أعمق من سوءِ فهمٍ عابر

غالية عيسى

هو لم يكن مُذنبًا.
خيالها هو المذنب الوحيد فيما حدث.
خيالها ذلك الطائر الذي سافر بقلبها بعيدًا هو من يستحق التوبيخ، أما هو فقد تعوّد أن يكون لطيفًا ودَمِثًا مع الجميع، وقد كانت هي واحدةً من الجميع، هو لم يكن يعرف أنها كانت رمادًا من بقايا الحرب حين سكب شفتيه النديتين كالمطر حول أذنيها وبدأ يهمس تارةً، وينفخ في رمادها تارةً أخرى، حتى احمرَّ الرَّماد وانتفضت روحها من سُباتها العميق، وبدأت الجمرات تشتعل وتنبض بالحياة.
كان يهمس في أذنها كما يفعل مع الجميع، نساءً ورجالاً، فقد عُرف بلطفه وهدوئه ودماثة خُلقه مع الجميع.
هو لم يكن نارًا؛ لكن هي من كانت رمادًا.
روحها المتشظية بضربات الصواريخ، قلبها الفارغ بالفقد، فقد عائلتها تحت أنقاض السقوف والجدران، قلبها الذي أفرغتهُ اليابسة من ماء الحب، حاجتها إلى وطن كالسلام الذي انسكب في عروقها حين لامست أنامله يديها دون قصد أثناء تقديمه لفنجان قهوتها، حين لامست كفاه ظمأ خديها ذات صباح .
وماذا بعد توقد الروح بنار الحب والاشتياق.
عادت إلى غرفتها بعد لقائهما في ذلك اليوم، نفثت على سريرها رذاذًا من عطر الياسمين الذي يشبه رائحته، وألقت بجسدها الرماد على الفراش؛ ليوقظ الياسمين جمرها، فكم هي بحاجة إلى الشعور بشرارات العشق التي تذيب رمادها، فمنذ زمن بعيد لم يجرؤ رجل على إثارتها.
نامت وهي تحلم به قربها، عانقت وسادتها البيضاء ورقص النوم على جفنيها متناغما مع دقات شغفها الكبير.
استيقظت من نومها، وهي تشعر وكأنها عروس في صباح ليلتها الأولى، كانت تحلم أن ترى وردة حمراء على وسادتها، وأنامل تلمس خديها لتوقظها، ويد تمسح خصلات شعرها، ثم تراه يبتعد وهو يغني متجها إلى طاولة صغيرة في زاوية الغرفة، يدندن وهو يصبّ قهوته ويجلس على المقعد متصفحًا أوراق الجريدة.
لكنه خيالها المذنب هو من يستحق التوبيخ، إذ إنها لم تجد قربها سوى هاتفها ينام إلى جوارها وحيداً خاليا من أي رسالة أو تحية من فارس ليلتها.
خيبة ملأت روحها وتجهم وجهها وهي تحاول أن تتفقد الهاتف مرة أخرى، لكن دون جدوى.
مرت صباحات كثيرة متشابهة في الخيبات، فحبيبها مشغول دائما في أموره الخاصة.
لا يبادر في السؤال عنها أو تفقد أحوالها، لقد كانت واحدة مثل الجميع في حياته.
أدركت بعدها أن حاجتها إلى الحب والحنان والرعاية قد جعلتها تظن أنّه الرجل الذي ستجد فيه كل أمنياتها الذي ستعوض به سنوات صبرها وحزنها فهو رجل مختلف، يكفي أنه الوحيد الذي أستطاع النفخ في رمادها وتحرير جمرها من الاندثار الطويل.
لكنه لم يكن سوى رجل لطيفا مع الجميع.
جلست على الأرض كغصن انكسرت آماله وتساقطت أوراقه، تحدث جدران غرفتها:
أحيانا قد نفسر اهتمام البعض بنا وفق حاجتنا العاطفية إليه وكما تشتهي رغباتنا، فنبالغ في تأويله ونخطئ في تحويله.
قررت أن تجعله هي أيضًا واحدًا كالجميع، قررت كبح شغفها به، والتغلب على أشواقها إليه، قررت ألا تعاتبه على قلة اهتمامه بها، لقد وضعت لها مقعدًا إضافياً في صف الخيبات والخذلان.
أغمضت عينيها بابتسامة مكسورة وهي تخمد جمرها وتحاول أن تلملم أجزاء رمادها الذي تناثر وذاب.

شاهد أيضاً

حياة جثة

حمود سعود عندما تغرق السفينة لا تبحث عن لوح للنجاة أو قشة للهروب أو جناح …