أخبار عاجلة

أنْظُرُ الغابة مشاهد من ذاكرة طفل عُماني في أفريقيا سيرة ذاتية

زاهر السالمي*

“حينما كنتُ طفلا، أُخذْتُ بمشاعر متناقضة. الرعْب من الحياة، والاحساس بنشوتها في آنٍ واحد”
شارل بودلير

(1)

ولدتُ في واحة بين كثبان وجبال، في “الظاهر”، قرية بشرقي عُمان.
وحيث ولدت، حينما يسقط المطر، ويهبط الوادي على بطحاء القرية، كان السيل النازل
عيداً لنا نحن الأطفال
عيداً مائياً
ثم يعود اليباس، ليملأ الرئة والعيون.

حين رأيت الغابة لأول مرة، كنت طفلا، قادماً من الغبيراء
والغبيراء،
مجبولة على التمرد والجنون
مجبولة على العشق
في رحمها تتراود الألوان. الغبيراء فخ الألوان
بُنّ الأرض، ذَهَب الكثبان، بُرونز الجبال
ألوان
لا تكاد تنفصل حتى تتداخل
كما عشّاق ألف ليلة.

في تلك التخوم
الأخضر جنّة نخل تُكحّل ناظريك
الأزرق شهوة تمتطيها لتبلغ المنتهى.
(2)
في السابعة من عمري، رأيت الغابة لأول مرة.
تلك الغابة؛ لم تكن مشهداً في تلفاز، ولم تكن قصة تُحْكَى للأطفال.

حين رأيتُ الغابة لأول مرة، في أفريقيا، في تنزانيا بالتحديد
كان انخطافاً يشبه تياراً كهربياً يسري فجأة في الجسد الصغير.

لم يهيئني أحد للتجربة
كنت أكبر إخوتي
لا أذكر من الرحلة إلى دار السلام إلا بعض مشاهد
كعكة الجبن بالشكولاتة في طيران الخليج، ومساءً على كورنيش دبي
بعدها
أرى نفسي وعائلتي الصغيرة
في قطار
يقطع لب الغابة.
(3)
ما زلت أذكر اللحظة طازجة:
كان القطار منطلقاً كرصاصة كَنَدْ، داخل نفق
ليس نفقاً جبلياً ولا اسمنتيا
نفقٌ أخضر، طوله الغابة اللامتناهية الطول.

حينها
رأت عيني ما لم تر عين طفل البداة،
الغابة
الكون الأخضر
أرض خضراء، سماء خضراء، طغيان أخضر
تنشقته، لامسته بأهدابي.

ومن خلال نافذة القطار المتسارع؛ لَوّحْت
لزمرة من الأسود
وبأرنبة أنفي داعبت وجه الزرافات.

هكذا..
تملكتني الغابة.

(4)
بعد رحلة تقترب إلى العبثية، وصلنا إلى قرية “مباندا”، حيث يسكن جدي لأمي. مكثنا عنده عدة أشهر، حتى استأجر أبي بيتاً إلى جواره. كانت هذه المرّة الأولى التي التقيه فيها، فقد كان يعيش هنا، في أفريقيا، بينما كنتُ هناك..
كان طريقي إلى المدرسة يعبر من أمام منزل جدي بدكّانه. وعند عودتي، بعد الظهيرة، يكون في الدكان. فيناديني: “زاهر.. زاهر”.
أستأذنُ رفاقي، الذين لن يخطوا خطوة دوني. وأجري نحوه. يُجلسني فوق كرسي إلى جانبه. ويُخرج من دُرج مخفي قَبْضَة من حلوى عُمانية، ويناولها لي، قائلاً بلهجة أهل الشرقية: “تحبْ الحلوى العمانيةْ؟” فيرد الصغير بخجل: أَحَبْها.
هكذا كان يستدرجني إلى سوالف وحكايات. فمن النادر أن يجد من يتحدث معه بلهجة قُحّة، غير مُفكّكة بكلمات أفريقية!
الحلوى العمانية نادرة أيضاً هنا، وهي لا تباع أصلا. يوصي بها جدي حين يسافر
أحد أقربائه أو أصدقائه إلى عُمان.
كان يرى في وجهي صورة ابنته مريم، التي تعيش في قارة أخرى، في الشرق، في “الظاهر”. أمي أكبر أبنائه، تشبهه جداً في قسماته ولباقته.
أحببتُ جدي يوسف، خاصّة بعد أن عرفته جيدا، أثناء سُكنانا في بيته. بشوش الوجه، رغم الشيب، عيونه تذكرني بأمي.
كان السُكّان في تلك القرية الصغيرة يلجأون إليه، حين يمرض أحدهم! يُجهز الأدوية بطحن وخلط الأعشاب الطبية. يطلب من أهل المريض تغذيته جيدا، ويقرأ عليه آيات من القرآن. لا أتذكر أني رأيته يوماً يرتدي القميص والبنطال. كانت حُلّته الدائمة دشداشة بيضاء، و”مصر” أبيض، أو طاقية بيضاء تستوي كهرم فوق شعر رأسه الأشيب الخفيف. كانت تزيده طولاً وأنا أنظر إليه.
في العطلات وفي الأعياد نذهب إلى “مباندا ندوجو”، أي مباندا الصغيرة، وهي منطقة مزارع تابعة للقرية. جدي يملك مزرعة هناك. نذهب بسيارة لاندروفر مكشوفة السقف، قديمة الطراز. لكن اللاندروفر العجوز تُعتبر عُملة صعبة في تلك الأقاصي، تتطوح عبر الهضاب، ونحن فوقها، مُتمسكين بقضبانها، نصْعدُ ونهبط مع كل عُلوّ ونزول، في عراك شيّق مع الجاذبية والمَطبّات الهوائية. تجربة لن تصادفها أبداً في الطرقات المُعَبّدة!
وبعد نصف ساعة من الحوار الطفولي، يُطلقني جدي إلى أصدقائي المنتظرين، وفي يدي قبضة أخرى من الحلوى العمانية، أوزعها بينهم.
في تلك السنة؛ كان لي حظ لقاء جدي يوسف، ابن الشاعر العماني شيخ البيان ابن شيخان السالمي.
سَنَة ذهبت كشهاب. وبسنين تليها، أرى جدي من جديد، في مسقط، فوق مَحَفّة خشبية مُسَجّى أحمله إلى التراب.
(5)
“مباندا”؛ قرية صغيرة من قرى تنزانيا. كانت الرحلة من البيت إلى المدرسة الحكومية أعجوبةً طفولية. الطريق مشياً تستغرق ما يقارب ساعة. وبما أننا كنا نسكن في قلب القرية التجاري، كنا نمر بين الشوارع الناعسة في الفجر، حيث أبواب المتاجر الصغيرة مغلقة.
كنت في رفقة أخوين، طفل وطفلة في مثل سني، من أسرة عمانية. كانا دليليَّ ومعلميَّ، يدلاني على الطريق من وإلى المدرسة، ويعلماني اللغة السواحلية التي لم يفقها غيرها. تلك اللغة التي لم أكن بعد قد تكَلّمتُ بها، أصبحتْ وسيلتنا للتواصل.
لكننا وبطبيعتنا الطفولية؛ تجاوزنا بخفة حاجز اللغة، واخترعنا طرائق عدّة ليقول كل منا ما يريده للآخر!
(6)
كانت الطريق أعجوبة طفولية. قلبي يخفق مع الغابة. وعيناي مشدوهتان. صديقي دائما في الأمام، بينما أخته تتباطأ، لتمنحني فرصة اللحاق بهم.
عيناي مشدوهتان، وقلبي يخفق. بلا وعي خطواتي متثاقلة. الزمن قصير. أحتاج إلى التمهل، لأتمكن من الاستيعاب، من رصد صورة لهذا الكم الهائل من المشاهد الحادة التنوع في الزخرفة والحيوات المتشابكة!
الطريق التي نسلكها، في جوف الغابة، مهيأة بأقدام المشاة الأفارقة، يعبدون لنا السبيل من حيث لا ندري.
كل يوم، ساعة في الذهاب وساعة في الإياب. كل يوم، أذهب إلى الغابة، وأعود من الغابة. كل يوم، تلتهمني الغابة، وألتهم الغابة، كل يوم.
(7)
في تلك الارض الغابوية، اكتشفتُ الربيع. أنا القادم من صحراء وجبال. الربيع اكتشاف، لم أتصور قبلا وجوده، إلاّ في الكتب المدرسية!
في تلك الأرض الغابوية، شميم الورد يضم المكان، بلا منشأ محدد، ولا حدود تكتنزه.
مع الفراشات، لعبت مفتتناً طوال الصباحات، في ساحة قبالة بيتنا.
لأول مرة رأيت قوس قزح..
قلت لنفسي ما هذا؟ ضياء سماوي يتخلل تكوينات سحبية بيضاء متناثرة!!
(8)
في الأرض الغابوية تلك، الأشجار عامرة على طول طريقنا إلى مدرسة القرآن. نسير في مجموعات، وبين فينة وأخرى، نتجمع، نحن الأطفال المشاغبين، تحت شجرة نارجيل، يتسلقها أحدنا، او نقذفها بالحجارة، حتى تسقط الثمار.
في تلك الأرض الغابوية، العصافير ملونة، وجوه الناس ملونة، النسيم ملون،
ربيع طلق في عيون طفولية.
(9)
في مدرسة القرآن الصيفية تلك، أنجزت قراءة المصحف كاملاً. ذبح أبي رأس غنم، ودعا مُعلّمَي مدرسة القرآن، والجيران.
يومها كنت مركز الأنظار!
ظننتُ أن الدراسة الصيفية قد انتهت بختم القرآن، وسأكون طيراً مُغرّداً في الإجازة الصيفية.
وهذا ما لم يحصل!
فتح أبي مدرسة صيفية في البيت، طلابه ثلاثة، المدرسان من مدرسة القرآن، وأنا!
حصّة أسبوعية واحدة صباح كل يوم جمعة. قال لي وبشكل صارم: “بعد أن ختمتَ القرآن، أنت جاهز لملحة الأعراب ثم الألفية”.
بعدها؛
ذهبنا بعيداً في الكتب والحكايات..
كان يُعاملني مثل صَيّادٍ بالصقور مُحْترف، يُطلقني إلى قنيصة أعشقها، الكتب!
مُدرّسا القرآن تنزانيان من القلّة المسلمة، حين اكتشفا أن أبي ضليع في العربية، طلبا منه أن يَدرُسا على يده.
(10)
أتذكر شجرة الفرصاد -التوت- التي لم تبعد كثيراً عن المنزل. نقضي تحتها ساعات، بعضنا أعلاها، وبعضنا أسفلها، نفتك ونرقط، حتى تتلون وجوهنا الطرية بالأحمر اللذيذ.
كنت أجد بعض الشلنجات -عملة معدنية تنزانية- تحت شجرة الفرصاد تلك، فأذهب بعدها إلى المطعم الهندي لأشتري الحلوى. حتى يومنا هذا، ما زلت أستغرب كيف ان تلك الفرصادة لم تخوَ يوما، تحت ضربات مناقيرنا الصغيرة! وكيف أن نصف شلنج أو ربعه كان ينتظرني دائما تحتها!!
(11)
في الفصل المطير، كانت بوابات السماء مُشرعة لشهور، دون توقف. أشاهد قطرات المطر، خيوطا رفيعة، تتساقط على رؤوسنا، من سقف ليس ببعيد.
ونحن سائرون إلى المدرسة، لم يكن جميعنا يتوفر على مظلة تقيه حمّام الفجر المطري. المظلات القليلة تجمع تحتها عدد منا. نسير معاً بخطوات متوازية السرعة والاتجاه، تقليلاً للبلل.
أرى الآن أمامي مظلة صغيرة أنيقة الألوان، جلبها لي أبي في إحدى سفراته التجارية، تتهادى في المطر، بينما أنا تحتها، لكني غير ظاهر، كأنما تلك المظلة قبعة إخفاء! والأصدقاء من حولي مُتراصّون. المجموعات الأخرى بمظلاتهم ينزلقون من أمامنا وخلفنا.
زنابقُ ماءٍ مقلوبةٍ مظلاتنا تحت المطر!
(12)
بعد انتهاء الصيف بدأت المدرسة الرسمية. وفي سنتي الثانية، طلب المدير أن يصنع كلُّ طالب كرة قدم! نتنافس فيما بيننا، وأفضل كرة سيفوز صاحبها بجائزة.
آآه.. كيف سأصنعها!
هرعْتُ إلى “هاروندا”… صديقي الذي كان يعمل خادماً في بيتنا. هاروندا صاحب المهمات الصعبة حين يتعلق الأمر بي. لم يُخيّب ظني طيلة سنوات صداقتنا.
شاب أفريقي في العشرينات من عمره، مسيحي، يذهب إلى الكنيسة مرّة كل شهر، بينما يقضي عطلات نهاية الأسبوع الأخرى مع أهله أو أصدقائه وصديقاته.
كان يحتفظ بقطع صابون “لوكس” الصغيرة، المتبقية من استعمالنا! وصابون “لوكس” غالٍ ولا ينافسه أي صابون مستورد آخر حينها، ولا يبيعه إلا تاجر واحد في القرية.
سألته يوما: “لماذا تخبئ تلك القطع الصغيرة من الصابون، فلا قيمة لها؟ قال مُسِرّاً لي: أَمسحُ بها جسدي -مثل الكريمات- فأتعطر بها كل صباح سبت”!
هرعت إلى هاروندا، وحكيت له طلب المدير الغريب، وسألته ما العمل؟ هكذا بدأ مشروع الكرة. كان دوري في هذه العملية يقتصر على جلب ما نحتاجه من مواد.
صنع صديقي هاروندا كرة من أكياس نايلون، وحزمها بجلد عجلة هوائية قابل للامتطاط. كان مفصل الفوز هو قدرة الكرة على الارتداد عن الأرض، لتقارب الكرات أصلية الصنع!
المفاجأة التي لم نتوقعها، أن كرتنا فازت بالمركز الأول على المدرسة كلها!
المفاجأة الأغرب كانت الجائزة التي نلناها، وهي أن تُعْرض الكرة الفائزة في غرفة المدير، إلى جانب الكؤوس التي فازت بها المدرسة سابقا!!

(13)
سنة المفاجآت تلك!
تُفرقع ألعاباً نارية فوق الرأس الصغير، سماءُ الغابة.
في نهاية ذلك العام الدراسي، نودي باسمي في الصف لأقف فَيُصفق التلاميذ تكريماً لي، لحصولي على المركز الثالث في التحصيل العلمي!
وقفت مُتفاجئاً!! يا إلهي.. كيف حدث هذا؟
في عُمان، كنتُ أتلعثم مع كل جملة أقولها بلغتي الأم، مخافة الوقوع في أي خطأ تعبيري! الفكرة بسيطة: تكون الكلمات ثقيلة على لساني، أتردّد في نطقها كاملة متواترة وأنا أتفحّصها جيداً في ذهني قبل أن أطلقها.
كنت أحصل على درجة أو درجتين فوق المعدل الدراسي الأدنى للنجاح! ربما لصغر سِنّي حين دخلت المدرسة أول مرة، في عمر الخامسة. أذهب بدراجتي الهوائية إلى مدرسة “الظاهر”، التي كانت فصولها تتكون من خيام تشبه تلك التي يستعملها الجيش، بلونها الترابي.
أذكر أن قريبي “سالم”، الأكبر مني سِنّاً، يمُرّ علي كل صباح مدرسي، مُطلقاً بوق دراجته الهوائية، مُعْلناً عن وصوله الميمون إلى بيتنا. دراجته الهوائية كانت ماركة بيلون.
في هذا البيت ولدتُ. بيت الامام نورالدين السالمي، الذي أقامه قبل ما يقارب القرن ونيف. وفي هذا البيت، قضيتُ في كنف جدتي لأبي طفولتي الأولى.
في تلك الصباحات، أكون ما أزال أتقلب في فراشي، لتأتي الجدّة وتوقظني، وفي ربع ساعة تكون قد جهزتني للمدرسة!
كم أحببته، بمكتبته الشهيرة، ذلك البيت. جدرانه من طين مخلوط بالأعشاب والحصى، فوق طبقات حجر من طين محروق. مسقوف بجذوع النخيل، ويطل على المزارع والنخيل.
يعبره الفَلَج في طريقه إلى العامِد.
فلج الظاهر معروف بقوة تياره إلى يومنا هذا. وعندما أستحِمّ، أتمسك بجدران الساقية حتى لا يحملني التيار معه بجسدي الضئيل.
كنت أستغرب من تلك الغرفة، وحيدة في الطابق الثاني. صغيرة جدا، لا تَسَع لمنام أكثر من إنسان ونصفه! وتوجد فيها طاولة طينية، أظنها كانت تستعمل للقراءة والكتابة!
في ذاك الزمان البعيد، كان عظيماً ذلك البيت. لم يبق منه غير الطلَل!
لكني لن أذهب في التاريخ بعيدا..
(14)
في عُمان، كنت أحصل على درجة أو درجتين فوق المعدل الأدنى للنجاح! ربما لصغر سِنّي حين دخلت المدرسة، وربما للقسوة من أجل تحصيل أعلى، في البيت وفي المدرسة.
وربما لتعدد المواد التي كنا ندرسها. أذكر أنها كانت تصل إلى خمس مواد، خمسة كتب، خمسة دفاتر..
بينما في تنزانيا، لم نكن ندرس في الصف الأول والثاني الابتدائي سوى اللغة السواحلية، قراءة وكتابة، ومعها الرياضيات. تُضاف الانجليزية في الصف الثالث، والهندسة في الصف الرابع.
قبل أقل من عامين، كنت لا أفقه شيئاً من اللغة التي نَدرس بها.. السواحلية! وهي لغة أهل الساحل الأفريقي، من هنا جاء اسمها. خليط من لغات أفريقية، والعربية والهندية ولغات أوروبية، تكتب بالحرف اللاتيني.
أذكر أني كنتُ أرسل إلى أمي في عُمان خطابات كتبتها بنفسي. أخبرتني أنها كانت تأتي بمن يعرف قراءة السواحلية، ليقرأها لها. كان إنجازاً يصيبني بقشعريرة كلما انتهيت من خطاب، أضعه في ظرف، ألصق به الطوابع، وأفكر.. سيرحل خطابي هذا، في البريد الدولي، من تنزانيا إلى عُمان، إلى الظاهر، إلى أمي.. وآآو!
لكنها لم تحتفظ بأي من تلك الرسائل، حين سألتها عنها لاحقا! وقد أوجعني ذلك، فكم من الدهشة والفُكاهة لو أقرأها بعد كل هذا العمر!
(15)
للمِسْحاة قصة غريبة معي..
مرّة بينما كنا نتغدى، لاحظ أبي أن كَفيّ حمراوان مُتورمان. فسألني عن الأمر. أجبته: هذا هو موسم بذر الحبوب، قبل الفصل المطير. وفي نشاط الزراعة، يُطلب منا تعديل الأرض بالمسحاة، في مزرعة المدرسة، وتهيئتها للبذر.
قلتُ له: العملية ليست مُجهدة، لكن المسحاة كبيرة جدا، ثقيلة وأطول مني، لذلك تورمت يداي!
لم يُعَلّق كثيرا وقتها. لكنه لم يصمُتْ طويلا. فعند عودته من إحدى رحلاته التجارية، فاجأني بمسحاة صغيرة، أنيقة صقيلة.. ما أجملها!
إنها تنزانيا، في سبعينات القرن الفائت، لن تجد ما تبتاعه وإن توفر المال، إلا ما يُجلب لك من البعيد، من المراكز.
هكذا كنت أذهب إلى المدرسة، مُتأبطاً مسحاتي المجلوبة من دار السلام! كان أهل الثقة فقط من زملائي، أسمح لهم باستعمالها أثناء نشاطهم الزراعي.
(16)
كان مصروفي اليومي “شِلِنْج” واحد، وبعد أسابيع من ذهابي إلى المدرسة، اكتشفت أن هذا “الشلنج” كثير على طفل!
قَسّمتُه إلى أرباع. ربع “شلنج” أصرفه على طعامي ولوازمي. الربع الثاني أشتري به غداءً لخمسة من زُملاء صفي التنزانيين. وأشتري بالربع الثالث في رحلة عودتي من المدرسة ثمرتي مانجو غضتين، آخذها إلى البيت، نأكلها أنا وإخوتي الصغار مع خليط الفلفل الأحمر المطحون والملح.. آآه كم كانت لذيذة!
ستسألون: حبتا مانجو! كيف؟ لثلاثتكم؟
نعم؛ حبة المانجو الأفريقية حجمها يقارب ثمرة جوز هند!
كونتُ مع زملائي الخمسة فريق كرة قدم سداسياً. نخوض به المباريات في المدرسة وخارجها. كانوا أيضاً يحْمون ظهري في المعارك المدرسية، حتى لا يتجمع الأولاد ضدي. فقد كان قانوننا في الشجارات، أن يكون العراك بين اثنين فقط، ولا يجوز للآخرين التدخل إلى جانبك أو ضدّك! لكن إذا ما كنتَ وحيدا، ولا جماعة تحميك، فيمكن تجاوز هذا القانون، والانفراد بواحد من قبل جماعة من الصبية!
في عامي التنزاني الأول، كنت مُلتصقاً برفاقي العمانيين. لكن في سنتي الثانية، وقد اتّقَنْتُ السواحلية، كونْتُ فريقي الخاص، والذي كنت أذهب معه لنشاهد مباريات كرة القدم في دوري المحترفين. لم نكن ندفع المال لندخل إلى الملعب، وذلك ليس لأننا صغار ولا وجوب للدفع، إنما لأننا كُنا نقفز فوق الجدار، كالسعادين الأفريقية.
كان الأولاد ينادونني “زاهورو”، فأغضب صارخا: اسمي زاهر وليس زاهورو! لكن لا فائدة.
بَلَعتُ لساني حين سمعتُ الآخرين ينادون والدي “بابا سعودو”، وليس “سعود”. وكلمة “بابا” تسبق الاسم للدلالة على الاحترام، مثل كلمة السيد أو الأستاذ في العربية.
اكتشفت أنهم يضيفون حرف علّة في نهاية كل اسم، فيتحول “خميس” إلى “خميسي”، و”أحمد” إلى “أحمادي”.. هكذا يُموسقون الاسم!
في الأعياد الوطنية، والتي كانت تُقام في استاد المدينة الكبير، كنت أتبختر مُتوسّطاً أصدقائي الخمسة، مُرتدين أزهى ملابسنا. نتنقلُ من استعراض إلى آخر، وبين الألعاب.
ربع “الشلنج” الأخير كان مكانه حصالتي الفُخارية.
(17)
بينما كنتُ ألعب، وقعتُ وانجرحتْ ركبتي اليمنى. لم أهتم كثيراً، فكُل يوم تحدث هذه الإصابات. خلال أسبوع تورم الجرح وتقيح صديداً أصفر. صاحبته حُمى وآلام. كنت أنتفض في قشعريرة باردة، فيضعون على جبهتي منشفة مُبللة بماء بارد. لم أتمكن من المشي، وركبتي منتفخة كبالون أحمر صغير!ُ
زارني طبيب في المنزل، ونصحنا بالذهاب إلى المستشفى الحكومي. قال: ستحتاج الحالة للتنويم. في اليوم التالي أخذني أبي إلى المستشفى المركزي، واقترح أطباؤه تنويمي حتى يعطوني إبراً وسقّايات وريدية بمضادات حيوية. قالوا: ربما وصل الالتهاب إلى عظم الركبة! ذهبنا إلى الجناح الطبي الذي سأنوم فيه، فاذا بالحالة مُزرية، مما أرعبني. كان الجناح يضم كبار المرضى وصغارهم. رجال بكسور وقد عُلقت أطرافهم بحبال تشدهم إلى أعلى، وآخرون مصابون بحروق خطيرة، مَلفوفون بأقمشة طبية بيضاء، يبدون كمومياوات!
مشهد صادم!
قلتُ لنفسي: بالتأكيد سأصاب بعدوى ما هنا! وفي الليل، من سينام إلى جواري؟ سأكون وحيداً والبيت بعيد..
أنقذني أبي بسؤالي: هل ترغب في أن تُنوم هنا؟ قُلت مباشرة: لا، بينما أتشبث بيده اليمنى.
عدنا إلى المنزل.
تدبّرت عائلتي طبيباً من المستشفى المركزي، يزورني يوميا في البيت، ينظف الجرح من الصديد، ويضع عليه مرهماً. ثم يُركب سقّاية وريدية في ساعدي بمضاد حيوي لساعتين. استمرت زيارات الطبيب أسبوعين.
في سبعينات القرن الماضي، في تنزانيا، تتوفر مستلزمات العيش الأساسية بصعوبة، بنية تحتية أقل ما توصف بأنها فقيرة.
هكذا قَبَعْت في البيت شهراً جحيمياً ولم أذهب إلى المدرسة. يومها؛ لم تكن الحياة دائماً ربيعية!
(18)
أرسل لنا عمي يعقوب كاميرا من عُمان. كانت الكاميرا فورية وفيلمها يحتوي على عشر صور ملونة.
بعد أن تضغط على زِرّ التصوير، تخرج الصورة من أسفل الكاميرا. نُعرّضها قليلاً للهواء الجاف، فتظهر ألوانها رويداً رويداً حتى تكتمل الصورة.
اليوم، وبعد هذا العمر، حين ننظر أنا واخوتي إلى تلك الصور، ننجرف في ضحك وذكريات.
كان معظم من يظهر في تلك الصور هم الأطفال، نحن. زهير وابتسام وأنا حاملاً الصغيرة مريم، والتي كان عمرها يُقارب السَنَة حين التُقطت تلك الصورة، ومن خلفنا جدار البيت وأغصان شجرة فوق رؤوسنا.
شكّلتْ تلك الكاميرا ثورة في وسائل التواصل! أصبحنا نُرسل إلى أهلنا في عُمان، عدداً من الصور التي التقطناها مؤخرا، مع كل خطاب.
نُرسل أيضاً معها شريط “كاسيت” سمعياً. نُسجل فيه حواراتنا، ونَقُصّ فيه أحداث يومنا، مع أناشيد الأطفال.
طبعاً كنا نتحدث العربية في تلك التسجيلات. ستقولون: “لكن لماذا التأكيد، وغربة اللغة مسألة شائكة”!
بعد وصولنا إلى تنزانيا بشهور، بدا أن الصِغار يفقدون لغتهم الأم. فأصدر والدي مرسوماً أبوياً يمنع التحدث في البيت بغير العربية، وذلك حتى لا تجتاحَ اللغة السواحلية ألْسِنة الأطفال.
قال: “في البيت نتكلم العربية ولا غير. في الخارج سنحتاج إلى السواحلية”.

كان أخي زهير في الرابعة من عمره، والتزامه بهذا المرسوم الأبوي الذي لا يُجادل، شكّل له مِحْنة عسيرة، وهو الذي ما زال يخطو في متاهات اللغة.
النتيجة كانت التزامنا جميعاً بالمرسوم. وحين يُخاطِبُ زهيرٌ أحدَنا، تكون الجملة مُركبة بإحكام في خليط عربي سواحلي، مما يُوقعُ أبي في نوبة ضحك عارمة، حاضناً ومُشجّعاً الصبي الذي قلّبَ قاموس اللغة العربية في رأسه وأخرج جُملة غير ركيكة، وإن تَكُن غير نقية!
تتلألأ دموع جدتي وهي تسمع أصواتنا ناظرة إلى الصور.
(19)
تقع مدينة “سامباوانجا” في تقاطع للطرقات التجارية، وكان أقرباؤنا وأصدقاؤنا العمانيون يزوروننا بين وقت وآخر، ويرتاحون عندنا بضع ليال، في عبورهم نحو غايتهم.
كان قريبنا “حمود” أكثر من يتردد علينا، كل ثلاثة أو أربعة أشهر. ويطيل المكوث، لما يقارب الأسبوع.
في أول العشرينات من عمره، أفرح لمجيئه. يعاملني كأخيه الأصغر، ويعلمني الرسم. كان بارعاً في الرسم.
في إحدى زياراته، اقترح حمود أن أذهب معه إلى مدينتهم البحرية. قال: أخي وأختي في مثل سنك، ستُسعدكَ رفقتهم. لا أعلم إلى الآن، كيف وافق أبي بأن أذهب في هذه الرحلة، لكن حمود أقنعه!
استغرقت الرحلة يومين، بالباصات الكبيرة. أنا وحمود وحقيبة ملابسي الصغيرة. كما كنت أمتلك كيساً يحتوي على الخبز العُماني، مدهوناً بالعسل المحلي، مؤونة جهزتها السيدة “أم زهير” لرحلتنا. رحلة العودة كانت أصعب، فقد رجعنا مع شاحنات نقل البضائع، ولو أننا كنا نركب إلى جوار السائق، لكنها أشَق بكثير.
ونحن في الطريق إلى المدينة البحرية، أتصورها كيف ستكون!
أستدعي شريط الصور من الذاكرة، عن بحر مسقط. لم تكن لي علاقة مباشرة بذلك البحر، فقط بعض مشاهد عابرة.
شِبْه مدينة، والبحر خاصرتها. بيت حمود ليس بعيداً عن البحر. تعرفت على أهله الطيبين، واستضافوني لأيام. لأول مرة أنام تحت شبكة تحمي من البعوض. كانت تلك المدينة غنية بالبعوض، والملاريا منتشرة.
في أول ليلتين، كنتُ أجفل رافساً كلما استيقظتُ وفتحتُ عينيّ على الشبكة، مما أصابها بتمزقات. بعدها رأيت السيدة “أم حمود” وهي ترْتق الشبكة، فأنَّبَني ضميري، وقلتُ عازماً: لا بد من أن أتمالك نفسي ولا أجفل فأمزق شبكة البعوض!
سريعاً أصبحنا أصدقاء. إخوة سعود الذين أدهشوني بمغامراتهم. كُنا ثلاثتنا لا نفترق إلا في مباريات كرة القدم، حيث تركن الأخت إلى البيت، بينما نحن نلعب مع الصبية.
البحر برنامجنا الصباحي حتى موعد الغداء. هناك تعرفتُ عليه…
نعوم طيلة الوقت، في مجموعات تلتف حول إطار مطاطي منفوخ يعود لإحدى الشاحنات، ثم نتسابق، من يذهب أبعد في الأزرق وأمواجه!
نُشكل سلسلة من أجساد صغيرة في حلقات دائرية متوالية حول الإطار الأسود الكبير. كل مجموعة تضم بناتاً وصبيانا، يصل عددهم إلى عشرين، نُشْبه سِرب سردين.
الهواء مُلغمٌ برائحة الأسماك الطازجة، ينزلها الصيادون أول الصباح، ويبيعونها في الشاطئ.
النوارس اكتشاف مُدهش.. أسراب تلتقط بقايا الأسماك وتُحلّق بعيداً في سيمفونية بحرية!
في المدينة البحرية تلك، أغرقتُ جسدي في الماء المالح، دون وَرَع، دون رقيب إلا أفْئدَتَنا الصغيرة، التي كانت مرتعاً للضحكات شاهقات بالمغامرات الشقية.
لم أعدْ أخاف من البحر، صرنا أصدقاء.
(20)
يبعد بيتنا عن مركز مدينة سامباوانجا ساعة مشْياً. السوق في مركزها، تُجاوره محطة الشاحنات الكبيرة وباصات النقل، ومحطة وقود. هناك أيضاً بعض المقاهي التي كان قريبي حمود يأخذني إليها.
المحلاّت التجارية والدكاكين التي تُكَوّن السوق، تعود في معظمها إلى تُجار عرب أكثرهم عمانيون، وتجار هنود. فهم أصحاب المال والتجارة.
كان العُمانيون مُنتشرين في أفريقيا، خاصة في المدن الساحلية الشرقية. وكانت جزيرة زنجبار، في زمن الامبراطوريات -زمنٍ كان- دُرّة التاج العُماني!
لن نذهبَ في التاريخ بعيداً، فالتاريخ عَليل..
مرة أخذني أبي إلى زيارة أحد أصدقائه العمانيين في دُكانه الكبير وسط المدينة. وبعد وجودنا بقليل، جاء ابن التاجر، وأدخلني إلى منزلهم حتى ينتهي والدانا من حديثهم.
لابن التاجر دراجة هوائية جميلة. فكرتُ.. لو عندي مثلها لَحَلّقتُ إلى النائي واكتشفتُ كل هذه البطاح!
كان البيت مُلاصقاً للمحل التجاري. حين دخلتُ غرفة استقبال الضيوف، وجدتُ أرائك فخمة، مراوح، وثلاجة.
قُلت: إذاً عندهم كهرباء!
سَألْتُني: لكن لماذا يحتاجون إلى الماء المُبرد في ثلاجة؟
الماء من آنية الفُخار –الحِبّ- لذيذ وبارد في بيتنا، وحتى في المدرسة!
لم أسأل يومها والدي هذا السؤال، ظل مُعلّقاً في رأسي إلى يومنا…
(21)
فيلم هندي، أول فيلم سينمائي حضرته. أول قاعة سينما أدخلها، في قرية “مباندا” الصغيرة.
لم تكن قاعةً مُخصصة لعرض الأفلام السينمائية، إنما هي قاعة كبيرة، في مركز القرية، يملكها تاجر هندي. علقوا في الجدار قماشة بيضاء كبيرة، وشَغلوا الفيلم.
في مسقط، كان لدينا تلفزيون صغير بالأبيض والأسود. يعرض قناة وحيدة، قناة تلفزيون عُمان، حيث كنت أشاهد الرسوم المتحركة، والرجل الأخضر!
تَعجّبْت من حجم الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم الهندي، مقاسهم يقارب الناس في الطبيعة! أُخذتُ بقصة الغرام بين البطل والبطلة، بالألوان، بالموسيقى، بالرقص والأغاني. بقيت مَشْدوهاً، رغم التقطّعات الكثيرة في عرض الفيلم، التي أرجعتها حينها لقِدَم الشريط وتلفه.
القاعة مملوءة بالعائلات، نساء وأطفالهم، الذين لم يتوقفوا عن الصراخ والركض طيلة عرض الفيلم.
خرجتُ مع عائلتي قبل انتهاء الفيلم، مما أحزنني. كنت أتلهف لمعرفة النهاية.
الليل استطال، والفيلم لم يُكْمل عرضه لعطل في جهاز التشغيل.
لكني خرجت باكتشاف رهيب؛ السينما.. بهجة جديدة!
(22)
بعد مطر يَسْكب أياما، تتسلّل الثعابين إلى البيت. اكتشفنا جُحراً لها في غرفة الخادمة، التي أبَتْ بعدها أن تبيت فيها.
في إحدى الظهيرات، كنت ذاهباً إلى دورة المياه، فإذا بثعبان طوله يقترب من المتر وربما أطول، يَفُحّ واقفاً بشكل عمودي فوق الجدار تحت النافذة. هالني المشهد، ورجعتُ راكضاً إلى داخل البيت.
وحين عُدنا بعصاً غليظة لقتله، كان قد هرب. قلتُ: مهما يكن، لن يستطيع أحد قتل الوحش.
لم أواجه هكذا أفعى في حياتي!
لكني شاهدت مثيلاتها بعد ذلك بسنين طويلة، في إحدى قنوات التلفاز الفضائية.
وأنا أعود من المدرسة، كنت أمر بكنيسة مهيبة، قديمة الجدران، تتسلقها النباتات وتعشش فيها الزواحف. تحيطها الأشجار والأعراش. أتخيل أحداثاً تدور داخلها، وانا أعبر في خوف من أن يهجم ثعبان فجأة من تلك الأحراش!
في ساحة قريبة من حارتنا، رأيتُ الأناكوندا، مع مُدربها، الذي كان يستعرض للجمهور عملية التهام حيوانه الأليف لدجاجة حية…
كنتُ مرعوباً وأنا أنظر إلى بقايا الريش وهي تختفي داخل الفم الفاغر إلى أقصاه. لكن الدهشة سَمّرتْني حتى نهاية المشهد!

(23)
هاروندا رجل المَهمَات الصعبة. مرّة سرق مني ولدٌ أفريقيٌّ كرةَ مضربٍ أرضي، بلونها الأصفر الشهير، وملمسها النادر، حتى أنّ لها رائحة فريدة. كانت غالية الثمن في تلك الأقاصي الغابوية، ضغطتُ على أبي كثيراً ليشتريها.
التقفها الصبي وركض بعيداً عن حارتي عميقاً داخل الغابة، بسرعة أذهلتني. اختفى عن ناظري، فلم أواصل ملاحقته!
خسارةً صاعقة. فقد أحببت تلك الكرة. لا توجد مثيلتها في حيّنا، والتي جعلتني قائد اللعب مع أقراني وجيراني.
هل تظنُّ أننا كنا نلعب بها “تنس” أرضي؟ كيف يكون ملعب كرة مضرب في هذه البقاع!
فكّرتُ: ماذا سأقول لأبي؟
ولأن هاروندا رجل المهمات الصعبة. انتفض وقال لي: لقد سألتُ عن الصبي وعرفت مكان سُكناه. سنذهب غدا، ونبحث عنه.
لأول مرة أدخل الغابة إلى هذا العمق، حيث ترقد قرى التنزانيين، في قلب الغابة. بيوت صغيرة من الخشب والخيزران، فوق الأشجار وتحتها، تتناثر دون خريطة.
شَعّتْ مُقلتاي بالأخضر مُزخرَفاً بالألوان وضياءٍ يتسرب.
بالتأكيد؛
هذه هي الحياة الغابوية، لا غيرها!
مُجتمعٌ في طبيعة مُدْهشة، بعيداً عن هذيان التمدن.
لكنهم لا يملكون شيئا؛
لا دورات مياه صحية ولو بشكلها البسيط. المياه العذبة قريبة أو بعيدة من الأنهر. ولا عناية طبية في الحالات الصعبة والطارئة!
كان هاروندا يقود فريق “انقاذ الكرة”، والمتكون مني ومنه. استقبلنا الصبي السارق في وسط حيّه مع شِلّة من الأولاد. وتحدثوا بلغة لا أفهمها، ليست السواحلية بالتأكيد! ربما إحدى اللغات المحلية والتي تغتني بها أفريقيا.
ترجم لي هاروندا: يريدون واحداً منا وواحداً منهم يتصارعان ويأخذ الفائز الكرة! ثم أردف: لن ندخل في معركة خاسرة، نحن في أرضهم. دعني أتصرف.
هكذا تجاهلنا عصابة الأولاد، إلى أن وصلنا إلى أهل الصبي. أكرمونا بحليب الماعز المحلوب والمغلي فجرا. بعدها ظهر الصبي الأسمر سمرة قمح وفي يده كرة يمدها نحوي.
هاروندا الذي صَحِبَنا حتى وصلْنا إلى مطار دار السلام، في رحلة عودتنا إلى عُمان. آلاف الكيلومترات عبر المتاهات الأفريقية، حيث الطعام والماء يساوي ذهباً.
ما زلتُ أذكر وجهه الخمري قاسي الجلد مليح الضحكات، وهو يحاول أن تتماسك نفسه عند وداعنا.
كان أبي يحضنه كأخ.

(24)
بعد عام ونصف من وصولنا إلى قرية “مباندى”، انتقلنا إلى مدينة “سامباوانجا” التي تبعد ربما مائة وخمسين إلى مائتي كيلومتراً عن القرية.
في مدينة “سمباوانجا”، اشترى أبي منزلاً بعد أشهر من الإيجار. لم يكن في المركز، لكنه في الضواحي.
غرفتان، صالة جلوس، مطبخ، ودكان صغير جداً قبالة الطريق. وفي الخلف، غرفة الخدم ودورات المياه، وحَوْش بنينا في وسطه حوض ماء صغير، للبط المنزلي.
ذَكَر البطّ ذاك؛ مهيب الجثة، يتسلفه منا الجيران، ليومين أو ثلاثة، ليُخصّب بطّاتهم! كُنا نتضاحك فيما بيننا، أنا وهاروندا، كُلما يعودون به رافعاً رأسه كطاووس!
نفطر على بيض البطّات المنزلية، وفي المساءات الشتوية، نتعشى ثريد بط بالخبز العُماني…
أيضاً نأكل وجبة تُسمى “وجالي”، قوت الفقراء في تنزانيا. عصيدة من طحين الذرة الصفراء، تُعجن بالماء ودون ملح. تُقلّب فوق نار هادئة حتى تطيب، وتأكل مع الحساء إن وجد.
لكن لماذا دون ملح؟ لأنهم في عَوَز، لا يملكون قيمة الملح!
الذرة الصفراء تنبت في كل مكان، وفي موسم حصادها، تكتنز البيوت بها. كم كانت شهية تلك الذرة، مشوية على الجمر أو مغلية في الماء.
أم زهير، أمي التي ربّتني وأبناءَها، إخوتي من الأب..
ملكة النحل في تلك الخلية المشتعلة حياة، في غربة لم تنتظر يوماً قدومها!
في اليوم الأخير، وقد باع أبي البيت، استعداداً لرحلة العودة إلى عُمان. في عصيرة ذلك اليوم، ذبحنا ذكر البط!
خلال ثلاثة أشهر بعد قرار عودتنا، تبخرت البطّات الجميلات من حول البركة المُبلطة بالأزرق. كُنا نستهلكها بشكل يومي. وزّعْنا صغارها، ولم يتبق غير المهيب العملاق!
في عصيرة اليوم الأخير، ذبحناه، وفي فرن الطين شويناه، ودُعي الجيران إلى مأدبة هائلة!
ما زلت أذكر مشهد ذكر البط عملاقاً فوق طاولة الطعام…

(25)

أثر
في الغابة
يحدث أن يكون
لفيل
للبؤة
لآدم
لأفعى
لنحلة تَطُنّ
لفاكهة النهر
لرائحة الزهر
لحلزون
لجندب
لدب
لنار
لغزال
لقرن وعل
لناب
لبندقية صيد
لدبّور أصفر
لخفّاش
لكوخ
لصقر
لفراشة
لقمر في بحيرة
لبجع
لسحابة
لموجة
للزبد الغامر
لحبة رمل
لجديلة
لنسيم
لورقة خريفية
لصخب العاصفة
لنخب النبيذ
لدُخّان يتعالى
لعاشقين
لعشبة خضراء
لأطراف أصابعك

0

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …