يكتب بها كامو عن ذلك كله وبين تصويره في الكتب المدرسية الفرنسية لتطابق أسر : فالروايات والقصص القصيرة تروي نتيجة انتصار تحقق ضد شعب مسلم محيد، ممزق، انتصبت حقوقه في امتلاك أرضه اغتصابا حادا. وكامو بتأكيدا وتعزيزا بهذه الطريقة للأولوية الفرنسية، لا يشكك ولا يخرج على الحملة من أجل السيادة التي شنت ضد مسلمي الجزائر لما ينون على مئة عام.

1- 2 "لكم هو مختلف (هذا العالم بأسره ) عز العالم القاتم للطبقوسطية (البورجوازية ) الأوروبية، الذي يقوم جوه، كما يسوغه كل روائي زي شأن، بإعادة تأكيد انحطاط الحياة المعاصرة وانقراض جميع أحلام الشبوب العاطفي، والنجاح، والمغامرة الغرائبية. إن عمل كبلنغ الاختلاقي ليشكل طباقا: فعالمه لأنه مموضع في هند تسيطر عليها بريطانيا، لا يضن بشيء على الأوروبي المغترب. وتجلو كيم كيف يستطيع صاحب أبيض أن يتمتع بالحياة في هذا (الفضاء) المعقد الخصيب الفضيل : وبودي أن أطرح منظومة أن غياب المقاومة للتدخل الأوروبي فيه _هرمزا اليه بمقدرات " كيم " على التنقل عبر الهند دون أن يمسه خدش نسبيا _يعود الى رؤياه الامبريالية. ذلك أن ما يعجز المرء عن تحقيقه في بيشته الغربية الخاصة -حيث تعني محاولته لأن يحيا الحلم الجليل لبحث مثمر مجابهة عادية مقدراته وفساد العالم وانحطاطه - يغدو قابلا لأن يحققا في الخارج. أو ليس بوسع المرء في الهند أن يفعل كل شيء؟ ويكون أي شيء؟ ويذهب الى كل مكان بأمان من أية عواقب ؟

تأمل نسق طواف "كيم " وتنقلاته من حيث تأثيرا على بنية الرواية. تتحرك معظم رحلاته ضمن البنجاب، على المحور الذي تشكله لاهور واومبالا،... يقوم كيم برحلات قصيرة الى سيملا، ولكنو، وقيما بعد الى وادي كولو؟ ومع محبوب يمضي موغلا حتى بومبي جنوبا و حتى كراتشي غربا بيد أن الانطباع الكلي الذي تتركه هذه الرحلات هو انطباع بالتجوال المتمعج الحر الطليق.. هنا ليس ثمة مرابون يكيدون المكائد، أو قرويون زميتون، أو لوك ألسنة وشائعات أثيمة، أو محدثو نعمة منفرون غلاظ الأكباد، مما يجده المرء في روايات معاصري كبلنغ الأوروبيين الكبار.

والآن قارن بين بنية "كيم " المحلولة الرخية، القائمة على رحابة جغرافية وفضائية مترفة وبين البنى المحكمة الضيقة. الزمانية بصرامة لا تسامح فيها، للروايات الأوروبية المعاصرة لها يقول لوكاش في نظرية الرواية إن الزمن هو صانع المفارقة اللاذعة العظمي، وهو يكاد يكون شخصية من شخصيات هذا الروايات، إذ يولج البطل (أو البطلة ) في مزيد من انقشاع الوهم والاختبال، كما يجلو كون أوهامه أو أوهامها لا أساس لها. جوفاه، عقيمة الى حد المرارة في "كيم "، يتشكل لديك انطباع بأن الزمن الى جانبك. لأن الجغرافيا ملكك ورهن مشيئتك لتتحرك فيها كما تشاء بحرية شبه تامة ".

2- تتبطن منظومات ادوارد سعيد مما مجموعة من التصورات والأسس النظرية التي تتأصل في ثورة مستمرة في العلوم الانسانية تترك آثارها على كل شيء، كما أن الامبريالية تركت آثارها على كل شيء تستمر هنا فاعلية المنطلقات التي تبطنت " الاستشراق "، حيث نبعت تحليلاته من معطيات مثل القوة، والسلطة وسلطة الانشاء والنصوص، والتمثيلات ورؤية الآخر وتنميطه، وقوة الانشاء والنصوص المولودة لذاتها وترابط المعرفة بالقوة، والاستعراض والمعجبة..الخ، لكن مفاهيم طارئة تقفز لتحتل المكانة المركزية في التحليل، وفي تكوين المنظور الذي يعاين منه الثقافة، والتاريخ، والمجتمع،والأدب، والرواية خاصة. بين هذه المفاهيم ماله خطورة هائلة بحق، تخصيصا بالنسبة لمجتمعات كالمجتمع العربي الآن، ولقضايا سياسية، تاريخية ثقافية وأعراقية قومية كقضاياه، وأهمها على الاطلاق مفهوم التلاحم بين التاريخ، السرديات والتكوين الاستيهامي الخالص للمجتمع المتخيل، كما يسميه هو وغيره من الدارسين الآن، وتشابك المخيلة بالتاريخ، والواقع بالسحر، بل انتفاء امكانية تحديد الواقع خارج إطار التخيل، والتاريخ خارج إطار السرد. وستبدو كلمة السرد ومشتقاتها، السردية والسرديات والاختلافات السردية، ملغزة للقاريء العربي _ وهي ما تزال بحق ملغزة للقاريء في أمريكا وأوروبا غير المتخصص بمثل هذه الدراسات. ذلك أن وراء معناها المباشر، وهو حكي حكاية، يختفي مدلولها الخطير المتخصص الطاريء. السرد، في السياق الجديد هو تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتناغم فيه أهواء وتميزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزوعات وتكوينات عقائدية يسوغها الحاضر بتعقيداته بقدر ما يسوغها الماضي بمتجلياته وخفاياه، كما يسوغها بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وانهاج تأويله له. ومن هذا الخليط العجيب. تنسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها وللعالم، تمنح طبيعة الحقيقة التاريخية، وتمارس فعلها في نفوس الجماعة وتوجيه سلوكهم وتصورهم لأنفسهم وللآخرين، بوصفهم حقيقة ثابتة تاريخيا. وتدخل في هذه الحكاية، أو السردية، مكونات الدين، واللغة والعرق والأساطير والخبرة الشعبية، وكل ما تهتز له جوانب النفس المتخيلة. غير أن ما هو الآن حقيقة تاريخية يمثل الأمة وتاريخها، في وعي الذات الجماعية، لا يخرج بهذا المعنى عن كونه "متخيلا" إن تكوين هوية يهودية، وخلق اسرائيل، هو بهذا المعنى تنام لسر دية قومية دينية علاقتها بالتاريخ "الحقيقي" _.اذ كان لهذه الكلمة الآن من معنى، وذلك أمر مريب مشكوك فيه _ملتبسة، مبهمة، وعويصة عصية على البحث و:لتحديد، غير أن ذلك كله ليس بذي قيمة حقيقية، لأن الذات الجماعية، تعتبر _بل تؤمن دون وعي لأي انشراخ _إن ما تعيشه هو "تاريخها وتراثها وذاتها " وبهذا المعنى يمكن القول أن القوميات عموما - والقومية العربية مثلا على ذلك -هي سرديات لا أكثر، ولقد صاغ هومي بابا هذه العلاقة صياغة ممتازة في عنوان لكتاب حرره يضع الأمة

والسردية مقترنتين معا هو "الأمة  والسرد" (Nation and (Narration)).

هو ذا ادوارد سعيد يحدد بإيجاز أهمية السرد ومعناه كما يبرزان في هذا الكتاب :

"لقد ركز قدر كبير من النقد الحديث على السرد الروائي، غير أن موقع هذا السرد في تاريخ الامبراطورية وعالمها لم يول إلا قدرا ضئيلا من الاهتمام. وسر عان ما سيكتشف قراء هذا الكتاب أن السرد حاسم الأهمية بالنسبة لمنظوماتي هنا، إذ أن نقطتي !لأساسية هي أن القصص تكمن في اللباب مما يقوله المكتشفون والروائيون عن الأقاليم الغريبة في العالم : كما أن لقصص أيضا تغدو الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمرة لتأكيد هويتها الخاصة ووجود تاريخها الخاص. لا شك أن المعركة الرئيسية في (العملية ) الامبريالية تدور طبعا، من أجل الأرض : لكن حين آل الأمر الى مسألة من كان يملك الأرض، ويملك حق استيطانها والعمل عليها، ومن ضمن استمرارها وبقائها، ومن استعادها ومن يرسم الآن مستقبلها _ فإن هذه القضايا قد انعكست، ودار حولها الجدال، بل حسمت أيضا لزمن ما، في السرد الروائي. إن الأمم،كما اقترح أحد النقاد هي ذاتها سرديات ومرويات. وان القوة على ممارسة السرد. أو على منع سرديات أخرى من أن تتكون وتبزغ، لكبيرة الأهمية بالنسبة للثقافة وللامبريالية، وهي تشكل إحدى الروابط الرئيسية بينهما. والأكثر أهمية هو أن السر ديات الجليلة الكبرى للتحرر والتنوير قد جندت الشعوب في العالم المستعمر وحفزتها على الانتفاض وخلع نير الامبريالية، وخلال هذه العملية، هزت تلك القصص وأبطالها العديد من الأوروبيين والأمريكيين، أيضا فقاموا هم بدورهم بالصراع من أجل سرديات جديدة للمساواة و(الروح ) المجتمعية الانسانية ".

ويبلور سعيد وجها خطيرا للسرديات يتمثل في تشكل سرديات وسوية لتاريخ معين ثم سعيها الدائب الى منع سرديات مغايرة من الظهور، كما يبلور الصراع ضد هذه السر ديات والسعي الى تقويضها:

والفكرة التي تختفي وراء هذه الأعمال هي أن نساخات التاريخ التي تكون سفنية، وقومية، ومؤسساتية بطريقة سلطوية تنزع بشكل رئيسي الى أن تجمد نساخات للتاريخ مؤقتة ومعرضة للتنازع عليها في صيغة هويات رسمية. وهكذا فإن النساخة الرسمية للتاريخ البريطاني المدفونة في، لنقل المحافل التي أقيمت لنائب الملكة فيكتوريا الهندي عام 1876 تتظاهر بأن الحكم البريطاني للهند كان ذا امتداد اسطوري تقريبا : وقد أدرجت تقاليد الخدمة، والاجلال والخضوع، الهندية في هذه الاحتفالات من أجل خلق صورة لهوية عبر تاريخية لقارة بأكملها مضغوطة في قالب من الانصياع أمام صورة لبريطانيا تتمثل هويتها، وهي بدورها هوية مشكلة مبتناة في أنها حكمت ويجب أن تظل أبدا تحكم كلا الأمواج والهند. وقيما تحاول هذه النساخات الرسمية للتاريخ أن تفعل ذلك من أجل السلطة الهوياتية (بمصطلحات أدور نية ) - كالخلاقة، والدولة، وسننية الفئة المفكرة، والمؤسسة _ فإن الاكتناهات المستريبة باطراد، وانقشا عات الوهم، والسجالات الماثلة في الأعمال المبتكرة التي اقتبستها تخضع هذه الهويات المركبة الهجينة لجدلية سلبية تقوم بحلها الى مكونات مشلكة مبتناة بطرق شتى، فما هو أكثر أهمية بكثير من الهوية المستقرة التي يحافظ على رواجها في الانشاء الرسمي هي القوة التساجلية لطريقة تأويلية تتكون عادتها من المسارات المتفاوتة لكن المتواشجة ومتبادلة الاعتماد، فوق كل شيء المتقاطعة للتجربة التاريخية.

ينقل سعيد هذا النهج في التحليل الى سياق الكتابة الابداعية الغربية، ليصف أعمال كبار منتجيها في المرحلة التي شهدت عصر الاستعمار وما مهد له،، من جين اوستن الى البير كامو، ويحلل أعمالهم بوصفها سرديات تتشابك فيها كل هذه المكونات. لكن براعة عمله تتمثل في التحليل الفذ، الذي يتفرد به بين معا هويه، للشكل الروائي وبنية النصوص الاختلاقية والفنية عامة، من هذا المنظور فهو يكشف دلالات اكتمال السردية في مكان ما، وانقطاعها، واستحالة اكتمالها في مكان آخر، ويكشف دلالات الاتصال والانقطاع فيها، واللولبة وفجوات الريبة والمتاهة، وحركة التعاقب والاتصال الخطية، وانكسارات الخطوط السردية، بل وامتناع تشكل السردية في مكان أو آخر، أو انفصام سرديتين متباينتين ضمن السردية الواحدة، وهو يمارس هذا النوع من التحليل خارج نطاق العمل الاختلاقي الروائي، فيقدم دراسة ألمعية للمناهج المختلفة التي يعمل بها باحثون من العالم غير الأوروبي في دراساتهم للعلاقة بين الامبريالية وبلدانهم على مستوى تكوين السر ديات التاريخية التي ينتجونها، فيجلو الفرق الجذري بين منهج انطونيوس وجيس مثلا، وبين دراستي غوها والعطاس، من منظور استخدامهم لنمط معين من المنهج والسرد في دراساتهم ودلالات هذا الاستخدام على طبيعة علاقتهم بالامبريالية واستجاباتهم لها.

3- وبين المفاهيم الجديدة نسبيا في طريقة استخدام سعيد لها، مع أنها ليست طارئة على عمله، مفهوم المصادرة ودلالاتها الحاسمة في تكوين أدب العالم الثالث، ذلك أن سعيد يؤول رواية العالم الثالث تأويلا طبا