أخبار عاجلة

الاشغال الخشبية في الاثار العمانية

تعد الأشغال الخشبية التي حفرتها يدا الفن العماني على أسقف ومداخل ونوافذ الأثار العمانية من حصون وقصور وبيوت، آيات جمالية تظهر أيقوناتها الحس الفني العالي لهذه النقوش. وتتراوح النقوش الخشبية التي خلدتها الابواب والنوافذ بين الشكل الهندسي المتقن أو الرسوم المستمدة من الطبيعية النباتية: الزهور والشتلات وأوراق الشجر، هذا عدا آيات القرآن الكريم. وربما التاريخ الذى يمهر به الصانع لوحته الخشبية، ليعبر به الزمن، مؤكدا حضوره وابداعه.

الأبواب والنوافذ
ان مداخل الحصون والقلاع والبيوت المحصنة والمباني السكنية مبنية على شكل أبواب بمصراعين، كل منهما مصنوع من ألواح خشبية سميكة، وتعلوها أفاريز أفقية. وأنف الباب البارز مفرز لتلقي حافة المصراع الآخر. وفي حصن الحزم مثلا، يبلغ ارتفاع الأبواب الخارجية 3.27م وعرضها 3.290م. ولكن الأبواب ليست كلها بهذا الحجم. ويضم الكثيرمن أبواب المداخل بويبا صغيرا يقع في الجزء السفلي من المصراع الأيمن. ويوفر هذا البويب مدخلا أو مخرجا للأفراد حسبما يأذن لهم الحارس دون الاضطرار لفتح الأبواب الرئيسية. ولكن بالنظر لانخفاض موقع هذا البويب، فإن الذي يمر منه يكون تحت رحمة الموجودين في الداخل. ويضمن هاا البويب أيضا عدم امكانية مباغتة الحارس أو مهاجمته.

وكان خشب الأبواب والنوافذ في العهود السابقة يستورد من الهند وكان عادة من نوع خشب الساج وهو خشب صلد قصير التجزع ويتمتع بمقاومة طبيعية لدخول النمل الأبيض مع أن الخشب صار يستورد أيضا من شرق افريقيا اعتبارا من القرن الثاني عشر/الثامن عشر. ويجدر بالذكر أن معالجة الخشب بالزيت، وهو عادة زيت سمك القرش، حفظت الخشب لسنوات عديدة، بل إن كثيرا من الأبواب والنوافذ الأصلية ما تزال قيد الاستعمال.

أما النقوش الخشبية على الأبواب والرسومات على عتباتها العلوية وعضاداتها وعلى إطارات النوافذ ومصاريعها فكانت عادة تتخذ أشكالا هندسية أو أشكالا للزهورالتقليدية، وكثيرا ما يشاهد المرء رسومات لشتلات الزهور وأغصان النباتات المعترشة وأوراق الشجر. وكان يضاف أحيانا تاريخ معين أو آيات من القرآن الكريم. وقد جرى التقليد المحلي في صور على اضافة رسومات أشجار نخيل تقليدية الى الزخرفة. وتبدو أبواب المدخل المنحوتة، بألواحها الغائرة في تجاويف الجدران ومسامير الزينة البرونزية الثقيلة وحوافها المزخرفة بأشكال متداخلة، مظاهر للزخرفة تشبه الجوهرة وهي ترصع واجهات الحصون أو القلاع أو المساكن التي كانت ذات مظهر صارم في غالب الأحيان وكثيرا ما كان يعزز هذا التأثير بطلاء الأبواب بالألوان الأولية الزاهية.

إن تصاميم المداخل، مثل أبواب حصن الحزم مفرطة الزخرفة وذات المصراعين، والتي ربما تم استيراد بعضها من الهند (سورات)، وكذلك الأبواب الصغيرة المنحوتة محليا للحصون والمساكن التي شيدت بعد منتصف القرن الحادي عشر/السابع عشر، تتبع كلها نسق الأبواب والنوافذ الخشبية المنحوتة التي توجد في كافة أرجاء عمان. ويمتد هذا التصميم التقليدي الى المستوطنات العمانية السابقة في شرق افريقيا.

وقد استمر هذا التقليد الفني أيضا على مر القرون بفضل بناة المراكب العمانيين الذين اعتادوا على زخرفة مراكبهم بالأشكال المنقوشة والمطلية المعقدة، وأثروا بذلك على عمل الحرفيين القائمين على زخرفة المباني. فقد استخدم هؤلاء الحرفيون الأدوات التقليدية لنجاري السفن مثل الخابور أو المثقاب القوسي والقدوم والأزميل والمخرز ونقشوا أشكالا زخرفية على الأبواب وعتباتها العلوية واطارات النوافذ ومصاريعها. وكانت تلك الأشكال غالبا ما تعكس نظيراتها الموجودة على السفن. ولذلك فليس من المستغرب أن النقوش والرسومات الموجودة على المباني في البلدان المتاخمة لبحر العرب، وخصوصا غرب الهند وعمان بالاضافة الى ساحل شرق افريقيا وزنجبار، تبدي أوجه شبه فنية متميزة تشكل ما يمكن وصفها بحضارة غرب المحيط الهندي.

إن مناخل أو شبيكات النوافذ ونظيراتها تكون عادة من الجبس والخشب الصلد أيضا وغالبا ما تتخذ أشكالا هندسية. وهي كثيرا ما تستخدم لزخرفة باطن الأقواس فوق النوافذ وكذلك فوق الأبواب ومن الداخل. والأنواع المستعملة منها في عمان ثلاثة وهي: السلسلة المتصلة التي تضم وحدات متشابهة ومتكررة ونمط الخطوط القطرية المتقاطعة مع بعضها أو مع دوائر متصلة، وأخيرا نمط الشبكة المستطيلة التي يتوسطها أحيانا شكل "صليب معقوف" مفتوح أو شكل (تشهر لانج) الفارسي أو مستطيلات شبكية غير منتظمة.

وكان الخشب يستعمل عادة في صنع مناخل النوافذ تحت الأقواس أو المناخل فوق النوافذ المستطيلة والتي تعرف بالمشربيات. ومن هز ايا الحشر بيأت أنها تكن من في الداخل. من رؤية من في الخرج دون أن يرى هو نفسه، وهذا أمر ضروري حين تكون النساء في الستور، كما انها

تسمح بدخول النسيم الى الغرفة. ومن أغراض المناخل أو الشبيكات في الفتحات المقنطرة أيضا اتاحة أكبر قدر من التهوية من الخارج وكذلك بين الغرف. وحين تصنع هذه المشربيات من مواد أكثر متأنة تسمى (قمريات).

السقوف
تعد السقوف المطلية شكلا جميلا وأصيلا من أشكال الزخرفة في الجزيرة العربية. وعلى غرار كافة البلدان الصحراوية، فإن سقوف البيوت والمساجد والمنتديات كانت تبنى بإطار من جذوع النخيل أو شجر الطرفاء أو أي خشب محلي أو مستورد آخر مستعرض التجزع يستخدم كروافد مستعرضة. وتدعم هذا الروافد أغصان النخيل الموضوعة في زاوية قائمة كما تدعم سعف النخيل

وحوالي 40 سم من التربة. ويمكن أن تكون هذه الروافد (العوأرض) متباعدة فتظهر فوقها أغصان النخيل أو ترتبط بالتناكب مع بعضها البعض.

والجذوع، في المضيرب مثلا، مطلية بطلاء بني داكن ضارب الى الحمرة اضيفت اليه رسومات اشكال زخرفية باللون ألابيض. ويسمى هذا الطلاء الأبيض نوره. وهناك كثير من الزهور المرسومة في صفوف أو باقات كما أن الحيوانات ممثلة بالخيول والطيور. وتستخدم أيضا الأشكال الهندسية التي ترصعها في غالب الأحيان نقوش عربية قد تتضمن اسم باني البيت وتاريخ بنائه أو أبيات شعرية أو آيات من القرآن الكريم. ويمكن للمرء أن يشاهد أمثلة جميلة على السقوف المطلية في جبرين وبيت الفلج.

القمرية
أن القمريات أو الشبكيات الزخرفية في المباني الهامة والمساجد تزخر بالكثير من الأشكال الزخرفية المعقدة بالحجر أو الرخام أو الجص. وتستخدم هذه المناخل لملء الفتحات المقنطرة عادة، لا في الجدران الخارجية فحسب بل وكذلك في الجدران الداخلية واحيانا فوق الأبواب لتوفير التهوية المتبادلة، ويتألف تصميم هذه القمريات عادة من مزيج من المربعات والمثمنات، مع أنه تستخدم أحيانا أشكال أكثر تعقيدا من ذلك.

ويستخدم الزجاج الملون خصوصا على شكل مناور علوية ويستخدم الزجاج الملون خصوصا على شكل مناور علوية أو داخل القوس أو العارضة العلوية فوق النافذة أو الباب. ويجدر بالذكر أن استخدام المناور العلوية من هذا القبيل يمثل تقليدا راسخا في شمال اليمن مع أن البلاستيك الملون حل هذه الأيام محل الزجاج.

وما تزال الطريقة التقليدية لصنع هذا المناور مستعملة حتى الآن، وتبين كيفية صنع النسخة غير المزججة منها. ويستخدم الجبس في صنع الشبيكات في اليمن. إذ يحدد حجم الفتحة أو قالب الفتحة التي سيتم ملؤها بحيث تؤخذ بالاعتبار سماكة الاطار وعمق التجويف من واجهة المبنى. ثم يغطى هذا القالب بالجبس بالسماكة المطلوبة، وعندما يتصلب مع الحفاظ على بعض المرونة، يوسم بآلة حادة لتكوين أشكال هندسية أو ترسم عليه، كما يحدث في اليمن دوانر من مراكز مختلفة باستعمال فرجار حاد. ثم يقطع تصميم القضبان أو يتم تشذيبه بالأزميل الى العمق الكامل.

أما بالنسبة للقمرية المفتوحة فإن هذه العملية يمكن أن تتم داخل العقود أو الاطارات وهي مركبة. وتصبح القمرية جاهزة بعد صقل السطوح والحواف. وبالنسبة للتزجيج، فان الشكل المصمم يوضع، بعد تصلبه الى درجة كافية، على سطح لوح مستو. ويقطه لوح الزجاج الملون أو البلاستيك بالشكل الذي يتطلبه تصميم القمرية مع الاحتياط لتركب فوق حواف الاطار المزخرف ثم يركب في موضعه. وعندما تتم هذا العملية، يغطى تصميم القمرية بأكمله بطبقة من الجبس بسماكة كافية لتثبيت الزجاج في مرضعه. ثم يزال الجبس الزائد من على المناطق الزجاجية وتترك أطراف اللوح الزجاجي مثبتة في الاطار الخارجي في موضعه.

الشبيكات المسقة الصب
يوجد بعض من أقدم نماذج الشبيكات المسبقة الصب في عمان، في قصر جبرين الذي يرجع عهده الى سنة  1086/1675. إذ توجد هناك وحدات علوية مسبقة الصب للفتحات القمرية الرقمية الشكل وألواح جصة جدارية مسبقة الصب مزخرفة بأشكال معقدة عرضها متران. وهناك أيضا شبيكات بأشكال معقدة تعرف بالقمريات وهي مصنوعة من الجص المسبق الصب في القوالب أو مقطوعة من عوارض النوافذ العلوية وتزين الجدران فوق الفتحات والتجاويف الجدارية. وتوجد شبيكات للتهوية الداخلية من هذا القبيل أيضا في بعض قصور مسقط وتشكل نقوشها المؤلفة من وحدات بسيطة مظاهر زخرفية بديعة.

ان من أجمل معالم البيوت التقليدية في مسقط. التوزيع المتكرر للنوافذ الرمحية الطويلة ذات العقود المزودة إما بشبيكة منقوشة أو عادية وتقع تحتها النوافذ ومصاريعها. وتوجد هذه الشبيكات والنوافذ عند مستوى الطابق الأول حيث تميز الغرف الهامة في البيت في حين أن شبيكات صغيرة وغالبا ما تكون معدنية تحمي نوافذ الطابق السفلي وتذكر المرء بإحدى واجهات عصر  النهضة بل وحتى العصر الجيورجي في بريطانيا.

وتوجد في بهلا أدلة على زخرفة جدران بأكملها بلوحات جصية مزينة بنقوش هندسية معقدة أو خطوط نافرة. وليس هناك الا قسمان مكشوفان فقط لأن هذه الأسطح تم تجصيصها منذ عهد طويل. وهذه النقوش تذكر المرء بالزخرفة الهندسية المتقنة بأشكال المثلثات النافرة على قبة مسجد قايتباي في القاهرة الذي يرجع تاريخه الى القرن التاسع /الخامس عشر، ويبلغ طول كل من هذه اللوحات في بهلا 51 سم وعمقها 24.2 سم وسماكتها حوالي 1سم. وتكون موضوعة في مجموعات من أربع لوحات عند التكرار الكامل لهذه الزخرفة. ولا يعرف تاريخ هذا العمل ولكن الأرجح أنه يرجع الى عهد اليعاربة لأنه موجود في مبنى تفيد الروايات المحلية أنه بني خلال تلك الحقبة.

ــــــــــــــــ
المصدر: القلاع والحصون في عمان، برايان وفانيسادو، روبن ميدويل، باتريك فوكنر، روي جازارد، بياتريس، دي كاردي، وديفيا بيل، وآخرون، اصدار: مكتب نائب مجلس الوزراء لشؤون  مجلس الوزراء، قسم الدراسات 1994م.
 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …