أوراق من أيام العزلة

جبار ياسين

الورقة الأولى
منذُ أسابيع وأنا في سَورةِ غيابٍ عن نفسي. شعور لا يشبه أوراق الشجر ولا الأزهار. شيء مِن انطفاء للذاكرة، لعلّه شيء إرادي، من قرارة نفسي. الرغبة في عدم مداعبة الأوهام التي ابتكرتها حضارتنا الهشة.
المشكلة في أساسها هي القيدُ غير المنظورِ الذي قيّدنا به الوباء منذ شيوعه. من الصّعبِ التّكهن بالمستقبلِ أحياناً، لكنّ الآن يبدو مِنَ العسيرِ التكهّن به مطلقًا. هل سَنُقيّدُ بأرقامنا الافتراضية قريبًا برقائق تعوض عن جلدنا الإنساني الذي جاء معنا إلى الدنيا؟ تُرى ما هو شكلُ حُريّتنا أو عبوديتنا القادمة؟
أنا الشّغوفُ بالشّمس والبحر والسّفر الدّائم، محاصرٌ في حديقتي ومشهد الغابةِ القريبةِ من منزلي. بين حين وآخر يمرّ ظبي ينظر إليّ ويتساءل عن سر الصمت الذي حلّ على العالم!
متى الخروج من هذه العزلة، التي حلّت مع الوباء وغيّرت العادات والطباع التي تعلمناها بجهد كي نعطي لإنسانيّتنا معنى؟ بالنسبة لي جوهر حياتي، هو ركوب قطارٍ أو طائرةٍ والذَّهاب إلى مكانٍ ما بعيد، حيث العودة منه على الأقدام أمرٌ مستحيلٌ.
هكذا أشعرُ بالأمان، حين لا أحد يعرفُ مكاني أو حتى يتخيّله. قضيتُ نصف حياتي في ذهابٍ وإياب، الأفكار التي تسير وجودي هي ما تولدُ بين هذينِ القطبينِ، وإنْ لم تتحقّق فهي تبقى محض أفكار. فسحةُ أملٍ، كما قال شاعر حين وصف ضيقَ العيشِ.
أعترفُ لكم أنّي لم أقرأ أيّ رسالةٍ أو كتاب منذُ أيام طويلة نسيت تاريخها. أول أمس ذكّرني بعض الأصدقاء بالعيد، الذي انقطعت صلتي به منذ 45 عامًا. فالعيد يحتفل به بين أهله. هنا أحتفل بأعياد الميلاد ورأس السنة والفصح، فلكل امرئ من دهره ما تعوّدا.
في المساء جلستُ في الحديقة حتى وقت متأخر، تابعتُ الغروبَ لحظةً بلحظةٍ، حتّى أوّل اللّيل، بلا رغباتٍ في كأسِ نبيذٍ أو حوارٍ مع امرأة، زوجة أو غريبة، فالاثنان يبعثان في ذهني الرغبة. كنتُ أسمعُ العصافيرَ تتنازعُ على أمكنةٍ مؤقّتةٍ لها، لليلةٍ واحدةٍ، على غصنٍ وارفٍ أو في ثُقبٍ صغير بين أحجار البيت.
لا أدري، لكنّي لا أدركُ تماما ما هو قادم. فكرة المستقبل التي عززت إيمان البشريّة بنفسها تتلاشى. إنّ إرادتنا في التّعلق بحريّتنا هي ما تحدّد مصائرنا القادمة. اللّذةُ، التي هي جوهر المعرفة والتّعريف الأقرب للسّعادة، تبقى سجينة أجسادنا؛ والعاطفة، صوت اللّذةِ العميق لا تمضي اليوم أكثر من بضعةِ أمتار. القُبلُ تبقى حبيسة الشّفاهِ؛ بينما ما سنتذكّره من الماضي، يخبرنا بأن القبل وهمسات اللذة في كوكبنا- أكثرُ مليارات المرات من البشرِ أنفسهم.
ليست حربًا لتكونَ الشّجاعة فيها هي الفيصل، بل هو نزاع عبثيّ في كُلِّ خطوةٍ وفي كُلِّ حركةٍ وفي كل ما هو قابل للّمس والتّبرك به من ثغرِ المرأة حتى مقبض الباب.
يبدو أنّ كُلَّ ما تعلّمناه من طبيعتنا صار من الماضي. محض ذكرى وحنين، ولكن هل يغيّرُ المرء طبيعته الثّانية.. هكذا بسهولة!
حتى تغيير وطنٍ أقلُّ وطأة من مواجهة فايروس لم نرَه يوماً ولن نراه حتماً، لكنّه غيّرَ كُلَّ عواطفنا.. ذلك هو البؤس الحقيقيّ للإنسان، وهو الوجه الظّاهر من دينونةٍ صامتة.
الورقة الثانية
تمطر منذ ثلاثة أيام دون انقطاع. بين حين وآخر عاصفة صغيرة تزيح أوراق الأشجار عن أغصانها. العزلة صارت مضاعفة حينما اجتمع غضب الطبيعة مع الخوف من الفيروس. الهاتف لا ينقطع، أصدقاء من روما ولندن والقاهرة وباريس وهامبورغ. الجميع يبحث عن منفذ للخروج من العزلة. الحديث ذاته، أسطوانة واحدة كما نقول، موسيقاها الفيروس الذي أصدر حكمه علينا بالإقامة الإجبارية قبل الحكومات. لا شيء مؤكد؛ لكن كل الاحتمالات ووجهات النظر قابلة للنقاش. أقبل كل شيء وأخزنه في دماغي لأصدر حكمًا عقليًّا عليه. لست طبيبا ولا عالم بيولوجيا لأدلي بدلوي. أسمع وأنتظر وأقرأ على شاشة الهاتف ما يصلني. مؤامرة أم صدفة؟ أمر عابر أم حتمية تاريخية؟ حكومة واحدة للعالم أم تشظٍ للحكومات القائمة اليوم؟ وكل يوم نقاشات للهروب من ثقل العزلة. روما مهجورة، باريس فارغة، نيويورك نهب للريح بلا بشر.. لكنّ القاهرة صاخبة؛ كأن الوباء “مولد” تصدح فيه الموسيقى ويتسابق الراقصون وهم يحتفلون برجل خرج من المستشفى بعد أن تشافى من الكورونا. الأعجوبة أنّه الوحيد الذي يضع كمامة بين مئات الراقصين؟
قطط البيت مستغربة، ولا تفهم ما الذي حدث لنا أنا وزوجتي. لماذا لا نخرج من البيت. ترافقنا ونحن نقلع النباتات الوحشية من الحديقة. تجلس حولنا عند الغداء، دائما مستغربة. الدجاجات والديكة على حالها، تسرح بين الأشجار تلتقط حبة هنا ودودة أرض هناك. لا علاقة لها بحداثتنا الكارثية وعبوديتنا في العزلة التي لا نعرف كيف ستنتهي؟
سيتغير العالم بالـتأكيد؛ لا بل هو قد تغيّر منذ الأيام الأولى للوباء. أصبحنا جميعًا مجذومين نخشى الاقتراب من بعضنا. نخشى من أدوات حواسّنا من الفم للأنف والعين. أصبحنا نشكّ في كل شيء. الغذاء مشكوك فيه قبل تطهيره. أيدينا مشكوك فيها بعد أن أوقفت الكثير من مهماتها. لا مصافحة ولا تقليب صحيفة. حقبة تطهير للبشر والأشياء، لكن ما الدرس الذي سنتعلمه لننقله للأجيال القادمة؟
الورقة الثالثة
مجذومين، أصبحنا كلنا مجذومين. جذام يساوي بين الملوك والمتسوّلين. لعلّ المتسوّل أكثر حريّة؟ حواسّنا أيضا – التي كانت حتى أيام قليلة الطريق إلى حريّتنا الذاتية- هي الأخرى في حالة ذعر. نخاف من عيوننا؛ فلا ننظر لكل ما حولنا. أنوفنا تخشى أن يكون الهواء فاسدًا، حاملا للفيروس. أناملنا مغطاة بقفازات خشية لمس ما هو ملوّث.. الطبيعة الخالصة، بقيت صديقة لا نخشاها. الطيور تغرّد طوال النهار على الأشجار. الضباء عادت تتجول قريبًا من البيوت. أمس رأيت ثلاثة مع صغيرين يقضمن أوراق أشجار من غصون متدلية. حديقة البيت في أبهى صورة، لكن لا زوّار كي يستمتعوا بالمشهد. لا صخب لمائدة في قلب الحديقة، حول منضدة أو على العشب. في لوحة مانيه المسافات بين الحضور هي ذاتها التي تنصح بها مؤسسات الصحة. التباعد الاجتماعي مصطلح غريب؛ مفردتان تناقضان بعضهما! العزلة أتاحت لنا أن نعمل ما لم نستطع عمله خلال سنوات. القراءة المتواصلة وتشذيب الحديقة. التلفزيون يعرض أفلامًا حقيقيّة، بعضُها قديم من أيام مجد السينما. برامج التلفزيون صارت ذكيّة؟ الزائر الدائم صار مصدر لذة أيام الكورونا.
لأول مرّة نشعر بفائدة مبتكرات الحداثة؛ الهاتف ينقل لنا الأخبار، تقارير وفيديو عن تطور الوباء وخط سيره، وأرقام ضحاياه في كل بلد. نظريات حوله تفرخ كل يوم. انتظار اللقاح صار هاجس البشرية كلّها لأبعاد يوم القيامة المتخيّل. في الوقت ذاته نكتشف أن تفوّقنا العلمي أشبه بخرافة إعلاميّة. في ساعاتٍ نجد الحلول العسكرية وتتهيأ الجيوش بطاقاتها القصوى، لكنّ الجميع عاجزٌ اليوم أمام اللامرئي. كلّ بيتٍ صار جزيرة معزولة. لم يعد مخجلا الاعتذار من صديق ينوي زيارتك ولو في فضاء الحديقة. الكورونا تمنحك فرصة رفض المعارف الثقلاء؛ لكنها تأخذ منك فرح استقبال من تحب. هي الأخرى صارت سيفا ذا حدّين. ديالكتيك هيغلي سخيف.
الورقة الرابعة
اليوم أحد. شوارع روما خالية. ساحة القديس بطرس، قلب الفاتيكان، مهجورة. فرصة لتأمل عبقرية مايكل أنجلو. الكعبة في مكة كانت خالية أيضا قبل يومين. الحمام يطير بين أروقة المسجد الكبير بدل المصلين. الدّين صار منزليًّا لأول مرة بلا طقوس جماعية. محاصر هو الآخر بميتافيزك غريب!!
سجن بمليارات الزنزانات صار العالم. في السجن تهون الأمور، فالسجن يدرب الحواس الاجتماعية، اللقاءات، القراءة المشتركة، الرياضة وتبادل الخبرات اليومي. العلاقة مع الحرّاس تصبح شبه عائلية مع مرور الأيام. مع الوباء يصير العالم محض خيال وذكريات. الحكومات وفّرت الغذاء للناس. الأسواق مفتوحة لما يشبع البطون. الغذاء الروحي، ومهدّئات العقل، ومانحات المعنى للوجود مغلقة؛ المسرح والسينما والمكتبات العامة والتجارية ونوادي الرياضة، كلها مغلقة إلى أجل غير مسمّى! قال لي صديق عبر الهاتف: كانوا يتوقعون أن السيّارات ستصبح طائرة في عام 2020 لكن اليوم الطائرات جاثمة في مدرجات المطارات؟
نحن أيضا جاثمون في بيوتنا بعد أن ألغينا اتجاهات السفر. زوجتي تقول: كل شيء على ما يرام؛ لأنّ الطبيعة فرحة بهذه العطلة الإجبارية للبشر، وتؤشر إلى مكامن الطيور بين الأشجار، حيث تأتي موسيقى الطبيعة.
صديقي إدغار موران يبعث لي على الواتسأب بكاريكاتير؛ رسوم لرجال منذ عصر إنسان جاوة حتى نيارتندال، ثم الإنسان الأخير، وهو يقول: لقد أخطأنا الطريق، ينبغي العودة للبداية. ذلك هو الواقع؛ أخطأنا الطريق منذ زمن طويل حينما عالجنا كلّ الأمراض إلا مرض الحياة القاتل، الذي لا شفاء منه.
نحن بحاجة إلى الراحة، الوقوف قليلا أمام جشعنا لامتلاك كل شيء حتى الكواكب البعيدة، أفرغنا الأرض من أحشائها، قتلنا البحار، لوّثنا السماء. الحياة التي بدأت ببكتريا وحيدة الخلية تخاف اليوم من فيروس بلا خلية! في النهاية، الفيروس نتاج إنساني، وها نحن نقاتل ضد مبتكرات إنسانيينا!!! هل سينتصر الإنسان على صورته؟
الورقة الخامسة
خفّ رنين الهواتف منذ أن خففت القيود على حركة البشر. المدن فتحت أبوابها، المقاهي والمطاعم وأسواق الكماليّات. الحدود بين المحافظات لم تعد قائمة؛ شريطة أن يرتدي الناس أقنعة، ويحافظون على المسافات بينهم. الغربة الاجتماعية قائمة. الحريّة في قفص، حتى متى؟
خرجت الخميس بالسيارة إلى مدينة لاروشيل بعد غياب ثلاثة شهور. ما إن هبطنا، زوجتي وأنا، من السيارة حتى وضعنا الأقنعة كأننا سنهاجم مصرفًا. البحر كان في مدٍّ كبير. الأمواج تضرب حجر الساحل بشدّة. تتطاير قطرات الماء في الفضاء، تلمع لثانية ثم تعود لتلتحق بالموجة المنسحبة للبحر. تناولنا قهوة على الكورنيش وعدنا. المكان كان موحشًا لأول مرة. بين الموائد أمتار والزبائن يراقبون بعضهم أكثر مما ينظرون للبحر. العواطف مختنقة أيضا. منذ بدء العزلة، ربما، لم تولد قصة حب. الحب يولد في فضاء ما. المكان المحتمل للقاء مهجور: الرصيف، المقهى، مكتب البريد، عربة القطار… كل هذه الفضاءات كانت مهجورة كمدن أثرية لم تكتشف بعد.
السفر الذي رافقني لسنوات طويلة علمني العزلة في البيت، حينما لا أكون في مكان بعيد، بين أوطان ليست لي أمرّ فيها كغريب. ما حولي، هنا، أعرفه. منذ سنوات طويلة جرّبت كل الأمكنة حدّ الملل. لم أجد يومًا ما أبحث عنه، الحريّة التي تشعل العاطفة. البحر يغذيني بالنظر إليه في أماكن بلا بشر، والغابة حينًا في الخريف بشكل خاص حينما تخلو من المتنزهين الذين لا يعشقون المطر والبرد والوحدة.. إنهما في تغيّر دائم، البحر والغابة، حركة الكوكب فيهما وليس في الناس الذين يتبضعون ولا ينظرون أبدا لهندسة المدن القريبة من هندسة الأعصاب تحت الجلد.. عيونهم تخترق الزجاج بحثًا عن جديد في البضائع المعروضة التي تشبع أبصارهم ولا ينظرون أبدا في العيون، خوفا من التقاء النظرات…
أنا في اللا بأس، لست بائسًا ولست ذا بأس.
حول البيت، المنعزل في هذا الريف المنكفئ على نفسه، عادت الصقور تحلّق بعد انقطاع سنوات. الطبيعة تستعيد أهلها حينما توقفت حركة الناس والسيارات على الأرض وحركة الطائرات في السماء. الصقور في الأعالي، مجموعات في طيران مستدير تبحث عن فرائسها الدابّة على الأرض. تصف أجنحتها، كأنها تفكر طوال الوقت، ثم فجأة تنقضّ، في سقوط حر على فرائسها. أفعى أم أرنب، طائر حجل تائهٍ في حقل قمح.
في الحديقة، الفراش القادم من بلاد النيل والمغرب يتجوّل بين الزهور في طيران خفيف. على جناحي كل فراشة رسمت الطبيعة ما يشبه وجه امرأة. بين حقل القمح والغابة حقل عباد شمس. أتمشّى كل مساء هناك. أراقب عباد الشمس الذي ينمو مقدار أصبع كل نهار. قبل أن أنهي جولتي أمرّ، شأني كل مساء، على الوزة التي في حديقة آخر بيت في القرية القريبة. تراني من بعيد فتفتح جناحيها وتركض نحوي وأنا أناديها باسمها “بيانكا”. أعطيها بعض أوراق نباتات جمعتها في نزهتي ثم أفتح هاتفي المحمول لأسمعها موسيقى بتهوفن “سوناتة على ضوء القمر”. تأخذها السكينة على صوت البيانو المنفرد فتغمض عينيها. أتركها وأمضي إلى الدار وأنا أردد: عمت مساء بيانكا، فأسمع صوتها كأنه هديل حمامة. تناغي القمر في ليلة صيف..
هكذا يمر الوقت بانتظار السفر والمدن التي ستستعيد وجوهها الحقيقيّة. المدن البعيدة وتلك الخياليّة التي لم تر النور بعد.
أنتظر المستقبل الذي مازال موجودًا كيوتوبيا.

شاهد أيضاً

لا أحد يمكنه الاستغناء عن الحبال

محمود الرحبي* تعيش السعدية مع ابنتها خديجة على علوّ رابية تطلّ على سفح شاسع. يحرس …