أخبار عاجلة

أفلام روائية بروح وثائقية

بعد رحيل ساموراي السينماني الكبير "أكيرا كوروساوا" الكثير من النقاد وشحوا "شوهي ايمامورا لحمل سيف السينما اليابانية الذهبى، ليصبح سيدها الاول ، فهو يعتبر من أبرز المخرجين ومن أكيرهم تميزا وشهرة عالمية. ولد "ايمامورا" سنة 1926، بدأ اكاشتغال بالسينما ابتداء من الخمسينات ان استطاع أن يفرض نفسه شيئا فشيئا حتى جام الاعتراف الكبير به عالميا، وإن كان متأخرا، فقد حصل على السعفة الذهبية لمهرجان.كان " سنة 1983 عن فيلمه الجميل "جولة نامورا" في هذا الحوار، الذي أجرتة معه مجلة "انكوريبتيبل " الفرنسية يتحدث "شوهي ايما مورا" عن بداياته وعن عوالمه السينمائية.

* هل كنتم تعيشون حياة ثقافية، هل كانت لكم اهتمامات أدبية وسينمائية؟

* في تلك الفترة، قرأت كتابا جد هام "عن السقوط " لأنجوساكا جوشي – وهو أيضا مؤلف الرواية. التي أخذت عنها فيلمي الاخير "كانزو سانساي"- "عن السقوط " كان له مفعول الصاعقة في اليابان.. الكاتب يصف فيه تحول الشباب، الذي كان حتى 1945موضوعا في قالب واحد.

من ضمن عدة مئات آلاف في من الرجال الذين أرسلوا إلى الحرب، نصفهم فقط عاد، وفي الفتيات خرجن يبحثن عن خطاب جدد، عن أزواج جدد، كان ذلك انقلابا في المجتمع، والذي وصف بشكل جيد في "عن السقوط " لكن المؤلف ذهب بعيدا. لقد تجاوز حدود الواقع وكان يدعر الناس الى الذهاب نحو مزيد من السقوط. كان يجب السقوط للخروج من الواقع المفروض قبل الحرب وللتمكن في الأخير من الميلاد من جديد، كان لا يجب البقاء خاصة في حالة البلادة، التي أوقعتنا فيها الحرب، كان يجب أن نلمس القاع لنتمكن من الصعود من جديد. كل ذلك كار يتزامن بالطبع مع التجارب التي كنت أعيشها مع السوق السوداء.
*أي نوع من المضاربة كنتم تقومون به ؟

* كنت أبيه الكحول، كنا نقوم بمضاربات كثيرة مع الامريكيين.

* في هذه الفترة، هل كنتم تهتمون بالسينما ؟

* نعم كنت أشاهد كثيرا من الأفلام، العديد من الافلام الامريكية استقدمت إلى اليابان، مباشرة بعد الحرب، لكنني لم أجدها ذات أهمية، ثم اكتشفت كوروسوا. عندما شاهدت " الملاك السكران " شعرت حقا برغبة في أن أكون سينمائيا. في تلك الفترة، كنت في جامعة واسيدا، حيث شكلنا أنا وبعض أصدقاء الدراسة فرقة مسرحية، في نفس الوقت كنت جد منشغلا بالسوق السوداء، التي كانت تساعدني على دفع مستحقات دراستي، بعد الجامعة واصلنا لفترة قصيرة ممارسة المسرح ثم افترقنا، بقيت وحيدا، ولم أجد ما أقوم به في ذلك الحين، بعد مشاهدة أفلام كوروسوا، شعرت برغبة في أن أكون سينمائيا، لهذا ترشحت للدخول الى استوديوهات "توهو

وشوشيكو"، لقد اخترت "توهو" انها كانت الشركة التي يعمل فيها كوروساوا، وكنت أرغب في رؤيته يعمل، وإذا أمكن أن أكون مساعده، للأسف، في تلك السنة كانت استوديوهات "تومو" في إضراب، لهذا لم يقبلوا مساعدين جدد، بالعكس "سوشيكو"، كانت توظف، كان يجب القيام بامتحان دخول.

كنا سبعة مقبولين، سئلنا مع أي مخرج نريد الاشتغال، كنت مهتما بـ"كينوشيتا "، وهو مخرج جيد، كان معروفا تقريبا بقدر كوروساوا في تلك الفترة. وفي كل الحالات، كان الاكثر شهرة في استوديوهات كينوشيتا، لكن المشكلة أن الجميع كان يريد العمل مع كينوشيتا فقمنا إذا بعملية قرعة، لكن للأسف طلعت الاخير. فقيل لي: "لم يبق أمامك إلا " أوزر" فقط "، أحد الاصدقاء واساني قائلا: " أتعلم، أوزر هو أيضا جيد "، في تلك الفترة، لم يكن له شهرة واسعة مثل كينوشيتا، لكن حالما التقيت به تفاجأت لهيبته ووقاره، كان جد صامتا، كان يحترم الشباب، هكذا بدأت أول خطواتي في السينما، في الاخير لقد كنت محظوظا.

* هل أصبحت بسهولة مخرجا، بعدها كنت مساعدا وسيناريست ؟

* لا لقد أعلمت بأنه سيكون من الصعب أن أصبح مخرجا، كنت أعمل تحت سلطة مساعدين أولين، الذين كانوا يراتبوننا ويتابعون ترقيتنا، كانوا يقولون لغا أن الامر يتطلب عشى الاقل عشر سنوات للمرور من مرتبة مساعد إلى مرتبة مخرج.

* ما وأيك في تعير "الموجة اليابانية الجديدة "، التي أطلقت عليكم رفقة مخرجين أخرين بدوا في الخمسينات؟

*لم أكن أنتمي اليها.. كنت أسمه بهذه الموجة اليابانية الجديدة، لكني لم أكن أبدا أشعر أنني معني بها.

* في "تبدد الانسان" (1967 ) الذي كان يشبه فيلما وثائقيا صرحتم فجأة: "كل شره خيالي": هل هذا الفكرة منطبقة كذلك على افلامكم الوثائقية الحقيقية؟

* في الواقع انه العكس: أصور أفلاما ما روائية كما الأفلام الوثائقية، انجاز فيلم وثائقي يتطلب إظهار الوقائع كما هي عليه، دون كتابتها مسبقا، عندما أخرج فيلما روائيا أقوم بالشيء المماثل تقريبا، أصور اللقطات كما تحدث حقا في الواقع، أبدأ بتحضير أماكن التصوير بشكل دقيق، أخذ بعين الأعتبار طوبوغرافية ,المواقع  المختلفة التي سأصور فيها، أرسو حتى خارطة على السيناريو، تصف تنقلات الشخوص بطريقة دقيقة.

نفس الشيء عندما أشرح للممثلين ما أريده منهم، فأنا لا أحدثهم عن الجانب النفسي لشخوصهم، أفضل إعطائهم تعليمات جسدية، تقريبا جغرافية، في النهاية، ذلك يعطي لأفلامي الروائية طابعا وثائقيا.

* لماذا فجد في أفلامكم تلك الرغبة الدائمة لتشبيه الرجال بحيوانات، وإعطانهم تصرفات نوعا ما حيوانية ؟

* انه بالنسبة لي، أخلاق الرجال لا تختلف أساسا عن أخلاق الحيوانات، لنأخذ مثلا فيلمي "رغبة عميقة " (1968)، الذي استغرق تصويره، في جزيرة من جنوب اليابان، وقتا طويلا، ولما لم يكن بالإمكان بقاء الممثلين في عين المكان باستمرار، كنت أجد نفسي وحيدا في الجزيرة، بما اننا كنا نظر أنواعا مختلفة من الحيوانات في الفيلم، تساءلت مرات عديدة إن لم يكن بالإمكان تصوير هذا القصة بحيوانات فقط.. طبعا، لم يكن الأمر يتطلب بغرض أداء أدوار على الحيوانات، لقد درسنا الامر جديا أنا ومرافقي السيناريست لكننا لم نجد حلا.

لكن أنا متأكد أن الحيوانات لما مشاعرها الخاصة من جهة أخرى، الحيوانات والرجال ليس لهم منطق واحد في التصرف (…) عودة لـ" رغبة عميقة "، بالمكوث المطول في الجزيرة، استطعت ملاحظة مختلف كل أنواع الحيوانات، لقد درست طبائع وتصرفات الثعابين، الزواحف، النمل، إنهما تعمل، تنام وتأكل كل حسب وتيرته الخاصة.

أتمنى القيام بإنجاز فيلم في شكل تحية للحياة حيث نجد مجموع الأنواع الحيوانية والبشرية.

* ما معنى اسمك " شوهي ايمامورا" ؟

* "القرية الجديدة "، يعني القرية التي أسست من قبل الذين تركوا القرية القديمة.

أجرى الحوار:
فانسون أوستريا
" فظاعة العالم تحت شكل شامل ومهذب"

– "كنزو سانساي " هو فيلم حول الشك، الجنون، عبقرية ايمامورا تظهر التعقيد السديمي للعالم عبر أشكال منظمة ومهذبة.

هذا قردة في الفيلم الأخيرلايمامورا وفي نفس السياق استعراض لعناصره السينمانية: كما هو دائما عند إيمامورا هناك ثلاثة عوالم تتزاوج في حركية واحدة: التاريخية (نهاية الحرب والإيمانية التراجيدية ليابان بقدر ما هو مضفر عليه الطابع العسكري بالقدر الذي يعلم فيه أنه أصبح منهزما)، المنفر لمجموعة سكانية صغيرة تكافح من أجل العيش) والفردانية (كل يتابع فكرته الثابتة والحيوية ).

داخل هذا العمل الكبير بدرجة أقل، يحرص الدكتور" أكاغي" على القيام بالاعمال الروتينية: نراد يسرع للمداواة،ن مريض بالكباد وأخر. يأتي البعض أيضا لاستشارته لحل مشاكل أخري: (ابني يهوى عاهرة !) انه هيئة تقوم بدور الربط، تطمئن أكثر مما تقلق، فامة وأن أكاغي يركد ويشدد علو قناعته كصبيب عائلة متواضع. لكن هذا الرجل يخفي طموحه في الحصول على الاعتراف، بل حتى المجد، ويخفي الهم الذي ( يمكن كبحه: الرغبة في " الإطلاع "، إنه إذا مهوس، ساخر ومشبوه يخفي بصعوبة جنونه الحميمي تحت غطاء فحومات روتينية ومبادئ بواجماتية ( إنقاذ ما يمكن إنقاذه ) إذا كان يمنع نفسه من كل وعظ، فهو يعلم أن العالم والناس  هما رماديان فكان عليه إذا فرض فكرته الكبيرة بأي شكل: إنقاذ العالم من موض الكباد.

بشخوص أكثر عذوية وتعقيدا مما توحي به،  إيمامورا ينطلق ايمامورا في ثناء متناقض للهذيان كشكل من أشكال الجلاء المجزأ وفي نفس الوقت يرسم "اوتوبرتريه " شخصيا طريفا وبدون مجاملة للفنان في شخصية عجوز غريب الأطوار، حساس للتصفيقات المصطنعة لأترابه (مهرجان كان؟) لكن أصم أمام الإغراءات العشقية للصيادة الصغيرة، التي التقطها تحت سقفه، يغرز أكاغي مسماره دون الانتباه إلى أن الخشبة على حافة الانكسار  وإن الخراب النهائي يقترب.

كل عبقرية إيمامورا تكمن في إرادة إضفاء الصبغة على خطاب يبدو واحدا. ومترابطا واضفاء الجرعات اللازمة من الشك والفكاهة لمراجعة الطابع

الهادئ جدا للخطاب الإنساني، لا عن إرادة متعالية للتشويش المجاني. لكن للاستجابة لطموح أكثر سموا: ابلاغ فظاعة تعقيد العالم تحت شكل شامل وفي نفس الوقت مهذب. إذا كان إيمامورا  قد وفسر الكثير منه في شخصية أكاغي دافعا به نحو نقد ذاتي بناء، فلربطه كذلك "بتاكورو" بمثل "الجرق " (فيلم أخر لإيمامورا). مثلما يستطيع أكاغي مراقبة بصعوبة جنونه الاستشرافي لمواصلة تعويضه بمقدرته الطبية، فإن تاكورو ينتهي بقبول طبيعته العميقة ليصنع منها قوة تحريرية من جانبه التدميري: مثل المصاب بالإشعاع النووي في "مطر أسود" (فيلم أخر لإيمامورا)، الذي يرفض الرواد والعيش تحت التهديد الدائم لمرضه، حتى ذهابه غير الأكيد داخل  سيارة إسعاف لكن حتى تكون الممكنات في أكملها، "كنز وسانساي" في الأنتقام لي، فيلم اخر للمخرج": الطبيب المدمر على المورقين، الصديق المتواطيء لاكاغي، الذي يحقق رغبته في الموت حرقا أمام الأضواء الكاشفة للعسكر، بنورها المصور كما فخ أخير. إلى جانب القدرة الكاملة لهذا التدافع المدمر، هناك ذك التوحد البطيء للصيادة الشابة "سونوكو"، التي نعرف كيف تعيد الفعل الأسطوري لأبيها (قتل سمك قرش وإهداؤه لحبيبها متذكرة وصية أمها المومس " لا جنس بدون مقابل!" لم باختيارها لستقبل – باكتيريا، إنها تؤكد رفضها المتوحش لكل أخلاق معدة سابقا وتقوم بمسعى تحريري، مبني على رغبة متحملة ومعبر عنها، والمميزة لمميزة للمرأة "الإيمامورية ".

لكن إيمامورا لا يسجل ولا يواجه الخسائر والأرباح، ولا يقترح من جهة أخرى انتصارات وهزائم، فيلمه هو حقا بحث في الانفعالات، وليس موجزا عن الأخلاق.

عندما يريد إنها، الصورة، فإن السينمائي يتصور نهاية عظيمة تأخذ نقيضا شكليا باقتراح للمشاهد، نظرة أكاغي، المليئة والكاملة، الوحشية والرائعة، ينتهي إلى مجابهة شخصيته متهكما من قدرته في التعامي. لا يقع في رغبة الرمزإلا  للوصول أخيرا لعرض في رضح النهار،لاعتراف بجنون فعلي… ملخص مذهل للتخيلات التطهيرية لبطله (…) حول الدمار الذري، الذي تخفيه وفي نفس الوقت تظهر لنا، لكن الصورة ليست إلا مخادعة أخرى، إنها قبل ذلك لوحة، تشبه تقريبا لوحات "دالي" في فترته الرديئة،

إيمامورا يمتلك ذلك الفن العظيم للغموض الخصب.
 
 
رؤية للناقد: فريديريك بونو
ترجمة: جمال الدين طالب
(شاعر ومترجم من الجزائر)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …