الإنســان الخليــجي بين ثقافتي المباني والمعاني

الديمقراطية قيمة جمالية ومعرفية على درجة من التلازم البنيوي مع الحالة الإبداعية، بل هي جوهر الفعل الثقافي. وقد سجل المثقف الخليجي وعياً مبكراً بهذه القيمة الحيوية، ضمن حركة تاريخية اجتماعية عربية كانت بمثابة الدافع والغاية في آن لتأسيس مجتمع مدني. وعليه، حاول استكمال حضوره بتأسيس هيئات وجماعات ثقافية منظّمة تقوم على إرساء القيم الحقوقية، على اعتبار أن التنظيمات المدنية – شعبياً ومؤسساتياً – دلالة من دلالات التقدّم الاجتماعي، بل هي إحدى العلامات الهامة للتحضُّر، المهيئة بالضرورة لعناوين المجتمع المدني، الأمر الذي يفسر كيف قاومت المؤسسة الرسمية بضراوة تلك المحاولات، كما أن فصيلاً من المثقفين قد أحال هذا الفضاء الذي يشكل ضمير الممارسة السياسية إلى بوابة خلفية للهروب من لحظة الاستحقاق إلى هوامش استعراضية، أو مشتبهات ثقافية.

وبمجرد نهوض المؤسسة تم تناسي المطلب الديمقراطي الملح واستبداله بقضايا اجتماعية مثيرة وموجبة للظهور الإعلامي بدون دفع أثمان أو تحمُّل أعباء، فيما يبدو فعلاً انتهازياً هيأته لحظة معولمة على درجة من الخصوبة والانفتاح، وهو مآل يعريه ابراهيم غلوم في كتابه (الثقافة وإنتاج الديمقراطية) بقراءة تاريخية فاحصة مع التمثيل بظواهر وأسماء، ليؤكد على أصالة العلاقة بين الثقافة والديمقراطية، إذ لا يتصور الثقافة إلا خطاباً ديمقراطياً، مهمته إثبات حالات متقدمة وواعية من التنوع والاختلاف، وحيث يكمن المعنى الخلاق للتغيير. وهو بذلك يسلط الضوء على فاصل مسكوت عنه من علاقة المثقف مع المؤسسة، الموّثقة تاريخياً كسيرة نضالية، ضد كل المحاولات المؤسساتية لمصادرة الفعل الثقافي وإعادة موضعة المقدرات الثقافية لصالح جهات رسمية وشبه رسمية.
ويمكن الوقوف على تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين المثقف الخليجي والمؤسسة باستعراض مسيرة التجابه بكل صوره، حيث يُلاحظ أن (الرابطة الأدبية) في الكويت لم تعمّر طويلاً، فبعد عام واحد من الإعلان عن تأسيسها في مايو ١٩٥٨م، حُلَّت مع غيرها من الجمعيات والنوادي، كما يروي خليفة الوقيان جانباً من المراودات الثقافية الحقوقية في كتابه (الثقافة في الكويت – بواكير واتجاهات). وذلك إثر الخلاف الذي حدث بين الحكومة وممثلي الجماعات والنوادي التي اشتركت في الاحتفال بذكرى الوحدة بين مصر وسوريا. لكن ذلك الحظر لم يمنع الذين نذروا أنفسهم لفكرة الرابطة من معاودة الكرّة، والإصرار على توطين مفاعيل الخطاب القومي تحديداً، حيث تم التأكيد عليه مرة أخرى في قانون (رابطة الأدباء والكتّاب) التي تأسست بعد الاستقلال في العام ١٩٦٤م كأول تجمّعٍ ثقافي خليجي له طابع التنظيم، إذ لم تكن الثقافة حينها إلا ترجمة لمعنى الوعي بالحرية، والتعبير عن حراك وحيوية القوى الاجتماعية بمعناها الأيدلوجي، وليس مجرد منتجات أدبية.
وقد بدا الشكل الذي اتخذه ذلك التجابه آنذاك كأحد الشروط الضرورية لإنتاج المثقف، أي تعزيز مقومات الخطاب الثقافي بهواجس التحرّر حتى صارت كل تلك المتوالية من التحديات الحقوقية جزءاً من التاريخ الاجتماعي، وليست مجرد تطلّعات حالمة لشريحة من المتنورين المعزولين، أو هذا ما يموضعّه باقر سلمان النجّار ضمن سياق متشعب ثقافياً وحقوقياً سماه (الديمقراطية العصِيَّة في الخليج) حيث يعود تاريخ التنظيمات الثقافية في الخليج إلى الثلاثينيات من القرن الماضي من خلال التجمّعات الأدبية وحتى الرياضية، التي انتشرت في تلك الفترة لتشكل الواجهة الأوسع للفعل الثقافي.
لكن تلك التجمعات لم تتخذ معناها وشكلها التنظيمي وفق الهياكل المعترف بها كإتحادات للكتّاب إلا منتصف الستينيات عندما تم إنشاء (رابطة الأدباء والكتّاب) في الكويت، فيما حملت نهاية العقد ذاته (١٩٦٩) بشائر الإعلان عن تكوين (أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين) ليستمر الوضع الثقافي الخليجي في حالة فراغ تنظيمي حتى مطلع الثمانينيات (١٩٨٢) حيث تم تشكيل (اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات). وبعد مثابرة مضنية وطويلة تم إشهار (الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء) أواخر العام (٢٠٠٦) وفي نهاية العام (٢٠٠٨) تم الإعلان عن إنشاء (الجمعية القطرية للأدباء والكتّاب) لكن الشكوك ما زالت قائمة حول إقرارها رسمياً. فيما لم يبد المثقفون في السعودية أي حركة جديّة بهذا الاتجاه، بانتظار ما تجود به المؤسسة.
ذلك هو مختصر الصيرورة التي انتزع بمقتضاها المثقفون في الخليج بعض حقوقهم ونجحوا في إنشاء متوالية من المنظمات الأدبية (جمعية، أسرة، اتحاد، رابطة) التي تؤكد على الولادة الشعبية للثقافة ومفاعليلها ومفاهيمها، بموازاة أو مقابل (مؤسسة) تجاوز حضورها مفهوم الجهاز، الذي يقف على قمة الثقافة الرسمية، بتعبير ابراهيم غلوم، إلى مهمة امتلاك كافة الصلاحيات ومنح الهامشي منها للمؤسسات الثقافية الأهلية (في حدود لا تخترق محاذير السياسة والأمن والدين) بحيث ذابت الفوارق بين الثقافة الرسمية وما يقابلها من الثقافة الشعبية أو الجماهيرية، لدرجة أن التنظيمات الثقافية الأهلية صارت تمارس الرقابة الذاتية بشكل مبالغ فيه، يخل بالعلاقة بين المثقف والسلطة، حيث لم تُمنح الثقة الكاملة لتلك التجمّعات في إنتاج الخطاب الثقافي، أو حتى ابتناء شراكة ثقافية حقيقية مع المؤسسة، الأمر الذي أفقدها سمة الاستقلالية والمغايرة.
بموجب تلك المقاربة يبدو الصراع بين المؤسساتي والجماهيري هو الوجه الأبرز لمعوقات التنمية الثقافية للإنسان الخليجي، كما يتبدى في الانفقاد المبرمج للصلة اللازمة بين الديمقراطية والثقافة، أو بمعنى أدق بين مثقف يجهد لتوطين القيم الحقوقية في مختلف مناشط الحياة وليس في الحقل الثقافي وحسب، وبين مؤسسة لا تكف عن محاولة اختراقه لتأخير هذا الاستحقاق الذي تترتب عليه استحقاقات أهم. وهو صراع قديم ومكشوف، اتخذ طابع السؤال عن وجود أزمة ثقافية، كما عبّر عن ذلك المأزق ابراهيم راشد في كتابه (أزمة ثقافة أم أزمة في مكان آخر؟!-نموذج لاستطلاع خليجي عربي حول الثقافة) حيث أراد الإجابة على طبيعة الثغرات التي لازمت فكرة تكوين الدول المستقلة في الخليج العربي مقابل ما سماه (بهار طبخة التكامل في كل المجالات) وكان يعني بها الثقافة، إذ تسبب تغييبها في إرساء تنمية عرجاء تبالغ في إنهاض المادي، ولا تراعي المكونات اللامادية.
على إيقاع تلك الانتباهة اجتمع وزراء الثقافة بدول مجلس التعاون الخليجي الاجتماع للمرة الأولى في مسقط 8-9-1986 لمناقشة مقترحات مشروع خطة التنمية الثقافية التي تمت صياغتها في ندوة العمل الثقافي المشترك الثانية المنعقدة في مارس 1986 في الرياض، وفي الاجتماع ذاته حدث التفاف (رسمي/مؤسساتي) على أهم التوصيات إذ لم يتم (إقرار الديمقراطية والحرية الثقافية والحوار المفتوح بوصفها أساً للتنمية الثقافية) بالإضافة إلى مجموعة من التوصيات المؤكدة على الخيار الديمقراطي، كما استعرض تفاصيلها إبراهيم غلوم في كتابه (الثقافة وإشكالية التواصل الثقافي في مجتمعات الخليج العربي).
هكذا تم تعطيل المقترح الديمقراطي وأُبطلت مفاعيله الحيوية بقرارٍ رسمي، وما زال كبعد ثقافي إستراتيجي مغيباً عن واقعية وخطط التنمية الثقافية، سواء على مستوى المنظومة الخليجية أو على المستوى القُطري، وهو ما يعني إلغاء أحد المبادئ السياسية والحقوقية الموجبة لتكوين الدولة الحديثة، وتعطيل الصلة بين المواطن الخليجي وأسس المجتمع المدني، أي إعطاب جوهر الفعل الثقافي وإزاحته إلى الهوامش والاستعراضية كما تتمثل في المهرجانات وكرنفالات الجوائز الباذخة، حيث تم التأكيد على فعل الإزاحة والتسويف في مجمل القمم الثقافية، والاكتفاء بإعلان رافل بالمفردات العائمة عن توظيف المتغيرات الثقافية العالمية بما يخدم مصالح المؤسسة واستراتيجياتها.
أما مقترحات (التشريع السياسي للثقافة كحق لكل مواطن) والمناداة الحقوقية والقانونية بضرورة (التشريع السياسي للمارسة الثقافية الحرة ورفع الرقابة عن الثقافة الوطنية) فقد أخضعت لتحوير عباراتي لا يخلو من المكر، لإبقاء المثقف الخليجي رهينة مؤسساتية أبدية، وتعويق شروط إنتاجه التاريخية والإجتماعية، بعد فصل الثقافة عن نمط الإنتاج، حيث تم رفع شعار عمومي فضفاض أريد به (استكمال تطوير القوانين والأسس الضرورية لتعزيز الحركة الثقافية وإعداد المواطنين بمختلف الوسائل للتلقي الثقافي الصحيح) تأكيداً على الهدف المدرسي المعلن للخطة والمتمثل في (إغناء شخصية المواطن في الخليج العربي وبناء تكاملها عن طريق الوعي المتزايد بعقيدته وحريته وكرامته وانتمائه وبقدرته على مواكبة التطور الإنساني).
منذ ذلك البيان المكتظ بدعاوى التأكيد على تعزيز الثقافة الوطنية، وإبراز البعد القومي، وتهيئة البنية الأساسية للثقافة، وإشاعة أجواء ووسائل التواصل، لم تتنازل المؤسسة، بما هي الممثل للسلطة، عن أي شيء جوهري أو حقيقي من امتيازاتها. ولم يتغير خطابها إلا من ناحية الإكثار من الطرق على مفردات رنانة كالتخطيط والتنمية والاستراتيجية، في حين تم استدماج طابور طويل من المثقفين الخليجيين أو توريطهم في مشاريع وهمية وشكلانية، ترتب على إثرها إلغاء المسافة بين المثقف الخليجي والمؤسسة، وابتكار آليات عزل لفصل المثقف عن ناسه وقضاياه الحيوية.
وبموجب استئثارها بالمقومات المادية للحياة الثقافية استحوذت المؤسسة حتى على المقدرات اللا مادية للخطاب الثقافي، باستيلاد سلسلة من التجمعات والهيئات والجمعيات ذات الطابع الرسمي، وشبه الرسمي، المأهولة بنخب تبالغ في الامتثال لممليات السلطة البيروقراطية ومثالياتها الثيوقراطية، باعتبارها تمثل واقعاً ثقافياً مسيجاً بالقوانين، بل مصوناً بقدسية التشريعات والأحكام، ومعززاً بخدع الاعلام الموّجه، الأمر الذي يكفل للمؤسسة إنتاج جيل من المثقفين يتناسب بل يخدم تطلعاتها في تعويق أي إمكانية لإشاعة ثقافة الحقوق، كما يؤكد على هذا المنحى أسامة عبدالرحمن في كتابه (المثقفون والبحث عن مسار – دور المثقفين في أقطار الخليج العربية في التنمية) حيث يقول بأن الثقافة تكاد أن تكون (محاصرة حصاراً شديداً تحت وطأة القيود والأطر المفروضة. وأقطار الخليج العربية لا تختلف عن بقية الأقطار العربية أو أكثرها في هذا التوجه، رغم أنها فيما بينها قد يكون بعض التفاوت).
هذه النخب المعاد إنتاجها، التي تعاند – بوعي أو لاوعي – أهمية التخطيط الثقافي كضرورة تاريخية، وكفعل إنساني معادل للديمقراطية، تعتقد في المقابل بإمكانية وضرورة التخطيط لثقافة تحت مظلة المؤسسة الرسمية التي لا تخفي مخططاتها لاحتواء كامل النشاط الثقافي بشكل شامل، وكفعل مضاد واستباقي لمفاهيم ومعاني وممكنات الحرية، الأمر الذي عطل بروز أي شكل من أشكال الاستقلالية الثقافية، وأدى إلى الإبقاء على عوائق التحريم والتجريم، وإعاقة شروط إنتاج المثقف الجديد كنتيجة تلقائية لانتزاع شرط الحرية، حيث لم يتم التفاعل مع هذا الشرط إلا في حدود شكلانية ضيقة، حيث صارت تلك التحولات جزءاً من المكتسبات الوجاهية لذوات متنفّذة وشبه رسمية، ترسم سياسات ثقافية لا تخدم الثقافة ولا تغطي احتياجات الإنسان الخليجي بقدر ما تخدم الأجهزة والجهات القائمة عليها.
لقد استأثرت تلك الذوات بالسمعة الثقافية على حساب القيمة، حيث البيوتات والجوائز والمراكز والهبات التي يراد منها الاحتفاء برموز الثقافة العربية والعالمية- مثلاً – فيما تمارس المؤسسة حالة من الإمعان في عزل المثقف الخليجي عن جذوره القومية، وتتفنن في تجريده من ذلك الارتباط، من خلال الترويج لثقافة رسمية محلية، فوقية النزعة لا تراعي الإطار القومي للثقافة، رغم المديونية التاريخية لتلك المضخة التي كانت وما زالت مكوناً مركزياً من مكونات المجتمع الخليجي الحديث، ورغم تأكيد الوزراء العرب في مؤتمرهم الثاني المنعقد في بغداد سنة 1964 على (ميثاق الوحدة الثقافية) الذي تصدّرت مواده توصية بضرورة (تنشئة جيل عربي واعٍ ومستنير يدرك رسالته القومية والإنسانية) وهو الأمر الذي تأسست بموجبه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1970 كما نصت (الخطة الشاملة للثقافة العربية).
إذاً، لا تخلو العلاقة من تجابه معلن ليس بين تصورين بل استراتيجيتين. وقد استطاعت المؤسسة، بكل ما تمتلكه من مقدرات مادية ومعنوية، إدارة الصراع باتجاه جملة من الأوهام التي تتشبّه بالثقافة ولا تقارب جوهرها، كما اتضحت  أكبر دلالاتها في انطفاء شخصية المثقف الخليجي، وتحوّله إلى مجرد كائن استهلاكي منفصل عن مرجعياته العربية، ومتحمس لتسويغ ذلك الانسلاخ، فيما يبدي في المقابل استعداداً طوعياً لإعادة إنتاج ثقافات (الآخر) بحيث لا يعتنق أو يؤكد على إبراز خصوصياته وتعدديته الثقافية، لتتعمق ورطته أمام موروثه. ولا أدل على ذلك من غياب المفردة البحرية من النصوص الحديثة، التي تحيل إلى موت النظام الثقافي برمته، لولا بعض الاستعادات التي تنم عن إخلاص لأصالة المكان والموروث.
لقد نجحت المؤسسة بمؤازرة من بعض النخب الثقافية المنتجة ضمن مختبراتها في إبعاد الإنسان الخليجي عن المؤثرات، وتجريد الخطاب الثقافي من روح الصراع والتعدد والاختلاف، والاستغناء عن فكرة إعداد كوادر ثقافية أصيلة بإعداد عقول واستجلاب أخرى تملك من الاستعداد لتحريف الثقافة، واستئجار وعيها ورمزيتها للتحدث بما هو أقرب لتزوير الوعي بالنيابة عن المثقف الخليجي. وكل هذا التمويه يحدث على إيقاع العولمة حيث الكرنفالات والجوائز العابرة للقارات والثقافات التي لا تلامس واقع وضرورات وشروط الإنسان الخليجي، بقدر ما تسهم في إرساء قيم جديدة لتعزيز اغترابه عن ذاته وموروثه، أي فصل منتجه الإبداعي عما يجري على أرض الواقع، حيث أصبحت الثقافة في المجتمع الخليجي مسألة عارضة على هامش الاحتياجات الاجتماعية، ولم تعد مسألة تتعلق بوجوده.
لا يحتاج الأمر إلى كثير من التحديق لقياس الهوة الواسعة بين التنميتين الاقتصادية والثقافية، وما تأتى عن ذلك من انفصام على حافة الحداثة والقدامة، وتدمير جوهر الموروث لصالح المتحفيّة، إهداراً للبعد التاريخي، وفصلاً للمثقف عن محيطه وعمقه الإنساني، وهو أمر يمكن تفهمه في ظل ثقافة رسمية تبدي حماساً مظهرياً لدعم الثقافة، فيما هي في واقع الأمر تعادي الثقافة الناقدة وتحارب الساخط والاحتجاجي منها، من خلال التشريعات والقوانين والإعلام والعقوبات والتأليب الاجتماعي أيضاً، وذلك بموضعة المثقف داخل مدارات ضيقة لا تستوعب إبداعه الحر، بقدر ما تفتح له أفق إنتاج ثقافة استهلاكية، لكي لا تتعزز الثقة عنده بالقدرة على استيعاب المستحدث من المفاهيم، وبهذا يتم التشكيك في قدرته الواعية والمسؤولة على التعبير خارج حضانات المؤسسة، أي الإبقاء على اختلال معادلة المركز والأطراف، وتثبيتها كمعادلة قائمة.
ويبدو أن المؤسسة قد استطاعت إقناع فصيل من المثقفين بعدم وجود صلة أو ضرورة للربط بين الثقافة والديمقراطية، بمواصلة إنكار ذلك التلازم البنيوي فيما بين المفهومين أو الممارستين، وهو ما يعني بشكل تلقائي، ومن منظور المؤسسة وبعض المثقفين المتحمسين لبرنامجها، عدم وجود حاجة لمفاعلة الخبرة الثقافية مع الممارسة أو التجربة الديمقراطية، مع الإبقاء على ممانعة صورية رخوة، أدت في نهاية المطاف إلى تحبيط الكثير من المثقفين وتيئيسهم، بعد موجات التجفيف المبرمج لمنابع الديمقراطية، بل تفتيش الضمائر التي واصلت الهجس بها كجوهر للحالة الثقافية، الأمر الذي أدى إلى فصل الحركة الثقافية عن معينها الاجتماعي، وتبديد جهود ونبرات الأصوات الواعية بالحرية والمنادية بها، تحت وقع وسطوة الخطاب الإعلامي وفائض المنتجات الثقافية الاستهلاكية الملتبسة بالثقافي، بمعنى استبدال جوهر الثقافة بمشتبهات الصناعة الثقافية.
ونتيجة الانفراد القصدي من جانب المؤسسة بالشأن الثقافي، لم يعد المثقف يمثل أي قيمة يُعتد بها، ولا يُنظر إليه من الوجهة الاجتماعية كأداة لتقويم مسالك المؤسسة، أو التصادم معها، بقدر ما صار يمثل الإبن الشرعي والوفي للمؤسسة في أقصى تجلياتها السلطوية، رغم انتماء أغلب المثقفين لمؤسسات ومنظمات أهلية تزعم الاستقلالية، وتتنطحّ على الدوام بقدرتها على إنتاج خطاب مغاير، فيما تتلقى الدعم المادي والإمداد المعنوي باستمرار من المؤسسة، وعليه صارت أغلب رموز الثقافة التي تزعم الاستقلالية تصافح الرسمي براحتها اليمنى، فيما تلوّح بقبضتها  اليسرى في المدار الجماهيري، بل تتماهى مع اشتغالات المثقف الديني، حتى باتت تشكل عبئاً مادياً وأخلاقياً على المؤسسة، بالنظر إلى تحوّل منظوماتها هي الأخرى إلى هياكل فارغة عاجزة عن إنتاج الثقافة والمثقفين، بعد أن تم تجريدها من السلطة الأخلاقية والأدبية، مثلها مثل توأمها ومحرّكها المؤسساتي.
ولأن المؤسسة كمنظومة علوية إملائية لا تقبل التشارك، ولا تهب ثقتها للمثقف مهما أعلن من ولاء واستعداد لتنفيذ برامجها، بالغت في ابتكار وتنشيط مضخاتها، ضمن رؤية تتعاطى الثقافة كمنتج استراتيجي، ومن خلال مؤسسات رديفة تحمل السمة الإحترافية في الأداء الثقافي والإعلامي، بل امتلكت من الخطط والبرامج ما يكفي لاجتذاب المثقفين وإقناعهم بجدوى الفعل الثقافي الذي يترجم القرار السياسي الرسمي، وبمعزل عن الهاجس الديمقراطي، حيث ظهر (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت) إلى جانب (مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي في قطر) بالإضافة إلى السلسلة المترامية من الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، في السعودية، التي تفوق من حيث ميزانيتها المالية المرصودة كل مراودات المثقفين الذين شهدوا بأم أعينهم الثقافة وهي تندحر كرأسمال مضيّع، على إيقاع تهاوى أحلام الطبقة الوسطى، والتباس الثقافي بالاستهلاكي والإعلامي والوجاهي.
ومن يتأمل ما آل إليه حال أسرة الأدباء في البحرين – مثلاً – ويقارن واقعها مثقفيها وإنتاجهم فلن يجد اليوم ما أرادت أن تتحمّل تمثيله، حسب شعارها ونظامها الداخلي، من فكرٍ إنساني  تقدمي، خصوصاً بعد امتثالها لميثاق العمل الوطني سنة ٢٠٠١م. ولن يتلمّس بالتأكيد في  حراك رابطة الأدباء في الكويت أصلانية منزعها لتمثيل الفكر القومي إبان سطوته الأيديولوجية، خصوصاً بعد نكبة الغزو من الجار العراقي، الذي خدع الكويتيين بشعار قومية المعركة، بالنظر إلى أن المثقف الخليجي لا يمتلك قدرة مقنعة على التعاطي مع الحدث الثقافي المحلي والعالمي، حيث يتبدى عجزه عند اختبار خطابه في سياق الكوارث والتحولات. كما بدا ذلك فاضحاَ ومربكاً للكثير من المثقفين المتنطحين بالمبادئ والمواقف والأيديولوجيا أثناء الحرب الهبائية بين العراق وإيران، وبعد الغزو الغادر للكويت، وإبان الاعتداء الصهيوني علي لبنان في تموز، والعدوان البربري على غزة.
إثر كل حدث سياسي يلاحظ أن متوالية من الصّور الصادمة تتفشى بين المثقفين في الخليج، كما تتمثل في النعرات الطائفية والمذهبية والشوفينية، بعد ارتداد أغلبهم إلى حضانة المؤسسة، مع الحفاظ على وقارهم المعرفي، وفائض من العقلانية الباردة في مقاربة تلك الأحداث، كما يُلاحظ في نبرة الانهزامية المغلّفة بخطاب استعراضي يقوم على التبرير والتضليل، كما يرصده ابراهيم غلوم في حالة الولع الشديد لاستخدام وترديد مصطلح العولمة، حتى عند الساسة وكبار موظفي الدولة، فيما يخلّف حملة الشهادات وراءهم (تجارب المعارضة في الماضي القريب) ويتم تلبيس (الخطاب الثقافي للمؤسسة الرسمية بلاغة تنظيرية متضخمة أحياناً بالدعاوى واجتراح التجارب النظرية، وبصورة كشفت عن عجز بالغ في مواجهة المشاكل والأزمات).
بموجب ذلك العزل المنظم لم يتبق للمثقف الخليجي إلا أن يكون عنصراً منسجماً مع مخططات المؤسسة ومستلحقاً بها، وفي أقل الأحوال سوءاً تفترض كجهة راعية للنشاط الثقافي أن يظل صامتاً عن تدميرها المبرمج للنظام الثقافي، وممتنعاً عن تأسيس أي بديل ثقافي مختلف يكون هاجسه التحالف مع منظومات حقوقية تكفل له مناددتها، إذ لم يسجل الفعل الثقافي الخليجي ارتباطاً صريحاً أو مباشراً مع جهة من هذا القبيل، ولم يتم تأسيس أي حراك تحت عناوين حزبية، فيما استمرت المؤسسة في ابتكار آليات تطويع متمادية فكل من يفكر من المثقفين في إنتاج خطاب ثقافي مستقل يكون بشكل تلقائي عرضة للإقالة أو الاستقالة، أو يدفع دفعاً لليأس والتعفّف عن ممارسة أي دور ثقافي.
وإذا ما تمت قراءة النسق المحرك لتراكمات الخبرة الثقافية في الخليج، يتبين أن المساحة المتاحة لديمقراطية الفعل الثقافي هي تلك التي يتأسس فيها الشكل الاجتماعي الجديد أو المفتعل لمعنى الحرية، المؤسس على ما تقترحه وتروج له المؤسسة، فحرية المبدع الخليجي لا تمر عبر صراعه أو اختلافه مع المؤسسة بما هي الممثل لجملة من المعتقدات الثقافية والتنموية العرجاء، وليس بما يختزنه كإنسان من توق للتعبير عن وجوده، بل من خلال إلهائه المبرمج للاصطدام مع مظاهر اجتماعية ودينية وثقافية مرعية بواسطة المؤسسة، بمعنى تأخير لحظة الاستحقاق الديمقراطي قدر الإمكان. فالغالبية العظمى من الفئة المثقفة، برأي أسامة عبدالرحمن (لم تدرك هي ذاتها أهمية التلاحم بين التنمية الثقافية مع أبعاد التنمية الأخرى في إطار التنمية الشمولية لمفهوم التنمية).
وفي هذا الصدد يمكن تأمل بعض المفارقات الثقافية التي تؤكد على هذا المنحى، فموجة الحداثة في السعودية كانت وما زالت مثالاً على الصراع بالنيابة ضد منظومات الثبات، تماماً مثل معركة ربيع الثقافة في البحرين التي أصبحت فيها المؤسسة حكماً – قيمياً – يتحكم بمفاتيح لعبة الانفتاح الثقافي. أما انهيار المشروع الواعد لمركز التراث الشعبي في قطر فهو مثال على صراع من نوع آخر كانت فيه الغلبة لذهنية لا تفهم العولمة إلا في صيغتها الماسخة للموروث، حيث تمكنت المؤسسة من تفتيت أي إمكانية لتشكيل كيان أو جبهة ثقافية مستقلة بمقدورها حتى التكامل مع طروحاتها، خصوصاً عند النظر إلى ما تتوعد وتعد به المؤسسة من أرقام مادية فلكية، ومن إسهام ثقافي معولم، كاستجابة لشروط الكوننة الثقافية، التي لا تحتسب الإنسان الخليجي في اعتباراتها.
هنا تكمن خديعة ثقافية مركبة بشيء من الغرائبية، تبدو في مظهرها نتاج طموحات شخصية فيما تخبئ في تلابيبها موجة جمعية لا يمكن الجزم بوعي ممتطيها أو لا وعيهم، أو ما يمكن تسميته بالمعتلف الابستمولوجي الذي خرج منه، حسب تحليل غلوم (مثقف ذو تكوين ديني أصولي ولكنه يتعاطى الخطاب الحداثي فيلهج بمصطلحات نظرية من قبيل الألسنية والبنيوية والتفكيكية ويُقبل على شروح ونُقول مجتزأة من هذه النظريات). وهو مآل يعني بالنسبة لأسامة عبدالرحمن عجز الفئة المثقفة عن (القيام بأي دور في التأثير على صانعي القرار السياسي أو المساهمة في إيجاد السلطة السياسية الواعية، أو الإرادة المجتمعية الواعية).
وتتوّضح معالم الانتقال البائس من الحلم الأيدلوجي إلى العلف الأبستمولوجي في المختبر الثقافي في السعودية تحديداً، الذي يتأمله باقر النجّار بشيء من الحفر العمودي في ظاهرة الأبستمولوجيا الفائضة، وكأنه يمارس شيئاً من التعميق لحفريات غلوم، فالمنظمات الأدبية في الكويت والبحرين برأيه (تحمل في خطابها الأدبي وفي خطاب بعض أعضائها بعض المضامين السياسية، أو أن بعضاً منها يحتل بالفعل موقعاً في الحركة السياسية المحلية). أما المنظمات أو الأندية الأدبية في السعودية فيلاحظ أنها (تحولت إلى صالونات أدبية صرفة وذلك نتيجة للأوضاع السياسية العامة الخاصة بالمجتمع السعودي كالهيمنة الكبيرة للتيارات الفكرية السلفية أو أنها تمثل في أحسن أحوالها بعض الاتجاهات الأدبية النقدية، كأن تمثل الاتجاهات أو المدرسة النقدية الحداثية في الأدب كالبنيوية أو التفكيكية أو غيرهما مقابل الاتجاهات الأدبية العربية التقليدية الأكثر تمثيلاً وحضوراً في الحركة الأدبية السعودية والتي قد تريح متبنيها من غضب السلطة أو لعنة المؤسسة الدينية السلفية).
من هذا المنطلق يمكن قراءة النتائج الفادحة لمعنى التنازل الطوعي لبعض المثقفين عن حقوقهم والاستئناس بامتيازاتهم، كما يتمثّل ذلك بوضوح في تفشي (ثقافة المباني) وتكثّر ضجيج (المنابر) ووجاهة (الأعمدة الصحفية) التي أدت الى موت التجربة الجمالية، أو تراجع أثرها بما هي عصب العمل الإبداعي،  لصالح ما بات يُعرف بمفهوم (الصناعة الثقافية) المتجاوبة في شكلها ومضمونها مع معيارية المؤسسة واشتراطاتها، كما يحدد معالمها أدورنو، عندما يحلّل الكيفية التي تتطور بها كافة أشكال الوعي من حيث علاقتها المباشرة أو المستترة بآليات إنتاج واستهلاك المنتج الثقافي.
ويمكن تلمّس معالم ذلك المآل البائس وبعض الآثار المترتبة عليه في كثافة المادة الخبرية التي تبرزها الصفحات الثقافية بشكل يومي واستعراضي في ظل غياب فاضح للقضايا والسجالات التي يمكن أن تضفي على المشهد شيئاً من الحيوية، وفي ظل موت معلن للنص الأدبي، كما يمكن التقاط إشارات الغياب – مثلاً – في مجمل المجلات والدوريات الأدبية التي لم تفرد في صفحاتها الشاسعة والملونة هامشاً ولو ضئيلاً لمجادلة القضية الحقوقية للمثقفين، أو أي قضية ذات معنى، بقدر ما أمعنت في التعيُّش على نفايات الانترنت، واستنساخ البائت في المواقع الإلكترونية إهداراً للميزانيات الكفيلة بتعزيز ممكنات الخطاب الثقافي المفترض التشارك في إنتاجه.
وللتمثيل على بؤس الحال الثقافي لا بد من فحص المنتج الثقافي الذي تم إفراغه من هواجس القلق الوجودية للذات، حيث يمكن الوقوف وسط مساحات هائلة من النصوص التي تخلو من التوق إلى التحرُّر بمعناه الحقوقي والإنساني، وهو حقل يُفضّل ألّا تتم مقاربته إلا بنوايا بحثية ومنهجية نقدية، وليس عبر إلماحات صحفية، ولكن لا بد في هذا الصدد من طرح علامة استفهام كبيرة وملّحة حول أكذوبة الهوجة الحقوقية، فالتشخيص المطروح من قبل أغلب المثقفين لطبيعة واستراتيجية حراك المجتمع المدني في الخليج لا يفصح عن وجود مسافة أصلاً بين ما تتبناه المؤسسة وما يزعمه المثقف من تحليل لصوّر ومظاهر التخلف الاجتماعي وطرق معالجتها، إذ يكرر أغلب المثقفين مقولات السلطة المؤكدة على تزمّت المجتمع ورجعيته، مقابل تقدّمية الطروحات المؤسساتية وطليعيتها، رغم تعنتها المعلن وتسويفاتها، وتلك نتيجة طبيعية لعدم تماسهم مع هموم الناس ربما، أو تموضعهم الملتبس في طور البحث عن امتيازات شخصية والاستئثار بحصانة أو مكانة خاصة.
ومهما يكن المبرر لمثل تلك الآراء الصادمة، التي تنم عن رؤية تنميطية وقاصرة، وتكشف عن وجود طابور من المنتفعين، ينبغي ألاّ يسقط من التاريخ واقع وطموح المثقفين، فذاكرة المشهد الثقافي تحتفظ بسيرة ذوات عنيدة لا ترى قيم الثقافة إلا من خلال هاجس الديمقراطية، وتحمل من الوعي والمثابرة ما يؤهلها ليس لصد مثل تلك الاتهامات الاعتباطية وحسب، بل لإرساء ثقافة حقوقية يكون المثقف محورها، والفضاء الثقافي ميدانها، بما هو المحل الحقيقي لمعركة المجتمع المدني، الذي لا يقبل بوجود الطارئين على هذه الثقافة الملّحة، أما تحميل المجتمع الأهلي ممثلاً في مثقفيه وِزر التخلف الاجتماعي، والإبقاء على تخثُّر اللحظة المدنية، وتبرئة المؤسسة من تعطيل أو إبطاء حركة التاريخ فهي معركة تستحق أن تُخاض حقوقياً لإيقاف حالة الموت البطيء للتجربة الجمالية التي يشكل الإنسان عصبها ومبتغاها.
المراجع:
1- ابراهيم غلوم – الثقافة وإنتاج الديمقراطية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – الطبعة الأولى (1)٠٠٢ – بيروت.
2- باقر سلمان النجّار – الديمقراطية العصية في الخليج العربي – دار الساقي – الطبعة الأولى ٢٠٠٨ – بيروت.
3- خليفة الوقيان – الثقافة في الكويت (بواكير واتجاهات) – الطبعة الأولى ٢٠٠٦ – الكويت.
4- ابراهيم راشد – أزمة ثقافة أم أزمة في مكان آخر؟! (نموذج لاستطلاع خليجي عربي حول الثقافة) – الحقيقة برس – الطبعة الأولى ١٩٨٩ – بيروت.
5- ابراهيم غلوم – الثقافة وإشكاليات التواصل الثقافي في مجتمعات الخليج العربي (دراسة حول البعد الثقافي للتنمية في دول مجلس التعاون) – دلمون للنشر – قبرص.
6- أسامة عبدالرحمن – المثقفون والبحث عن مسار (دور المثقفين في أقطار الخليج العربية في التنمية) – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ١٩٨٧ – بيروت.

 

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …