التجربة

لم يكن الأمر كما عهدته من قبل. فالجدران ابتداء من المدخل وصعودا  إلى الطابق الرابع, نظيفة لامعة, حتى لتبدو جديدة تماما. فاجأني المشهد وأبهجني, ولم أتوقف طويلا  عند الإحساس بغربة مفاجئة, في المكان الذي طالما استشعرت الألفة فيه, وكأنما كنت بحاجة إلى هذا الإحساس الطارئ.. إلى الشعور بأنني أنا نفسي أتجدد لا المكان فحسب, وهذا ما حدث على وجه التقريب.

لقد جددوا المكان تجديدا  شاملا, رغم أنه لم يكن في الأصل قديما. ابتداء من الطلاء المميز للجدران التي تغير لونها إلى ما لا أعرف . لم يصبني عشى البصر أمام ما رأيت, ولكن المفاجأة أخذتني كل مأخذ, ففاتني أن أتبين اللون الجديد. إنه على أي حال لون مركب متموج, ويتعذر على غير المختصين تحديد تسمية له. ومثل هذه الألوان, تستهويني وتستوقفني حتى لو شعرت أمامها بالحيرة, ذلك أنها تخاطب نقطة أو نقاطا  ما, كامنة وغامضة في نفسي. أستطيع أن أرى اللون فضيا  قشيبا  ثم أخضر هادئا  ثم رماديا  سارحا  وحتى عسليا, لكنه يتشح دائما  باللمعان والمراوغة والجدة.

وفيما أنا أعبر المكان إذا بيدي تمتد لمحاولة تلمس الجدران, لأتعرف على ملمس اللون. هذه عادتي في عدم الاكتفاء باستخدام حاسة حادة. فإذا بنظرة من أحدهم (كنا ثلاثة فقط ننتظر المصعد) تمنعني عن ذلك. لقد حال بيني وبين »التجربة« بعدما حرمت من قبل من تشمم رائحة الطلاء. إنه طلاء بلا رائحة. دون أن يقلل ذلك من بهجة النظر إليه. وربما لهذا السبب لم يثبتوا لوحة التحذير التقليدية: احذر الدهان. وبهذا بدا المكان جديدا. المصعد لامع سريع وأكثر اتساعا, ومن يستخدمونه (بتنا أربعة بانضمام فتاة إلينا) يتسمون بالحياد والرشاقة والاستقامة.

كنت قد جئت لمهمة ضئيلة للغاية, فقد اتصلوا بي لكي أوقع على نموذج أعدوه لهذا الغرض, غرض التوقيع عليه.

إنني أعرف أولئك الموظفين منذ أربعين شهرا, رغم انهم دائمو التبدل, وهم يعرفونني, حتى الموظف الجديد سرعان ما يعرفني. فأنا أسدد لديهم الفواتير والرسوم والضرائب, واحتسي عندهم قهوة أستلها من آلة كهربائية أضع فيها قطعة معدنية. كنت أمازحهم ويمازحونني, وكانت طريقتهم في العمل تثير إعجابي, إذ يتمكنون دائما  من  تذليل المشكلات ببراعة لافتة, حتى ينتابني الشعور باني لا أؤدي أي مبلغ مالي يذكر, وذلك بفضل بطاقتي الممغنطة التي يمررونها على آلتهم السوداء, ويعيدونها لي كما هي وعلى حالها. وإذ يلاحظون تبرما  ما على ملامحي فإنهم يعتذرون بلطف ويبدون الاستعداد لاستقبالي في مرة لاحقة إن شئت. أنهم أشد نظافة من موظفي الصيدليات, وأكثر فطنة واتقانا  من موظفي المصارف, وأكثر دقة وصرامة من رجال البوليس, وتسبقهم دائما  ابتسامات مشعة وجذلة. كنت أهنأ حقا  بلقياهم, رغم أن الكراسي التي خصصها للمراجعين أمثالي صغيرة وضيقة وعالية, ورغم الكاميرات الدقيقة التي لاحظت أنها مبثوثة في المداخل والأركان. وكان يطيب لي أن أقارن بينهم وبين سواهم من موظفين بطيئين, يكثرون من تناول الشاي وتدخين السجائر واستدعاء المراسلين, ويعجزون عن حل أية مشكلة تعترضهم.

لقد تغير الوضع. كم تغير الوضع.. كنت أقول لنفسي وأنا أتملى مكاتبهم المشرقة, بهندستها الجذابة وأرضيتها اللماعة, والموسيقى الحالمة التي تنبعث من موضع ما وتنتشر في المكان, انتشار العطر واللذة في الجسد. وتنتشر معها أصواتهم الخفيضة بل الهامسة في المكالمات الهاتفية السريعة التي ينجزونها, دون أن تتأثر وتيرة عملهم.

لقد ألفت تمام الألفة, هذه الكائنات الجديدة من الموظفين والموظفات الشبان. وإذ قصدتهم هذا اليوم, فقد سرني في البدء ما نال المكان من تجديد. وقد هرولت في الممرات التي أعرفها, وكان عدد المرافقين من المراجعين يتناقص شيئا  فشيئا  كلما اقتربت من الغرفة التي أقصدها. إنها أشبه بجناح صغير أو مقطع زجاجي في مطار حديث, حيث تصطف مكاتب أنيقة وملونة يقف خلفها شبان وشابات يفيضون حيوية ومتأهبون لأداء الخدمة.

رحب بي فجأة صوت أليف يتشح بالدفء, ولم أتبين على التو إن كان صوتا  لشاب أو لشابة. ومع ارتفاع ووضوح الصوت, ومع ملاحظتي وجود نموذج صغير يجاوره قلم غريب الهيئة, فقد تقدمت. حيث طلب مني الصوت أن أضع توقيعي, ففعلت بعد تردد لم يدم طويلا.

أنبأني الصوت إنهم بحاجة إلى تجديد توقيعي بين فترة وأخرى. أومأت برأسي موافقا, ولاحظت وجود كوب ماء بلاستيك مغلق. ودعاني الصوت لأن أشرب إن شئت. وقد شربت بالفعل ماء باردا  وجدته لاذعا. فيما كانت آلة القهوة في الركن تومض وتضيء وتدعوني. كانت مكاتبهم قد تجددت هي الأخرى واتخذت أشكال ثمار فواكه. وقد احتفظوا في الأثناء بحيويتهم, إذ سمعت بوضوح ضحكاتهم الخافتة وتبادل الأحاديث بينهم رغم أصواتهم المخفوضة.

أنجزت رسم التوقيع, فقال لي صاحب الصوت أني لا أبدو اليوم بصحتي الجيدة المعهودة. لم يشجعني ذلك, وشعرت بالحاجة لأن أدافع عن نفسي : إرهاق. قلت : إنه مجرد إرهاق. وسألني إن كنت أرغب في التخفف منه ومن سواه من عوارض صحية, فضحكت للدعابة التي لم أتوقعها. ثم طلب مني أن لا أتردد كلما دعت الحاجة بإبلاغهم رغبتي بشراء أو بيع أو تبديل شيء ما, أي شيء يخطر ببالي, أو بالسفر أو الحجز لدى طبيب أو محام, أو الاستفسار حول أية خدمة تتعلق بسلامتي وراحتي. »إننا نضيف كل يوم خدمة أخرى, وقد أضفنا خدمات جديدة منذ زيارتك الأخيرة, لو تابعت لوحة هاتفك المحمول, للحظت مدى شمول خدماتنا, التي نستوفي أجورها منك بأيسر الطرق«.

سمعت الصوت وفكرت أني سأنبئ زوجتي بما سمعت حال عودتي للبيت, وأنها سوف يسرها ذلك مثلي.

كنت في هذه الأثناء وحيدا  أستشعر قدرا  من الوحشة. ولا أعرف إن كان هناك مراجعون, ولم ألحظ وجودهم مثلا. رغبت -ولا أعرف بالضبط لماذا – برؤية هيئة صاحب الصوت, ولكني امتنعت عن كشف رغبتي هذه مخافة أن أبدو متطفلا . وقد تبدى لي في الأثناء أني سمعت أصوات همهمات وشهقات مكتومة, فغادرت مسرعا  عبر الممرات الخالية, وقد اختلطت لدي مشاعر البهجة بأسف عابر.
 
محمود الريماوي
كاتب من الاردن

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …