أخبار عاجلة

أحياء عمان البحرية

تزخر سلطنة عمان بتاريخ قديم له أصول تعود الى العصور القديمة. ولقد وصل علماء البحار مؤخرا لمسرح الاحداث… وكنتيجة حتمية فهنالك الكثير الذي ينتظر الدراسة من البحار العمانية.

وكما هو الحال في معظم الاحيان نجد ان هناك فجوة كبيرة بين حقائق البحوث الحديثة والمعرفة العامة، فقد نشرنا مقالات متسلسلة بعنوان "أحياؤنا البحرية" .. وقد قمنا بتجميعها لاعتبارها الافضل والاكثر افادة من بين الحلقات التي كتبتها.

ان المقالات التالية تقدم القليل عن الحياة البحرية العمانية الغنية، واتمنى ان يكون تناولها كمدخل لمعرفة الحياة البحرية العمانية.

فالبحار العمانية الغنية بدأت في تقديم أسراها ومصادرها، وأملي في مساعدة وتهيئة الاجيال القادمة الى التحدي بالحفاظ على البحار العمانية الغنية، نظيفة وصحية.

علاقة التكافل

يطلق علماء الأحياء تسمية التكافل Symbiosis))على تعايش الأفراد مع بعضهم البعض، فعندما يتعايش أي نوعين مختلفين من الكائنات الحية في شكل ما من أشكال التوافق والمزاملة فذلك ما يسمى عادة بالتكافل.   (Symbiosis) وتحت عنوان التكافل بصورة عامة نجد أن علماء الأحياء يستخدمون عدة أنواع من الكائنات لوصف نوع معين من أنواع علاقات التكافل. وهذه الأنواع تساعد على تحديد درجة الاستفادة أو الضرر الذي يحدث لأي طرف من الطرفين.

وإذا أمعنا التفكير قليلا فمن الأرجح أننا نستطيع تحديد بعض الأمثلة لعلاقات التكافل التي تحدث على اليابسة: فعلى سبيل المثال هناك الطيور الأفريقية التي تقضي معظم أوقاتها على ظهور حيوانات وحيد القرن وهي تأكل الطفيليات والحشرات. ومثال آخر هو نبات الهدال الطفيلي (Mistletoe) الذي ينمو وسط نبات مضيف آخر.

إذن فالتطفل نوع من أنواع التعايش التكافلي. ولكن افضل واغرب الأمثلة للتعايش التكافلي يحدث داخل أعماق البحر. انه مثال كلاسيكي تقليدي ألا انه أحد احدث الأمثلة التي تثير جدال علماء الأحياء. وهذا المثال يمكن مشاهدته في المناطق المرجانية لبحار سلطنة عمان: إنها علاقة التكافل بين شقائق النعمانة البحرية ((Sea anemones وبين السمك المهرج. (Clwonfish)

فلو أن أحدا منا كان يسبه أو يغوص في المناطق المرجانية للمياه العمانية، أو حتى لو قام بزيارة إلى معرض عمان للأحياء البحرية، فبلا شك سيكون قد شاهد أزواجا من السمك المهرج ذوات الألوان البراقة تحتضنها أعشاشها المائية والمكونة من مجسمات شقائق النعمان البحرية.

ان شقائق النعمان البحرية فن الكائنات اللافقارية (حيوانات ليس لها عمود فقري). وهي قريبة الصلة بأسماك قنديل البحر  (Jellyfish)أو السمك الهلامي، وهي مرتبطة بالمناطق المرجانية، كما أنها لزجة الملمس، ذلك بسبب خلاياها التي تسمى (Nematocysts) هذه الخلايا لاسعة وتغطي سطح جسمها بالآلاف، لكن لسعتها اقل حدة من تلك التي تحملها اسماك قنديل البحر واسماك "زنبور البحر" ففي حين ان القليل من أنواع شقائق النعمان البحرية تسبب لسعات خفيفة كالإحساس بالطفح الجلدي نجد ان معظمها غير مؤذ، خاصة عندما نتذكر ان هذه الحيوانات البدائية لا تستطيع السباحة بكامل حريتها، إذ هي عالقة بالقاع بالماصات القوية الموجودة في ارجلها الاحادية.

إذا ما تعثرت أي سمكة أخرى غير السمكة المهرجة وانزلقت داخل مجسمات شقائق النعمان البحرية، فسوف تلسعها هذه الأخيرة وتأكلها، فكيف لا يتم هذا مع الأسماك المهرجة ؟ والجواب هو إن الأسماك المهرجة محصنة ضد هذه اللسعات، وذلك بفضل المادة المخاطية التي تغطي جسمها والتي تقوم بدورها بامتصاص حدة اللسعات الموجهة نحوها.

وهكذا.. لدينا علاقة تكافل.. السمك المهرج يعشش بسلام في احضان مجسات شقائق النعمان البحرية اللاسعة، ويحتمي بخلاياها اللاسعة ضد الاسماك الاخري المفترسة. إن هناك العديد من الانواع للسعك المهرج مألوف في المياه بين المحيطين الهندي والهادي، وهناك ثلاثة انواع تم التعرف عليها في المياه العمانية.
 

إذن فالسمكة المهرجة تجد الحماية ضد المفترسين طالما هي معششة داخل مجسات شقائق النعمان البحرية، ولكن ما الفائدة التي تجنيها شقائق النعمان ؟ ذلك هو السؤال الذي يثير الجدل. فالبعض يقول انها تجد الاكل الذي يجلبه السمك المهرج. وآخرون يفترضون ان السمك المهرج بألوانه البراقة يجذب الاسماك الاخري لداخل المجسات التي تفترسها بدورها.

الأبوة عند الاسماك

ليس هناك ما يمسنا في السميم مثلما يمس اطفالنا. وبالمثل يوجد كثير من اعضاء مملكة الحيوان رسمت لها صور مشوقة في الكتب والافلام على انهم آباء ممتازون في رعاية صغارهم، وتضم تلك الحيوانات ذات الصور المشوقة سلسلة تتراوح بين الاسود والتماسيح، ولكن يندر ان تضم ممثلين من الحيوانات المائية في قائمة الحيوانات التي ترعى صغارها.

وفي بعض الجوانب يعتبر هذا التحيز ضد الآباء السمكيين له ما يبرره، فكثير من اسماك معرض الاحياء البحرية تأكل صفارها بطريقة مكشوفة ومقززة وكثير من اسماك المخور المرجانية لا تعير اجيالها القادمة أي اهتمام على الاطلاق بعد ان تضع بيضها. ولكن توجد استثناءات كثيرة لهذه النزعات الافتر اسية الوحشية، فهنالك نوع من الاسماك يقوم موسميا بواجبات أبوية مدهشة في المياه الضحلة في منطقة مسقط.

والسمكة المعنية هي سمكة القادوح (الزند) أو سمكة درا كيولا والتي تعرف محليا باسم حمارة حمراء السن.

وسميت أسماك القادوح (الزند) بهذا الاسم لوجود ميكانيكية كالزند غريبة الشكل في زعنفة ظهرها، وفي موسم وضع البيض يحفر الابوان من حمارة العش عن كثب ويطارد الذكر بعنف وقوة جميع آكلي البيض المحتملين بمن في ذلك الغواصون. وفي الفترة الاخيرة رأيت عددا كبيرا من ذكور حمارة حمراء السن ترعى أعشاشها، وبسبب يقظة هذه السمكة لم استطع الاقتراب بقدر كاف لاري البيض فعلا، ولكن سلوكها كان يشهد على وجود عش. ولا تبالي اسماك حمارة حمراء السن التي تحرس اعشاشها ولا تتردد في مهاجمة غواص اكبر من حجمها عشر مرات. وتتوقف عن سهاجمته عندما تبعد مسافة نصف متر من الغواص. ولكنني على يقين من انها لن تتردد في الاعتداء اذا حاول غواص ان يدنو قريبا من العش. فهنالك نوع من حمارة حمراء السن من جزر المالديف تم تسجيله على انه يهاجم ويعض بعض الغواصين الذين يخاطرون بالاقتراب اثناء محا ولتهم التقاط صور لعشها.

ان احتمال الاذى من الاب الحامي من اسماك حمارة حمراء السن موجود بالتأكيد مثل تأكدي من وجوده عند معظمنا نحن الآباء من البشر في الحالات التي تتطلب ذلك. ولحسن الحظ نحن البشر ليس لدينا حشد من المعتد ين يترصدون عن قرب لالتهام اطفالنا. والممتع حقا ان هذه العناية الابوية الوقائية تنتهي عندما تتمكن صفار حمارة حمراء السن من السباحة بنفسها، فيعود الأب الى حياته المسالمة ويسبح الصغار بعيدا في مياه البحر ويتمكنون من حماية أنفسهم .
حصان البحر

حصان البحر اعتاد معظمنا على رؤية السيارات الفاخرة في سلطنة عمان. ومعظم هذه السيارات تحمل في مقدمتها شعارا يميزها، فليس غريبا ان نشاهد شعار المرسيدس او تلك الفتاة المجنحة في مقدمة سيارة الرولزرويس، لكن الغريب هو ان نشاهد شعارا مميزا على قارب احد الصيادين العمانيين لقد كان هذا الشعار عبارة عن حصان البحر. بعد قليل من تبادل الحديث والنقاش وافق الصياد بكل سرور على السماح لنا بالاحتفاظ بهذا الشعار علاوة على اعطائنا بعض المعلومات عن اماكن تواجده في عمان، فقبل أن تسرع نحو سيارتك مع بقية هذا المقال كخريطة تدل على مكان تواجد حصان البحر تأكد بانني لن افشي هذا السر خاصة وانني لم أعثر حتى الآن على هذه المخلوقات المراوغة.

وعندما أقول مخلوقات مراوغة فلا اعني ان اسماك حصان البحر من الكائنات البحرية التي تستطيع وبسرعة السباحة والابتعاد عنك انما اقصد انه في الواقع لا نجد حصان البحر بصورة مألوفة في مياه عمان (حسبما لاحظت) وفي الحقيقة انني قد سمعت فقط عن عدد قليل من الناس الذين شاهدوها حية في مياه عمان. ذلك باستثناء العدد القليل الذي تستورده محلات بيع اسماك الزينة.

ويتوافر عدد قليل من هذه الاسماك كعينات، فمتحف التاريخ الطبيعي يحتفظ بعدد قليل مجفف منها للأسف. ومن المعروف ان هذه الاسماك الجميلة تتمتع باقبالية عالية، فبجانب اسماك القرش والسلاحف البحرية أحيانا الإخطبوط تصنف اسماك حصان البحر عالميا كاحدي الاسماك المفضلة في معارض الاحياء البحرية.

ولا تتمتع سمكة حصان البحر بشكل الفرس الجميل فقط، بل هي سمكة غير عادية وواحدة من القلائل في مملكة الحيوان التي يقوم الذكر فيها بعملية الولادة، أما صغارها المكتملة الشكل فتبلغ في حجمها تقريبا نصف قطعة النقد من فئة 10 بيسات. ولن ادخل في تفاصيل وتعقيدات عملية ولادة الذكور سابقة الذكر، بل اكتفي بالقول بانها حقا اسماك استثنائية.

واسماك حصان البحر قريبة الصلة باسماك ابو خرطوم والتي يكثر تواجدها في المياه العمانية. فإذا قام أي شخص بوضع حصان البحر في شكل مستقيم، أو بالمقابل إذا قام بطي سمكة ابو خرطوم فانه سيلاحظ مدى التشابه بينهما بعد اجراء هذا التحويل. وكلتا السمكتين (ابو خرطوم وحصان البحر) لديها فم انبوبي تستعمله في امتصاص اللافقاريات الصغيرة. والروبيان الصفير هو طعامها المفضل، ولهذا السبب نلاحظ كثافة وجود حصان البحر وابو خرطوم بالقرب من اوراق النباتات البحرية حيث يكثر بالمقابل الروبيان واللافقاريات الصغيرة، وقد يكون هذا سببا آخر لعدم توفر اسماك حصان البحر في المياه العمانية حيث لا تكثر النباتات البحرية هنا.

ويوجد حوالي 30000 مختلف من الاسماك في العالم وهناك الكثير من التنوع والتباين في الاشكال على نحو أوضح، إلا أن حصان البحر قد حباه الله بخصائص غير عادية جعلت الكثيرين يفتنون به بمن فيهم خبراء الاحياء البحرية وصيادو السمك العمانيون الذين يجوبون المياه العمانية.

 
السلاحف : ذكر…أم أنثى؟

في أزمان مختلفة وثقافات متباينة، ظل الإنسان تواقا لامكانية اختيار نوع المولود من ذريته.. ولحسن الحظ فان القدرة الالهية قد وهبت الطبيعة نظاما يتم فيه توزيع نسب متعادلة للذ كور والاناث لمختلف انواع المخلوقات بما في ذلك الإنسان.

وقد أظهرت دراسة حديثة اجريت على السلاحف انه من الممكن معرفة نوع الجنين بعد وضع البيض. ويعتمد ذلك كليا على درجة حرارة الرمال التي وضع فيها البيض ثم دفن.

انه من المدهش حقا اتيان السلاحف البحرية الكثيرة المشاهدة والمألوفة للعلماء بمفاجآت بيانية مثل هذه. أحد الأسباب لذلك هو صعوبة دراسة السلاحف البحرية عموما، فباستثناء تلك الفترة الوجيزة التي تقضيها السلاحف على اليابسة وهي المدة ما بين لحظة تفريخها الى زحفها لمسافة قصيرة في اتجاه البحر فانها تقضي بقية عمرها داخل الماء. ولا تخرج الا الاناث مرة واحدة في السنة ولسا عات قليلة لتضع بيضها ثم تعود مرة أخرى للبحر. والسبب الآخر هو نموها الطبيعي البطيء جدا اضافة لطول عمرها. والتقديرات الاخيرة تفيد بان معدل عمر السلحفاة البحرية يتراوح ما بين 100 الى 150 سنة.

وهكذا نجد ان لدينا حيوانا يعيش مرتين اطول من عمر معظم الباحثين، وبغض النظر عن هذه المسألة، فان علماء الأحياء المتخصصين في السلاحف البحرية حول العالم، بما في ذلك عمان، يحاولون توفير الفرص لاحفاد السلاحف البحرية ان تقابل احفاد احفاد احفادنا. ولان عمان أحدى المناطق الهامة لتكاثر السلاحف البحرية، إلا انه لا يجب ان ننسى حقيقة ان السلاحف البحرية من الحيوانات المهددة بالانقراض.

وفي أحد أنواع السلاحف البحرية، تم اكتشاف ان البيض يتطور إلى أجنة مذكرة حينما تكون درجة حرارة الرمال اقل من 30 درجة مئوية، وتكون الأجنة مؤنثة إذا ارتفعت درجة الحرارة لاكثر من 30 درجة مئوية،و أحيانا يكون هناك تقسيم نسبي متعادل بين الإناث والذكور حتى إذا كانت درجة الحرارة r  درجة مئوية، فماذا يعني ذلك بالنسبة لنا؟

قبل تدخل الإنسان، كان التعادل الكلي للا جناس متوازنا بين الذكور والإناث، ومع مرور الزمن ظل الانسان يحطم الشراط ء باهمال شديد والتر. ربما تصادف وقتها ان تفقس صغار السلاحف من البيض دون إلا تجد شريكتها بعد مرور 30-40 عاما ولا نعرف المدى الحقيقي لهذا الاحتمال. إن العاملين في العلوم البحرية في عمان والذين يهتمون بإدارة المناطق الساحلية يقومون بقياس درجات حرارة الرمال في مختلف الشواطئ العمانية وذلك في محاولة لتحديد معدلات درجات الحرارة فيها. وهذه هي البداية فقط، فهناك الكثير من العلم الذي لابد من إنجازه، وفي أوقات كثيرة نكون مذنبين في طلب المعلومات في لحظتها: فليس فقط إننا نضحي بالدقة، ولكن أيضا نقوم بتقديم افتراضات غير صحيحة عندما نستعجل الإجراءات، ففي مثل هذا النوع من الدراسات، توجد لدى الطبيعة طريقة ما لإبطاء سرعتنا، ويجب على العلماء قليلي الصبر إن يعملوا في مجال البكتيريا وليس في مجال السلاحف البحرية، حيث تنقضي دورة حياة البكتيريا في دقائق وليس في قرون كما لدى السلاحف.

لقد بدأ العالم لتوه في تقديم بعض من الاستفسارات المبهمة في عالم البحار، ونأمل في ان يتمكن احفادنا واحفاد احفادنا من دراسة أحدى السلاحف البحرية التي فقست لتوها وزحفت نحو البحر في رأس الحد (وسط عمان تقريبا) بعد العديد من السنوات من الآن.
دموع السلاحف

 حث قبل أن ترفض قراءة هذا المقال ظنا من عنوانه بانه حديث قلب دام يفيض عطفا، أرجو أن تواصل القراءة، فأنني أتحدث بموضوعية وبساطة، فالسلاحف البحرية تبكي وليس لاسباب عاطفية كما نفعل نجن البشر.

إن الماء هو المادة الفريدة في كوكب الارض التي تجعل الحياة ممكنة فيه، وجميع المخلوقات الحية تحتاج الى الماء بشكل او بآخر. وبعض الحيوانات لا تشرب ماء، ولكنها تستخلصه من الاغذية التي تتناولها، وينطبق هذا على كثير من الحيوانات الصحراوية، أما كثير من الحيوانات التي تعيش في البحر فلديها مشكلة عكسية فهي تعيش في وفرة من المياه تحيط بها من كل جانب ولكنها مشبعة بالملح، فكيف تتخلص من هذه المشكلة؟ وتكمن الإجابة في عدة طرق، ولكن في هذا المقال سوف نتناول طريقة السلاحف البحرية.

السلحفاة البحرية سواء كانت نوعا يفضل الغذاء النباتي او الحيواني لديها غدة كبيرة لافراز الملح في ركن كل عين. وتمتد قناة من الغدة لتفتح في الركن الخلفي للعين، وتبكي السلحفاة بدموع من الملح، ويثيرا لتساوي في درجة تركيز الملح بين البلازما في الدم والدموع عند البشر الى عدم مقدرة الغدد الدمعية على ازالة أي زيادة في الملح من اجسامنا.

اما دموع السلحفاة البحرية فهي الناتج النهائي لنظام فيسيولوجي متخصص يزيل الملح من جسم السلحفاة كسائل شديد التركيز، ومعظم الزواحف المائية ومن بينها السلاحف البحرية تستطيع ان تأكل وتبتلع اثناء وجودها تحت الماء. وفي اثناء هذه العملية لا شك انها تبتلع كميات متفاوتة من الماء. والتساؤل الذي يتبادر هو ما اذا كانت السلاحف البحرية تشرب عادة مياه البحر بكميات معلومة في الاوقات الأخرى أم لا، يظل قائما بدون إجابة.

والذين وجدوا منا الفرصة لمشاهدة اناث السلاحف البحرية تضع بيضها على الشواطئ العمانية ربما لاحظوا في بعض الأحيان ان عيونها مدمعة، وأنا متأكد ان كثيرا من الناس يعزو ذلك الى المجهود والألم والحزن الذي يفترض ان تعانيه السلحفاة اثناء عملية وضع البيض. والواقع هو أن الغدد الملحية تعمل كالمعتاد لتصريف الملي الزائد من الجسم، والفرق الوحيد هنا هو عدم وجود اعواج تغسل الدموع اثناء هذه الزيارة القصيرة للبر.
هل تنام الأسماك ؟

نادتني زوجتي ذات مساء لكي ارد على التليفون، فطرح علي الشخص المتحدث في الطرف الآخر سؤالا فضوليا: هل تنام الاسماك ؟ وكانت اجابتي الاساسية هي نعم، تنام الاسماك.؟

لكن النوم ليس من السهل تعريفه عند الاسماك كما هو عند الحيوانات الأخرى، والسبب الرئيسي في ذلك والذي لم يفكر فيه معظمنا ابدا هو ان 99% من جميع الاسماك ليست لها جفون. والأسماك التي لها جفن (مثل العديد من اسماك القرش) يسمى ذلك الجفن الغشاء الغامز او الرامش ولا يستخدم في النوم. ولدينا أساسا… مختلف من الاسماك كلها لها عينان لا تطرفان أبدا. وتلك العيون التي لا تطرف تزودنا بمعلومات ضئيلة.

ورجعت الى قاموس فوجدته يعرف النوم بأنه: حالة راحة طبيعية فيسيولوجية تتكرر بشكل منتظم وتتميز بسكون ولا وعي جسدي وعصبي نسبي واستجابة مخفضة للمؤثرات الخارجية، هذا فعلا تعريف لظاهرة اساسية في حياتنا جميعا، ولكن اذا تأملنا في الجوانب الرئيسية للتعريف المذكور لخرجنا ببعض الاستنتاجات بالنسبة للاسماك. إن الحالة الفيسيولوجية المتكررة يسببها تعاقب الضوء والظلام كل 24 ساعة يوميا. فاذا قمت بزيارة لمنطقة مخور مرجانية في المياه العمانية خلال ساعات النهار، فهنالك اسماك عديدة لن تراما، ويحدث نفر الشيء اذا قمت بالزيارة خلال ساعات الليل. فالأنواع الليلية (الناشطة في الليل) والأنواع النهارية (الناشطة في النهار) من الاسماك مثلها كمثل طاقمين مختلفين يعملان فيها.

والكلمة الرئيسية في تعريف النوم الذي سبق ذكره هي كلمة "الراحة" وانواع كثيرة من الاسماك لها نظام نوم او فترة راحة بصورة تقليدية في الغالب، وبعض الانواع من الاسماك التي تكثر في المياه العمانية لها طريقة نوم غريبة. فهي تحشر نفسها بين الصخور وتفرز غطاء مخاطيا حول جسمها، ويقوم هذا الغطاء فعلا بصد المعتد ين الليليين المحتملين ويجعل السمكة ترتاح دون ازعاج، والانواع الاخرى من الاسماك ترقد على القاع او تطفو على السطح والانواع الليلية تنام عادة خلال ساعات النهار مختبئة في كهف او جحر مظلم. ولكي اكون أمينا بحق لابد ان اذكر ان علماء الأحياء البحرية ´لا يعرفون اطلاقا كم عدد الاسماك التي تنام، هذا علاوة على حقيقة ان كل الدلائل تشير الى مفهوم ان جميع الاسماك تنام او ترتاح بطريقة او بأخرى. والمتحدث الذي طرح على ذلك السؤال الفضولي كان في الحقيقة يتكلم نيابة عن طفله، والشيء المثير هو ان الاسئلة التي يمكن ان يسألها طفل عن الطبيعة تكون هي نفس الاسئلة التي يحاول العلماء حلها وكشف خباياها. فبينما يمكن ان يكون السؤال عن النوم عند الاسماك متصورا على فئة قليلة من الناس ثق انه في مكان ما من العالم يوجد عالم سلوكيات يدرس نفس السؤال.

ان ذلك الطفل الذي طرح السؤال الاصلي لابد انه كأن ينظر لوالده بعينين لا تطرفان منتظرا منه الاجابة التي قادتنا الى الحديث عن عيون ملايين الاسماك في البحر وكان واضحا في هذه الحالة ان عيني ذلك الطفل لا تطرفان لانهما تفيضان بالبراءة الصادقة بينما عيون الاسماك ليست في حاجة لان تطرف لان مياه البحر  تترك لها مجالا لتجف.

سمك (عمان يبسلون)

 وانا اسطر هذا المقال اعرف انه قد مضت سنتان منذ ان بدأت حلقات مقالات "احياؤنا البحرية". ففي خلال هاتين السنتين حاولت ان اشمل العديد من الاحياء البحرية العمانية في مقالاتي التي (آمل) ان تكون قد اتت بصورة شيقة وممتعة. وأحد الأشياء التي يفترض ان تكون واضحة. او على الاقل فهمت ضمنيا، في معظم هذه المقالات هو ان معظم الاحياء البحرية العمانية الغنية متواجدة بكثرة في مياه المحيط الهندي والمحيط الهادي.

ورأيت انه من المناسب ان اتحدث عن مخلوق بحرق عرف في المياه العمانية فقط. ولا اظن انه يوجد في منطقة اخري!

وأول مرة اتعرف على هذه السمكة كان من خلال بحث اجريته بواسطة الحاسب الآلي بمركز العلوم البحرية والسمكية، ففي اثناء اعداد البحث عرفت انه في عام 1985 تم تصنيف نوع جديد من الاسماك عليا. وكانت العينة واحدة فقط، ان اسماك البليني هي اعضاء عائلة كبيرة تسمى بالبلينيداي ومعظمها ينمو بطول يقل عن 10 سنتيمترات. والمرجع القصير عن هذه السمكة لم يوضح شيئا اضافيا عنها عدا ان منطقة العثور عليها كانت قرب مدينة صور.

وخلال رحلة تجميع الى ساحل عمان الاوسط، تمكن اعضاء المعرض من امساك سمكتين جميلتين لونهما اصفر فاقع وقد افترضت انهما جديدتان في عالم البحار.. ولكن لسوء الحظ بعد اجراء ابحاث اضافية، علمت ان هاتين السمكتين هما سمكة البليني التي ذكرتها قبلا.

وقراء هذه المقالات خلال السنتين الماضيتين قد تشبعوا بقراءة الاسماء العلمية المختلفة للاحياء البحرية العمانية. بالرغم من انه يشار اليها احيانا على انها أسماء لاتينية، ان هذا غير صحيح، لان الأسماء العلمية تأتي من العديد من المصادر بما في ذلك الاغريقية والانجليزية وايضا العربية علاوة على اللاتينية. والاسم العلمي عادة يتكون من جزءين، الاول يطلق على الجنس ودائما يكون بادئا بحرف كبير، والثاني يطلق على النوع ودائما يكتب بحروف صغيرة، ويمكن للاسم العلمي ان يكتب بحروف مائلة او تحتها خط، ولتحري الدقة عادة ما يكون الاسم العلمي واحدا في كل اللغات سواء كانت صينية او روسية او انجليزية او حتى عربية فالاسما> العلمية تكتب بالحروف اللاتينية.

وكل هذا يقودنا الى اسم علمي غير عادي رغم دقته يطلق على اسماك البليني: وهو اسم (Oman  ypsilon) لآن معظم الحيوانات والنباتات على الكرة الأرضية قد أصبحت معروفة للعلم منذ زمن بعيد، فبمجرد ان يكتشف نوع جديد لابد وان يقع تحت جنس معروف. أما في حالة سمكة البليني الصفراء فإنها مختلفة تماما عن كل الأجناس المعروفة الأمر الذي جعل العالم الذي اكتشفها يطلق عليها اسما جديدا تماما. وبما ان العينة الوحيدة التي اكتشفها وقام ببحثها كانت من عمان، فقد اختار ان يكون اسم الجنس (عمان) أما اسم النوع فهو (يبسيلون) وهو الاسم الاغريقي للحرف "يو" وذلك اشارة لحرف الـ"يوا" الاسود الموجود رأس هذه السمكة.

وللدهشة، فقد خصصت حوالي ثماني صفحات لوصف سمكة (بيسيلون عمان) علميا، بالرغم من ان هذه السمكة التي اخذت كل ذلك الكم يبلغ طولها 39 مليمترا فقط، كما هو معروف فان هناك ثلاث عينات فقط في كل العالم لهذا السمكة. والعينة الاصلية هي التي ذكرت في السطرين السابقين أما العينتان الأخريان فهما قد تم جمعهما بواسطة اعضاء معرض عمان للأحياء البحرية وحفظهما، وللأسف فإن هذه السمكة رغم جمال ألوانها الا انها انطوائية. فعندما يضعها أعضاء المعرض للجمهورفإنها لا تظهر الا لزوار مخصومين. ولكن من يدري فقد تجد سمكة بليني العمانية صاحبة الاسم المتفرد فرصة لان تطبع على طوابع البريد.

سمكة مسقط

 هناك نكتة مشهورة يحكيها الاطباء منذ القدم عن محاصرتهم في المآدب والحفلات واللقاءات الاجتماعية بواسطة الناس الذين ينشدون استشارات طبية، وتحدث هذه الظاهرة نفسها لذوي المهن الاخرى، ولابد ان اعترف بأنني كثيرا ما ينفر بي غواص متلهف للمعرفة او سباح فيسرد علي

وصفا غالبا ما يكون غريبا لبعض الاسماك او غيرها من الاحياء البحرية التي قد يشاهدها اثناء غوصه ويتوقع مني ان اتحدث فورا عن تاريخ حياتها. واذا كان السائل يتمتع بذاكرة قوية واعطاني وصفا جيدا للون وشكل الحيوان الذي راه استطيع في الغالب ان اخمن تخمينا صحيحا لنوعه، ويتم التخمين على اساس وصفه هو ومعرفتي انا بما هو موجود وما يحدث في المياه العمانية.

وفي الآونة الاخيرة جاء غواص يسألني عن سمكة شاهدها على عمق ثلاثين مترا تحت سطح الماء. وكانت ذاكر ته صافية والوصف الذي سرده لي عن سمكة متوسطة الحجم رآها تعيش في جحر على خط صخري في القاع كان وصفا غالبا ما يكون غريبا لبعض الاسماك او غيرها من الاحياء البحرية التي قد يشاهدها اثناء غوصه ويتوقع مني ان اتحدث فورا عن تاريخ حياتها. واذا كان السائل يتمتع بذاكرة قوية واعطاني وصفا جيدا للون وشكل الحيوان الذي رآه استطيع في الغالب ان اخمن تخمينا صحيحا لنوعه، ويتم التخمين على اساس وصفه هو ومعرفتي انا بما هو موجود وما يحدث في المياه العمانية.

وفي الآونة الاخيرة جاء غواص يسألني عن سمكة شاهدها على عمق ثلاثين مترا تحت سطح الماء. وكانت ذاكرته صافية والوصف الذي سرده لي عن سمكة متوسطة الحجم رآها تعيش في جحر على خط صخري في القاع كان وصفا مألوفا. ولكنه مضى يقول انه عندما اقترب من السمكة ارتدت الى اسفل نحو الحجر واختبأت ولم يبق منها شيء ظاهر سوى "رأس صغير اصلع" عند مدخل الجحر. وبدأت اقلب كل هذه المعلومات في ذهني، ورجحت أن تكون هذه سمكة فك.

وذكرت للغواص انني لكي اكون امينا اعرف ان اسماك الفك تتواجد بكثرة في البحر الكاريبي واجزاء من المحيط الهادئ، ولكني لم اعرف بوجودها في المحيط الهندي، وبالتأكيد لم اشاهد ابدا واحدة منها في اثناء الاوقات التي اقضيها تحت الماء في سلطنة عمان.

وبعد عدة ايام تناولت مرجعي الرئيسي عن اسماك المحيط الهندي (ويتكون من 800 صفحة ويزن ثلاثة كيلو جرامات) وبحثت عن مادة "أسماك" الفك حتى وجدتها وقرأت في القسم الخاص بها فوجدت ثلاثة انواع مدرجة في هذا القسم. فمعظم أسماك الفك صغيرة جدا واثنان من هذه الانواع المسجلة ينموان الى اقل من 15 سنتيمترا، ولذلك لابد من صرف النظر عنهما وهذان النوعان ايضا يعيشان في الغالب في البحار الضحلة وليس في اعماق 30مترا. اما النوع الثالث فكان اكثر املا، وقد عرف انه ينمو الى اكثر من 41 سنتيمترا ويتواجد عادة في اعماق 30 الى 50 مترا. واعتبرت ان هذا صحيه ولكن واصلت القراءة عن مجموعته المعروفة، لقد عرفت أنها تعيش في خليج عمان والآن اقتنعت تماما، ولكن سرعان ما وصلت الى الجزء المدهش من الدليل عندما نظرت الى الاسم العلمي وهو "اوبيستوجناتس مسقطنسز"

نعم مسقطنسز، هذه سمكة مسمدة على مسقط، وقرأت الشاهد على الوصف، ورأيت أنها قد وصفت في عام 1887، أي قبل اكثر من مائة عام، وخمنت تخمينا فقط كيف تمكن عالم الاسماك من قبض السمكة دعك من ان يأخذها الى المتحف البريطاني دون الاستفادة من وسائل التبريد او مواد الحفظ المستخدمة حاليا، ولكن رغم ذلك كان الامر حقيقة. وحتى الآن لم اشاهد بنفسي أحدى هذه الاسماك الفكية، ولكن ما من شك في انها متواجدة في الاعماق المظلة بدون التأكد تماما من المكان الذي تكمن فيه سمكة مسقط.

 سمكة المشط العمانية

 في اوائل عام 1989 وصفت أحد انواع سمكة المشط (الفراشة) على انها جديدة على العلم. ففي حين ان هذا يبدو انجازا في حد ذاته اذ ان العلماء لايزالون يكتشفون الجديد من الانواع البحرية التي لم يسبق ان تم اكتشافها، نجد انه انجاز اضخم واعظم حينما تكون هذه السمكة مكتشفة في المياه العمانية فقط. وتعرف السمكة لدى العلماء الآن باسم شاتودون دياليوكوس (Chaetodon dialeucos) أما اسمها العامي هو سمكة (المشط العمانية).

وتتواجد هذه الاسماك بكثرة في المياه العمانية الوسطى وتشاهد احيانا في جنوب عمان، وهي لا تتواجد في مياه مسقط او مياه خليج عمان. ووجود تلك السمكة الوحيدة وتصويرها في منطقة جزيرة الفحل (بمسقط) يعتبر معجزة.

ومسألة صحوة الضمير قد حدثت عندما عثرت صدفة على هذه السمكة وانا اغوص قرب جزيرة الفحل. وقد كانت السمكة تبلغ حوالي15سنتيمرا وهي تسبح سعيدة ووحيدة في اعماق تما الى 15 مترا، ولحسن حظي كنت احمل آلة التصوير التي املكها معي، إذ بدأت في التقاط الصور لها محاولا ايجاد هسررة جيدة لسمكة المشط العمانية هذه.

وحتى هذه اللحظة، لم تحدث أي إشارات لضميري، ولكن بمجرد أن سبحت السمكة داخل إحدى الصخور، وحشرت نفسها داخل كهف صغير لا مخرج منه، تذكرت على الفور بان زميلي الغواص يحمل معه شبكتي تجميع صغيرتين متجاهلا لحظتها صيحات الضمير التي بدأت تعلو.

ثم قمت باستبدال الكاميرا بالشباك، وبعد حركات سريعة تم الامساك بسمكة المشط العمانية الوحيدة في خليج عمان ووضعتها داخل كيس بلاستيكي شفاف. لقد كانت مشكلتي مستعصية، إذ كان بمقدور سمكة المشط ان تتفادى شباكي والافلات من محاولاتي للامساك بها، إلا إنها وللأسف قد جعلت نفسها هدفا سهلا، وهي الآن داخل كيس محكم الإغلاق. وبعد إن قمنا بالصعود البطيء الى السطح بقيت مع زميلي نراقب السمكة الجميلة داخل قفصها الشفاف. وتذكرت لحظتها باننا قد قمنا بامساك سمكتين من هذا النوع من منطقة تواجدها الاصلية في مياه اوا سط عمان وهي الآن في الحجر الصحي بمركز العلوم البحرية والسمكية، والسمكتان ستكونان جاهزتين لعرضهما للجمهور. ولكن "سمكة في اليد خير من الف سابحة في الماء".

وعندما بلغنا حوالي 8امتار عن السطح بدأت السمكة الفراشة في مواجهة بعض المشاكل بسبب الضغط وتغيراته من عمق 15 مترا حيث تم الامساك بها بالرغم من سرعة صعودنا البطيئة جدا. فقمت مرة أخرى بمبادلة الكاميرا بالكيس الذي يحتوي على السمكة. وتحت دهشة زميلي، قمت بفتح الكيس ثم اطلقت السمكة في البحر لقد كان الما> صافيا بصورة غير عادية الامر الذي سمح لنا بمشاهدة سمكة المشط العمانية الوحيدة التي وجدت في مياه مسقط وهي تسبح الى مكان امساكها. وقد بدأت تبحث عن وجبتها التالية.

الحوت المغني

من المرجح ان معظم القراء قد سمعوا بالأخبار التي تداولها العديد من وسائل الاعلام، وهي قصة انقاذ احد صغار الحيتان من نوع الحوت المحدب بالقرب من منطقة الشطيفي (مطرح) لقد كان بحق حدثا مثيرا ومريحا في نفس الوقت اذ شارك فيه العديد من الافراد، ولحسن حظي فقد كنت في المكان والزمان المناسبين. حدثت القصة عندما وقع أحد الحيتان الصغيرة من نوع الحوت المحدب Megaptera novaengliae في شباك احد الصيادين المحليين. وقد كان طوله ما بين 6 الى 7 امتار. وبالرغم من ان الحيتان كان يتم اصطيادها سابقا في معظم الدول المجاورة للبحار، بما في ذلك سلطنة عمان، الا ان هذا الصياد قد قام بالاتصال بالسلطات التي اخبرت بدورها "وزارة الزراعة والاسماك" لتتصل هي الاخرى بزميلي استيف هير احد خبراء الاحياء المائية بمركز العلوم البحرية والسمكية.

وكما يحدث في بعض الاحيان فقد بدا الحوت الصغير الحي في نظر الصيادين سمكة قرش ضخمة جدا نافقة على الشاطئ الذي يتعذر الوصول اليه بدون قارب. وحسبما يعرف استيف عني اهتمامي وحبي لدراسة اسماك القرش، فقد سألني ان كنت ارغب في الذهاب معه لمعرفة ما حدث، لقد كانت اجابتي سريعة بالموافقة. عند وصولي برفقة زميلي استيف واثنين من جامعي

البيانات بالمركز لموقع الحدث بواسطة القارب، ادركنا مباشرة ان المخلوق المحبوس داخل الشباك ليس سمكة قرش، لا بل وليس ميتا، انما هو حوت في مأزق حرج. ويمكن للحوت المحدب ان ينمو ليصل طوله لما يقارب 16 مترا، والصغار لا يتم فطامها حتى يصل طولها لحوالي من 8 الى 9أمتار، وبالتالي فان هذا الحوت الصغير لابد وان يكون رضيعا ولربما تكون امه قريبة في مكان ما من هنا.

بعد مسه شامل للمنطقة لاحظنا انه وبالرغم من ان هذا الحوت قريب جدا من سطه الماء، الا انه ظل يجاهد ليصل الى السطه للحصول على هواء التنفس، ولقد كانت مسألة وقت قبل محاولته الوصول الى السطح ولكن دون جدوى، الى ان غرق.

وفي طريق عودتنا لاحظت وجود زورق غواصي حرس السواحل على الشاكلن فخطر لي ان أستلف منهم قناعا للغوص مع انبوبة للتنفس، ولان عامل الزمن كان مهما، تحركت في قارب صيد صفير يقوده احد الصيادين منطلقا كسيارة سباق رياضية. في تلك الاثناء بقي استيف وزميلاه يحاولون فك حبال الشباك الملتفة حول جسم الحوت المتألم.

لقد كانت عودتنا للموقع سريعة مثل ذهابنا سيما وانني قد نجحت في استعارة قناع ورفاصتين للغوص، بعد اعتذار حرس السواحل عن عدم وجود انبوبة التنفس. وغطست مباشرة ثم بدأت في قطع الشباك بالسكين في الوقت الذي كانت تطو فيه الصيحات بالتشجيع والنصح احيانا، ولدهشتي كانت الاصوات تحت الماء أعلى من تلك التي بالخارج، اذ هي صادرة من الحوت، وكالطفل الغير في موقف مفزع، ظل هذا الحوت الصغير مغلقا عينيه التي تقارب حجم كف اليد وهو يصدر اصواتا رهيبة.

لقد كان سكيني حادا مما اضطرني لأن أكون حذرا وانا اقطع الحبال والشباك من المساس بجسم الحوت الطري. ولقد كانت مشكلتي الكبرى في تلك اللحظات هي تشابك رفاصات الغوص التي باقدامي بحبال الشباك.

ولم اكن ارغب في مصاحبة الحوت الى أعماق بعد فك قيوده!

بعد ان ادرك الحوت ان الحبال لم  محكمة حول جسمه بدأ بنفسه العمل على التخلص منها. وما هي الا لحظات حتى تحرر أخيرا من كل القيود ثم انطلق حرا وقفز بعيدا عن الانظار، بالطبع سيتابع اثر الاصوات والنغمات التي تصدرها امه تحت الماء. اذ عرفت الحيتان المحدبة.. بالحيتان المغنية.
الاصداف

 كم قيمة هذه الصدفة الجميلة ؟ هذا هو السن ال الذي سأله صديق لي لاحد سكان جزر جنوب المحيط الهادئ قبل عدة سنوات اثناء زيارة لجزيرة من جزر المناطق الحارة. فاشار ساكن الجزيرة لصديقي بأن يقلب الصدفة وكان السعر مكتوبا على اسفلها في ملصقة صغيرة وهو 1200 دولار امريكي. فعرف صديقي قيمة الصدفة وواضح ان ذلك الرجل قد ادرك قيمة صدفته ولم يشتر صديقي شيئا من الرجل في ذلك اليوم ولكن المسألة كانت مثالا تقليديا للقيمة الموضوعة للاصداف البحرية او الرخويات التي تجمع وكانت تلك الصدفة هي الودعة الذهبية النادرة (لاتوجد في سلطنة عمان) والوداع هو موضوع الحديث في هذا المقال.

ولم تتداخل اية مجموعة أخرى مذ انواع الاصداف في حياة الانسان وتراثه مثلما تداخل الودع، انها مجموعة تعيش على نطاق واسع في المياه السطحية الاستوائية وتتغذى على مواد نباتية وحيوانية في اوقات الظلام. واصدافها المقببة المصقولة والمخططة خطوطا جميلة مألوفة للكثيرين منا.

لقد استعمل الانسان الودع في ثلاثة اغراض اساسية كتعاويذ وتمائم، وكأشكال زخرفية وكنوع من النقود، وذهبت بعض الثقافات الى ابعد من التعاويذ فآمنت بان الودع مصنوع بصفات سحرية يمكن ان تؤثر على كل شيء من الخصوبة عند المرأة الى كمية الصيد الذي يحصل عليه الصياد من البحر.

ويوجد نوعان من الودع هما الانجح والاكثر انتشارا من انواع النقود غير المسكوكة والمواد التي تستخدم كنقود يجب ان تكون سهلة الاستعمال، دائمة، سهل عدها وصعب تزويرها، والودع يستوفي كل هذه الشروط، والنوعان المستخدمان لهذا الفرض معروفان ومنتشران في جميع انحاء منطقة المحيط الهندي والهادي.

ولكن بالنسبة لمعظمنا، خاصة اذا سرنا على شواطئ سلطنة عمان، تكمن قيمة الودع في جمال اصدافه المصقولة الشبيهة بالبورسلين اللامع. وعندما تتحرك او تأكل يزحف معطف لحمي على كل من جانبي الصدفة، وحركة هذا المعطف هي التي تنظف الصدفة وتصقلها وتمنع النباتات او الاحياء الصغيرة من ان تستقر عليها، اما الانواع الاخري من الاصد اف فتتميز بنمو ادغال حقيقية على اصدا فها غير ان الودع ليس كذلك، يظل املس مصقولا، وهذه الحقيقة وحدها هي التي تزيد من قيمته.

وقد تم تحديد ستة وعشرين نوعا من انواع الودع في شواطئ سلطنة عمان، وكثير من هذه نادر في عمان لكنه شائع في اماكن اخرى، بينما انواع أخرى نادرة في جميع اماكن تواجدها بما في ذلك سلطنة عمان. وعندما نسير على مهل على الشاطئ عادة ما تكون حصيلتنا قطعا كثيرة

من الودع، وكذلك قليل من الودع السليم، والاخيرة غالبا ما تكون قد سفعتها الرمال وتبدو اقل جمالا مما كانت في الماضي، ويستغرق العثور على نوع ممتاز وبراق وقتا  وصبرا طويلين.     ان جمع الاصداف الحية ممنوع ولكن الكثيرين يتجاهلون هذا المنع وعلى المواطنين والوافدين والذين يتحلون بالمسؤولية ان يراقبوا انفسهم لكي يضمنوا عدم تعرية شواطئ السلطنة من الاصداف كما حدث في جهات أخرى من العالم. لقد خطت عمان خطوات واسعة في مجال المحافظة على البيئة. ولكن على الناس انفسهم، عمانيين واجانب، دعم هذه الاجراءات من اجل الحفاظ على صحة احيائنا البحرية.

ــــــــــــــ

مجموعة مقالات مصورة مختارة "أحياؤنا البحرية" والتي صدرت في كتاب باسم "أحياء عمان البحرية" عام 1991. وضم الكتيب أربعين مقالا أخذنا نماذج منها للتعريف بغنى الحياة البحرية العمانية.
جوناثان كي.ال. مي

وقد عمل الكاتب في معرض عمان الأحياء البحرية بمركز العلوم البحرية و السمكية بمسقط من 1987 إلى 1990.
 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …