أخبار عاجلة

أول حروب جميلة

المسرح مقسوم الى نصفين، شرفة قصر باذخ وامتداد أفقي يوحي ببقية غرف القصر – ذاك هو الجانب العلوي الأول -أما النصف الثاني – سفل – فهو خشبة المسرح وما سوف يدور عليها من أحداث انما تجري تحت عيون أهل القصر من خادمات وحراس وطباخين و.. سيدة القصر الوحيدة.

ديكور المسرحية.أسفل _مجرد رصيف ودكة من أسمنت يمكن جلوس شخص واحد أو اثنين عليها، المكان موحش بعيد عن ضجة العاصمة، يسمع المشاهد خرير ماء يأتي من خلف الغرف المضاءة، باقات ورد وصنوبر في أجزاء من القصر تعطي انطباعا عن غنى وخطورة من يسكنه.. ضوء خافت أسفل المسرح، وثمة في أقصى زاوية من الخشبة مصباح طريق من النوع الذي نواه في الشوارع العامة مع شجرة "يوكالبتوس " لا يبدو منها غير نصفها.. بينما يعم الضوء خصاص نوافذ القصر على امتداد زمن المسرحية.

ما دامت الشخوص داخل القصر بعيدة عن نظر واهتمام المشاهد، يمكن استخدام دمى يحركها (أحدهم) بين وقت وأخر.. تخفيفا من وطأة انتاج هذا العمل.

الشخوص: 
سيدة القصر : امرأة تقترب من الخمسين مازالت تحتفظ بجمال الصبا.

الرجل : في الثلاثين من العمر على جانب من القبح الذي يختلط بوسامة غامضة.

لواحظ : (وصيفة السيدة) : امرأة في حدود الأربعين، ملامحها تقترب من القسوة برغم أنها على جانب (وقح) من الجمال.

نساء ورجال ليس المهم – هنا – رسم وتحديد عددهم أو ملامحهم بل يمكن قيام كل واحد منهم –  منهن _ بأكثر من دور واحد، ذلك أن حضورهم – حضورهن _ انما يرسم بقية اللوحة التي أساسها الرجل وسيدة القصر.

الزمان : نهاية حرب، بداية حرب أخرى.

المكان : أي مكان.

سيدة القصر تنظر بارتياب الى حيث يجلس الرجل، ما أن تمني الى داخل القصر، حتى تعود ثانية، نظرة شك وظنون لا تفارقها، بينما الرجل وهو – هناك – يتحرك في الشارع ثم يرجع ليجلس على الدكة ثانية، ما أن ينظر الرجل – مصادفة – صوب المكان الذي تتحرك فيه السيدة حتى تلتفت بسرعة، أو تشغل نفسها بالنظر نحو مكان آخر.

يتكرر المشهد – بالتناوب بينهما – أكثر من مرة وما أن تختفي السيدة داخل قصرها، حتى نرى الرجل وهو يتطلع الى البيت الكبير بحسرة وألم وهو يشير بيديه الى محاسن القصر إحساسا بالخسارة أو ندما – ربما – على الحال الذي هو فيه.

الرجل ينظر الى القصر نظرة شاملة متفحصة، لا يكاد يترك زاوية أمام عينيا الا ومضى يطيل النظر اليها بشي ء من الحنين والتأوهات التي تنطلق خافتة بين لحظة وأخرى، بينما يشارك دخان سجائره في رسم لوحة الألم والخسارة معا..

سوف يرى المشاهد سيدة القصر – من خلف زجاج البيت الخاجي – وهي تتكلم بغضب مع الوصيفة،تشير بيدها الى الرجل دون أن نسمع أي شي ء من حوارهما، لكننا. بوضوح سنفهم من حركاتهما أن حالة من الضجر والارتياب والشك تطفى على السيدة والوصيفة معا.

لئلا يتسرب الملل – في البداية الى المشاهد بسبب المشهد الذي لا يتغير على خشبة المسرح، يكون من المناسب العمل على ابتكار أسلوب ما في الديكور أو تحريك شخوص المسرحية بطريقة ذكية فطنة لا تأخذ من الفكرة ما ينقص من شأنها بل على العكس ربما تساعد على تطويرها صوب قناعات أفضل، من ذلك _ مثلا _ بعض الموسيقى، أو سقوط أشياء على الأرض تتكسر اذا ما تذكرنا أن هناك داخل القصر ما يشبه حفلة ما، أو عزومة من عزومات  النسوة.

اختيار الموسيقى يصبح بطلا في عمل كهذا، لذا ينبغي العناية بهذه الملحوظة لاسيما وان الحوار لا يستمر بين أبطال المسرحية بل يأخذ حالة من حالات التغيير حينا والقطع والنفور بين جملة وثانية حينا آخر، بحسب قناعات المخرج، وتصبح الموسيقى بذلك هي نقطة الضوء التي تصب في قاع مظلم يضاء بها فورا.

 (يفتح باب الشرفة بعد غياب السيدة بوقت قصير).

الوصيفة (دون أن تشير الى الرجل):

– منذ أيام وأنت لا تفارق هذا المكان، منذ أيام وسيدتي تسأل عنك، ماذا تريد؟ سيدتي هي التي تسألني : ماذا يريد هذا المتشرد المسكين؟

الرجل ينظر اليها، ثم يلتفت نحو الشارع صوب شجرة اليوكالبتوس غير مبال بما قالت الوصيفة.

الوصيفة (وهي تشير بأصبعها):

– ابتعد، ابتعد من هنا، لا ترغمنا على أن نلجأ الى طردك بالقوة.

الرجل يبتسم وهو ينظر الى وصيفة القصر دون أن ينطق بشيء، ثم يتحرك بهدوء، يمشي ثلاث خطوات بطينة جدا، اذا به يرجع ثلاث خطوات في الطريق نفسه ليجلس على دكة الأسمنت، يدخن سيجارة ينفث دخانها صوب السماء، ربما صوب مكان الوصيفة أيضا..

الوصيفة (برغم غضبها الخفي مازالت هادئة تسيطر على كلامها، بل وتعمل على تنغيم حنجرتها بذكاء ممزوج بالبرود):

– اسمع يا رجل، اسمع، سيدتي لا يرضيها اتهامك بشيء، لو كنت في مكانها لقلت "لهم " انك لص، وسوف يأخذونك وننتهي منك، ابتعد من هنا، انقذ نفسك أيها الصغير قبل ان تغضب سيدتي.

الرجل (يكرر كلام الوصيفة دون سخرية أو تهكم):

– انقذ نفسك أيها الصغير قبل أن تغضب سيدتي.. سيدتي قبل أن تغضب انقذ نفسك أيها الصغير.

الرجل (ينظر صوب الوصيفة ثانية، كلامه بطيء جدا، صوته _ الآن – عميق جدا يشبه تقاسيم (ناي) يأتي من قرار بعيد):

– لم يعد في الشمعة غير الذبالة.. اخبري سيدة القصر، اخبري قصر السيدة انكم جميعا تملكون الحق في اضافة خنجر آخر على جروحي.. لكنني سأنتظر، أنا، هنا، سأنتظر، عندي أسبابي.. قولي لسيدة القصر: عندي أسبابي وسوف.. أبقى.

الوصيفة (ينتابها احساس غريب بسبب الصوت الذي لم تألفه من قبل):

– س. سيدتي هي.. سيدتي وحدها.. كنت أريد أن أقول.. سيدتي وحدها صاحبة الحق في الجواب.. عفوا.. في الجواب عليك..

تختفي (الوصيفة) بينما خدم القصر في حركة دائبة يردها المشاهد من خلف النوافذ المضاءة.. صمت يوحي بشيء يشبه العاصفة، لكن المسرح – برمته -هاديء تماما، والرجل وحده يتحرك، يدخن، ينظر الى شرفة القصر تارة، والى أرضية المسرح تارة، والى الدخان الذي يتناثر من سيجار ته تارة أخرى.

تظهر سيدة القصر، وهي تدخن سيجارتها الممتدة في «سبيل » خشبي رفيع كما (كونتيسات) روما، ترفض أن تنظر الى الرجل بينما باحة القصر توحي ان ثمة حفلة ومأدبة عشاء ستقام بعد قليل..

السيدة – بلطف كاذب – تنفث دخان سيجارتها بقوة :

– ماذا تريد؟ اخبرني. ماذا تريد؟ وصيفتي قالت انك ترفض أن تغادر هذا المكان.. ملابسك رثة.. اذا كنت فقيرا تعال وخذ ما تشاء، ليس من المعقول بقاؤك هذا الوقت كله أمام بيتي، ماذا تريد؟ هل هناك من أساء اليك واختفى في هذا البيت؟ ثم تنظر اليه :

– ماذا تريد؟

الرجل يضرب شيئا بحذائه، ينظر الى السيدة بشي ء من

الحرقة، ثم ينظر الى الأرض.. يتكرر الحال نفسه مرة ثانية دون أن ينطق بشي ء..

السيدة (وهي تضحك):

– لا أدري لماذا أسمح لك أن تأخذ بعض وقتي؟ الأمر وما فيه أنك الآن قرب منزلي، وأريدك أن تفهم..

الرجل (يكرر بصوت عميق):

– أريدك أن تفهم، سأفهم يا سيدتي أن وقتك من ذهب.. سأفهم أيضا أن وقتي من تراب..

السيدة (وهي تحني رأسها صوب الرجل من أعلى شرفة القصر :

– تعال اخبرني.. من أنت؟ رجل ماكر. ورع تقي أنت، أم لص عابر؟ من أنت ولماذا أنت هنا؟ لماذا أنت (هنا) أمام بيتي؟ الا تدري أن القبض عليك لا يأخذ مني غير نصف ساعة فقط؟ الا تخاف؟ هه.. ألاتخاف؟

الرجل (بكلامه البطيء القوي، بصوته العميق الذي يأخذ شكل الحفر في الخشب) :

– أنا يا سيدتي، معذرة رجل يحب الزعفران والزعتر والزيتون، لا أحب الثوم ولا التمائم ولا الفروات.. أنا رجل بسيط، بسيط أكثر مما تظنين.. لي حكمة واحدة في حياتي لا أتنازل عنها.. حكمة واحدة يا سيدتي، هي وحدها سر ما لا يعرفه أحد عني.

السيدة (تضحك كما الغواني):

– حكمة؟ أنت حكيم؟ هل يقف الحكماء هكذا كما الشحاذين أمام البيوت المحترمة؟ أي حكيم أنت؟ للبيع أم للشراء؟ ساعدني على أن أصدق بعض ما تقول..

الرجل (يستل سيجارة من علبته _ بهدوء _ ينفث دخانها بلذة وخشوع ثم ينظر الى سيدة القصر):

– أنا أكره الحكماء، أكره من ينصحني، أكره المواعظ، أنا انسان طبيعي جدا، جدا، لهذا سأرفض النصيحة.. منك أو من سواك.. وأيضا لن أنصحك بشي ء، النصائح تفسد الضمير والقلب معا..

السيدة (بسخرية فكهة ممتعة) :

– وماذا تريد مني أيها الرجل الطبيعي جدا جدا؟:

الرجل (وهو يسحق سيجارته تحت عقب حذائه):

– أريدك أنت أولا، أريدك تماما، هناك قضية ثانية، لكنني الآن أريدك أنت، أعني أريدك فورا..

السيدة تصرخ دون ارادتها وهي تحدق صوب قصرها:

– لواحظ، يا لواحظ، تعالي، تعالي هنا.. انظري أي مجنون هذا..

الرجل (بشي ء من الصرامة والعنف، بشي ء يقترب من الجنون، لكن بصوت يشبه الهمس والتضرع في مذبح كنائسي) :

– أريدك أنت، ربما كان هذا ما أريد أولا. أريدك فورا..

الوصيفة (وهي تقترب من السيدة):

– هل تأمر سيدتي بشي ء؟ أنا أعرف هذا اللون من البشر، اذا كانت سيدتي تأمرني بطرده سأفعل.

الرجل (في الوقت نفسه وبسخرية لاذعة جميلة):

– هل تأمر سيدتي بشي ء؟ أنا أعرف هذا اللون من البشر (ينظر الى الوصيفة وهو يشير بأصبعه اليها لم أنا أيضا أعرف هذا اللون من البشر.. انه اللون الذليل دائما، منذ أبينا (آدم) حتى اليوم.. ذليل، ذليل على طول الخط.

السيدة (وهي تنظر مرة ثانية الى الرجل، نظرة لها أكثر من معنى):

"كنت.. كنت أريد… فنجان قهوة.. و.. بسرعة.

الوصيفة (وهي تحدق الى سيدتها، ثم تنقل نظرها بكثير

من الاشمئزاز والضجر الى الرجل المنكمش هناك قرب دكة الاسمنت):

– أجل سيدتي، القهوة ستأتي فورا..

السيدة (بينما الرجل يترك المسرح، يختفي، تبحث عنه بعينيها، وتسأل نفسها):

– أين ولي هذا الأحمق العجيب؟

السيدة تتحرك عند الشرفة بقلق لا يناسب مقامها:

– أين ذهب هذا الرجل الأحمق؟ لم أجد رجلا بهذا الجنون، في عينيه أشياء كثيرة يريد أن يخبرني بها.. أنا أيضا أعرف هذا اللون من الرجال، انه يخفي سرا.. الرجل (دون أن يظهر على خشبة المسرح، صوته يأتي من بعيد):

– هل تأمر سيدتي بشي ء؟

– دخان سيجارته يأتي من حافة المسرح، يشير الى مكانه، سيدة القصر تسترخي على كرسي من الخيزران، تنظر صوب الدخان من طرف العين، هناك عند منعطف الشارع قرب المصباح يقترب الرجل كما الأشباح، أسود، يغطيه الضباب والدخان معا..

السيدة (بينما الوصيفة تنتظر):

– اذهبي يا لواحظ، أريد أن أبقى وحدي، كوني قرب الضيوف، لن أتأخر عليكم..

الوصيفة (وهي تمط شفتيها علامة للاستغراب):

– أمرك سيدتي.. سأكون قريبة منك اذا كنت بحاجة الي.

ثانية تنظر شزرا الى حيث يتحرك الرجل، في الوقت نفسه يقترب من دكة الاسمنت تحت شرفة القصر، يحدق الى السيدة، نظرة تطول، تشعر بها سيدة القصر، لكنها لا تلتفت اليه.

السيدة (كمن تكلم نفسها ودون أن تنظر الى الرجل):

– قلت انك تريدني، وفورا كما تقول، هل ترى أنني رخيصة الى هذا الحد؟ ماذا سمعت عني حتى تأتي وتقول كلاما سيئا كهذا؟

الرجل لا ينطق بشيء، يكتفي بالنظر اليها، ثم (يهرش) شعر رأسه بطريقة فوضوية مضحكة، أحيانا يدور حول نفسه بحركة جد بطينة ثم يقف أمام شرفة القصر وهو يفرك أصابع يديه بكثير من العنف والتوتر..

السيدة (وهي تنهض من كرسيها الخيزران بشيء من الغضب المكتوم):

– قلت لي أنك تريدني. أنت قلت ذلك، كيف أفسر قولك "البارع " هذا؟

الرجل (وقد ا نغمس في حالة من التأهب المخلوط بالعدوانية):

– اذا كنت أستحقك، أخبريني، رأيت الكثير من الرجال وهم يدخلون.. شهورا طويلة _ وفي اجازاتي كلها _وأنا أراهم يدخلون..

السيدة (تحاول أن تحتفظ بصبرها):

وما شأنك أنت؟ ما شأنك أنت بهم؟ ومن تكون لتسألني في حريتي وحياتي؟ من أنت فعلا لتأتي الى البيوت الأمنة وتسأل عما يجري فيها..

الرجل (وهو يرفع يديه عاليا كمن يستسلم في حرب):

– أنا لا أملك أي حق سيدتي، أنا أضعف مخلوقات الكرة الأرضية، لكنني، كما ترين،رجل صكهم، أسأل نفسي لماذا "هم ولماذا لست أنا"؟ كنت أمر من هنا ثلاث مرات في اليوم الواحد وأكرر هذا السؤال على نفسي : من هم هؤلاء؟ ولماذا لست أنا بينهم؟

السيدة (بكثير من الجزع الذي يختلط بالارتباك):

– لماذا هم.. ولماذا أنت؟ كيف تسمح لنفسك أن…

الرجل (يقاطعها بخشونة وهو يضع يده اليمنى مثل حاجز بينه وبينها برغم امتداد المسافة):

– أنا لا أسمح لنفسي، عفوا أنا أكتفي بما أرى، أنتم سألتمرني وأنا.. أنا كما ترين يا سيدتي أقول السبب.. انا واقف هنا كما الحمار، لا أطالب بشي ء ولا أفرض أي شي ء. أنا قانع بحياتي، سعيد بهذا الجزء السخيف التعس من

حياتي.. أنتم تسألون عن سبب وقوفي هنا، أنتم تسألون، وأنا.. أنا يا سيدتي اقول الجواب..عفوا أنتم القافلة يامولاتي.. وأنا..

السيدة (بعنف ووقاحة):

– كلب، كلب متشرد في الثلاثين من العمر، يمشي وراء القوافل، ينبح، ينبح، وماذا تريد من نباحك هذا؟

الرجل (بمهارة عجيبة يحرك نفسه كما الكلب):

– عو.. عو.. عو..

ثم ينتصب ثانية، ينظر الى السيدة مبتسما:

– مجرد كلب يا مولاتي يمشي وراء قافلتك الموقرة.. اطمئني، سأبقى هذا الكلب حتى يأتي اليوم الذي أكون فيه مع القافلة ولست خلفها..

السيدة (بغضب يشربه الاقتراح على هدنة وسلام):

– وماذا تريد؟ أريدك أن تحدد فورا ماتريد، لا ترغمني على

أن أغضب منك أكثر مما غضبت.. (الرجل يعود الى النباح ولكن بصوت خافت مهذب).. كف عن نباحك الماجن هذا.. الا تخجل من نفسك أبدا؟

الرجل (يفتح يديه بطريقة ساخرة):

– منذ قليل يا سيدتي أخبرتك بما أريد.. أنا.. بوضوح تام.. أريدك أنت، أريدك تماما.. أريدك فورا.. أريد أن تكوني لي.. ليلة واحدة أو بعض ليلة.. و.. بس، ليلة واحدة فقط.. الحرب طالت يا سيدتي واجازتي تقلصت.. (يسكت قليلا وينظر الى مكان بعيد) الاجازة ثمينة جدا.. الاجازة لا تعطى هكذا.

الرجل يستمر (وقد صارت كلماته أكثر قوة وأعمق نبرة):

– هل تفهمين – الآن – لماذا أريدك فورا؟

السيدة (تتحرك عند الشرفة، دون غضب كبير، ربما بخوف يشربه الحرص والحذر معا):

– ولماذا أنا؟.. الا يحق لي أن أعرف لماذا أنا دون بقية النساء؟

موسيقى تأخذ حقها في التأثير، تمتد على زمن قد يطول دقيقة واحدة أو نصف دقيقة خلالها يتبادل الرجل والمرأة نظرات مقطوعة.. تأتي الوصيفة، تطردها السيدة بإشارة من يدها، الخدم يتحركون في القصر، لا يظهر منهم غير الظلال.. صدى يأتي من زاوية في المسرح، يردد بصوت باهت خافت عذب جميل.. (لماذا أنا؟).. (لماذا أنا؟) أصوات دون معنى تختلط مع عبارة (لماذا أنا؟).. السيدة (مرة ثانية بصوت يرتعش بخليط من الشهوة والغضب):

– أخبرني.. لماذا أنا؟ وصيفتي أجمل مني.. لماذا لا تفكر فيها.. (مثلا)؟.

الرجل (يضحك قليلا، ثم يحرك يديه بطريقة ساخرة):

– مثلا؟ أنا أريدك أنت.. أنا لا أريد (مثلا).. فهناك ألف (مثلا) مثلها في المدينة..

السيدة (تنفث دخان سيجارتها وهي تمط شفتيها بشي ء من العظمة):

– انما يتعفن رأس السمكة أولا..

ثم تنظر الى الرجل بقسوة :

– هل ترى في الحصول علي انتصارا؟

تكرر كلماتها بصوت هاديء وعميق :

– اخبرني.. هل ترى في الحصول على واحدة مثلي انتصارا لرجولتك؟

صمت يطول، الرجل يفتح علبة سجائره، يرى أنها فارغة، السيدة تنظر اليه وهو يرمي علبة السجائر على الأرض.. تختفي السيدة لحظة ثم تعود الى المشهد، ترمي اليه علبة سجائر من النوع الممتاز.. الرجل – دون وعيه – يمسك بها ثم يقف _ مندهشا من نفسه – وهو ينظر الى السيدة كمن يسأل نفسه : لماذا فعلت ذلك؟

الوصيفة (وهي تقترب من السيدة):

– هل تحتاج سيدتي الى كبريت؟

السيدة تأخذ علبة الكبريت وتشير الى وصيفتها أن تذهب، بينما الرجل مازال ينقل النظر بين السيدة وعلبة سجائرها، وبينما هو أسفل المشهد يستل سيجارة في طريقها الى فمه، دون أن ينسى النظر الى شكل العلبة الثمينة.

السيدة (بقليل من الطيبة):

– كبريت؟

ودون أن تنتظر جوابا رمت اليه بعلبة كبريت تسقط قرب حذائه، الرجل يرفض أن يحني قامته ليأخذ الكبريت، ذلك أنه يملك علبة في جيبه راح يسحبها بهدوء، ثم راح يدخن وقد جلس هذه المرة على دكة الأسمنت دون أن ينظر الى السيدة.

السيدة (بشي ء من الجزع):

– ماذا تنتظر؟ ليس من المعقول أن تبقى هنا الى نهاية العمر.. أقترح عليك الانصراف فورا.. لا أريد أن أغضب منك. ذلك يعني بأنك سوف تخسر الكثير..

الرجل يمد أصابعه، يرفع علبة الكبريت من الأرض، يفتحها، يشم رائحة الكبريت، ثم يفلقها ليضعها قربه على الدكة،.. يطبطب بشي ء من الحنان عل علبة الكبريت مبتسما، ثم ينظر الى سيجارته الفاخرة، ثم الى السيدة فورا (دون أن ينطق بكلمة)..

السيدة :

– خفف من غلواء الحقد الذي فيك، الا تدري أن الافراط في الحسد نوع من الكفر؟ أنت في أول العمر، وشبابك يستحق منك الكثير، لماذا تقتله بالحسد الأسود هذا؟

الرجل يهز رأسه – بقليل من التهكم – لكنه سوف يصغي الى ما تقوله السيدة باهتمام حقيقي، وما أن تنتهي السيجارة حتى يسحقها بحذائه ليأخذ أخرى.. الدخان يصبح حالة أساس من حالات المسرحية (لا مانع أن يضاف بعض الضباب ,الى جو المسرح ليشارك الدخان في رسم حالة القلق والتربص التي يشعر بها المشاهد بين السيدة والرجل)..

السيدة (وهي تنطق الكلمات بلذة ليس فيها ذاك الحقد الاول)

لن أغضب منك – صدقني – اذا أخبرتني بما تريد مني، بشرط أن تأتي بكلام معقول ولا تكرر هذيانك المضحك الذي سمعته منك قبل قليل.. قل شيئا مفهوما ومعقولا يمكنني أن أصدقه.

لرجل (باسترخاء لا يوحي بالغضب مطلقا، بمعنى أخر، انه يقول الكلمات كما ينطق بها أي شخص نائم):

– هل تسمعين عويل بنات أوى؟

السيدة (تهز كتفيها استغرابا):

الرجل :

– هل دخلت حقل كروم مزروعا بالألغام؟

لسيدة (داخل حالة الاستغراب لم تزل):

– الغام؟ ولماذا أدخل مكانا كهذا:

الرجل :

– هل تشمين رائحة البارود وأنت هنا؟

السيدة (وهي توشك أن تصرخ):

– ما هذا الكلام الغريب.. ماذا دهاك يا رجل؟

الرجل (وهو يطمس في لجة من الذكريات):

– كم ليلة دهماء مرت عليك ابا وكم نهار أغبر زاحمك في الطرقات؟ (الرجل يستمر في الكلام مثل محموم يهذي).. لم يعد في الشمعة غير الذبالة.. لا زيت في المصباح وليس من أحد عند الفجر سوى الشهداء..

السيدة (تبتسم بتهكم خفيف مع دهشة لم تستطع التخلص منها):

– ما هذا؟ ولماذا أنا؟ هناك الاف النساء أكثر سعادة وأفضل حالا مني.. لماذا لا تسألهن؟ يا رب.. أنا لا أصدق، أي حقد وأي حسد بغيض في هذا الرجل العجيب؟

الرجل (بهدوء أكبر. لكن بصوت تختلط فيه القوة والتبرم معا):

– لماذا أنت؟ السبب بسيط يا سيدتي…

السيدة (تبتسم بالتهكم السابق نفسه) :

– وهل هناك من سبب غير الحقد والحسد؟

الرجل (بالحالة نفسها التي كان عليها ودون أن يغضب):

– أجل يا مولاتي، ربما كان الحقد واحدا من أسبابي، لكنه ليس جميعها..

السيدة (وقد أخذها الغضب تنادي على وصيفتها):

– لواحظ (تصل الوصيفة بسرعة) اسمعي ما أقول.. اطردي هذا الكلب من هنا، اطرديه بأي شكل، لا أريد أن أراه أمام بيتي.

الرجل (يصرخ بأعلى ما في حنجرته من قوة):

– انتظري.. انتظري لحظة واحدة قبل أن تهربي (بينما السيدة تقف لتسمع ما سيقول، يستمر الرجل في الكلام)..

هذا البيت الذي أنت فيه (يبطيء من قوة.صوته) هذا البيت الذي تنامين فيه.. كان بيتي أنا، بيت أبي وأمي.. بيت جدي وجدتي.. انه بيتي منذ طفولتي..

الوصيفة تحاول أن تنطق بشيء، لكن سيدة البيت تأمرها بالسكوت.

السيدة (بسخرية لاذعة وهي تخطو خطوتين على الشرفة):

– بيتك أنت؟ وهل يملك شحاذ مثلك قصرا كهذا؟ حتى اننا اشتريناه من أكثر العائلات احتراما وغنى، فكيف يكون بيتك أنت؟!

الرجل (يبتسم ألما):

– يا سيدتي، هذا البيت كان بيتي، وما يزال _بالنسبة لي _ كذلك، انه بيت صباي وذكرياتي وطفولتي وأصدقائي..

 (يشير بأصبعه نحوها) كان بيتي، أجل، وسوف يعود كذلك.. ليس من شبر فيه لا يتذكر من أكون..

السيدة (وهي تشير الى وصيفتها أن تذهب، تنظر الى الرجل نظرة ثاقبة تستفهم عن حقيقة ما يقال أمامها.. ثم تسأل بكثير من الدهشة والحيرة):

– من تكون أنت؟ لابد أنك مجنون (ثم بسخرية أشد) حقل كروم ملغوم، بنات آوى، ليلة دهماء ونهار أغبر.. طبعا.. فعلا.. حتما أنت مجنون، والآن تأتي لتقول أن البيت بيتك، بيت أجدادك.. لا أدري والله لماذا أخسر وقتي معك؟

بينما السيدة تتحرك صوب باب الشرفة لتخرج، نرى الوصيفة وهي تهمس بشيء لا يسمعه المشاهد.. لكن السيدة تحرك رأسها بالرفض.

الرجل (بصوت قوي مزحوم بالألم):

– انتظري.. لن تخسري المزيد من الوقت، نحن يا سيدتي خسرنا شبابنا لتنامي أنت على طنافس من حرير.. كنا نحلم بقليل من الشعير بينما سلة فضلاتك عند باب البيت  – هنا يشير الرجل الى مكان هناك – مازالت مغطاة بقشور الموز والبرتقال وقناني النبيذ الأحمر الفاخر، كنا دائما هناك على هضبة كما الزمهرير، أو عند سهوب النار نغطي أجسادنا بالشظايا والبروق والصرير والرعب، وأنت (هنا) ما شاء الله جذلى تتوشحين بالرجال والزيتون وأساور الذهب، تضحكين، تضحكين علينا، نحن مجرد شيء تنظرين اليه في التليفزيون، مجرد شيء يتحرك وله شهيق وزفير، نتقهقر، وفي الوقت نفسه (أنت) تتقدمين، نشتهي وجبة طعام فقيرة، وفي الوقت نفسه (أنت) وحدك من يقيم الولائم ويكتسح المشهد كله، اطمئني، لن تخسري أي شيء.. الحياة نفسها هكذا، الفقير يزداد فقرا، والطغاة يزدادون قسوة..

السيدة (تقاطعه بغضب مشوب بقناعة غامضة):

– على كيفك، على مهلك يا رجل، خفف الوطء قليلا بارك الله فيك، من تكون أنت لتحكي مع أسيادك هكذا؟ ثم ما شأني أنا بحروبك وخسائرك وسهوب النار.. كل هذا الكلام الفارغ الذي تقول؟ ما شأني أنا به؟ هل كنت أنا من بعث بك الى النار؟ هل تريد مني الذهاب الى هناك حتى أحترق أو أموت من البرد؟ ولماذا أنا؟ أريد أن أفهم لماذا أنا دون بقية خلق الله؟

صوت موسيقى داخل القصر، الوصيفة تأتي وتهمس في أذن السيدة، وهذه تشير اليها أن تعود الى داخل القصر..

الوصيفة تشعل عود كبريت أمام سيجارة السيدة.. ثم تعود الى الداخل..

الرجل (باسترخاء عجيب، لكن بغضب عنيف ينام بين الكلمات حسب):

– لا أريد أن تكوني معنا في الجحيم، أنا جئت لأكشف المستور الذي تتوهمين انني ساكت عليه..

السيدة (باستغراب وهي تبتسم):

– المستور؟ هل من شي ء مستور بيننا؟

الرجل (وهو يشير الى القصر):

– البيت، هذا البيت الذي أنت فيه.

موسيقى تقطع الموقف، السيدة تنظر الى قصرها ثم تنظر الى الرجل، في تلك اللحظة سوف نسمع – أيضا – صوت مؤذن يجيء من بعيد.. ينسجم صوت الموسيقى مع جرس المؤذن واختلاطهما يوحي بإحساس أن شيئا ما ليس على ما يرام..

السيدة (ما زال أذان العشاء يملأ القاعة):

– بيتي؟ وماذا تريد من بيتي؟

الرجل (يدخن سيجارة ويشير بها الى القصر):

انه بيتي أنا.. عشت فيه طفولتي وصباي ويجب أن يعود الي.

الرجل يستمر (برغم أن السيدة راحت تضحك وهي تردد: بيتك أنت؟ أنت؟ وهل يملك أمثالك قلعة كهذه؟).

– انه بيت طفولتي فيه احتسيت حليب أمي وذكرياتي وشجرة الرمان الجميلة، فيا فطموني وفيه (يصرخ بالسيدة بغية اسكاتها حيث انها مستمرة في الكلام سخرية بما يقول..) اسمعي، اسمعي، سأخبرك عن هذا البيت لتعرفي – حقا – انه بيتي..

الرجل (ينطق ما سيأتي من كلام بحنجرة تقترب من البكاء دون أن يبكي.. بينما السيدة _ وقد سكتت – مأخوذة بما يقول، ذلك انه، على ما يبدو، ينطق بالكثير من الحقائق عن هذا البيت.. بيتها):

– هناك سرداب مهجور في أسفل بيتي.. أعني كان مهجورا أيام كنا نعيش فيه، وداخل السرداب باب يفضي الى سرداب آخر أصغر منه.. كان جدي يخزن فيه الفلفل والبهارات والخمور.. وكان (يضحك الرجل حزينا) يحبس فيه جدتي اذا ما غضب منها، كم مرة بكت جدتي؟ كم مرة صرخت بنا أن ننقذها من العقارب والصراصير والأشباح؟ ما كان من أحد يدخل السرداب الثاني أبدا.. أنا وحدي من تجرأ على الوصول اليه حتى اكتشف بلاوي جدي وما كان يخفي من أسلحة وكلام ممنوع.

الرجل يستمر (ينظر الى السيدة وقد تغيرت نبرة صوته) :

– ترى، ماذا تخزنون به اليوم؟ أما زال ذاك السرداب على حاله؟ لابد أنه تغير، ثم، ثم بالله عليك.. كيف أصبحت شجرة الرمان، ومن يتسلقها بعدي؟ أم.. أم..لا، كلا، لا أريد أن أصدق أنكم قطعتموها ورميتم بها على قارعة الطريق.. من يدري، ربما تغير العالم كله وأنا.. أنا وحدي مازلت أحن الى هذا البيت.. بيتي، بيت طفولتي ووقاحتي وصباي.. أحن الى كل صديق عرفته فيه، الى كل حفنة من تراب السرداب، الى صراخ جدتي وعصا أبي ورائحة الكافور التي تأتي من أعماق البيت.

السيدة (وهي تهز جذعها سخرية):

– وماذا يريد سيادتكم الأن؟

ثم وهي توقف من اهتزازها:

– نعم، انه البيت نفسه، وماذا ينبغي أن أفعل؟ هل تريد أن تطردني (بسخرية لاذعة وقحة) من "بيتك " الجميل هذا؟!

الرجل (ينظر الى السيدة، ثم يقول بصوت يقترب من الروح العسكرية المتسلطة القادرة):

– بالعكس، أنا أتمناك في بيتي، سيدة له وسيدة لي، لا أريد غير أن تصدقي أمري كنت أحلم بامرأة من نوعك أنت، أكبر مني، أحب المرأة التي تعرف أكثر.. مشكلتي انني ضيعت كل شيء، أعني هم ضيعوني وأطفأوني قبل أن أرى الشمس، الحرب أخذت كل وقتي ولم تمهلني حتى أصنع شيئا في مستقبلي.. الحرب أخذت سنواتي، ولم يبق منها غير الذبالة.. محض شمعة خبت، هكذا صار شبابي وهكذا تنتهي أيامي..

 (السيدة بشغف مفاجيء):

– كلامك عجيب.. أنا لست غاضبة منك، لكن عليك أن تفهم وتصدق أن البيت لم يعد لك اطلاقا.. لم يعد من نصيبك أبدا.. صحيح ربما كان بيتكم ذات يوم، لكنه لم يعد كذلك الأن.. هناك بيوت كثيرة تغير أصحابها في الحرب وقبل الحرب.. تلك سنة الحياة، فهل نحن من نصنع أقد ارها؟

الرجل (مع ابتسامة غامضة توحي بهدنة بينهما):

– وكيف يا سيدتي يصبح البيت بيتي وقد سرقتني الحرب؟ هل يفكر من هو داخل النار كما يفكر من كان خارجها؟ الوقت الذي كنت فيه سيدا على زمني راح في خدمة هذا التراب المقدس. كم سنة من عمري ذهبت في الحرب؟ كم سنة من عمرك سيدتي مضت وأنت _معذرة _ تستثمرين كل شيء من أجل أن تكوني أفضل وأفضل.. بينما يأخذني الرصاص الى..

الرجل (يسكت قليلا وهو يعض على أسنانه جزعا كمن يتذكر ما جرى):

– الحرب أخذت مني هدوئي وأعصابي، رمتني الى الخسارة والجوع وانتظار ما لا ينتظر، كيف أحكي لك عما جرى لتفهمي حجم خسارتي؟.. ماذا أحكي ليفهم العالم أن البيت، هذا البيت انما هو ملكي.. هو الجزاء الوحيد.

الجزاء الأخير لكل ذلك العذاب الذي عشت فيه وبقيت في خباياه مشات الشهور والاف الليالي وملايين الشظايا..

السيدة (تقاطعه دون غضب كبير):

– وما ذنبي أنا؟ لماذا أنا؟ هناك آلاف الناس باعت وآلاف غيرهم يشترون، هذه أمور طبيعية جدا.. فهل يحتاج الأمر الى نقاش؟ انها كما أخبرتك (سنة) الحياة..

الرجل (يضحك هادئا.. انه يمتعض مما يسمع ولكنه يتكلم بهدوء):

– الرجل، سنة الحياة سنة الطبيعة، تأخذ منك لتعطي سواك.. يبدو أنني على خطأ كبير.. خطأ أكبر مني آلاف المرات.

السيدة (بلهجة انتصار):

– هل اقتنعت أخيرا؟ الحمد لله..

الرجل ينتفض ملسوعا على حين غفلة، يصرخ دون أن ينظر صوب السيدة :

– الحرب أخذت مني سنوات شبابي، يكفي ما خسرت، يكفي ما خسرت، لا أريد أن أخسر شبابي والبيت معا.. كلا.. كل شيء الا ذكرياتي وطفولتي..

السيدة (وقد صعقتها الكلمات الأخيرة للرجل):

– ماذا تعني؟

ثم بصوت أعلى :

ماذا تعني بالله عليك؟

الرجل (بشموخ مفاجيء):

– سأحارب من جديد، سأحارب مرة ثانية، وثالثة، سأحارب هذا المرة من أجل "بيتي"مهما كلفني الثمن..

مهما كلفني الوقت.. الحرب هذه المرة من أجل روحي ونبض قلبي.. قد يطول بي الأمر، لكنني تعلمت البقاء في ساحة المعارك.. تعلمت ذلك جيدا..

السيدة (باستخفاف):

– وماذا ستفعل مثلا؟

الرجل (يخفف من اضطرابه ويدخن سيجارة):

– الحرب مجموعة خطط وأفكار.. الحرب يا سيدتي تحتاج الى ذكاء وصبر، صبر حقيقي وذكاء حقيقي، وهذه المرة لن استعجل النصر.. لن أستعجل النصر.. سأفكر أكثر مما فكرت طوال أعوامي التي انقطعت خلفي سدي..

لن أخسر سوى انتظاري، وهذا يعني أن النصر قريب جدا..

السيدة (تاخذها حالة من الايمان بما يقول):
– وهل ستقتلني مثلا؟

– الرجل (بهدوء جميل مؤثر):

– كلا سيدتي،في الحرب لا نقتل النساء ولا الضعفاء أريدك أن تكوني أقوى مني لأحتفل بانتصاري. في الحرب لن نقتل الضعفاء، اننا نفكر فقط في اعادة الحق الى أهله، اعادة الحق من مغتصبيا، وهذا البيت هو الحق الوحيد الذي أريد، بل أعطيتك الحق في البقاء فيه، وهذا كرم أكبر مما تظنين.. هل يفعلها غيري؟ كوني معي طوال حياتي ولن أقول يوما أي شيء عن هذا البيت..

السيدة (وقد أعياها ما سمعت، تنظر الى الرجل بإحساس جديد مختلف):

– وماذا ستفعل اذا لم أترك البيت لك؟ أنا اشتريته بأموالي ولم أسرقه من أحد، عندي ما يثبت ذلك.. هل تريد أن تقرأ؟

الرجل (بصوت عميق، صوت فيه سحر خفي يأتي من خلف حنجرة حزينة جريحة ملتهبة بالماضي):

– لا أريدك أن تتركيه.. لا أريدك أن تتركي البيت، انه يكفينا معا.. انه أكبر بيوت المدينة كلها.. ثم.. ثم انني والله أريدك فعلا، أريدك تماما، أريدك فورا.. هذا النوع من الحب ما عاد مألوفا ولا معروفا لدى البشر..

السيدة (وهي تنظر الى الرجل نظرة  ذات معنى خفي لذيذ):

– كم هو عمرك؟

الرجل ( يبتسم بحرقة):

– مع الحرب أم بدونها؟

السيدة (تكرر بصوت نشوان):

– كم هو عمرك؟

الرجل (يضحك مستغربا):

– وما أهمية عمري؟ هذا البيت الذي تسكنين فيه منذ عشرة أعوام باعوه أهلي وأنا منغمس في الحرب، باعوه – كما تعرفين حتما _بسعر التراب.. وأرى أن البيع لم يكن شرعيا أبدا.. صاحب البيت الأول كان يحارب، يعني كان ما بين الموت وخلف الصراط، فكيف يحق لأهله بيع حقوقه دون علمه؟

السيدة (وهي مازالت تنظر اليه باعجاب ممزوج بشي ء من الرغبة):

– لم يكن البيع شرعيا؟ كيف؟ والأوراق التي معي؟

والشهود؟ ودائرة العقار؟ كل ذلك لم يكن شرعيا؟ الرجل (يشعر بنظراتها العاشقة):

– الحرب لها قوانينها، قد نشتري فيها ما لا يباع في أيام السلم.. ربما نبيع أيضا ما لا يشترى.. وهذا البيت بالنسبة لي خارج قانون الحرب.. بل خارج القوانين كلها، انه جزء من حياتي لن أتمكن.. لن أستطيع يا سيدتي فصله أبدا.

هل رأيت منزلا يتحرك في الدم؟ هذا المنزل يتحرك في دمي منذ نعومة أصابعي.. فكيف يباع دون علمي؟ بل كيف يتجرأ من يشتريه على دفع الثمن وهو أكبر من أي ثمن في الدنيا؟

السيدة (دون وعي منها، وربما بوعي عظيم، ترمي مفتاح القصر الى الرجل):

– تعال حتى نحكي في الأمر..

الرجل (قبل أن يمد يده الى المفتاح):

– أنا قلت كل ما عندي يا سيدتي، وما بقي من كلام سوى ما سمعت.

السيدة (وهي تبتسم بشكل ساحر مملوء بالرغبة):

– ما أخبرتني كم هو عمرك؟

الرجل :

– سألتك ان كان العمر مع الحرب أم بدونها حتى أعرف الجواب.

السيدة (بصوت فيه فحيح شبقي عارم):

– ادخل.. يا لك من شيطان.. ادخل.. الرجل ينظر اليها بفرح كبير:

– قوليها مرة ثانية.. أريد أن أفهم المعنى..

 السيدة (بالحاح شبقي عارم):

– ادخل..

موسيقى من نوع يقترب من الصخب _ موسيقى توحي بما يشبه اقتراب كارثة – بينما الرجل يحني قامته، يرفع المفتاح الساقط على الأرض.. ثم ينظر الى السيدة ويقترب من البيت السيدة (تصرخ على وصيفتها):

– لواحظ، يا لواحظ، تخلصي من الضيوف الليلة..

 الرجل (من تحت الشرفة):

– الليلة؟ الليلة فقط؟!

السيدة (بصوت أعلى):

– تخلص منهم كل.. يوم… على الضيف منذ الليلة أن يستأذن غيري قبل زيارة هذا البيت.. صدى الكلمة (ادخل) يتكرر بصوت موسيقي غامر.

الرجل يضع المفتاح في الباب الخشبي الكبير..

 لواحظ (دون أن يردها المشاهد):

– لقد خرج الضيوف سيدتي.. هل تأمرين بشي ء أخر؟

السيدة (تشير الى الرجل):

– منذ الأن، سوف تسألين هذا الرجل عما يريد..

ينسدل الستار ببط ء، ببط ء، بينما الموسيقى تخفت و.. ببطء أيضا.
 
عبدالستار ناصر (كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …