عقدة خارون عقدة أوفيليا


بقلم: غاستون باشلار
ترجمة: سلام مخائيل عيد (كاتب من سوريا)


1

الميثولوجيون الهواة نافعون أحيانا. إنهم يعملون بإخلاص في منطقة العقلنة الأولى . إنهم يتركون إذن ما "يفسرونه " غير مفسر، إذ أن العقل لا يفسر الأحلام . ويصنفون ايضا الأساطير ويمنهجونها سريعا قليلا. لكن لهذه السرعة حسنات إنها تبسط التصنيف . وتظهر أيضا أن هذا التبسيط ، المقبول بهذه السهولة يتوافق مع نزعات واقعية نشيطة في عقل الميثولوجي وقارئه . وعلى هذا النحو كتاب سانتين اللطيف والمطنب ، مؤلف بيكسيولا وطريق التلاميذ، كتاب ميثولوجيا الراين الذي يستطع تقديم درس عناصري لتصنيف أفكارنا سريعا. لقد أدرك سانتين ، منذ ما يقارب القرن ، الأهمية الأوليه لإجلال الأشجار (1). ويربط بإجلال الأشجار هذا إجلال الموتى. ويعلن سانتين قانونا قد نستطيع تسميته قانون اوطان الموت الأربعة هو قانون على علاقة واضحة مع قانون خيال المواد العناصرية الأربع :

"كان السلتيون(2) يستخدمون وسائل منوعة وغريبه إزاء الجثث الانسانية من اجل إخفائها. كانت تحرق في البلد الفلاني، وكانت الشجرة الولادية تقدم خشب المحرقة ، وفي بلد اخر كانت شجرة التودتابنوم (شجرة الموت )، وقد جوفتها الفأس ، تستخدم نعشا لمالكها. وكانوا يطمرون هذا النعش تحت التراب ، إن لم يسلموه لتيار النهر، مكلفا بنقله الى مكان يكون الله الأعلم به ! واخيرا، وفي مقاطعات عدة كانت تتم ممارسة - وهي ممارسة فظيعة ! تعوم على عرض الجسد لشره الجوارح ، ومكان هذا العرض الحدادي، كان القمة ، ذروة هذه الشجرة نفسها التي غرست لدى ولادة الفقيد، والتي في هذه المرة ، وباستثناء، كان يجب الا تسقط معه ، ويضيف سانتين من غير أن يعطي ما يكفي من الأدلة والأمثلة : "والحالة هذه ، ما ذد نرى في هذه الوسائل الأربع المتباينة بهذا القدر، لارجاع الجثث الانسانية الى الهواء والماء والتراب والنار؟ أربعة أنواع .من الجنازات ، في كل زمان ، وحتى في الوقت الحاضر ، يمارسها في الهند مشايعو براهما أو بوذا او زرادشت . ويعرف زرادشتيو بومباي، كما دراويش الغانج المفرقين ، شيئا ما عن ذلك . وأخيرا يروي سانتين أنه "قرابة عام 1560 عثر عمال هولنديون مشغولون بحفر طمي زويدرزيه ، وعلى عمق كبير ، على عدة جذوع أشجار حفظها التحجر بأعجوبة . وكان كل من هذه الجذوع قد سكنه إنسان ، كان يحفظ بعض بقاياه ، وكانت هي نفسها شبه متحجرة . توكيدا كان الراين ، غانج ألمانيا هو الذي جرفها الى منا يحمل احدها الأخر.

منذ ولادته ، يكون الانسان منذورا للنبات ، وكانت له شجرته الشخصية ، كان يلزم ان تكون للموت الحماية نفسها التي للحياة ، وهكذا إذ ترد الى قلب النبات ، إذ تعاد الى صدر الشجرة المنبت ، تكون الجثة قد أسلمت للنار،التراب ، أو تنتظر في الخميلة وفي ذروة الغابات ، التحلل في الهواء، تحللا تساعده طيور الليل ، تساعده آلاف أشباح الهواء. او أخيرا، بحميمية اكبر، ممددة في نعشها الطبيعي ، في قرينها النباتي، كان تابوتها الحجري الملتهم والحي في الشجرة بين عقدتين - كانت قد أعطيت للماء كانت قد تركت للامواج .

2

لا يعطي ذهاب الميت على الأمواج مذا سوى سمة لحلم يقظة الموت الذي لا ينتهي. ولا يقابل سوى لوحة مرئية ، وقد يستطيع أن يخدع بشأن عمق الخيال المادي الذي يتأمل الموت ، كما لو كان الموت ذاته جوهرا، حياة في جوهر جديد. إن الماء جوهر الحياة ، هو أيضا جوهر موت لأجل حلم اليقظة المتعارض وجدانيا. لتقسير "التودتابنوم "، شجرة الموت تفسيرا جيدا، يجب ان نتذكر مع س .غ .يونغ(3) أن الشجرة هي قبل كل شيء رمز أمومي، بما أن الماء هو أيضا رمز أمومي ، يمكننا أن نلتقط في التودتابنوم صورة غريبة لزيادة إكناف (*) الرشيمات . إذ يوضع الميت في عب الشجرة ، إذ نعهد بالشجرة الى صدر المياه ، فإننا نضاعف ، بطريقة ما، القوى الأمومية ، نحيا مضاعفة خرافة الدفن هذه التي نتخيل من خلالها، كما يقول لنا س . غ . يونغ ، أن "الميت قد أعيد الى الطبيعة كي يولد ثانية ". سيكون هذا الموت في المياه ، لأجل حلم اليقظة هذا، أكثر الميتات أمومية . ويقول يونغ من جهة أخرى أن رغبة الانسان هي "في أن تصير مياه الموت المظلمة مياه الحياة ، أن يكون الموت وضمته الباردة الحضن الأمومي، تماما كما البحر، الذي بالرغم من أنه يبتلع الشمس يلدها ثانية في أعماقه .. أبدا لم تستطع الحياة أن تؤمن بالموت (ص 209).

3

ومنا يعذبني سؤال : أما كان الموت أول ملاح ؟ قبل أن يركن الأحياء هم أنفسهم الى الأمواج بكثر، ألم يوضع النعش في البحر، النعش في السيل ؟ قد لا يكون النعش ، في هذه الفرضية الخرافية ، الزورق الأخير. قد يكون الزورق الأول . قد لا يكون الموت الرحلة الأخيرة . قد يكون الرحلة الأولى . سيكون برأي بعض الحالمين العميقين الرحلة الحقيقية الأولى .

توكيدا ، إن إدراكا كهذا للرحلة البحرية سيعارض على الفور بالتفسيرات النفعية . نريد دائما ان يكون الانسان البدائي ماهرا بالطبيعة . نريد دائما أن يكون انسان ما قبل التاريخ قد حل بذكاء مشكلة قوته . وخاصة ، نقبل من غير صعوبة ، أن النفع هو فكرة واضحة وان كانت له دائما قيمة واضحة وضوحا أكيد أو مباشرا. والحالة هذه تكون المعرفة المفيدة ، مسبقا معرفة معقلنة . وعكسيا، أن ندرك فكرة بدائية كفكرة نافعة يعني أن نسقط في عقلنة مضللة أمر حتى أن النفع مدرج حاليا في منفعية كاملة جدا، متجانسة جدا، مادية جدا، مغلقة بنقاوة كبيرة . ليس الانسان للاسف ، عاقلا بهذا القدر! فهو يكتشف النافع بالصعوبة نفسها التي يكتشف الحقيقي بها.

في كل الأحول ، وحول المسألة التي تشغلنا ، إذ نفكر بها قليلا ، يبدو أن نفع الابحار ليس واضحا بما يني ليدفع إنسان ما قبل التاريخ الى ان يجوف فلكا .لا يستطيع أي نفع أن يصير المجازفة الهائلة للذهاب على الأمواج شرعية . لمجابهة الابحار ، تلزم مصالح قوية . والحالة هذه تكون المصالح القوية الحقيقية هي المصالح الوهمية . إنها المصالح التي نحلم بها وليست تلك التي نحسبها . إنها المصالح الأسطورية . إن بطل البحر هو بطل الموت . كان أول بحار أول رجل حي كان شجاعا كميت .

أيضا عندما سنريد أن نسلم أحياء الى الموت الكلي ، الى الموت الذي من غير ملاذ سنتركهم للامواج . اكتشفت السيدة ماري ديلكور ، تحت تستر الثقافة التقليدية القديم العقلاني، المعنى الخرافي للأطفال المؤذين . في حالات عدة ، نتجنب بعناية أن يمسوا الأرض . قد يلوثونها ويكدرون خصوبتها وينشرون على هذا النحو «طاعونهم » . «نحملهم باسرع ما يمكن الى البحر أو الى النهر .» (4) «ماذا قد نستطيع أن نفعل كائن واهن يفضل عدم قتله ولا نريد أن نصله بالتراب إن لم نضعه في زورق صغير مقدر له ان يغرق ؟ فيما يخصنا ، قد نقترح أن نرفع أيضا درجة التفسير الخرافي العميق بهذا القدر الذي أعلنته السيدة ماري ديلكور. وقد نفسر إذن ولادة طفل مؤذو كولادة كائن لا ينتمي الى خصوبة التراب العادية ، نعيده على الفور الى عنصره الى الموت القريب جدا ، الى وطن الموت الكامل الذي يكون البحر اللامنتهي  النهر الهادر. وحده الماء يستطيع ان يخلص التراب .

ونفهم عندئذ أنه عندما كان مثل هؤلاء الأطفال المتروكين للبحر قد لفظوا أحياء على الشاطيء، عندما كانوا قد "انقذوا من الميا"، كانوا يصيرون بسهولة كائنات خارقة . واذ كانوا قد عبروا المياه فقد عبروا الموت . كانوا يستطيعون إذن أن يخلقوا مدنا ، أن ينقذوا شعوبا، أن يصنعوا عالما

ثانيا"(5) الموت رحلة والرحلة موت . «ان نرحل يعني ان نموت قليلا. الموت ، هو الرحيل حقا ولا نرحل جيدا او بشجاعة ونقاء الا بان نتبع خط الماء، مجرى النهر العريض . وترفد الأنهار كلها نهر الأموات . لا موت سوى هذا الموت يكون اسطوريا. لا رحيل سوى هذا الرحيل يكون مغامرة.

إذا كان الميت هو حقا، لأجل اللاشعور ، غائبا، فوحده ملاح الموت هو ميت نستطع أن نحلم به نهاية . يبدو ان لذكراه دائما مستقبلا ... سيكون الميت الذي يسكن مدينة الأموات (المقبرة ) مختلفا جدا. لهذا الأخير يكون القبر مسكنا ايضا مسكنا ياتي الأحياء لزيارته بورع . إن ميتا كهذا ليس غائبا كليا. وتعرف النفس الحساسة ذلك جيدا. تقول الفتاة الصغيرة في قصيدة ورد سورت : نحن سبعة ، خمسة على قيد الحياة والأخران في المقبرة دائما، بالقرب منهما ، معهما ، يمكننا الذهاب لنخيط أو لنغزل .

باولئك الذين ماتوا في البحر يرتبط تفكر آخر، حلم يقظة خاص . إنهم يتركون في القرية ارامل لسن كالأخريات ، "ارامل بجباه بيضاء" يحلمن بمحيط نوكس . لكن ، يمكن للاعجاب ببطل البحار أيضا أن يسكت الأنات ؟ ووراء عدة نتائج لعلم البيان أليس ثمة أثر لحلم صادق في لعنات تريستان كوربير؟(6) وهكذا يكون الوداع على شاطيء البحر أكثر الوداعات إيلاما وأكثرها أدبية في الوقت نفسه . ويسشمر شعره رصيدا قديما من الحلم والبطولة . إنه يوقظ فينا ولا شك ،الأصداء الأكثر إيجاعا. إن جانبا كاملا من نفسنا الليلية يفسر نفسه من خلال خرافة الموت المدرك كرحيل على الأمواج . إن العكوس ، بالنسبة للحالم ، مستمرة بين هذا الرحيل والموت . ويكون الماء، لحالمين عدة ،الحركة الجديد التي تدعونا الى الرحلة التي لم تحدث أبدا. وينتزعنا هذا الرحيل الممدى من مادة التراب . وايضا أي كبر مدهش لبيت بودلير هذا، هذه الصورة المفاجئة كيف تمني الى صميم سرنا: أيها الموت ، أيها القبطان الشيخ ، حان الوقت ! فلنرفع المرساة !(7)

4

إذا شئنا أن نرجع جيدا ، الى مستواها البدائي، القيم اللاشعورية كلها التي تكدسها صورة الرحلة على الماء حول الجنازات سنفهم فهما أفضل مدلول نهر الجحيم وجميع أساطير العبور المأتمي . إن أعرافا معقلنة مسبقا تستطيع ان تعهد جيدا بالأصوات الى القبر أو الى المحرقة ، وسيحلم اللاشعور الموسوم بالماء، من الجانب الآخر للقبر ، من الجانب الآخر للمحرقة ، برحيل على الأمواج . وبعد أن تجتاز التراب ، بعد أن تجتاز النار، ستصل الروح الى شاطيء الماء. يرغب الخيال العميق ، الخيال المادي في أن تكون للماه حصته في الموت ، انه يحتاج الى الماء كي يصون للموت معنى الرحلة لديه . ونفهم من ذلك أنه ، لمثل هذه التفكرات اللامنتهية على الأرواح جميعها، مهما كان نوع الجنازة ، أن تصعد في زورق قارون ، إنها لصورة غريبة إذا كان يجب أن نتأملها دائما بعيني العقل النير تين . وعلى العكس ، هي صورة مألوفة بين الصور جميعها إذا عرفنا كيف نسأل أحلامنا! عديدون هم الشعراء الذين عاشوا في النوم إبحار الموت هذا: "رأيت درب رحيلك ! لن يفصلنا النوم والموت بعد طويلا... أصفو! يمزج السيل الطيفي هديره البعيد مع النسيم الهامس في الغابات الملأي بالموسيقى (8). إذ نحيا ثانية حلم شيللي ، سندرك كيف أصبر درب الرحيل ، شيئا فشيئا ، السيل الطيفي.

من جهة أخرى ، كيف قد نربط أيضا شعرا مأتميا بصورة بعيدة هذا البعد عن حضارتنا لو لم تكن قيم لا شعورية تدعمها؟ إن استمرار فائدة شعرية ودراماتيكية فيما يخص صورة كهذه مستهلكة عقليا وخاطئة ، يستطيع ساعدتنا كي نثبت أنه في عقدة ثقافة تتحد احلام طبيعية وتقاليد متعلمة ، في هذا الصدد، نستطيع أن نسوغ عقدة خارون . ليست عقدة خارون شديدة جدا، فالصورة كامدة جدا حاليا . وفي كير من الأذهان المثقفة ، تقاسي مصير هذه الاسنادات العديدة جدا الى أدب ميت . ولا تعود عندئذ سوى رمز. لكن ضعفها وكعودها مما، في الحاصل ، هو اتيان كناية لجعلنا نحس بأن الثقافة والطبيعة تستطيعان بعد كل حساب ، أن تتطابقا.

فلنر أولا ، كيف تتكون في الطبيعة - في الأساطير الطبيعية - صور لخارون ليس لها ،بالتاكيد، صلة مع الصورة الكلاسيكية . هذه هي حال اسطورة زورق الأصوات ، أسطورة بالف شكل يجدد باستمرار في الفولكلور. ويعطي ب . سيبيلو هذا المثال :إن أسطورة زورق الأموات هي واحدة من أولى الأساطير التي كانت قد لحظت على ساحلنا: كانت موجودة فيه من غير شك ، قبل الغزو الروماني بكثير، وفي القرن السادس رواها بروكوب بهذه الكلمات : "كان صيادو الأسماك وسكان الغول الآخرون الذين قبالة جزيرة بريطانيا مكلفين بنقل الأرواح اليها، ولهذا السبب معفون من الأتارة . في منتصف الليل يسمعون قرعا على بابهم ، يستيقظون ويعثرون ، على الشاطيء، على قوارب لا يرون احدا فيها وهي، مع ذلك تظهر محملة جدا حتى يبدو أنها على وشك الغرق وبالكاد ترتفع بوصة فرق المياه تكفي ساعة من أجل هذا المسير رغم أنهم بقواربهم الخاصة فإنهم بصعوبة يستطيعون القيام بذلك في ليلة (حرب القوط 1،V  1، 20) .

تناول أميل سوفيستر هذه الحكاية ثانية عام 1836: دليل على أن اسطورة كهذه كتمس التعبير الأدبي باستمرار إنها تهمنا. إنه موضوع أساسي سيكون في إمكانه أن يتدثر بالف تنوع . تحت الصور الأكثر اختلافا ، غير الأكثر توقعا، يكون الموضوع متيقنا من قوامه لأنه يملك أكثر الوحدات صلابة : الوحدة الحلمية . وهكذا في الأساطير البريطانية القديمة ، تمر باستمرار سفن أشباح ، سفن الجحيم مثل الجوال الهولندي. وغالبا أيضا "ترجع السفن الغارقة ، دليلا على ان القارب يلتصق ، بطريقة ما، بالأرواح . هي ذي من جهة أخرى صورة ملحقة تكشف بما فيه الكفاية أصلها الحلمي العممق : "لقد كبرت هذه القوارب اكسيرا حتى أن ساحلا صغيرا يصبح بعد سنوات عدة ، في مستوى صيادة قوية . إن هذا النمو الغريب مألوف للاحلام . ونجده غالبا في احلام الماء، فيما يخص أحلاما عدة ، يغذي الماء كل ما يبلله . يجب أن نقربه من الصور الخيالية المجزل عطاؤها في كل صفحة من حكاية إيدغار باو: مخطوطة عثر عليها في قارورة : "من الثابت أن ثمة بحرا تضخم فيه السفينة نفسها كالجسد الحي لبحار(10) .

هذا البحر ، إنه بحر الماء الحلمي . ويتفق في حكاية باو، أن يكون أيضا بحر الماء الجنائزي ، بحر «الماء الذي لا يعود يزبد (ص 219). في الواقع إن القارب الغريب الذي وسعته الأعمار يقوده مسنون عاشوا في أزمنة قديمة جدا. لنقرأ هذه الحكاية ثانية ، وهي واحدة من أجمل الحكايات ، وسنحيا انسراب الشعر والأساطير الداخلي . إنها تخرج من حلم عميق جدا:"يبدو لي أحيانا أن إحساس الأشياء التي لا اجهلها يجتاز عقلي كالبرق ، ودائما تمتزج بظلال الذاكرة العائمة هذه ذكرى يتعذر شرحها من الأساطير الغريبة القديمة ومن قرون قديمة جدا (ص 216). الأساطير هي الي تحلم في نومنا..

توجد أيضا أساطير يحيا فيها خارونون مؤقتون ، وخصوصا خارونون رغما عنهم يبحثون عن بديل . وتنصح الحكمة الشعبية البحارين بالا يصعدوا على قارب مجهول . يجب أن نخشي من جعل هذا الاحتراس نغميا بأن نعطيه معناه الخرافي . بالنتيجة إن القوارب الملغزة كلها، الوافرة الى هذا الحد في روايات البحر، تساهم في زورق الأموات . نستطيع أن نكون متأكدين تقريبا من أن الروائي الذي يستعملها يصكك عقدة خارون بطريقة أكثر أو أقل خفاء.

وتحديدا ، إن وظيفة ناقل بسيط ، وما إن تجد مكانها في عمل أدبي، حتى تمسها، بما يقارب الحتم ، رمزية خاوون عبثا لا يعبر سوى جدول بسيط ،يحمل رمز عالم ثان . إن الناقل هو حارس لغز:

كانت نظراته الهاذية القديمة
ترى المسافات البعيدة المنورة
والتي كان ياتيه منها دائما الصوت

 
الشاكي ، تحت السموات الباردة(11)

يقول أميل سوفيستر (12) : "لنضف الجرائم المرتكبه على مفترقات المياه هذه ، ومغامرات الحب الروائية ، لقاءات القديسين أو الجنيات أو الشياطين العجائبية ،وسندرك كيف كانت حكاية الناقلين ... تشكل واحدا من الفصول الأكثر دراماتيكية في هذه القصيدة الكبيرة التي يجملها الخيال الشعبي ابديا".

ويعرف الشرق الأقصى ، كما بريطانيا، زورق خارون . ويترجم بول كلوديل هذه القصيدة المؤثرة لعيد الأموات ، عندما يرجع ، في الحياة الصينية ، الشهر السابع : "يقود الناي الأرواح ، وتجمعهم ضربة صنج كنحلات ... وعلى طول الجرف تنتظر الزوارق المعدة تماما حلول الليل . «ينطلق الزورق ينعطف ، تاركا في حركة مخره العريضة خطا من النيران : أحدهم يبذر مصابيح صغيرة . ومضات عابرة على تدفق المياه الكتيمة العريض ، إن ذلك يومض لحظة ويبيد . إن ذراعا ممسكة بالمرقة الذهبية ، حزمة النار التي تنقض وتتوهج في الدخان ، تمس بها قبر المياه : البرمق الوهمي للضوء ، مثل أسماك ، يفتن الغارقين الباردين . وهكذا يقلد العيد ، في الوقت نفسا، الحياة التي تنطفيء والحياة التي ترحل . الماء هو قبر النار والناس . في البعيد، عندما يبدو أن الليل والبحر قد أنجزا رمزية الموت ، سيسمع الحالم "نغمة المزهر القبري، جلبة الطبل الحديدي في الظل الكثيف المصدوم بضربة عنيفة "(13).

إن كل ما للموت من ثقيل ، من بطيء موسوم ايضا بهيئة خارون . إن الزوارق المحملة بالأرواح على وشك الغرق دائما صورة مذهلة نحس فيها أن الموت يخشى من الموت ،حيث الغرق ما يزال يخشى الغرق ! الموت رحلة لا تنتهي أبدا، إنه منظور أخطار لا منته . إذا كان الوزن الذي يثقل عل القارب كبيرا الى هذا الحد فذلك لأن الأرواح مذنبة . يذهب زورق خارون الى الجحيم دائما. ليس ثمة نوتي للسعادة .

وهكذا سيكون زورق خارون رمزا سيبقى مربوطا بشقاء الناس الذي لا يفنى. سيعبر اعمار العذاب . وكما يقول سانتين :"كان زورق خارون ما يزال يقوم بوظيفته عندما كان قد تلاشى هو نفسه أمام الحمامات الأول (للمسيحية ). صبرا! سيظهر ثانية

اين ذلك ؟ في كل مكان ... منذ العهود الأولى لكنيسة الغولين ، في دير سان دينيس على قبر داغوبير ، كان هذا الملك قد مثل ، او بالأحرى روحه ، عابرا الكوسيت في الزورق التقليدي، وفي نهاية القرن الثالث عشر، كان دانتي وبملء حويته ، قد أعاد خارون الشيخ نوتيا لجحيمه . وبعده وفي إيطاليا هذه نفسها، وبالأحرى أيضا، في المدينة الكاثوليكية الأجود، وهو يعمل تحت نظر البابا، كان ميكيل انجلو.. يرسمه في فرسكته الحساب الأخير في زمن الاله والمسيح والعذراء والقديسين نفسها ويختم سانتين :

"من غير خارون ،لا جحيم .

في أريافنا الشامبانية الحالمة بهذا القدر القليل ، قد نعثر مع ذلك على آثار للنوتي الشيخ . وما تزال عدة قرى تسدد فيه ، خارج الكنيسة غرامة الأ وبول (**) . وعشية الجنازات يذهب أحد أقارب الفقيد ليدفع في العائلات كلها "قرش الأموات ".

باختصار ، إن رجل الشعب والشاعر رساما مثل دولا كروا ، يعثرون جميعا في حلمهم على صورة دليل يجب ان "يقودنا في الموت " . إن الخرافة الحية تحت الوهم Mythopeé  هي خرافة بسيطة جدا مقرونة بصورة واضحة جدا،. لهذا تكون ثابته بهذا القدر. عندما يأخذ شاعر صورة خارون ثانية فهو يفكر بالموت كرحلة . إنه يحيا ثانية أس الجنازات بدائية .

عقدة أوفيليا

5

الى الآن بدا لنا الماء في الموت كعنصر مقبول . سنقوم الآن بتجميع صور يبدو لنا فيها الماء في الموت كعنصر مرغوب فيه .

في الواقع ، يكون نداء العناصر المادية أحيانا قويا الى درجة يستطيع فيها أن يفيدنا في تحديد أنماط الانتحار المميزة جدا، يبدو اذن أن المادة تساعد على تحديد المصير الانساني لقد أظهرت السيدة بونا بارت جيدا حتمية المأساوي المزدوجة او ، كي نعبر تعبيرا أفضل ، أظهرت 0الروابط الوثيقة التي توقد مأساة الحياة والمأساة الأدبية : «إن نوع الموت الذي يختاره الناس، سواه كان في الواقع لهم أنفسهم من خلال الانتحار أو في الوهم لبطلهم ، لم تمله ، في الواقع ، المصادفة ابدا، وانما وفي كل حالة يكون محددا نفسيا بدقة . وبهذا الصدد تبدا مفارقة نرغب في أن نوضح رأينا فيها.

وحتى من جوانب عدة ، يمكننا القول أن التعريف السيكولوجي أقوى في الوهم منه في الواقع ، لأن وسائل الاستيهام يمكن أن تنقص في الواقع . في الوهم تكون الغايات والوسائل تحت تصرف الروائي. لهذا تكون الجرائم والانتحارات أكبر عددا في الروايات منها في الحياة . إن الدراما ولاسيما تنفيذ الدراما ، هو ما قد نستطيع تسميته الاستدلالية الأدبية للدراما، يسم الروائي بعمق إذن . ويكشف لنا الروائي ، سواء شاء أم أبى ، قاع كائنه

وأيضا أنه يكتسي بالشخصيات تماما عبثا يستخدم «واقعا» كما يستخدم شاشة . إنه هو الذي يسقط هذا الواقع ، إنه هو ، خاصة الذي يسلسله في الواقع لا يمكننا أن نقول كل شي ء تقفز الحياة من حلقات السلسلة وتخفي إتصاليتها. في الرواية ، لا يوجد إلا ما نقوله ، تظهر الرواية إتصاليتها ، إنها تبسط تحديدها . ولا تكون الرواية شديدة إلا إذا كان خيال المؤلف محددا بقوة ، إلا إذا وجد التحديدات القوية للطبيعة الانسانية . واذا كانت التحديدات تتسارع وتتكاثر في الدراما فمن خلال العنصر الدراماتيكي ينكشف المؤلف الانكشاف الأعمق .

إن مسألة الانتحار في الأدب هي مسألة حاسمة للحكم على القيم الدراماتيكية.  بالرغم من البراعات الأدبية كلها تعرض الجريمة نفسها عرضا سيئا حميميا . إنها نتيجة واضحة جدا للظروف الخارجية . إنها تنفجر كحدث لا يتوقف دائما عل طبع القاتل. وعلى العكس يعد الانتحار نفسا في الأدب لقدر حميمي طويل . إنه ، أدبيا، الموت الأكثر إعدادا أو الأكثر تحضيرا والأشمل ويوشك الروائي أن يرغب في أن تشارك المعمورة كلها في انتحار بطله . إن الانتحار الأدبي قابل جدا إذن لأن يمنحنا خيال الموت . إنه ينظم صور الموت .

في حكم الخيال ، يكون لأوطان الموت الأربعة أوفياؤها، الطامحون اليها. الا ننشغل إلا بنداء المياه المأساوي.

إن الماء وهو وطن الحوريات الحية هو أيضا وطن الحوريات الميتة . إنه المادة الحقيقية للموت المؤنث كثيرا. منذ المشهد الأول بين هاملت وأوفيليا ، فإن هاملت إذ يتبع في ذلك قاعدة التحضير الأدبي للانتحار_ كما لو كان عرافا يحدس القدر، يخرج من حلم يقظته العميق وهو يتمتم : «هي ذي أوفيليا الجميلة ! يا حورية في صلواتك ، تذكري خطاياي كلها .. (هاملت ، الفصل 3، المشهد 1).

منذ ذاك على أوفيليا أن تموت من أجل خطايا الآخرين ، يجب ان تموت في الساقية ، بهدوء، من غير دوي: إن حياتها القصيرة هي مسبقا حياة ميتة . هل هذه الحياة التي من غير فرح شيء آخر سوى انتظار غير مجد،سوى الصدى المسكين لمونولوج هاملت ؟ إذن لنر فورا أوفيليا في سابقتها (الفصل 4المشهد 7):

الملكة
 
إن صفصافة تنمو تنحني فوق مجدول
وتمرئي أوراقها المضضة في المياه .
هنا أتت تحت أكاليل الزهر المجنونة
وزهرة اللؤلؤ والزغدة  والقراص وهذه الزهرة
التي لها في كلام رعاتنا الصريح
اسم فظ ، لكن التي تسميها بنياتنا المحتشمات
قائمة الذئب (14) .هنا كانت تتعلق
وهي تريد أن تثبت بالاغصان المتدل