أخبار عاجلة

البحث عن كارمن

مشهد أول

جمال يعزف على آلة (الكونتر باص) أو (الفيلون) وذلك لتطرية أصابعه، بعد خروجه من المستشفى، بينما هو مستغرق في العزف، تدخل في عمق المسرح الممثلة المعروفة نهاوند، التي تقف في مكانها مستمعة اليه دون أن يحس بوجودها، بسبب غيبوبته خلال العزف.. ما أن ينتهي من عزفه وبعد فترة صمت قصيرة تشعره بوجودها.

نهاوند: (تحمل باقة من الزهور)

الحمد لله على سلامتك!

جمال: (بارتباك) متى أتيت؟

منذ متى أنت هنا!

نهاوند: بشغف شديد، استمتعت الى عزفك!

جمال: (بخجل) اليوم صباحا خطرت ببالي!

(يستدرك) قصدي، يوميا استحضر اسمك!

يا له من شرف أن تزورني امرأة نبيلة مثلك!

نهاوند: اعذرني لأنني لم استطع أن أزورك في

المستشفى اكثر من مرة، أنت أدري بظروف امرأة مثلي!

جمال: إنني أعذرك، بمعرفتي التامة بظروفك!

نهاوند: لكن ما سمعته توا شيء رائع؟

جمال: لا تربكيني باطرائك!

نهاوند: أبدا، إنني صادقة فيما أقول!

جمال: أشكر لطفك! أصلا امرأة مرهفة مثلك تستحق أكثر من..

نهاوند: (تقاطعه) هل هذه الموسيقى من تأليفك!

جمال: طبعا! كلفني أحد المخرجين بذلك.

نهاوند: أظن إن ما سمعته يتعلق بشخصية كارمن إن لم أخطئ!

جمال: صحيح!

نهاوند: تسحرني شخصية كارمن، دائما أحلم بأنني سأمثل هذه الشخصية ذات يوم!

جمال: هل ستصدقيني إذا قلت لك بأنك كنت مصدر إلهامي في تأليف الموسيقى التي استمتعت اليها توا؟!! ثم إنني كنت استحضر شخصك دائما، ساعات سقوطي في النوبة والألم! وأنا على سرير المرض.

يدخل بسام حاملا الزهور وقناني النبيذ فيفسد دفء الحوار بين نهاوند وجمال!

بسام: خروجك سالما من مرضك هو عيد ميلاد جديد لنا جميعا!

كل عام وأنت بخير.

بسام يعانق جمال بعنف، ويسلم على نهاوند، في نفس الوقت تدخل كارول حاملة باقة كبيرة من الزهور وبعض علب الحلوى.

كارول: الحمد لله على سلامتك!

جمال: أشكر لطفكم ورقتكم.

يعانق كارول، بينما بسام ينهمك في تحضير الطاولة والشراب، واشاعة جو عذب من المرح.

والله لولا صداقتكم الأصيلة ومشاعركم الجياشة نحوي لالتهمني المرض!

بكم شددت عزمي وقاومت ظروفي الصعبة!

كنت أتوقع دائما ان تكونوا بمثل هذه الشفافية، والعذوبة والاخلاص لي! أعترف بأنني أتعبتكم بالرواح والمجيء من والى المستشفى!

صدقوني لا أعرف كيف سأرد هذا الجميل! وهذه الرأفة.

بسام: أنسى هذه الخطابات الخرقاء وتعال لنشرب نخبك!

كارول: (بسام وكارول يصرخان ويغنيان بصوت عال)

أين المفتاح!

يحدثون دويا وصخبا فرحا بخروج جمال من المستشفى

بسام: ماذا تريدين أن تفتحي؟

كارول: قنينة النبيذ يا (أهبل)

بسام: (بلكنة أوبرالية) هذا هو مفتاح النبيذ!

يمد كلمة نبيذ…..

كارول: واو… اسكب النبيذ في الكؤوس.

نهاوند: (تتفرج على بعض الكتب)

بسام: لنضو الشموع.

جمال: (بحب) نهاوند، ما بك

ساكتة، انضمي الينا!

نهاوند: اسكب لي كأسا من النبيذ!

جمال: (يسكب النبيذ لها، الآخرون يسكبون لأنفسهم)

كارول: (بشكل اعلاني) هيا، هيا، ارفعوا كؤوسكم الى فوق!

بسام: نخب جمال!

الجميع يرددون.

يشربون النبيذ جرعة واحدة! يدخل في هذه اللحظة كل الراقصين، تلاميذ كارول فيحدثون صخبا عارما.

كارول: احملوا الشموع

بسام: سيداتي، سادتي، بهذه المناسبة الأنيسة، الحلوة، يقدم لكم كل من مهرج السيرك بسام ومهرجة السيرك كارول، هذه الرقصة، رقصة النبيذ!

كارول: سنرقص ولكن على وقع موسيقى الموسيقار العظيم جمال..

جمال: (بخجل وبهدوء) بكل حب!

صمت، يتوجه نحو الكونتر باص ثم بعد لحظات يبدأ بالعزف! كل من بسام وكارول والآخرين يرقصون رقصة غير جدية، يعم جو من الضحك والرقص والتهريج، ثم يتلاشى ذلك تدريجيا….

جمال: لم أنت حزينة ومحبطة!

نهاوند: لست حزينة ولا محبطة أبدا!

بالعكس أنا سعيدة بخروجك من المستشفى!

جمال: إحساسك العميق بي سيدفعني لمقاومة مرضي!

نهاوند: كل ما هو مطلوب منك، هو أن تخلق موسيقاك الكبيرة!

جمال: سأحاول!

ونهاوند: نخبك!

جمال: بصحتك!

يشربان، بينما بسام وكارول، يحاولان اقتحام الانسجام بين جمال ونهاوند. يجران جمال للرقص، يرقصان بشكل مفتعل ثم يتوقفان.. بعد الرقص..

نهاوند: اعذرني جمال، يجب أن أذهب!

جمال: لا، ما زال الوقت مبكرا!

نهاوند: تركت الصغر لوحده.

جمال: اعرف بأنك تضايقت من سلوك بسام! انه يفعل كل هذا الصخب لكي يجذب اهتمامك فقط! بسام مازال يحبك!

نهاوند: لا، العلاقة معه تحولت الى شيء آخر!

جمال: كان يعشقك بجنون!

نهاوند: كان.. ثم انتهى.

جمال: لكنه، مازال يعيش على وقع تلك الأيام!

نهاوند: ليعيش كما يريد!

جمال: (ليتأكد) وأنت!

نهاوند: جمال، ما بك! قلت لك انتهى كل شيء منذ زمن بعيد!

أرجوك لا تعد علي مثل هذه القصص القديمة! جمال: كم أتمنى أن تبقي هنا ولو قليلا من الوقت!

نهاوند: أنا أيضا أحب أن أبقى بقربك لكن…

جمال: هل أوصلك!

نهاوند: لا لا، ابق مع ضيوفك! جمال، لم تخبرني باسم المخرج الذي كلفك بتلحين هذه موسيقى!

جمال: جلال!

نهاوند: نعم؟!

جمال: زوجك جلال!

نهاوند: جلال؟ (صمت طويل)

جمال: ألم يخبرك بذلك!

نهاوند: (صمت)

جمال: أنا آسف!

بسام يصرخ، كأنه يؤدي أحد الأدوار!

بسام: إلى أين ستمضين يا مهرة المراقص!

أمازال خصرك مضيئا كما كان!

وغجرك هل ينامون بين دفوفك ونيرانك! (يقلد الخيول)

نهاوند: الى اللقاء

تقبل جمال وتخرج، يظل بسام يغني ويرقص

كارول: اسكت أيها الثمل أريد أن أغازل هذا الفتى الرائع! نخب اصابع يديك وأوتار روحك..؟ جمال: ما أطيبك!

كارول: لماذا تخاطبني بشكل حيادي!

جمال: ما أرقك!

كارول: قل لي أريدك، أحبك، اشتهيك!

جمال: أنت أهم من أن أحبك أو أن أشتهيك!

كارول: سأمنحك لقب فارس اللعب بالكلمات!

جمال: إن وقعت في حبك سأفقدك.

كارول: لماذا؟

جمال: لأنني إن أحببتك سأموت وأنا أريد أن أبقى حيا!

(يضحك)

كارول: تتهرب مني بذكاء!

جمال: إنما أهرب اليك حاملا ورود صداقتي العطرة لأزرعها على كتفيك!

كارول: بماذا تحس حين تعزف بهذا القدر من الجنون الذي يوصلك إلى الغيبوبة!

جمال: أحس بشهقة الوتر وبكاء القوس!

                                القوس يضرب في حديقة الأوتار

النابتة هناك في ذبول أيامي!

كارول: كن واضحا معي ولا تهذي

جمال: ألانني أريك أن أعوي…

بسام: أووو         وووو         وووو

        لا لا لا         لالالالا     لالالا

أحضر تبولتي بيدي

بصلتي أحفرها بسكيني!

أشرب الخمر من قنينتي

ثم (دم) أموت…..

(إطفاء سريع)

 

هي، أنت يا فتاة

الفلامنكو، متى سأغسل

قدميك في نهر موتي!

 

مشهد ثان

نهاوند في بيتها تنظف بمكنسة كهربائية بينما خادمتها لاتا، تحمل ابنها زكريا الذي يظل يبكي بينما الخادمة تبذل مجهودا لاسكاته دون جدوى. في هذه الأثناء يرن جرس التليفون، فنرى جلال تحت سبوت ضوئي.

نهاوند: ألو.. ألو.. ألو….

جلال: نهاوند، جلال يكلمك من القاهرة!

نهاوند: صوتك غير واضح!

جلال: أطفئي مكنستك الكهربائية يا نهاوند!

نهاوند: اطفئي المكنسة يا لاتا!

جلال: الصوت واضح الآن، أليس كذلك!

نهاوند: مع ذلك أرفع صوتك لأن زكريا يبكي!

متى القدوم يا حضرة المخرج!

جلال: في السابع عشر من هذا الشهر!

نهاوند: انتبه، هذه هي المرة الثالثة التي تؤجل فيها موعد قدومك! ان فعلتها مرة رابعة سأترك البيت بمن فيه!

جلال: حتى زكريا!

نهاوند: حتى زكريا!

جلال: مستحيل!

نهاوند: لماذا؟

جلال: لأن لديك أطيب قلب!

نهاوند: قل أطيب كلب ولا تقل أطيب قلب!

مع السلامة!

تغلق التليفون..

جلال: (تحت السبوت)

أتغلق التليفون بوجهي

يدير الرقم مرة ثانية!

نهاوند: لاتا!

لاتا: Yes madam

نهاوند: هل أطعمتي زكريا؟!

لاتا: Yes madam

نهاوند: نظفتيه!

لاتا: Yes madam

نهاوند: هل وضعت له التحميلة؟

لاتا:No madam

نهاوند: وماذا تنتظرين؟

لاتا: Yes madam

نهاوند: لماذا لم تعطه التحميلة في الوقت المناسب؟

هاه!

لاتا: Sory madam

جلال: ألو.. ألو.. ألو

                                ينقطع الخط

خطوط حقيرة….

نهاوند: خذي زكريا الى سريره لأني سأخرج إلى العمل! سأكون طوال هذا اليوم في التصوير! ضعي اللحمة على النار انقعي الفاصوليا! واكتبي اسم الأشخاص الذين سيتصلون تليفونيا.

لاتا: Yes madam

مازال الطفل يبكي…

جلال: ألو.. نهاوند… ألو ألو…..

يا الله، ما هذه الخطوط التعسة!

نهاوند ترتب شعرها وملابسها، ومكياجها…

إطفاء تدريجي.

مشد ثالث

تسلط البروجوكتورات والكاميرات على مقهى بمحاذاة البحر حيث يستعد الممثل والراقص بسام لأن يلعب دور الجارسون في فيلم (الجارسون العاشق) حيث إن نهاوند ستؤدي دور العاشقة.

إن تأخر نهاوند عن الحضور في الوقت المقرر أربك الممثل والمخرج والمصورين.

بسام: (في حالة قلق) إن تأخير الممثلين عن موعد التصوير هو استهتار بالزمن.

المخرج: دائما كانت نهاوند منضبطة في مواعيد التصوير!

بسام: لكن ساعة كاملة مرت على موعد التصوير!

المخرج: اتصلنا ببيتها، لكن لا أحد يرد على التليفون!

يجب أن ننتظر قليلا.

بسام: لست كومبارسا ولا ممثلا هاويا لكي احتمل هذه الاهانات!

المخرج: أرجوك لا تبالغ بردود افعالك فتوتر جو العمل، انتظر، وستاتي حالا!

بسام: لن انتظر، سأترك التصوير وأذهب!

المخرج: بسام، حين كنت على وئام معها كنت تنتظرها أكثر من ساعة وساعتين يجب أن تنتظرها الآن! لأنها كانت ذات يوم أحب الناس اليك!

بسام: كانت، أما الآن فقد تحولت الى امرأة أخرى!

المخرج: أقسم بأنك ما زلت تموت فيها!

بسام: لا، أنت، واهم، لم أعد أحبها وهي تكره أن تسمع اسمي..

تدخل بهدوء..

نهاوند: اعتذر عن التأخير بسبب حادث السير الذي أغلق الطرق!

بسام: لا يمكن القبول بمثل هذه الأكاذيب!

لسنا جنودك ولا خدمك كي نظل ننتظر مجيئك منذ الساعة التاسعة صباحا، انظري، الساعة الآن، الحادية عشرة!

نهاوند: اعتذر يا سيدي اعتذر، ألم تسمع اعتذاري!

بسام: لا أقبل هذا النوع من الأعذار!

نهاوند: هل مازلت ثملا يا سيد بسام! لماذا تخاطبني بهذه اللهجة!

بسام: لم أعد مستعدا للتمثيل أمامك!

نهاوند: (ببرود) اعتذر إذن وأذهب!

المخرج: إلى أين سيذهب! أرجوك أوقفوا هذه المهزلة، إن لم نصور هذا المشهد اليوم لن يكتمل الفيلم، وان لم يكتمل الفيلم سيقدمونني إلى المحكمة بتهمة الاختلاس أو بتهمة عدم احترام العقد المبرم بيننا! أمامكم عشر دقائق إلى ربع ساعة لكي تكونوا جاهزين للتصوير! والا سيتوقف قلبي! هيا يا شباب، أين المصورون؟

المصورون: حاضر!

المخرج: أرجو من الأخوة المصورين أن يستعدوا خلف كاميراتهم! أين مدير التصوير؟

مدير التصوير: حاضر أستاذ!

المخرج: ومهندس الصوت!

مدير الصوت: مستعد!

المخرج: كما يعرف الجميع فان هذا المشهد سيكون هو المشهد الأخير من فيلم (الجارسون العاشق) الذي شاءت الظروف وتقلبات المناخ أن نؤجله أكثر من مرة!

الممثلة النجمة القديرة نهاوند ستؤدي دور العشيقة أمام الممثل القدير بسام سيلعب دور الجارسون العاشق! أرجو أن يكون الجميع على استعداد كامل للانطلاق!

يدخل جمال حاملا آلته!

المخرج: جمال أتيت في الوقت المناسب!

جمال: أعتذر عن التأخير بسبب سوء حالتي الصحية!

فعلا يبدو التعب على وجهه.

لكنني الآن مستعد!

المخرج: هيا لديك عشر دقائق فقط!

حضر نفسك…

جمال يدندن ويدوزن الكونترباص الذي يعطي مناخا لذيذا.

تتغير الاضاءة تدريجيا، تعتم قليلا ثم تعود ليسلط نعتم قليلا ثم تعود ليسلط الضوء على المقهى البحري!

يستعد بسام، واقفا في عمق المسرح، بينما نهاوند تتحرك قلقة ثم تأخذ مكانها على الكرسي! المخرج: Stand bay

مصورين

إضاءة

ممثلين

                                                صمت طويل

جمال، هل أنت مستعد!

جمال: جاهز يا أستاذ، جاهز!

المخرج: One, Tow, Three

اكشن، كو، ابدأ جمال

جمال يبدأ بالعزف على الكونترباص وعزفه الرقيق يؤسر الجميع، يتقدم بسام من بعيد.. ريح خفيفة تتصاعد، نهاوند تجلس منتظرة..

الجارسون: مساء الخير سيدتي. مرحبا بسيدتي، كيف أحوال سيدتي!

نهاوند: علبة مالبورو من فضلك!

الجارسون: حاضر سيدتي!

نهاوند: بسرعة أرجوك!

الجارسون: مستعجلة سيدتي؟

نهاوند: نعم، مستعجلة! هل ستحقق معي!

الجارسون: بسرعة، على جناح الطير، كالبرق سيدتي!

نهاوند: لم لا تتحرك، امش!

الجارسون: سأمشى، أمشى، سأمشى (لنفسه)

يذهب ويعود بسرعة!

السجائر، السجائر!

نهاوند: افتح العلبة (تنظر الى ساعتها بقلق)

الجارسون: نفتح العلبة!

نهاوند: اعطني سيجارة (تتلفت)

الجارسون: بالتأكيد سأعطيك سيجارة!

نهاوند: الديك كبريت!

الجارسون: سيدتي، إن لم أعثر على الكبريت سأشعل السيجارة بفمي الملتهب! انظري الي، ألست اشبه الفرن المشتعل.

يشعل السيجارة

نهاوند: ماذا تقول؟

الجارسون: لا شيء لا شيء، هل تنتظرين أحدا سيدتي!

نهاوند: اعطني كأسا من الكونياك!

الجارسون: بكل سرور! أي نوع من الكونياك…

نهاوند: أي نوع!

الجارسون: لدينا كونياك اسمه بونا بارت، هوفمان، أورسن ويلز!

(يضحك)

نهاوند: (تصرخ) أتمزح معي يا أرعن!

هات الكونياك!

يجلب لها الكأس الأولى

جمال يقترب من آلته ليكون بقرب نهاوند!

جمال: ماذا تحب أن تسمع الأميرة!

نهاوند: اعزف لي معزوفة الأميرة المنتظرة!

جمال: لا يوجد مثل هذه المعزوفة ايتها الأميرة المنتظرة!

نهاوند: ألفها!

جمال: من أجلك فقط سأفعل ذلك يا قمري!

نهاوند: نعم.. ماذا قلت؟

جمال: قلت يا قمري!

نهاوند: أريد كأسا أخرى من الكونياك! أين الجارسون!

(تصرخ) جارسون! أين أنت أيها الجارسون!

لقد اختفى فجأة!

يدخل الجارسون ولكن بملابس غريبة يتقدم بهدوء، بينما جمال يعزف بتوتر ورقة!

نهاوند: تأخرت (بعنجهية)

العشيق: نعم تأخرت!

نهاوند: ولماذا تأخرت!

العشيق: هكذا، تأخرت!

نهاوند: ذات يوم كنت تسبقني الى المواعيد كالكلب.

بسام: ستوب! (يصرخ)

المخرج: لماذا أوقفت التصوير!

بسام: لا يوجد في النصر كلمة كلب! أضافت هذه الكلمة من عندها!

نهاوند: (تضحك الى حد الهيستريا)

المخرج: يا مدام نهاوند، لماذا اضفت كلمة كلب!

بسام: لكي تهينني! تريد أن تنتقم مني!

المخرج: يا مدام نهاوند أرجوك…

(نهاوند تضحك)

بسام: إن أضافت أية كلمة من خارج النص، بدوري سأضيف جملة تخلخل كيانها!

المخرج: على كل ممثل أو يعود الى النص!

نهاوند: (ببرود) خرجت الكلمة مني بشكل تلقائي، اعتذر، سألتزم بالنص!…..

المخرج: من يضيف كلمة واحدة على النص سأقدمه الى المحاكمة! مفهوم! سنعيد المشهد من لحظة دخول العشيق! مصورون، كاميرات، ممثلون، حاضر، اكشن.. صمت.. ثم يبدأ جمال مرة أخرى بالعزف.. الريح خفيفة وباردة يتقدم العشيق من بعيد

نهاوند: تأخرت؟ (بغضب)

العشيق: نعم تأخرت..

نهاوند: لماذا! (تضحك مرة أخرى) العشيق: هكذا تأخرت..

المخرج: ستوب، عليكم أن تعيدوا تمثيل المشهد بنفس روحية وحساسية الأداء الأول أرجوكم، أتوسل اليكم… صمت طويل: تتغير الاضاءة، جمال يبدأ بالعزف، الريح الخفيفة تتصاعد، والعشيق يتقدم..

نهاوند: تأخرت!

العشيق: نعم، تأخرت!

نهاوند: لماذا (بألم)

العشيق: هكذا تأخرت (باستهتار)

نهاوند: ذات يوم كنت تسبقني الى المواعيد!

العشيق: كنت، نعم، كنت…

نهاوند: كنت نعم كنت (بسخرية – تقلده)

العشيق: كنت أسبقك الى المواعيد لأنني كنت شغوفا بك!

نهاوند: وعندما ركعت وبكيت عند قدمي! هاه، لماذا فعلت ذلك.

العشيق: كنت شغوفا بك!

نهاوند: والآن!

العشيق: الآن، لا شيء، الآن مات كل ذلك الشغف!

نهاوند: أتريد ان تعرف كيف سيكون مصير حبنا؟ رسائلنا، هدايانا!

العشيق: لا أريد أن أعرف، لأنني أخرجتك من داخلي ورميتك هناك في البعيد! والا كيف استبدلتني بذلك الجاموس البري زوجك، كيف؟

نهاوند: هذه هي رسائلك ونصوصك وهداياك! تضع البنزين عليها وتحرقها!

لا لا، قبل ان تصير

رمادا، سأقرأ لك مقطعا

من آخر رسالة كتبتها لي!

عندما كنت شغوفا بي!

(تقرأ): الطريق الى منصتك محفوف بالتبتل! (بسخرية) طيري خصلات شعرك الى مقام القصيدة المشفوعة بنيران الغجر!

العشيق: (يصرخ بجنون) أرجوك أوقفي هذه المهزلة!

نهانا: سيحضر الليلة كل ناقري الطبول والصنوج وحاملي الرايات:

النيران بحطبها الطري

ستضيئ الممشى الذي تسلكين!

العشيق: أوقفي هذا الهراء!

تحرقينني، أم تحرقين رسائلي!

نهاوند: كلاكما! أحرقك في رسائلك وأحرق رسائلك فيك!

العشيق: كم يذبحني الندم لأنني رضيت أن أعيش معك كل تلك الليالي والنهارات!

انظري كل شيء يتحول الى رماد…

لقد حولتني الى رماد!

يمسكها، يهزها، يرميها على الأرض الريح تتصاعد تطفأ الأضواء ضوءا ضوءا، جمال وحده على المنصة يضرب القوس بأوتار الكونترباص! التصفيق يدوي من كل مكان!

ينتهي المشهد!
مشهد رابع

كارول تقوم بتدريب عدد من الراقصات والراقصين على رقص يخلط بين ايقاعات الفلامنكو من جهة والايقاعات العراقية من جهة ثانية وصولا إلى لحظات ابتكار موسيقي جديد يعطي للموسيقى وللرقص عناوين جديدة.

ربما تكون هذه الملاحظات مهمة جدا لمصمم الرقص وللموسيقى الذي سيضع هذا العمل بعيدا عن التكرار والاعادة والكليشيهات للظفر بعمل مسرحي درامي، كيروكرافي، ذي نكهة مختلفة، مبتكرة! تبدو هنا كارول كمدربة رقص أكثر ميلا لاعادة تشكيل الأجساد والاشارات بما يعني إعادة تركيب هذا النسيج الجسدي نحو العنف والرقة، وفي وحدة كلية تضع شهوة الرقص ولذة الراقصين في مرتبة عالية من التجلي والصعود بما يخدم النص الدرامي وجزئيات الشخصيات المتناحرة.

كأنما في المسرحية كلها ثمة عرضان أحدهما كيروكرافي والآخر درامي يغرف من نص مسبوك، لكن في وحدات من الانصهار والتضاد.

مشهد خامس

بيت نهاوند وجلال، التليفون يرن، لكن نهاوند مشغولة بالولد.

نهاوند: نظفك الولد؟

لاتا: Yes madam

نهاوند: عندما أموت

اكتبوا على عبقري Yes madam

تلتقط التليفون، مرة أخرى ويظهر جلال تحت الضوء في إحدى زوايا المسرح!

جلال: حبيبة روحي نهاوند!

نهاوند: يعني انك ستؤجل قدومك!

جلال: أنت حبي الوحيد!

نهاوند: التأجيل أصبح مؤكدا

كلما تماديت في الكذب اصبح عدم مجيئك محتما.

جلال: يا أم زكريا الرائعة!

نهاوند: أعرف انك بأكاذيبك وألفاظك المعسولة، أصبحت محترفا في اللعب علي!

انك تستغفلني وتستهربي!

جلال: بسبب مشاكلي مع الممثلين الأوغاد علي أن اؤجل مجيئي.

زكريا يبكي ولاتا تصدر أصواتا لكي تسكته!

نهاوند: تفضل، تكلم يا مخرج الروائع!

جلال: لا تتحدثي معي بهذه الطريقة!

نهاوند: لا، سأتحدث معك بقسوة أشد، إن لم تضع حدا لهذه المهزلة!

جلال: نهاوند، أنت ممثلة وتعرفين معنى أن يكون العرض غير مكتمل!

نهاوند: حولتني الى كنبة، إلى خزانة يا سيد مخرج!

جلال: أتريدين أن أترك عمل ثلاثة أشهر وآتي اليك!

نهاوند: بالطبع لا.

جلال: هل يوجد مخرج (حمار) يمكن أن يترك مسرحيته قبل الافتتاح!

نهاوند: نعم يوجد (حمير) بالجملة. يضحون بأعمالهم من أجل زوجاتهم وأولادهم!

جلال: لست من هؤلاء (الحمير)! ابحثي عن (حمار) آخر إذن

نهاوند: يا مخرج المصائب، أنت موجود في القاهرة ليس بسبب افتتاح العرض، هناك أمر آخر!

زكريا يصرخ بعنف

نهاوند: أعطيه (قنينة) الحليب.

جلال: (صمت)

نهاوند: ألم تفهم قصدي!

جلال: أرجوك لا تشكي بي!

نهاوند: مللت من وحدتي، مللت! مللت، مللت، انتهى الأمر، لم يعد يهمني، لا سفرك ولا عودتك!

جلال: إن لم تصغي الي سأقفل الخط!

نهاوند: اقفل الخط!

يتصاعد صوت زكريا

جلال يقفل الخط فعلا!

لاتا: مدام زكريا يريد شوكولاتة!

نهاوند: (امشي) اللعنة عليك

وعلى أبو زكريا

يرن التليفون مره أخرى

لاتا تلتقط التليفون!

لاتا: ألو… بابا…. بابا

(بفرح) تريد ماما!

نهاوند: قولي له غير موجودة!

لاتا: غير موجودة!

لاتا: ماما، (بابا يريد الكلام ويه أنت)

جلال: شتمتني هاه!

نهاوند: نهاوند: أقسم بالله العظيم

لا يوجد أي سبب يؤخر عودتي سوى مشاكل المسرحية! هدئي أعصابك أرجوك! زوجتي، وردتي، حلوتي.

نهاوند: (طز) بالزواج، وبزوجتك الحلوة! لم أعد حلوة.. صرت كالفزاعة!

لاتا: (مدام، هاذه زكريا طلع دم)!

نهاوند: (تصرخ بجنون وتترك التليفون)

جلال: ألو… الو…

نهاوند…. ماذا

حصل لزكريا!

ردي علي

تحمل التليفون

وزكريا بين يديها!

لاتا: مدام نهاوند، مدام نهاوند

نهاوند: (تصرخ) أغربي عن وجهي!

لماذا تضعين معجون

الطماطم هنا يا غبية!

جلال: ألو… ألو..

يا الله.. لماذا لا تردين علي! لم أر امرأة بهذا القدر من العناد!

نهاوند: ماذا تريد، ماذا تريد؟

جلال: ماذا حصل لزكريا!

نهاوند: خائف على زكريا! (بتهكم) لا تخف، كان يأكل معجون الطماطم فاعتقدت لاتا ان الدم يخرج من فمه!

جلال: اهدائي أرجوك!

نهاوند: شبعت من نصائحك!

لم أعد أطيق البقاء في البيت!

تعال بسرعة وخذ ابنك!

أريد أن أنفذ بجلدي!

                                        إطفاء
 
جواد الأسدي (مخرج وباحث مسرحي من العراق)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …