ألِكساندر بلوك في مرايا عصره (مواقف ومصير)

نوفل نيّوف


(1)
«العصر الفضّي» في الشعر الروسي
يتضمّن مصطلح «العصر الفضي» إشارة إلى ولادة نهضة ثانية، توازيًا مع نهضة «العصر الذهبي» (الثلث الأول من القرن التاسع عشر)، في تاريخ الشعر الروسي. و»العصرُ الفضي» مرحلة زمنية على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، ظل معظمُها حتّى وقت قريب شديدَ الغموض والتعقيد. ليس هناك إجماع على تحديد تاريخ دقيق لما يعرَف بـ «العصر الفضي» للشعر الروسي، أو للأدب والفنون، للثقافة الروسية عامّة لدى مَن يتوسّعون في مدى شمولية مصطلح «العصر الفضي» في روسيا. غير أن الإجماع التقريبي، المتداوَل والمقبول، يحدد عمرَ «العصر الفضي» ما بين بداية 90 ـ ات القرن التاسع عشر وأواخر 20 ـ ات القرن العشرين (1890 ـ 1930). فيما يذهب بعضهم مذاهب شتّى حول زمن نهاية «العصر الفضي»، بين قائل إنها تزامنت مع بداية الحرب العالمية الأولى 1914، وآخرَ يحدد تلك النهاية بموت الشاعر ألِكساندر بلوك وإعدام الشاعر نيكولاي غوميليوف معًا في شهر آب/أغسطس عام 1921، وثالثٍ يؤجّل تلك النهاية إلى وقت انتحار الشاعر فلاديمِر ماياكوفسكي عام 1930.
تبرز نقطة الخلاف الأكبر عند السؤال عمّن أدخل هذا المصطلح أو التعبير ميدانَ البحث والتأريخ في الثقافة الروسية. واختصارًا، يُذكر عدد من الأسماء، من أهمّها: الفيلسوف نيكولاي بِرديايِف، والناقد نيكولاي أوتسوب، والشاعر فلاديمِر ماياكوفسكي. وترد في سياق النقاشات حول هذه المسألة إشارات وحقائق يمكن أن تكون مرجِّحة، إن لم تكن حاسمة بعد. فقد تزامن العصر الفضي في الشعر الروسي مع الحداثة الأوروبية، وخاصة الفرنسية التي شاع فيها على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين تعبير fin de siècle نهاية القرن، وكان هذا التعبير منتشرًا بين المثقفين الروس المهاجرين إلى فرنسا، ومن أبرزهم الفيلسوف الوجودي نيكولاي بِرديايِف الواسع الشهرة والحضور في الثقافة والفكر الأوربيين في زمانه (بين كتبه ومقالاته ما ألّفه ونشره باللغة الألمانية أو الفرنسية، أو بالروسية لغتِه الأمّ، وقد رُشّح سبع مرّات لجائزة نوبل).
ويسجِّل الباحثون أن «العصر الفضي» تعبير دخل حيِّز التداول في الاتحاد السوفيتي أواسط القرن العشرين، بعد أن نشرت آنّا أخماتوفا النسخة الأولى من «ملحمة من دون بطل» عام 1965، تقول فيها:
في شارع غاليرْنايا قوسٌ يعتريه السواد
في شارع ليتنايا غناءُ مِدخنةٍ رقيق
وهلالٌ فضّيٌّ ساطع
تجمَّد فوق العصر الفضّيّ.

لقد نشأت الحركة/المدرسة الرمزية من رحم أزمة عميقة ألَمّت بالثقافة الأوروبية عمومًا أواخر القرن التاسع عشر. وتجلّت مقدِّمات ولادتها في النظرة السلبية إلى تعريف الأفكار الاجتماعية التقدمية، وإعادة النظر بالقيم الأخلاقية، وفقدان الإيمان بقوة الوعي العالمي والمبالغة بالرفع من قيمة الفلسفة المثالية. أمّا الرمزية الروسية (1890-1910) فقد جاءت في مرحلة انهيار الحركة الشعبية (نارودنِكي)، وانتشار مزاج الخيبة والتشاؤم في الحياة على نطاق واسع بين المثقفين والمتعلّمين عموما. وقد أفضى ذلك إلى الانصراف عن القضايا الاجتماعية السياسية والتوجه نحو المسائل الفلسفية الكبرى، والقضايا الغيبية والروحية. فظهرت جمعية فلاديمِر صولوفيوف الدينية الفلسفية عام 1906 في موسكو، والجمعية الدينية الفلسفية عام 1907 في بطرسبورغ.
ولا بدّ من التذكير بمصدرين أساسيَّين كانا مرجعًا للرمزية الروسية، هما:
ـ الشاعران الروسيّان فيودور تيوتشِف (1803-1873)؛ وأفاناسي فِت (1820-1892)، والروائي فيودور دستويِفسكي؛
ـ الرمزية الفرنسية (بول فاليري، أرتور رامبو، شارل بودلير) التي اتّخذتِ الفن وسيلة رئيسة لمعرفة العالم.
انقسمت الرمزية الروسية زمنيًا إلى مجموعتين تمثّلتا في جيلين:
ـ الجيل الأكبر (دميتري ميرِجكوفسكي وزوجته زيناييدا غيبيوس، فيودور صولوغوب، نيكولاي مينسكي…) الذي تولّى في بطرسبورغ مهمّة التنظير للرمزية على المستوى الجمالي، انطلاقًا من أن الأديب هو، قبل كل شيء، مبدعُ قيمٍ فنية محض، وشخصيةٍ للغاية، والشاعران (فاليري بريوسَف وقسطنطين بَلْمونت) في موسكو.
ـ الجيل الأصغر (ألِكساندر بلوك، أندريه بيلي، فيتشيسلاف إيفانوف…) الذي انضمّ إلى الرمزية بالمعنى الفلسفي الديني، أي بوصفها فلسفة تتجلّى في الوعي الشعري.
شهدت السنوات العشرون الأولى من القرن العشرين في روسيا ولادة كثير من التيارات والتجمعات الشعرية التجديدية (انشقاقًا عن المدرسة الرمزية، توازيًا معها، أو نقيضًا لها…) تحت أسماء شتّى، كـ «المستقبلية»، و»المستقبلية التكعيبية»، و»أنا المستقبلية التكعيبية»، والبلاغية والجمالية والفلاحية والعمالية… دار اهتمامها أساسا حول مسائل نظرية تخص تجديد لغة الشعر والصورة والشكل الفني عموما واتّسم معظمها ببريقٍ سريع التحوّل والهشاشة، وسريعِ الزوال أحيانا.
نذكر من بين أبرز شعراء «العصر الفضيِّ» الروسي: فاليري بريوسوف، قسطنطين بَلْمونت، فياتشيسلاف إيفانوف، ميخائيل كوزمين، مكسيميليان فولوشِن، ألِكساندر بلوك، أندريه بيلي، نيكولاي غوميليوف، آنا أخماتوفا، مارينا تسفيتايفا، إيغر سيفيريانِن، بوريس باسترناك، أوسيب ماندلشتام، سيرغي يسينِن، فلاديمير ماياكوفسكي…
غير أن التاريخ الروسي جملة، ثقافة وحياة ومصيرًا، عاش خلال تلك السنوات تحديدًا مرحلة تحولات خطيرة عاصفة، مرحلة تحطيم كلِّ شيء وولادةِ مجهولٍ داميةٍ تجسّدت أولى بشائرها في خسارة روسيا القيصرية حربَها مع اليابان عام 1904، وفشل الثورة الروسية الأولى ضد النظام القيصري عام 1905، والانخراط في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وسقوط النظام القيصري في شباط/فبراير 1917، واستيلاء الشيوعيين على السلطة في أكتوبر 1917 أيضاً…
كيف واجه المثقفون الروس هذه المرحلة وتقلّبوا في نيرانها؟ كيف أثّرت على إبداعهم؟ وفي رسم مصائرهم، وشبكةِ العلاقات فيما بينهم؟ أسئلة نحاول ـ عبر تقديم مقاطع من حياة بعض أدباء العصر الفضي ـ أن نلقي عليها بعض ما متاحٌ من الضوء بعد انقضاء مائة عام على ذلك الزمان البعيد القريب.

(2)
ألِكساندر بلوك (1880-1921)
لعلّه الشاعر الأبرز في «العصر الفضّي». وَفقًا لشهادات معاصريه، على اختلاف مشاربهم الفكرية والجمالية، ومذكراتهم وكتاباتهم البحثية والنقدية. يكاد الإجماع على هذا «التخمين» يضاهي الإجماع الذي انفرد به سلفه ألِكساندر بوشكِن في «العصر الذهبي»، وفي تاريخ الأدب الروسي بمجمله.
أبوه أستاذ قانون في جامعة وارسو. أمّه مترجمة. وسرعان ما وقع الطلاق بين والديه، فتربّى في بيت جدّه، أندريه بيكيتوف، رئيس جامعة بطرسبورغ. كتب الشعر في الخامسة من عمره. ودخل الجامعة طالبًا في عام 1898. تعرّف باكرًا إلى أبرز أعلام المدرسة الرمزية: الزوجين دميتري ميرجكوفسكي وزيناييدا غيبيوس في بطرسبورغ، وفاليري بريوسَف وأندريه بيلي في موسكو. بدأ ينشر قصائده منذ عام 1903.
كان بلوك نصيرًا متحمّسًا لأشعار فلاديمِر صولوفيوف (1853-1900)، وتعاليمه التنبّؤية المضطربة الغامضة، المستقاة من المسيحية على نحوٍ ما. غير أن مسيحيّة صولوفيوف «لم تحظَ باهتمام لدى بلوك»، كما تقول غيبيوس التي تشير إلى وجود ازدواجية في شخصية بلوك، هي:
«المأساويّة، وعدم الإحساس بالأمان… ولكنِ الأمان من أي شيء؟ من كل شيء: من نفسه، ومن الآخرين، من الحياة ومن الموت».
هذه الازدواجية تعدّها غيبيوس «مركز الجاذبية الرئيس في شخصية بلوك».
آمن الشاب ألِكساندر بلوك بأفكار ف. صولوفيوف عن الأنوثة الأبدية النقية، وحاول تطبيقها فعليًا ومأساويًّا في حياته مع «السيّدة الرائعة»، زوجتِه لوبوف مِنديليِيفا، فأقامت علاقة مدوّية مع صديقه أندريه بيلي الذي دعا بلوك إلى مبارزة أمكن أن تكون نتائجها كارثية لو لم تتمكن ابنة العالم مِنديلييِف من إلغائها بحنكة فائقة.
كتب بلوك مجموعته الأولى الشهيرة «قصائد عن السيّدة الرائعة» وأصدرها في كتابٍ عام 1904. وكان قد نشر باقة منها في مجلة «أزهار الشمال» عند بريوسوف، وأخرى في مجلّة ميرِجكوفسكي وغيبيوس «الطريق الجديد» عام 1903.
وقد أصرّت ز. غيبيوس أواخر عام 1904 على نشر مقالتها الأولى عن بلوك في مجلة «الطريق الجديد» بعد الاعتراض في هيئة التحرير تحت ذريعة تقول:
«لا المقالة اجتماعيةٌ بالقدْر الكافي، ولا بلوك مشهور بالقدر الكافي»…
ونقرأ في شهادتها عن بلوك أنه:
«كان يُعَدُّ خارج السياسة، وكانوا يغفرون له ذلك لأنه شاعر. ورغم بُعده عن كثير من التجمعات الثقافية كان له آراؤه الخاصة، الضبابية عمومًا، والحادّة على وجه الخصوص».

(3)
زيناييدا غيبيوس وبلوك
تمثّل زيناييدا غيبيوس (1869ـ1945) وزوجها دميتري ميرِجكوفسكي (8651-1941) المعسكر السافرَ العداء للشيوعية والبلاشفة.
اختلفت غيبيوس مع بلوك حول مسائل عديدة، ولكن ذلك لم يقلِّل من احترامها له وتقديرِه إنسانًا وشاعرًا. فحين وصَمه بعضهم بالشوفينية ومعاداة السامية نتيجة موقفه من الحرب عام 1914 قالت إن «عبادته روسيا» تبرّئه من هذه التهم، أو تشفع له.
وحين سوّغ بلوك في مقدمته لأعمال الشاعر أبولون غريغوريِف انعدامَ مسؤولية الشاعر ولامبالاته، وانهال بالنقد القاسي على «الإنتلجنسيا القديمة» متّهمًا إياها بقتل غريغوريِف، لأنها أدانت «لامبالاته وتقلّبه»، كتبتْ غيبيوس في ربيع عام 1916 ردًّا على بلوك، استهلّته ببيتين من شعر ن. نِكراسوف:
«لكَ ألا تكون شاعرًا، / ولكنك ملزَم بأن تكون مواطنًا»).
إلا أنّها لم تنشر ذلك الردّ قبل أن تدعو بلوك إلى بيتها ليقرأه:
«لم يخطر لي أن أنشره قبل أن يقرأه بلوك، طبعًا. <…> وقد أسمعتُه سطورًا عنه بالغةَ الحدّة، فنشب خلاف بيننا وخرج على أثره حزينًا».
بعد سقوط النظام القيصري، واستفحال الأزمة التي أحاطت بعنق كيرينسكي وحكومته عشية ثورة أكتوبر 1917 وجَد طيفٌ واسعٌ من المثقفين الروس نفسَه أمام سؤال مصيري حول الدور الذي يجب أن يلعبوه:
«هل نقبل الخضوع والصمت والانتظار؟»
فقررت جماعة منهم إصدار جريدة معادية للبلاشفة، يلتفّ حولها عدد كبير من الإنتلجنسيا الروسية. وفي بداية أكتوبر 1917 اتصلت زيناييدا غيبيوس هاتفيًا بالشاعر ألِكساندر بلوك، فرفض حضور الاجتماع التأسيسي، والتعاون مع هذه الجريدة. وأعلن لها صراحة أنه ضد استمرار الحرب، ولا بدَّ من عقد صلح مع ألمانيا، وأنه سيعمل مع البلاشفة.
وسرعان ما انخرط بلوك بالعمل الطوعي في الميدان الثقافي مع البلشفيَّين مكسيم غوركي ووزير الثقافة أناتولي لوناتشارسكي.
في بداية عام 1918، بعد شهرين على استلام البلاشفة السلطة في البلاد، أصدر بلوك ملحمته الشهيرة «اثنا عشر» التي انكشفتِ اليوم نقاطُ الغموض فيها عن نبوءة حقيقية. تتألّف الملحمة من اثني عشر فصلًا/مشهدًا تخترقها مجموعةٌ (اثنا عشر شخصاً) من جنود الحرس الأحمر المسلّحين، يسيرون بخطوات عسكرية في شوارع بطرسبورغ ذاتَ ليلةٍ عاصفة. وهكذا، تضعنا الملحمة أمام لوحة تصرخ بلغة الشارع، تقدِّم الواقع بمكوناته وانقساماته الاجتماعية السياسية والفكرية، حيث يعلو شعاران أساسيان:
«… لا تكن جبانًا،
ولنطلقِ الرصاص على روسيا المقدّسة!»
ولمّا كان تروتسكي لا يزال بعدُ يتصدّر جزءًا كبيرًا من المشهد الثوري:
«ونكايةً بالبرجوازيين جميعًا
سنضرم حريقًا عالميًّا».
لكنّ الملحمة تنتهي، فجأةً، باكتشاف الجنود شخصًا يتقدّمهم، لا تؤثر فيه العاصفة ولا الرصاص، على رأسه إكليل من الورود البيضاء، يرفع راية مخضّبة بالدم، إنه المسيح!
تلقّت غيبيوس، ككثيرين من مختلف الاتجاهات والمواقف، ملحمة بلوك باستياء كبير لا يخفِّفه، في نظرها، إلا كونُ أندريه بيلي كتب ملحمة «المسيح قام» التي تفوقها تجديفًا، ولم تلقَ نجاحًا. تقول:
«كنتُ أفكِّر بـ بيلي بشفقة واحتقار، وبألِكساندر بلوك بشفقة وألم».
أرسلت زيناييدا غيبيوس إلى ألِكساندر بلوك كتابها «أشعار أخيرة»، فكتب قصيدة (مطلع حزيران 1918) ختمها قائلًا:
«بشوق، بحلاوة، بحتمية أريدُ
أن ألقي بنفسي في موجٍ عارم مزبِد،
وتريدين، مثل حورية ماء خضراءِ العينين،
أن تغنّي، وتتألّقي عند صخور إرلندا.

عالياً، فوقنا، وفوق الأمواج،
مثل شفق الفجر فوق صخورٍ سوداء
ترفرف رايةُ الأممية».

رغم ذلك، تصف غيبيوس لقاءها الأخير مع بلوك، مصادفة، في عربة ترام ببطرسبورغ خريف عام 1918 حين يقف أحدهم بجانبها ويُلقى عليها التحية فتعرف صوته:
«ـ هل تمدّين لي يدكِ؟
ـ شخصيًّا فقط. وليس اجتماعيًا.
يقبِّل بلوك يدها ويشكرها:
ـ يقال إنك سترحلين؟
ـ وماذا… هنا إمّا الرحيل وإمّا الموت، لمن ليس في وضعكَ، طبعًا.
ـ يمكن أن يموت المرء أيًّا كان وضعه. ـ ويضيف فجأة: ـ إني أحبِّكِ جدًا…
ـ أنتَ تعرف أنّي أحبّكَ. ـ وتنهض لتخرج.
ـ وداعًا، أشكركِ على أنّكِ مددتِ لي يدَكِ. ـ يقول لها بلوك.
ـ وداعًا اجتماعيًا، فالجسور بيننا مدمَّرة. أنت تدري. إلى الأبد… أمّا شخصيًا… فكما كنّا من قبل…
تمدُّ له يدها. ينحني وببطء يقبّل تلك اليد:
ـ أشكركِ.
ينزلان من عربة الترام ويمضيان كلٌّ في طريق».

(4)
يفغيني زَمياتِن وبلوك
بالمقابل، يمثِّل يفغيني زَمياتِن (1884-1937)، مؤلّف الروايةِ/العلامة «نحن»، معسكرَ الشيوعيّين البلاشفة وكأنه واحد منهم. ويرى الباحثون أن مذكراته عن بلوك (1921) أثمن وثيقة ببلوغرافية عن هذا الشاعر في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته (1918ـ1921).
لم يكن الخلاف بين زامياتِن وبلوك ينحصر في المجال الفنّي الجمالي، بل تعدّاه ليشمل المجال الفكري والسياسيّ أيضًا. ففي عام 1918 اتخذ زامياتن من مقالة بلوك «الإنتلجينسيا والثورة» موقفًا اتهاميًّا تميّز بالقسوة:
«لقد أجاد بلوك تقبُّل ما لحكّامنا من مقدرة على ممارسة العبودية، وتغنّى به. ثم هبط الشاعر إلى الأرض. فهو يريد أن يعيش، لا أن يحلم».
وسرعان ما انقلب موقف زامياتِن إلى نقيضه، حين جمعه العمل مع بلوك «الآخر، الحقيقي» في مشروع «الأدب العالمي» تحت إشراف مكسيم غوركي. وتجلّى هذا التحول العميق في اعتراف زامياتِن:
«إنني رجل معدنيّ، وقليلًا، بل نادرًا ما أُحِبّ أحدًا. أمّا بلوك فقد أحببتُه».
يُجمِع من كتبوا عن السنوات الأولى بعد الثورة الشيوعية في روسيا على أن سنة 1919 كانت أشدّها بؤسًا وهولًا. كان البرد والجوع والفاقة والمرض، وسوء الظروف المعيشية والنفسية جملةً، كلًا مترابطًا، أو عنوان الحياة ومضمونها معًا. لم تعُد مهنة الأدب تحمي أهلها من ذلّ الحاجة، ولو في الحدود الدنيا. فباتت الأحاديث الشفهية، على شكل محاضرات أو أمسيات… مصدرًا وحيدًا للدخل تقريبًا. كان بلوك يقول لزامياتِن:
«إني أحسدكم. أنتم تجيدون الكلام وتقديم المحاضرات… أمّا أنا فلا بدّ لي من كتابة ما أريد أن أقوله في أيّ محاضرة أو لقاء».
ولمّا لم يكن الإبداع والترجمة مصدر دخل يعتدّ به، قال:
«أي دخل، إذا لم أستطع أن أُترجم من هايني إلا اثني عشر سطرًا خلال ساعتين! وكان لا يزال موجودًا في مدفأة غرفتي نارٌ في ذلك المساء».
فوق التأزم النفسي الناجم عن تفشّي العنف والظلم المحيط، وصعوبات العيش وقسوة الظروف الطبيعية، ألقت المؤسسات الثقافية الشيوعية على كاهل بلوك مسؤوليات ومهامَّ جِسامًا، وأحاطته باجتماعات لا تنتهي، وكلّفته برئاسةَ لجان ومشاريع… تفوق ما تتسع له الطاقة وساعات النهار:
«لا أعرف لماذا يدفعون لنا لكَي لا نعمل ما ينبغي عملُه؟» ـ يتساءل بلوك.
ولكنْ، لا ننسَ أن بلوك كان يتشوّق لساعة يتسنّى له فيها أن يكتب:
«أرغب كثيرًا بالكتابة. الآن لم يعد ذلك يحدث نهائيًا تقريبًا».
وهكذا لم يُتَح له أن يكتب شعرًا بعد «اثنا عشر» وقصيدةِ «السكيثيون» خلال تلك السنوات. في هذه الأجواء المقيتة كان يقول لزامياتن:
«لا هواءَ للتنفّس. جوّ خانق. لعلّي مريض».
يتحدّث زامياتِن عن بلوك، يصوِّر مزاجه وحالته النفسية ويدوِّن كلامه:
«كلماته المُرّة، القاسية عن الجيفة، وعن الكذب <…>، ثم يقول متجهّمًا، بعناد، ربما لنفسه وليس لي:
ـ وعلى رغم ذلك، فثمّة دِرهمُ حقيقة ـ حقيقيٌّ جدًاً في هذا كلّه. (ومع ذلك فإني أحبّ روسيا). إنه حبٌّ شديدُ الكراهية، لعلّ هذا أدقُّ تعبير إذا ما تحدّثتُ عن روسيا، عن موقفي منها».
في معرض الكلام عن مدى معرفته ببلوك وأعماق نفسه، وعن إجلال الآخرين له، يقول زامياتِن إن لقاءاته اليومية معه خلال آخر ثلاث سنوات من عمره كانت:
«عَجولةً وقصيرة كما في عربة قطار. ولكن ربّما كانت أكثر قربًا وأقلّ عجلة في صيف 1921. يومها كنا نعمل معًا على نص «الملك لير» من أجل عرضه في «مسرح الدراما الكبير». كان بلوك وزامياتن يحضَران التدريبات على مسرحية شكسبير هذه مع مُخرجها لافرينتِف حتى وقت متأخر من الليل أحيانا. فكان الممثلون، حتى أشرسُهم طباعًا، وهم يعيدون المشهد بلا كلل، ينتبهون إلى كل خلجة أو تغير في ملامح بلوك، وإلى كلّ كلمة ينطقها، وكانوا يقولون: «إنه ضميرُنا»…
حتّى خيّل لزامياتن:
«وكأن المسرح مليءٌ بشخص واحدٍ هو بلوك».
في واحد من تلك التدريبات الليلية كانوا يريدون أن يتخلّوا عن عرض مشهد سَمْل عينَيّ غلوستر لِما فيه من عنف ورعب. حينها قال ألِكساندر بلوك كلمته المعبّرة عمّا تعيشه روسيا:
«إن زمننا هو القرنُ السادس عشر نفسه… ونحن قادرون تمامًا على مشاهدة أشدِّ الأشياء فظاعة…».

لقد كان للشاعر بلوك أعداء وخصوم في السلطة الشيوعية نفسها. يسجّل الشاعر فلاديسلاف خَدَسيفتش الواقعة التالية التي كان شاهدًا عليها. فذات مرّة شارك بلوك، قبل وفاته بنصف عام، في احتفالية لإحياء ذكرى شاعر روسيا الكبير ألِكساندر بوشكِن، تحدث خلالها ممثِّل الحكومة البلشفية رسميًّا، اسمه (كريستي)1 فقال بركاكة:
«يجب ألا يتوقّع المجتمع الروسي أنه في كل ما يخصّ تخليد ذكرى بوشكِن لن يواجه عقبات من جهة سلطة العمال والفلاحين»…
ويصف خَدَسيفتش كيف وجّه بلوك إلى كريستي بسمة احتقار ساخرة، ثمّ نهض ليختم الاحتفالية قائلاً بحدّة غير متوقّعة:
«إن الموظَّفين عندنا هم السُّفْلة، سُفْلةُ الأمس واليوم».
فتململ كريستي شاحبًا في كرسيه، ثم قال عند الباب، وهو يغادر القاعة:
«لم أتوقّع من بلوك أن يكون عديم اللباقة إلى هذا الحدّ».
جدير بالذكر أن مكسيم غوركي، الذي كان مقرّبًا من لينين وستالين، كان بشهادة يفغيني زامياتن:
«في اجتماعات لجنة (الأدب العالمي) يصغي لألكساندر بلوك كما لا يصغي لأيّ شخص آخر».
وجدير بالذكر أن مكسيم غوركي هو مَن قدّم التماس زامياتن إلى ستالين وزكّاه للحصول على إذن رسمي بمغادرة البلاد عام 1931، ثم توفّي ودفن في فرنسا.

(5)
وفاة ألِكساندر بلوك
في النصف الأول من عام 1921 أدّى البرد الجليدي في بيت ألِكساندر بلوك، كما في بيوت بطرسبورغ كلّها، إلى إصابته بنوبة روماتيزم حادّة انقطع بسببها عن العمل شهرًا كاملًا.
غير أن ملابسات موت الشاعر بلوك وتفاصيلها تحملنا على تبنّي وترجمة رواية موضوعية، حارّة ومكثّفة عن هذا الموضوع ختم بها يفغيني زامياتِن مذكّراته عن بلوك:
« كان لكلِّ مّنا في الاجتماعات مكان ما، هو مكانه المألوف. وكان كرسيّ بلوك عند طرف الطاولة، بالقرب من النافذة تمامًا: كان بلوك مريضًا. ومنذ الشتاء ظل كرسيّه فارغًا قرابة شهر. لكن بلوك عاد من مرضه بعد حوالي شهر وكأن حاله لم تتحسّن. ولا عجب، فمَن ذا الذي لا يعاني اليوم في برْد بيوت بطرسبورغ الجليدي من روماتيزم حادّ؟ ما من أحد كان يظن أن هذا السبب الاعتيادي المألوف قد قضى بأن دقّات قلب بلوك باتت معدودة. وقد تَفاجَأنا حين علمنا أن المسألة جدّية، وأن إنقاذه لم يكن ممكنًا إلا بنقله الآن فورًا إلى مصحّة خارج البلاد.
لم يرَه أحد منّا خلال ثلاثة شهور من مرضه، فقد كان يضايقه وجود الناس، بل وكانت تضايقه الأشياء العادية. ولم يكن يريد أن يكلّم أحدًا. كان يفضّل البقاء وحيدًا. كما لم يكن قادرًا إطلاقًا على الانسلاخ عن روسيا المكروهة والحبيبة معًا. ولم يشأ أن يوافق على السفر قبل أن يدرك أن البقاء هنا يعني له الموت. بل وحتى في تلك اللحظة رفض رفضًا قاطعًا أن يوقِّع أي التماسات أو أوراق. فكانت إدارة اتحاد الكتاب (في شهر حزيران) هي من كتبت رسائل إلى موسكو تطلب فيها السماح له بالسفر إلى خارج البلاد.
كان غوركي في موسكو. فقد أخذ تلك الأوراق ومرّ بها على جميع الجهات المسؤولة. وكانت تصلنا الأخبار: لقد وعدوا، وسيسمحون لبلوك بالمغادرة قريبًا. فيما كان بلوك يتلوّى من الألم، شاكيًا من نقص الهواء، لا يستطيع أن يتنفّس. كان الناس يأتون ويقولون: مؤلم أن تجلس في الغرفة المجاورة وتسمع كيف يختنق.
(حين كانت الأوراق تتنقل بين الجهات المسؤولة، علِمنا في شهر تموز أنه عُقِد اجتماع سُمِح فيه بمغادرة البلاد لكل من صولوغوب وفينغيروفا، ورُفِض طلب بلوك).
كنا نجتمع، ونقف في طوابير، ونتعلق على رفوف عربات الترام، فيما كان بلوك يتألّم، وغوركي يدور بين الجهات المسؤولة من جديد. وأخيرًا جاءت الموافقة من موسكو يوم 3 أو 4 آب: يُسمَح لبلوك بالمغادرة.
ريحٌ ومطرٌ في الحادية عشرة من صباح يوم الأحد 7 آب. رُنّ جرس الهاتف. «ألكونوست» (أليانسكي): لقد توفّيَ ألِكساندر بلوك.

أذكر: رعبٌ، ألَمٌ، غضبٌ على كلّ شيء، على كلّ أحد، وعلى نفسي. نحن مذنبون ـ جميعنا. نحن الذين كتبنا، وتكلّمنا، كان ينبغي علينا أن نصرخ، كان يجب أن ندقّ بقبضاتنا من أجل إنقاذ بلوك. (كان يمكن أن يُنقَذ وأن يتعافى).
أذكر أني لم أطِق صبرًا، فهاتفت غوركي:
ـ لقد مات بلوك. وهذا ما لا يغتَفر لنا جميعًا.
(وإذا بالهاتف يرنّ من جديد: يجب عليك أن تكتب صفحة عن وفاته. جلست ولم أكتب في ذلك اليوم إلا سطرين:
مات بلوك. وبالأحرى: لقد قتِل. قتلتْه حياتنا الراهنة، الفظيعة، حياةُ الكهوف»).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 شهر آب، نهار حارُّ، أزرق. دُخانُ بُخور أزرق في غرفة ضيقة. وجهٌ غريب، طويل، بشاربين شائكين ولحيةِ ذقن حادّة، يشبه وجه دونكيشوت. يُهوِّن المصابَ أنه ليس وجه بلوك، وأن من سيُدفَن اليوم ليس بلوك.
على سلّمٍ لولبي، ضيّق، لا يخلو من وسخ، يُخرِجون النعش عبر باحة البيت. في الشارع، قريبًا من البوابة، حشدٌ من الناس، هم أنفسهم من كانوا في تلك الليلة البيضاء من نيسان عند باب المدخل إلى مسرح الدراما ينتظرون بلوك، إنهم كلّ ما تبقّى من الأدب في بطرسبورغ. وهنا فقط يظهر كم هو قليلٌ عدد من بقوا.

كنيسةُ مقبرةِ سمولينسك مليئة. شعاعٌ مائل في أعلى القبّة، يزداد هبوطًا على مهل. فتاة مجهولة تشقّ الحشد نحو النعش. تُقبّل اليد الصفراء ـ وتنصرف. الشعاع يزداد هبوطاً.
وأخيرًا، تحت الشمس، عبر الممرات الظليلة الضيقة، نحمل ذلك الشيء الغريب، الثقيل الذي بقيَ من بلوك. وبصمتٍ، مثل صمت بلوك طول تلك السنوات، بصمتٍ تبتلع الأرضُ بلوك.
1921».

نضيف إلى هذه الخاتمة ملاحظتين:
* بعد أن رفضوا منحَه تأشيرةَ خروج (12.7.1921) قام بلوك بإتلاف كلِّ ما كان يسجِّله من ملاحظات بخط يده، وامتنع عن تناول الطعام والدواء.
** قبيل وفاته كان بلوك يهذي وهو يردّد متسائلاً عمّا إذا كان قد تمّ إتلاف جميع نسخ ملحمته «اثنا عشر» أم لا.

شاهد أيضاً

«جليلة» لحمود الشايجي – نحن آتون من الماضي وللمستقبل احتمالات من صنع أيدينا

الاستمتاع بالسرد شرطٌ قائمٌ بصورةٍ ضمنيّةٍ بين القارئ والكاتب؛ فإنْ تعرّف القارئ على شفرة النصّ …