الحنَّاء من ديوسقوريدوس إلى ابن البيطار

خواكين بوستامانتي كوستا

تعدُّ الحناء نباتًا من عائلة ليتراسيا، وهي تقدَّمُ بوصفها مستحضرات للتجميل والعطور والمنتجات الطبيّة منذ العصور القديمة. وتساعدنا المتابعة السريعة لانتقال النصوص القديمة إلى العصور الوسطى على التحقق من بعض التغييرات الناتجة عن الارتباك التبييني للرُّسومات المعبِّرة عن النَّباتات. فالأمثلة الدَّالة على الارتباكات الرّسومية والمعجميّة قد ساهمت في نقل النصوص الخاصة بالحناء منذ القرن الأول الميلادي بشكلٍ يكاد يكون خاطئًا.
يختلف كلٌّ من ديوسقوريدوس وَبْلِيني (پلينيوس الأكبر) وساكتيوس في بعض البيانات التي تجعلنا نشكُّ في جهلِ كلٍّ منهم بنبات الحنَّاء، ولكن ثيوفراستوس (ثاوفرسطس) (287 قبل الميلاد-371 قبل الميلاد) قبلهم أشار إليه باعتباره منتجًا للعطر ومادَّة تستخدم باعتبارها مستحضرات للتجميل. اعتقد بلينيو أن هذا النَّبات هو نفسه الذي كان يسمى في اللاتينية (Ligustrum vulgare).
يقول بْلِيني (پلينيوس الأكبر) إن صبغ حنَّاء الشعر كان يُخْلَطُ بعصير السَّفرجل، ويقول ديوسقوريدوس إنه كان يُخلطُ بعصير السابوناريا (عرق الحلاوة)، ويقدِّم كلاهما تفسيرات مختلفة للتسمية النباتية اليونانية سطروثيون ().
لقد تم نسخ () في العربية أحيانًا على أساس كونها سطروثيون1 ، وفي أحايين أخرى تمت ترجمتها على أنها كندس، ولكن أسيئت قراءتها في بعض الحالات إضافة إلى كونها خضعت للتشويش التَّصويري الذي تم إدماجه بقانون ابن سينا عند ترجمته، لاسيما من خلال ترجمات طليطلة خلال القرن الثاني عشر، إلى أن انتهى بها الأمر آخر المطاف إلى الجاليقية (اللغة الغاليسية، أو الجاليكية نسبة إلى منطقة غاليسيا الواقعة شمالي إسبانيا والبرتغال) باعتبارها اللغة المرجعية للأطباء آنذاك. ولقد تمَّ جمع هذه اللغة المرجعية في القرن الثامن عشر بواسطة مؤلف المعاجم سارمينتو، وستظهر ضمن المتغيرات في معجم أسماء النباتات في الحديقة النباتية الملكية (CSIC)
تعرَّض نصُّ ديوسقوريدوس باليونانية عند وصف زهرة الحناء للارتباك والقلق، وفي الوقت الذي قال فيه إنها ظهرت في الأصل على شكل عنقود () ، قُرِئت على أنَّها ظهرت على شكل أشنات ()، فوصلت من ثمّ إلى المترجمين العرب في القرن التاسع الميلادي الذي جعل ظهور الأشنة الشجرية (شبيه بالأشنة) كنوع من لحى الكابتشينو. وهذه صورة لحى الكابتشينو (barbas de capuchino) من اقتباسات ديوسقوريدوس العربية لقرون مقارنة بزهور الحنَّاء:
وقد تم الحفاظ على هذا الاستخدام على الرغم من كونه قريبًا من اقتباسات من مصادر أخرى، مثلما لدى أبي حنيفة الدينَوَرِي، الذي قال بوضوح إن أزهارها تجتمع في مجموعات متراصَّة (عناقيد متراصفة)، كما هو موضح في هذه الصفحة من مخطوطة أوسلر للغافقي.
وتشكِّل أزهار الحنَّاء وثمارها، في الواقع، مجموعات متراصَّة، وعلى الرغم من كونها تتكرَّر إلى حد الإصابة بالملل على الشَّاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، فإنَّه سنلاحظ لدى بْلِيني (پلينيوس الأكبر) ارتباكًا في إدراك الحناء التي تشكل أيضًا عناقيد، لدرجة أنَّك إذا نظرت إليهما، يمكنك أن تراهما كما لو أنَّهما غير مختلفين. لكن بالنسبة لعصر النهضة، أفصح بلينيو عن فكرة واحدة لا يمكن أن تكون خاطئًة، وذلك انطلاقا من ترجمة ديوسقوريدس، وهو أنَّ “الحناء” تختلف عن نبات “التمرحنة”Ligustrum) ). ولكن ترجمها أندريس لاﭽونا إلى القشتالية (1510-1559) بما جعل زهورها تشبه كتل طحالب الأشجار المعجونة.
ومن خلال تقديم دراسة طبيعية للحنَّاء، سندرك أنَّه حسب التَّعريفات التاريخية قد اختلط على المهتمِّين أصلُّها، فترادفت بين اللغات رغم اختلاف نوعها، ففي اليونانية مثلا، تنحدر الحنَّاء من شجر الحنَّاء (Lawsonia) واسمها ()، وهو الحال نفسه الذي نجده في العربيَّة والبربريَّة والقشتاليَّة والبرتغالية، بينما تنحدر الحنَّاء في اللاتينيَّة من شجر التمرحنة (Ligustrum) كما هو الحال في اللغة الإيطالية (Callostro) والفرنسية (Troesne).
وبما أنَّ أندريس لاجونا هو مرجع مهمٌّ في علم المعاجم النباتي، فقد قامت أكاديميَّة اللُّغة بإسبانيا منذ تأسيسها بإدخال “الحنَّاء” في قاموسها بمعنى النَّبات المنحدر عن شجر التمرحنة (Ligustrum). وبما أن الحنَّاء الحقيقية المنحدرة عن شجر الحنَّاء (Lawsonia)قد فُقدت في إسبانيا بعد حظرها، بعد أن استخدمها الموريسكيُّون طوال القرن السادس عشر، فليس لأحدٍ أن يثبتها أو ينكرها ما دامت بعيدة كلَّ البعد عن تناول اليدِ لها. وسوف نجدُ تعريفا -لغاية اليوم- للحنَّاء في قاموس اللغة الإسبانية DLE (Diccionario de la lengua española)، المعروف سابقًا باسم DRAE (Diccionario de la lengua española) على هذا النَّحو:
ونظرًا لذلك، ومع مرور الوقت، تم استخدام الحنَّاء مرة أخرى في إسبانيا، التي تم جلبها بشكل أساسي من المغرب كصبغة شعر أو لعمل رسومات ووشوم شبه دائمة على الجلد. ولم يتمَّ استخدام هذه المفردة الجديدة انطلاقا من اللغة الإنجليزية، وإنَّما تمَّ استخدامها -كمفردة تنحدر من أصول عربيَّة- انطلاقا من النطق المغربي على وجه الخصوص. ولقد تمَّ نقلها خطيًّا باسم خناء (Jena). ولكن ما يثير الانتباه وهو أنَّ الأكاديميَّة قد خلطت بين الحنَّاء والتمرحنة، سواء في القاموس القديم أو الحديث، ما يجعل القارئ لا يدرك هذا الهراء الذي ارتكبه القاموسان من حيث لا يعرف أحدهما ما هي الحنَّاء الحقيقيَّة.

شاهد أيضاً

لويز جليك.. الفائزة بجائزة نوبل 2020 رؤية الشعر ومعرفة الوجود

رضا عطية تبدو الشاعرة الأمريكية لويز جليك (1943) التي حصدت جائزة نوبل في الآداب لهذا …