|
هذه
محاولة
لدراسة
قصيدة لي
تتخذ زاوية
نظر تخضع
للاعتبارات
التالية :
انني شاعر
القصيدة
الذي يعرف ،
أو مازال
يتذكر، شيئا
من أسرارها.
ويقدر أن
يستعيد عبر
ضباب
تجربتها
القديمة ،
دوافعها
ومآلات هذه
الدوافع في
النص . وانني
كتبتها تحت
تأثير وأسر
محبتي
للموسيقى ، و"
الرباعية
الوترية "
خاصة .
والأخيرة هي
مصدر عنوان
القصيدة .
وانني أبدا ،
أسير
المراقبة
النقدية
للنص الذي
أقرأ ، أي نص .
وهي فضيلة
قادتني الى
سبل الخلاص
من الموروث
الشكلي الذي
يثقل الشعر
العربي،
والشعر
العربي
الحديث خاصة
. وجعلتني
أتفحص العمق
والجمال في
المعنى
أولا،
باعتبار أن
الشكل أحد
تطلعات
المعنى، أو
تطلعه الحسي
الفريد. ان
جمال المعنى
هو الذي
يهييء
الفرصة
للشكل
الجميل ،
وعمق المعنى
للشكل
العميق . فلا
يوجد جمال
مجرد عن
جوهره
الخبيء في
المعني. هذه
الاعتبارات
سوف تعطي
لمقالتي
صبغة نقدية
غير مألوفة .
فهي مقالة في
"المخيلة "
غير مجردة عن
"الذاكرة " ،
بفعل طابعها
الشخصي،
الاستعادي
وهي مقالة في
الموسيقى.
حتى لتبدو
أنها تود لو
تنصرف
للموسيقى
أكثر من
انصرافها
للشعر. ولكن
طابعها
النقدي لن
يغادر
السطور بفعل
المقاربة
الدائبة بين
بناء
القصيدة
الفني
والعناصر
الأساسية في
هذا البناء
وبين "الرباعية
الوترية
". والمقالة
في النهاية ،
متابعة
غنائية
لنشأة نص
شعري استكمل
قوامه على
الورق قبل
عشر سنوات
. (1) بعد
سبع سنوات من
الاقامة في
لندن ، سبع
سنوات من
الوحدة التي
لا تنطوي على
سعادات
أرضية ،
أصبحت «الذاكرة
» أشبه بكائن
يستقل بنفسه
مع الأيام .
ولكن
استقلالها
المجازي لا
يمنعها من أن
تشكل
الينبوع
الفياض
لكتابة
قصيدة . إلا
ان هذا
الاستقلال ،
حتى في
مجازيته ، هو
ضرب من
التعبير عن
منتهى
الانقطاع ،
لا عن النفس
، بل عن
الجذور. في
أواخر عام 1991
كتبت قصيدة
بعنوان "الوحش
" . ولم يكن
هذا الوحش
غير "الذاكرة
" التي
تركتها ذات
يوم "فوق
مشجب " ، حين
غادرت البيت
الى المنفى .
حتى استحالت
بفعل
الانتظار
الى ما
استحالت
اليه
: "لو
عدت يوما، سأحذر
من صرخة
بانتظاري وراء
الجدار! فذاكرة
المرء تصبح
وحشا
إذا
لفها عفن
الانتظار! "
أصبحت
هذه الذاكرة
- الوحش -
ينبوعا
لقصائد
عديدة . ولن
أتجاوز الحد
إذا ما قلت :
لقصائدي
جميعا. ويفعل
التماهي أو
الاندماج
بين الذاكرة
والوحش فان
الينبوع
الذي تولد
منها لن يكون
الا ينبوع
ماء داكن
بالضرورة.
وليكن داكنا
بفعل العمق ،
ويفعل
المرارة
أيضا. إذن
، القصيدة
التي أنوي
دراستها هي
قصيدة "ذاكرة
"، تحرك مياه
ينبوعها
العواطف .
وما "المخيلة
" التي فيها
الا وليدة
هذه العواطف
التي تدفع
بمياه ينبوع
"الذاكرة "
الى مجرى
الأسرار
لتحيلها الى
أسطورة . الى
مخيلة لا
تقاس بحجم
الكلمة التي
وراءها أو
بحجم الجملة
. بل بحجم
العواطف
وحدها. ولذلك
فهي تأبى أن
تتجرد. كنت
في عام 1985، سنة
كتابة
القصيدة حيث
لم أعد أذكر
منها الشهر
واليوم ،
أسكن بيتا من
طابق أرضي
واحد. تحيط
به حديقة من
جانبيه
ويشكل حلقة
من بيوت
متشابهة في
شارع تضفي
عليا الخضرة
وانخفاضة
البيوت ذات
الطابق
الأرضي
الواحد مسحة
ريفية . كان
اسم الشارع Lowfield Road .
تتوزع
رصيفيا
أشجار صفصاف
ودردار
متفرقة .
وتتواصل
حدائق
البيوت
الأمامية
وراءها على
امتداده .
حتى ليبدو
شارع "لوفيلد"
متوافقا
تماما ، بفعل
لمسته
الريفية ،مع
تنهدات
صغيرة لا
تخلو من سخام
احتراق ،
تنهدات تشكل
الدليل
الوحيد
والأكيد على
وجودي
المتواضع
بين الأحياء
من ساكنيه
. البيت
، الذي أسكنا
مع زوجة وطفل
، تتوسطه
غرفة جلوس
مستطيلة تطل
واجهتها على
حديقة البيت
الامامية ،
بينما
تنتهي، من
الخلف بغرفة
المطبخ الذي
يطل بدوره
على الحديقة
الخلفية .
وعلى جانبي
غرفة الجلوس
غرفتان
احداهما
للنوم
والثانية
مكتب حشدت
فيه ما أملك
من كتب
واسطوانات
وأوراق .
وكانت
الثالثة من
نصيب الصغير
الذي بدأ
يكبر مع
الأيام . من
شباك غرفة
النوم كنت
أطل كل صباح
، ولعلي كنت
أصفي، الى
الأسرار
الصغيرة
الصامتة في
حديقة البيت
الأمامية ،
والى الشارع
الذي ينبيء ،
بفعل صمته
المدهش ، عن
مفاجأة .
وورائي
تستقر زوجتي
على السرير
نصف نائمة
. سيرد
هذا المشهد
في القصيدة .
ولكن الصغير
"سامر"
سيفلت من
قبضة الزمن
اليومي الى
زمن القصيدة
"اللازمني".
سيفلت من
البيت ليكون
أشبه بحيوان
بري عار داخل
دغل الحديقة
. ولعلنا
جميعا سنفلت
من قبضة
الزمن ،
بصورة من
الصور. سنفعل
ذلك ما أن
ندخل النص . ولكنني
وحدي، وعلي
هنا أن
أستدرك
محترسا
كشاعر مورط
بمهمة نقدية
، ولا يملك
القدرة على
الافلات من
قبضة زمنه
التاريخي كم
فعلت الزوجة
والطفل .
وسبب عجزي
يكمن في أنني
أسير "الذاكرة
". أسير
الحلقة غير
المنسية ، بل
الماضية ، من
الزمن
القاهر. معظم
سكان شارعي
شبه الريفي
من المسنين .
فطبقة
الأعمار هذه
تفضل عادة
السكن في
بيوت الطابق
الأرضي
الواحد.
وشارع "لوفيلد"
نموذجي في
هذه الخصيصة
. وهذا يعني
أن سكانه
يضفون على
حضرته
وسمائه
المفتوحة
الواسعة ،
بعدا اضافيا
من الهدأة
والصمت . ولذلك
لن يكون
اعتباطأ ان
تخرج ، في
المشهد
الأخير من
قصيدتي،
الجارة
العجوز "تجمع
في قبعة القش
ندى الأعشاب
" . الفنريب
انني قلت في
قصيدتي "الجارة
" ولم أقل "الجارة
العجوز".
وكأن المشهد
- الذي تولده
المخيلة
المجردة بل
العواطف -
يفترض مسبقا
أن تكون
الجارة
عجوزا
بالضرورة
.! قلت
إن الذاكرة
هي الينبوع ،
والذي منح
هذه القصيدة
، وجودا هو
الايقاع .
ايقاع
المياه
المتدفقة في
الأعماق ،
مياه
الذاكرة
. هذا
الايقاع
تشكل بهيئة
مكانية .
وكثيرا
ما يحدث
هذا لدى
الشاعر. لدى
الموسيقي
يكون
الايقاع
مجردا،
خالصا وأكثر
صفاء. لدى
الشاعر لا
تتوسط غير
الكلمات .
والغريب
انها لا تملك
ان تقلد
الموسيقى
بتجردها
فتتجرد.
فالكلمات "المجردة
" في المعنى
ذهنية وليست
شعرية .
وانما
الكلمات
الشعرية
التي تتجسد
الكلمات
البصرية .
ولذلك كان
لجملة "في
ساحة
الأندلس"
بالقصيدة
وقع خاص
. "ساحة
الاندلس "
استدارة
واسعة ينتهي
اليها باص
رقم (21)الذي
يبدأ رحلته
من "الحارثية
" . كما ينتهي
اليها باص ( 4)
الذي يبدأ
رحلته من "ساحة
الميدان ".
وكلا الخطين
امتداد
تجوالي
اليومي في
بغداد. تجوال
المشرد الذي
لم ينتزع
الزمن منه
هويته هذه
حتى لحظة
كتابة هذه
المقالة
. ولكن
القصيدة لم
تبدأ مع
نهاية باص ( 21)
أو باص ( 4). بل هي
اتخذت من "ساحة
الاندلس "
ونهاية
الباصين ( 21) و( 4)،
منطلقا
للرحيل الى
المنفى . لأن
"ساحة
الاندلس "
،هي أول ما
يواجه
المخمور
الذي يغادر
نادي "اتحاد
الأدباء في
العراق "
ليلا. ولذلك
فهي تقرن
بالليل عادة
. وبمنتصف
الليل أن
أردت الدقة
فأنا، ومعظم
ندمائي
الذين
ودعتهم يوما
كأشجار خريف
، لا أخلف
ورائي بوابة"
الاتحاد"
إلا لأواجه
ليل الوحشة
في هيئة "ساحة
الأند لس
". "متى
? ترى ،يطفيء
ضوء
الفجر هذا
اضوء، أو
ينتشر
العصفور؟ " لأن
"ساحة
الأندلس "
مزحومة
بأضواء
النيون .
الأضواء
الكاشفة .
لأن على
اليمين
منها، وعلى
مبعدة دقائق
، يقبع شبح "مديرية
الأمن
العامة " .
وعلى امتداد
جدران
البنايات في
جهة اليسار
تخفق
اللافتات
وقد تزينت
بشعارات حول
المستقبل
الذي يفتديه
الماضي
والحاضر
وأبناؤهما.
وبينها ثقوب
مكبرات
الصوت
السوداء
مباركة ذات
المستقبل
بالهتاف
والأغاني
والضجيج .
وهي تكاد،
لارتفاعها
واتساعها ،
تطل على "الاتحاد"
ذاته
. وفي
"الاتحاد"
حفلة راقصين
، يذكرونني،
دائما ،
بحفلة
الراقصين
على شاطيء
البحر، في
المشهد
الأخير من
فيلم "حين
يطفو السمك
في الماء". مشهد
الحفلة هذا،
مأسورا
بالاقتات
ومكبرات
الصوت ، هو
آخر عهدي
ببغداد، قبل
أن أغادر الى
المنفى، "لا
باحثا،سدى،عن
المعنى ولكن
هربا من
المعاني
السود" سأواصل
في حقل
الذاكرة ،
قبل أن انصرف
الى دراستي
الموعودة
حول مقاربة
النص
بالموسيقى .
فالذاكرة
شجي أطمئن
اليه . وأنا
شاعر لا
احترس من
التراجيديا .
بل أجد فيها
طمأنينة . لا
لأنها تطهير
للنفس . بل
لأنها
البلوى التي
توقظ الحواس
وتفتح للوعي
سبله السرية
. ولذلك لا
تكتفي
القصيدة
بمفتتح "ساحة
الأندلس ".
حيث لا ضوء
للفجر، ولا
ينتشر
العصفور، بل
تقتحم حفلة "الاتحاد"
حيث "الرافضون
كالرحى"
ولكن "على
مدار خوفهم
من لحظة
الصحو"
المشهد
جحيمي ، لا
شك في ذلك . "تدور
الكأس
والرأس "
والنادل "حسين
" لا يهملني
وكأنه يخشى
من صحوتي.
فهو يسألني
كلما عرض لي
أو عرضت له : "ربعا
آخر من العرق
؟". وهو يقصد :
هل تريد؟
وأنا لا أكاد
أتبين سبيلي
وامرأة
تبالتي على
المائدة
تبتسم بمكر.
ومن تحت
المائدة ، في
الظلمة التي
تؤالف بين
جنادب العشب
وبين
الأقدام ، "تدس
بين قدمي
قدما ثالثة "
وهي تهمس "أترقص
؟" . وأنا
استجيب نصف
واع . "ثم
استحيل في
يديها كرة من
الشبق ،
تطرحها أرضا
فلا تبلغ
مستقرها"! أنا
الذي أصبح
كرة مطاطية
من الشبق .
تمسك بها
المرأة
العابرة
عابثة ، ثم
تلقي بها على
أرض المرقص
الكونكريتية
. كرة المطاط
تنط وتقفز،
وتنط وتقفز
دون مستقر
على الدائرة
المبلطة .
ولعلها تنط
وتقفز
خارجها،
عابرة
الفجوات
والفراغات
التي تتركها
سيقان
الراقصين
الى الحديقة
الواسعة ،
حديقة "الاتحاد". لشد
ما يؤلمني أن
استعيد صورة
"كرة الشبق "
هذه . لأن "كرة
الشبق "
المطاطية
عادة ما تكون
وليدة الرعب
، لا وليدة
الحرمان
. كانت
الأ غنيات
الراقصة
التي تشد
السيقان الى
الحلبة ضربا من
الهستيريا
لأنها، وهي
تخرج من فم
مفنيها،
عصفور ذليل
تحت أجنحة
كواسر من
الطير،
بادية
الشراسة .
تحت أصوات
الأناشيد
والاهازيج
العقائدية
التي تطلقها
مكبرات
الصوت في كل
ركن ، خارج "الاتحاد"
. وما على
الراقص
العقائدي ،
بدوره ، الا
أن يزاوج بين
مباهجه
الفردية
التي تحاول
أن تجد لها
ملاذا في
جسده ، وبين
المباهج
الجماعية ،
مباهج
القطيع التي
هي ضرب من
الفرار من
الجسد
والروح أو من
انتهاكهما.
وأنا
المخمور لا
أملك أن
أجردهم من
انسانيتهم .
فهم ، تحت
مكبرات
الصوت وتحت
خفق
اللافتات
التي "كتبت
الاقدار
وعيدها فيها"،
لا ملجأ لهم "الا
في مدار
خوفهم من
لحظة الصحو". وأنا
تأخذني
الخمرة الى
فقدان يشبه
الغيبوبة .
هذا يحدث
لكثيرين معن
ينتسبون الى
فصيل الكتاب
. رعاة
المسؤولية
والمثل
الخالدة ! ما
من أحد يكشف
عن ضعفه أمام
الأكذوبة ،
ويرى في "الكلمات
" التي
استكملت
قداستها
حيوانات
مفترسة لا
تتوقف عن هرس
لحمنا الني،
بين أنيابها.
كنت في طريقي
الى الفقدان
، منحنيا على
الطاولة .
أحدق ، وعلى
فمي ابتسامة
اليائس ،
بالكلمات
تتساقط أشبه
بخبات الثلج
التي فعبيء
بها كؤوس "العرق
" . كلمات
الثورة ،
الحرية ،
القومية ،
الوطن ،
اليسار،
الشهادة ،
الشرف ،
المسؤولية ،
التقدم ،
المستقبل ،
البعث ،
الشعب ،
الطليعة ،
البعد
القومي،
الوحدة ،
الكفاح ،
النضال ،
المسيرة ،
العروبة ،
الأممية ،
الجبهة ،
الفداء،
الأعداء ،
الخائن ،
المشبوه ،
العميل ،
الأجنبي،
الأصابع
الخفية ...
تتكاثف
وتتحول الى
حيوانات
مفترسة لا
أستطيع أن
أغمض عيني عن
الدم البشري
الذي يتقاطر
من بين
أنيابها. ويخيل
الي أن
الفقدان
الذي يشبه
الغيبوبة
يتحول ، هو
الأخر، الى
غصون أشجار
تنحني حولي ،
وكأنها تكشف
فيما بيننا "سر
سقوط الورق
الذابل ".
أشجار تشبا
ستارا يرتمي
فوقي "يحجبني
عن الوطن
". هل
تكفي إشارة
كهذه ، في
قصيدة ، عن
أول المنفى.
(3) ليست
الذاكرة
أدنى مقاما
من الموسيقى.
ولقد شغلتني
في الفقرتين
السابقتين
عن مقاربة
النص الشعري
بالموسيقى .
لأنها "سيدة
الهات
الالهام "
كما يقول
اليونانيون .
ولأنها
بالنسبة لي
شخصيا،
الخبرة
الشعرية
التي تصل
الكلمة
بالحياة
. يقال
إن استكشاف
الدور الذي
لعبه "الزمن
" و" الذاكرة
" في حياتنا
هو واحد من
ثلاث
مساهمات
كبرى أسست
معارفنا حول
الكائن
الانساني
وحول
المجتمع
الانساني في
العصر
الحديث .
المساهمتان
الأخريان
هما "الماركسية
" في البحث عن
طبيعة
التغير
الاجتماعي،
و"
الفرويدية "
في تحليل
النفس
البشرية . ويقال
أننا في
قرننا
العشرين
بدأنا نتعرف
على أن "اللغة
المجازية "
وتوليد
الصور، الى
جانب "الايقاع
" ، انما
يتشكلان
بفعل
الذاكرة
والخبرة .
وان المخيلة
الشعرية ما
هي الا فعل
تمرن
الذاكرة ،
والقدرة على
استعادة
الأحداث
الماضية
وعلى تتبع
نمط الجمال
ومحاولة
فرضه على
تدفق الحياة.
ان هذه
المعرفة
الحميمية
لأنفسنا
تمكننا من
الدخول
لقلوب وعقول
الآخرين. ذلك
ان الشاعر
بذاكر ته
المدهشة ،
ملائم
تماما،
وبصورة
استثنائية ،
للقيام بهذا
الفعل من
التعاطف
الخيالي
. رواية
بروسة "البحث
عن الزمن
الضائع "
أعظم شهادة
في النشر.
تقابلها
شهادة
وردزوورث في
قصيدته
الكبرى
The Prelude" "الشعر
. وهما
شهادتان
تجسدان فعل
الذاكرة .
ولكن فعل
الذاكرة ،
كما توحيان ،
موزع على كل
نص شعري
يستحق هذه
التسمية
. أرجو
الا يخلط فعل
الذاكرة
بالحنين .
لأن الحنين
إلغاء
للحاضر في
حين فعل
الذاكرة
تعزيز له . الشعر
العربي
القديم ،
والحديث منه
، مفعم بحاسة
إلغاء
الحاضر بفعل
افتتانه
بالحنين ،
والحنين اذا
لم يكشف عن
وجهه مباشرة
، يتخذ ما لا
يحصى من
الأقنعة .
احدها،
والأكثر
شيوعا، هجو
الحاضر
ممثلا بواقع
الحال . أو
المكابرة
بالذات
المختارة
متعالية عن
واقع الحال
ممثلا
بالقطيع .
وانت تجد
لهذين
النمطين
شواهد لا
تحصى من
الماضي
والحاضر. ان
شدة شيوع هذه
الحالة جعلت
الشاعر
وناقد
الشاعر
وقاريء
الشعر باسم
الحداثة ،
يفوسعون الى
انكارها
جملة . أعني
انكار حالة
الحنين ،
وانكار
الذاكرة معا.
وكأن فعل
الذاكرة
يتضمن حنينا
بالضرورة
. اذكر
، أيام
النشرات
الفارغة
للستينيين ،
ان أحد أبناء
جيلي كان
مأخوذا
بنظرية
استحدثها
حول الشعر
تعني بـ"إلغاء
الذاكرة "،
وبناء النص
الجديد "بكوريا"
و"من الفراغ
" . وكنت أعرف
أن "مخيلته "
الطليقة ،
التي ولدت
لديه
فكرة "النص
بلا ذاكرة " ،
مخيلة
محرومة من
دفء الذاكرة
. وكنت أعرف
أيضا أن
صبوات الشاب
فيه أسرته
داخل مفردات
لا معنى لها.
وأن مخيلته ،
غير المقززة
بمعرفة عذ
ابات وأسى
وطموحات
الكائن
الانساني،
لم تستطع أن
تملأ هذه
الكلمات
بالمعنى بل
بدوامات
الفراغ
المصوتة .
وأعرف أن
نظريته
موزعة أشلاء
في قناعات
شعراء
للحداثة
المصوتة
كثيرين
. ان
فكرة "الجديد"
والشاعر "الذي
جاء بجديد"،
فيما وراء
النلا هر،
ليست بعيدة
عن مسعى
نظرية "إلغاء
الذاكرة ".
ولك أن تنظر
من ذات
الزاوية ،
الى كل مظاهر
المطحنة
اللغوية ،
وتراكم
الصور،
والتشظيات
والتعميات
والتشكيلات
التي توهم
بالتركيب ،
على أنها
وليدة "الغاء
الذاكرة " أو
وليدة
إغفالها. الكثير
يغفل أن مسعى
القصيدة "الجديدة
" مسعى وهمي
ومضحك . إذ ما
من قصيدة "جديدة
" . هناك "إعادة
كتابة "
للقصيدة .
أية قصيدة
تحت خفقه
جناح
الذاكرة
المهيب . "اعادة
كتابة "
متواصلة ولا
نهائية .
والذي يفترض
أنه يكتب "جديدا"
"بكوريا" "مدهش
في بكوريته "،
بالمعنى
الحرفي
للكلمة ،
إنما يفترض ،
بالضرورة ،
انه يكتب
خارج ذاكر ته
. أي خارج
جذوة
الانسان
الذي فيه .
ورغم أن
الأمر يبدو
مستحيلا .
إلا أنه ممكن
في ظرف متداع
كهذا الظرف .
وفي مرحلة لا
هوية لها
كهذه
المرحلة .
حيث لا يستعص
على الكائن
البشري أن
يعيش في أرقي
لحظاته
إبداعا،
أكثر لحظاته
وهما وخديعة
. (4) عرف
"بودلير"
بنباهة
الشاعر
المكترث . أن
أشكال
الموسيقى
الجديدة ،
خاصة موسيقى
"فاغنر" ،
قادرة على أن
تمس القلب
البشري
بصورة أكثر
غرابة وعمقا
مما فعل
الكثير من
الشعر
الفرنسي
الكلاسيكي.
وعرف أيضا أن
إدراكا أعمق
للموسيقى قد
يمكن الشاعر
من تنمية
موارد نافعة
للغة ، ويحرك
استجابة
كلية من
أعماق روحه
. على
أثره جاء "مالارميه
" و "فاليري"
والرمزيون
جميعا. ثم
مست لمسات
بودلير شغاف
الشعراء
الانجليز،
والألمان ،
الايطاليين .
وتهشمت
القشرة
الخطابية
والوعظية ،
وأصبح الشعر
يتشرف
بالانتساب
الى التأليف
الموسيقي،
ويتشرف
بقرابة
الشكل
والجوهر: في
تنوع طبقات
الصوت ،
واللين
والشدة ،
والنظام
الايقاعي
،والنمو
الهارموني.
حتى أصبح "ولت
ويتمان "
البعيد، في
القارة
الأمريكية ،
يجد أن شعره
لم يولد الا
من رحم "الاوبرا
الايطالية ".
والنقاد
يعززون ذلك
بالشواهد في
"بنية
قصياته
". ثم
تجيء، في
القرن
العشرين ،
الشاعرة "أديث
سيتويل "
فتكتب قصائد
تحت تأثير
أعمال
موسيقية
بعينها ،أو
موسيقيين
بعينهم .
مجموعتيها
Facade" وليدة
Transcendental
Excercise
للموسيقى "ليست
" وبيت شعرها
The Brown: Bear Rarnbles in
his chain. جاء
من وحي أغنية
للموسيقي "سترافنسكي"
، سيد
الايقاع في
الموسيقى
الكلاسيكية
الحديثة . ثم
تلوح "القصائد
الأخيرة "
للشاعر "ييتس
" ، وكأنها
معادل لغوي
لرباعيات "بيتهوفن
" الأخيرة .
وكذلك
اجتهادات "اليوت
" النقدية ،
وخاصة في
مقالته
الشهيرة "موسيقى
الشعر"، حول
"الثيمات
المستعادة "
التي
يفترضها
طبيعية في
كلا الشعر
والموسيقى. "شيللر"،
من قرن سابق
يصرح :"ان
مدركاتي بلا
موضوع أول
الأمر"،وهو
يتحدث عن
تجربة كتابة
القصيدة ،"الموضوع
يتشكل لاحقا.
ثمة مزاج
موسيقي لدي
يسبقه ، وبعد
هذا المزاج
تتبدى
الفكرة
الشعرية ".
وكأن الفكرة
الشعرية ، أو
القصيدة
بجملتها ،
تنمو من بذرة
"ايقاع ". "ايقاع
" وليس "وزنا".
هذا الايقاع
قد يكون
متلبسا
بكلمة واحدة
، أو بجملة
واحدة . أو قد
يكون ايقاعا
مجردا لا
تبين فيه
كلمات أو جمل
. كثيرا
ما يرى "الايقاع
" مقرونا
بالجانب
الخفي
الليلي من
العقل .
بالنوم
والظلمة
والأحلام ،
والذكريات
العميقة
والبعيدة .
يوضح تي . أس .
اليوت ذلك
بقوله "إن
الفنان أكثر
بدائية ،
وأكثر تحضرا
في أن ، من
معا هويه
". ويقترح
مصطلح "الخيال
السمعي"
ليصف الدور
الذي يلعبه
النبض
الايقاعي
الغامض في
الشعر. الذي
يبعث الحياة
فيه ، معتقدا
بأن هذه
الفاعلية
تمكن الشاعر
من ارتياد
المشاعر
والأفكار
البدائية
الكامنة في
أعماق
طبيعتنا. هذا
المسار من
التبصر
بالموسيقى،
من زاوية نظر
الشاعر، لم
يمس شفاف أحد
من شعرائنا،
الا القلة
القليلة ،
لأن هذا
الشفاف اذا
ما افترضنا
أنه موطن
العواطف ،
وضع ارادة
اختياره بين
أمرين ، وفق
ثنائية
الأسود
والأبيض :
بين أن يرتمي
في أحضان
الايقاع على
أنه "وزن "
مكتمل
النظام وذو
قداسة .
ويميت فيه ،
في احالته
الى نظام
رتيب وعددي،
كل روح
الموسيقى.
وبين أن يرفض
"الوزن "
بوهم أن
الايقاع هو
موسيقى "داخلية
" لا صلة لها
بالأذن .
وبذا يميت
الايقاع
والوزن
والأذن معا. الأول يعمق ، بفعل انصرافه المجرد الى موسي |