التداعي الحر في رواية مقامات ستّ الشام ( 12 +1 ) للأديب السوري سليمان البوطي

سعيدة بنت خاطر الفارسي *
عنوان الرواية أو عتبتها النصّية الأولى تتراوح بين الوضوح وعدمه، أي أنها دالة كاشفة ومتمنّعة في الوقت نفسه عن الكشف الواضح ، ومغرية على الإبحار في دلالاتها.
يلفتُ انتباهنا في العنوان الأرقام مقامات ست الشام ( 12 + 1 ) والدلالة مستوحاة من الكاتب نفسه عندما سألناه عن كنه هذه الأرقام فقال هذه الرواية ليست كاملة بل ستأتيكم على 12 جزءا وهذا الجزء الأول منها .
تدلّ مفردة مقامات على نوعين من الدلالات أولها المقامات الموسيقية المعروفة ، وهي نظامٌ من سلالم وجُمل موسيقية، وانتقالات مألوفة تأتي على سبعة مقامات . وأحسب أن الكاتب وضعها للتمويه عن المقامات التي يقصدُها .
وثانيها المقامات الصوفية :
الـمقام في الصوفية هي المرتبة ، أو المحطة التي يصل إليها المريد خلال بحثه لإيصال نفسه إلى الله .
وتأتي علي سبعة مقامات وهي : مقام التوبة، والورع والزُّد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا.
ست الشام : هي فاطِمَةُ خاتون بنت نجم الدين أبي الشكر أيوب  ، الملقبة بـسِت الشّامِ (ق6هـ/12م) أخت صلاح الدين الأيوبي ، ومما يذكره عنها أبو شامة المقدسي في ذيل الروضتين ما يلي: (قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: كانت سيّدة الخواتين، عاقلة، كثيرة البرّ والإحسان والصدقات وكان يعمل في دارها من الأشربة والمعاجين والعقاقير في كل سنة بألوف الدنانير) مما يجعلنا نقول أنها كانت جديرة بلقب ست الشام.
دلالات المضمون :
تجسد الرواية الرحلة الإنسانية في بحثها الدائم عن الفردوس السماوي المفقود ، فيسلك المرء رحلة تقرّبه من الله مبتدئا بمقام التوبة على ما بدر من أبيه آدم من معصية استحق بسببها الطرد ، ومن التوبة يتنقل بين المقامات السبعِ الأخرى حتى يصل للمقام السابع مقام الرضا ، متبعا طريق السالكين قبله ، وفي هذا الطريق يجابه الإنسان المريد وهو بطل الرواية ( ياسين ) كثيرا من المصاعب والمتاعب ، ويلزمه في رحلته الطويلة والصعبة تلك مرشدٌ يرشده الى طريق النور الأسمى ، ويرمز النادل في الرواية الى المرشد ولأن الرحلة تخيلية حلمية لا تحدث إلا في أثير تخيلي وفق د. البوطي كثيرا في توليد الصور الغرائبية المدهشة وتتابعها من خلال خيال جامح نابعٍ من استخدامه للتداعي الحر. وقد وفّق في تخير عالم الصوفية ولغتهم بما فيه من رموز وأسرار وغموض ، ابتدأت من بداية الحدث حتي الوصول الى السُّكر والتجلّي وإغماء البطل عند وصوله لغاية الغايات . ( سأل ياسين بعد أن أذن له ورفعت عنه المحرمات وبات من الواصلين ، لماذا جميعهم تقام لهم النوبة وانت لا ؟
= انا النوبة والتوبة والثوبة، فصاح ياسين صيحة ارتجّ لها جبل قاف وسقط مغشيّا عليه)
ص75 الرواية
يختم د. البوطي روايته في الفصل السابع الذي يرادف للمقام السابع حيث الوصول ونهاية الرحلة بعودته إلى المدينة الضالة وهو الفصل الوحيد المعنون وللعنوان دلالاته لأنه لا مجانية في الفن (بزوغ المدينة الضالّة) وترمز المدينة الضالّة إلى الأرض .
يعود البطل للأرض وقد تزوّد الصوفي بعد قبوله بالوصية الهامة لكل صوفي ( إلا أنني يجب أن أخبرك : أننا أخذنا عليهم عهدا ؛ ألا ينطق أي منهم بكلمة واحدة ومن نَبس ببنت شفة سيكون مصيره التصفية ، وهذا ينطبق عليك أيضا ) ص 78
وهذه إحالة إلى أحد أكبر رموز المتصوفة وهو الحلّاج الذي نصحوه أن يلتزم بخرقة الصوفي ولا يتكلم عن أسرار الصوفية كما نصحه الشبلي ، لكنه عندما زاد عليه الوجد تكلّم وأفشى الأسرار ، الأمر الذي جعلهم يتهمونه بالزندقة وتقطيع أطرافه من خلاف ويصلَب على مكان عالٍ وهو ينزف ، إذن الرواية لا يوجد بها أمن وتحقيق ومطاردة بوليسية ، بل هي مهارة الكاتب الذي نجح في تحويل ذهن القارئ عبر كثير من الإيحاءات والرموز التي تجعل الذهن يتتبع البطلَ وفق الواقع السياسي المعروف في سوريا فرمز الجريدة والعينان من خلفها والتحقيق وكلمات اتبعني وشعر بالمراقبة والهروب المتكرر والخوف الشديد منهم . كل هذه خدعٌ فنية لصرف ذهن القارئ عن الحكاية الأصل ، ثم نجح جدا في إحكام الأمر بنهاية الفصل بإغلاق الفرع بالتقيد بالأوامر ونحن استغنينا عنك ، لكن يجب أن تتقيد بالأوامر ، وإياك أن تتكلّم ، وهنا صرف البوطي ذهنَ المتلقي مرة أخرى إلى ما هو سائدٌ في الواقع من بطشِ السلطة وتصفية من لا يلتزم بأوامر النظام .
لغة الصوفية :
تتوالد الرموز الصوفية عبر فصول الرواية :
فهل (بئر الحرمان) هي الأرض التي نزل إليها الإنسان مطرودا محروما من أنوار الله بعد فقده لفردوسه السماوي الأعلى ؟
وهل المكتبة هي الأسرار العرفانية الصوفية التي يبحث عنها السالك (كانت المكتبة –تلك أثيرة على قلبه ) «ص9 الرواية ».
وهل الكهف هي النفس الإنسانيّة المظلمة بالذنوب
( شعر أنه يعرف هذا الكهف، بل هو يعرفه فعلا )
«ص57».
بالفعل هو يعرف نفسه جيدا وما بها من ذنوب وظلام ، لذا هو يسعي الى النور والتخلص من الظلمة التي ربما ترمز إلى الذنوب والمعاصي .
وهل الحيّات والأفاعي هي المصاعب التي تواجه السالكين والتي عليهم تجاوزها بالتطهر، مهما كلفهم الأمر فان صدقت المثابرة والانتظار والصبر والتحمّل للمشاق أي صدقت التوبة ، جاءت الإشارة تفضل فقد أذن لك … وتكررت عبارة تفضل فقد أذن لك ، للترميز على انتقال البطل من مقام إلى مقام أعلى .
وهل الطاووس وفق ما قالت الأسطورة اليونانية حيث تروي أن هيرا أعطت الطاووس العديد من العيون على جسده تمثل رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل كمخلوق مستبصر ، وهل المريد السالك أيضا ستنكشف أمامه الحجب وسيبصر الماضي والحاضر والمستقبل ؟
وهل رموز الأعداد الفردية المتكررة في الرواية لها دلالاتها الصوفية المتعارف عليها حتى الوصول إلى قدس الاقداس؟
وهل الحالة الدخانية التي تتكرر قبل إغماء ياسين تعني ضبابية الرؤية وعدم قدرة الذات الناسوتية على التواصل التامّ للوصول إلى سرّ الأسرار ؟
وهل تلك العينان التي رافقت ياسين وتمثلت له عبر مختلف المحطات والمقاماتِ والحالات والكائنات هي الرقابة والرعاية الإلهية التي ترافق الإنسان في شتّى دروب الحياة عبر وحدة الوجود والكائنات والمتمثلة بما يعرف باللطف والعناية الإلهية ؟ ،ومنها جاء القول قدّر الله ولطف .
وتكرار( بل كانت له العينان – تينك- ذاتهما )
»ص61» .
.كلازمة معينة لها دلالتها ومعناها الإيحائي ، هو أحد تقنيات أسلوب تيار الوعي .
إن البوطي استعان لتجسيد هذه الحالة الغرائبية بكل الرموز التي تطوّح بنا في خيالات بعيدة ولا نملك سوى أن نستقبل رواية مليئة بالخيال والتشكيل السوريالي لأننا نتلقى الكتابة عن طريق التداعي الحرّ فتنثال علينا الصور الحلمية وتتدفق من اللاوعي فلا نملكُ سوى أن نستسلم لها استسلام النائم لحلم لذيذ الخدر .
تصنيف الرواية :
مقامات ستّ الشام رواية تسجيلية وصفية لمدينة دمشق ، أعاد فيها البوطي خلقَ المكان بتفاصيله الدقيقة في الواقع وفي زمن ما ، من خلال سيرة بطله ياسين الراغب في الانضمام إلى المريدين .
تذكّرنا هذه الرواية برواية جيمس جويس “يوليسز”.التي تجري أحداثها يوما واحدا فقط في دبلن عام 1904. وتسجيله الوصفي لجزئيات مدينة دبلن بشكل لم يحدث من قبل ، كذلك فعل البوطي مع مدينته دمشق .
وهنا ندخل كقرّاء في إمكانية الأدب المقارن بين الروايتين متلمسين أوجه التشابه والاختلاف بين العملين ، فجويس جعل كل حادثة في روايته تتفق مع حادثة في ملحمة” الأوديسا “لهوميروس .
على الجانب الآخر استبدل البوطي بذكاء ملحمة الأوديسا وهي كنز الثقافة الغربية ، بأجمل كنوز تراثه الشرقي وهو الإرث الصوفي بكل زخمه وتهويماته وتنوع شخصياته وأحداثه وفرادته وخياله الخصب ولغته الراقية المتميزة .
وكما استخدم جويس تقنيات تيار الوعي استخدمه سليمان البوطي أيضا، ولجأ إلى المنولوج الداخلي غير المباشر ليحدثنا الكاتب عن بطل روايته بضمير الغائب الذي يسرد لنا من خلاله الأحداث بلغة سردية بدت لنا في البداية انها لغة واقعية منطقية ، لكن مع تطور الحدث تتبلور تقنيات تيّار الوعي وتتداعى الأفكار بصورة غير مرتبة لأن عملية التداعي الذهنية لا تسير وفق تسلسلٍ منطقي مرتّب ، بل تتمثل على هيئة صور كثيرة لا يمكن السيطرة عليها أو إيقاف تدفقها لأنها بعيدة عن سيطرة العقل الواعي فهي تتم بصورة ناقصة أو مبهمة ولا تخضع لمقاييس العقل والمنطق .
( انظر ص 41 ، 53 ، 62 ،70 ، 75)
كما يستخدم الكاتب وسائله في الرجوع إلى الخلف ، والتقدم إلى الأمام ، متأرجحا بزمن الرواية عبر تداخل الأزمنة كذلك اللجوء إلى استخدام الرّمز والرّمز يعبّر في هذه الرواية عن الحالات الذهنية القائمة على التصورات الغامضة التي تسقط عن الوعي وتجري فيه ولا يمكن التعبير عنه بطرق التعبير المباشر .
كما يلجأ الكاتب الى الصور ذات الإيحاء الخاص (صورة عيون الطاووس المتعددة في ريشه)
ص60
وصورة قطعة القماش التي مسح فيها جبهته فتحولت الى مظلّة تحلّق به عاليا عابرا المكان من جهة لأخرى ، صورة القدح الذي يخترق سقف الغرفة الزجاجي ولا ينكسر .
ويظلّ القارئ في حالة من الانفعال يلاحق الكاتب حتى يفهم الحكاية دون أن ينجح في هذا حتى ينتهي من قراءة العمل.
الرّمزية والترميز :
أضف لهذه الصعوبة لجوء الكاتب إلى لغة الترميز والتشفير والتكثيف والإيحاء التي يستخدمها الشعر وهذه تناسبها لغة الصوفية خاصة، وهي لغة حلمية بعيدة عن المحسوسات تنبع من اللاوعي واستخدام الجمل القصيرة ،والإيقاع السريع المتتابع ، لهذا يصعب الإمساك بها إذا ما قورنت بلغة الرواية المعتادة .
ولعلّ اللغة في هذه الرواية هي أبرز ما تستوقفنا فهي لغة مقطّرة شفّيفة خالصة من الشوائب ومختصرة لأبعد الحدود ، وبالإضافة إلى ذلك فإن أسلوبها بالغ العظمة ،
فالرواية حافلة بالجمال اللغوي والاتساق في الأنساق اللغوية، وكان البوطي كمن يكتب قصيدةً فاخرةً لا رواية . ولعلّ كون الكاتب شاعرا قد ساعده ذلك في استخلاص تلك اللغة الرائقة.
ويبدو لنا البوطي في روايته مقامات ستّ الشام على درجة كبيرة من الثقافة والوعي والمعرفة وهو السارد الراوي العليم بالأحداث ، ويقدّم للقارئ وعيه هو لا وعي شخصية بطله ، ولهذا فالكاتب لمثل هذا النوع من الروايات لا بدّ أن يكون على درجة كبيرة من الثقافة والوعي والقدرة على التقاط المشاعر الداخلية الدقيقة لبطله فرواية تيار الوعي تعنى بالعوالم الداخلية متجاوزة العالم الخارجي وسرد الحكاية ، مستخدما المنولوج الداخلي غير المباشر ، وهذا يكشفُ ثقافة الكاتب ومقدرته الذهنية الخاصة ومقدرته التحليلية ولذلك تتطلب روايات( تيار الوعي) أن يتمتع الكاتبُ والقارئ أيضا بثقافة وافرة وبذاكرة قوية ليربط القارئ بين المعلومات التي تعطى له بجرعات كبيرة ومتدفقة عبر صفحات الرواية .
الخلاصة: نحن أمام رواية تقدّم لنا زخما معرفيا وثقافيا يعرفنا على مدينة الكاتب العريقة ، ويعرفنا على كثير من أسرار الصوفية وجمال لغتهم المبهرة. وهي رواية رغم صعوبة تلقّيها ، إلا أنها مدهشة وممتعة إلى حدّ كبير ، وقد نجح الكاتب في تجميع خيوطها بيده وتحريكها عبر توظيف تقنيات تيار الوعي فنيا، بشكل متقنٍ وملحوظ .

شاهد أيضاً

ماركو لوكيزي: الحوار بين الشرق والغرب

آنا حداد باتيستا إن اللغة العربية هي من أجمل اللغات. بابٌ من أبواب ما هو …