أخبار عاجلة

الأرض شجرة زيزفون [ مقاطع من قصيدة ” تجليات السفر”]

متحدة من أصول تركية وعربية شامية ، ومترحلة بلا استراحة ، بين بيروت وباريس ولوس انجلوس ، تحمل إتيل عدنان في عروقها نسغ الثقافات المتوسطية والامريكية والاروربية . من هذا النسغ الهجين ، ومن علاقة كيميائية صاخبة بالتراث العربي الإسلامي في الشعر كما في المعمار ، وفي الذائقة البصرية كما في السياسة ، سيدت هذه الشاعرة المتفردة نشيدها المجبول بعرق التجربة ودموعها ، والشاهق بصروح الأمال والخيبات ، شيدته بعيدا عن كل المدارس الشعرية المنتشرة في ساحة القصيدة . أطلقت صوتها خفبضا ، عنيدا وعذبا كلحظات الرمق الأخير لتدافع عما بقى من الحياة والجمال ، أطلقته مراثي كونية أشبه ما تكون بنشيج طويل ، شاهدة على عالم ينهار ، عالم يتفتت تحت أنقاض فتينام وفلسطين ، في عذابات زنوج جحيم الشمال الأمريكي وفي ثورات العصابات الغيفارية في أمريكيا الثانية ، عالم ستينات القرن الماضي حيث تفتحت أصوات شعرية أصيلة كثيرة دمغ العصر نشيدها  اللهبي بهاجس أول اسمه الحرية وبالم أول ارتفع به الى أقاصي تخوم الابداع.

ولان اتيل بنت الارض كلها ، فإنها عاشت مدى الكوكب تبحث عن ارض صلبة تقف عليها وتكون لها ، فلم تجد سوى الكون ،لذلك نراها منذ شبابها الأول تتقمص شجرة زيزفون ، وتطلق روحها بين الأوراق لتتجول مع الهواء بين بلاد الله الواسعة ، شاهدة حثما ذهبت على جمال الطبيعة وقبح الظلم الإنساني.

ولئن كانت إتيل عاجزة عن التعبير الناجز بالعربية ، أحب اللغات الى قبلها ، فإن هذا العجز الذي عمق الجرح الفاغر في جسدها المنهك بمعاناة الجمال والحب والاسئلة ، زاد من غربتها ودفع بمنفاها الى غياهب المطلق ، مطلق الحب ، مطلق الشهوة ومطلق(" الحلول") ، كما كانت تقول المتصوفة ، بل بوسعنا الزعم ان إتيل عدنان شاعرة متصوفة بالمعنى الجوهري للعبارة الاتحاد بالطبيعة والانسان والصلاة الدائمة لجمال لا ينضب ولا يكف عن تعذيبنا بجبروته.

بهذه السطور السريعة ، أحببت أن أقدم لقصائد ، أو لمقاطع من قصائد حاولت ترجمتها( أو أعادة الترجمة) الى العربية عن أصولها الفرنسية أو الانجليزية  ، مجندا في أداء هذه المهمة العسرة كل الحب الذي يشدني الى الشعر والى الشاعرة إيتل عدنان .

أنا الضوء

تكسرني الدقائق

تغويني

كاجراس كنيسة ريفية

أنا العتمة

تسللت الريح الى السلالم وأنا أصعدها

وراء أوراق زيزفون

سبقتني عجلى

متراقصة

لتحدثني عن الحب والجنون.

في حفيفها

سمعت

أنني كنت ملكتها

وأن رايات جيوشي كانت معطرة

كم من أشياء عذبة أخبرتني بها الأوراق

وهي في زهو خضرتها !

الهذا استنكفت جيوشي عن خوض الحروب؟

هذه الشجرة شبه عارية

وعريها

يثير الشائعات في المدينة

 

تتناثر أوراقها واحدة إثر اخرى

وتتبعثر

فيتمدد الفضاء لإيوائها

وأبقى

في دوامة خضراء صفراء…

عالم النباتات يطلب عظامي …

***

المنفى والهجرة والسفر

استراحات المعرفة

لكن الورود

سرعان ما تغطي الأحياء المدمرة بالقنابل

بينما تكسو أشواك الزعرور

وجه الصحراء

وحين نبت الصبار

في عيني مق أحب

تقيأت حمل شاحنة من القطع الذهبية

آه، ما أشد انتصار الموت

على الحياة !

الدوار يطوق سلالم بيتي

وإذ هجرت المادة قوانينها

أبحرنا في عباب الجحيم

قاصد ين الفردوس.

***

على امتداد السلالم الخشبية

تنتقل الظلال

تحت وطأة صمت الأشياء

وصمت آخر:

لا علاقة له بالرحيل أو الموت

صمت رأسه متوج بالعصافير

طفل يتراكض في بيت مهجور

بينما السلالم

تكتشف مدى فراغها

أنا السلالم التي صعد الوقت درجاتها

في سباقه الجنائزي

 
   

في حماة،

تصعد النواعير مثقلة بالماء

لتروي الحدائق

ثم تهبط غير عابئة برؤية النهر

وهو يطفئ الحرائق

السلالم التي لفصل بين

غرفتي وذاكرتي

تصفرفي أذني…

أنا لست تحت رحمة الرجال

فالأشجار تعيش في مخيلتي

أنا، عاشقة الأمطار التي تحمل الرغبة

إلى المحيطات.

بين طائرتين

بين الفضاء

وتختفي النجوم في الفجوات

بينما تذهب العوانس عاريات الى المقاصير

وتحت أنطارنا

تتلاشى براءتهن.

أنت وأنا خلقنا من شجر نخرته ديدان التراب

تغور العبارة

ونغور، نحن، مخذولين

دون إيماءة صراخ

أو نظرة رعب

والصمت محرم علينا.

لا الحياة تخيفنا

ولا الموت

ولسنا مرغمين عى التمتع بالربيع

عند حافة سيول الصحراء

عثرت على القلاع الترابية

حملت درجاتها الرخام

لكنني لم أجد طريقي

لم اعرف إن كان علي أن أصعد

أو أن أهبط

فأدركت ساعتها أنني
كنت في مدينة لا هي العقل

 

ولا هي الجنون

وأن حدائق الأندلس

كانت تنتصب

تأهبا للموت .

***

مدينتان دمعتان

ما يكفي لجعل الجنون

يخفي تحت تنورته

أو بين ساقيه

رعب مراهقتي

ومسيراتي الليلية على التلال:

أية تلال؟

أعني المملكة التي يحملها رجل

في أحشائه

حين ينعم بالحب المكتمل.

مدينتان ليستا بيروت ولا دمشق

دمعتان ليستا خمرا ولا مطرا

بلى، كانت هنالك شاحنة

وامرأة زرقاء العينين

من روسيا

– شجرة زيتون رمادية-

وكنت فراشة قبضت عليها النار:

لم تكن نار الليل ولا نار النهار

بل كانت توهج أشعة منبعثة

من جسد أشبه بمرض

اخذ في الشفاء

انفتحي الآن أيتها القبور؟

من بابل استعارت معادنها

درجات السلم

المؤدية إلى غرفتي.

وكان المعراج نقلتين.

سقطنا في دوامة وحل.
كانت الريح تتبع حصانها

 
   

حين راحت عاصفة تطارد خطوات الشمس

بينما يعوم نبي

في أمواج الغيوم

على سفينة تتقدم في نهرمن ذهب

وبعيدا عن الشمس

بلغنا الفردوس

فردوس النور المطلق.

درجات السلم المؤدية الى غرفتي

تقود بلى مرصد

كان منضاران في يدي

واحد لرصد النجوم

والجيوب السوداء

والثاني لركوب سلالم الية

تتقدم دون تقدم

شعري يتغزل

بازهار عباد الشمس.

خارجة على القانون.

هذه الزيزفونة

التي ترتعش على بابي

آن أن نستعد للجحيم !

***

هل عصف الريح

أسرع من خطواتنا؟

ربما لأن النور أخمد حركتنا !

وهذه الزيزفونة المنتصبة أمام بابي

ترزح بثقلها على أيامي…

سوف أتزوجها في نهاية المطاف

وسيكون لنا أطفال

محوم عليه بالرعب

نظرات الزيزفونة مسلطة علي بالحاح:

سأيقى منذورة لانتظار
حتى نهاية الزمن.

 
 
شعر: أتيل عدنان
ترجمة وتقديم: فايز ملص
(كاتب ومترجم سوري يعيش في باريس)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …