أخبار عاجلة

الخروج إلى الخبز

والدم ُيحرّك كل شيء ..
لم يلتفت الزحام إلى البنت التي دهمتها نوبةُ الصرع،
ها هي تتراجع، ثم تميل أربع خطوات إلى اليسار،
باتجاه باب البيت المجاور للمخبز،
قبل أن يدفعها الرجل المهرولُ ..
والدم يحرك كل شيء
الرجل ذو السيف طعن الشاب ذا القميص الأبيض
وكانت عينا البنت التي دهمتها نوبةُ الصرع، الأقرب إلى الفتحة التي صنعها السيف في بطن الشاب ذي القميص الأبيض
 دفع الرجل سيفه، ثم سحبه بالسرعة نفسها،
فوصل رذاذ من دم الشاب ذي القميص الأبيض إلى وجه البنت
ووصلت معه نوبةُ الصرع ..
والدم يحرك كل شيء
أصابع البنت المتشنجة قابضةٌ على نقود الخبز
والمزدحمون أمام المخبز منشغلون بمناوشة الرجل ذى السيف  بعصىٍّ
متفاوتة الطول، وإغلاق جرح الشاب ذى القميص الأبيض ..
والدم يحرك كل شيء
في غمرة انشغالهم، لم يلاحظ المزدحمون أن البنت التي تهزها نوبةُ الصرع
جريحة من أثر السقطة،
وعلى وجهها رذاذ من دم الشاب ذي القميص الأبيض،
الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة مندهشاً ..
والدم يحرك كل شيء .
النسوة جميعهن
واصل الرضيع صراخه
غير عابئ بالعيون التي تحدق فيه ،
ولا بالهمهمات التي تطالب بإبعاده
أخرجت الأم ثديها، وجلست على الأرض تطعمه
 فتركت النساء الصفّ أمام المخبز ليحجبنها عن العيون،
وفاز الرجال بأدوار إضافية.
النسوة جميعهن،
المرأة التي لم تنجب
وأم البنين الخمسة،
من انقطع طمثُها
والبنت التي لم تتزوج بعد،
كن يشاهدن، في حلقتهن الضيقة
كيف يلتقم الصغير الجائع الثدى المعروق
وكيف يبتلع طعامه في جرعات منتظمة
ويتعرق جبينه
كيف تتأرجح كفُّه الصغيرة التي تلامس
 ثدى أمه
ويرتخي جفناه ويروح في نعاس هانئ،
قبل أن تنهض الأم ورفيقاتها المبتسمات
ليعوضن ما فاتهن من أدوار الخبز.
نوعٌ من الهدنة
مع الوحوش التي تطاردنا في كل مكان
تصبح طوابير الخبز نوعاً من الهدنة
أو الراحة الإجبارية .
قليل من الانتظار
وتنفرج الأسارير
يحكى الرجل الخمسيني عن ابنه الذي أنهي كلية الحقوق
وعمل في محل للاتصالات لينال عشاءه وسجائره،
تدمع عينا الرجل وهو يحكي عن ابنه
لكن دموعه سرعان ما تتحول إلى ابتسامة تشجيع
للشاب الذي يليه في الصفّ،
في السنة النهائية بكلية الحقوق
ويعمل في محل للاتصالات
حتى ينال عشاءه وسجائره
بحديثهما، يربت كل منهما على كتف الآخر
ويستمدان القوة للهرب من الوحوش.
لا أحد ينام دون عشاء،
تقول المرأة الريفية بابتسامة لم يحجبها نقابُها الأسود الرخيص،
وهي تفسح أمامها لامرأة أكبر سناً منها،
 تركتْ ضيوفها دون خبز كاف .
في الحرب
الحاج عبد الحميد
اثنان وستون عاماً من الكدح
خرج إلى صلاة الفجر
وكان قمر آخر الليل شاهداً
الحاج عبد الحميد أطال السجود
ثم جلس يسبح أمام كشك الخبز المطلي بالأزرق والأبيض،
في الحياة متسع لتأمل الألوان الباردة
في الحياة متسع للتوقيع على كشك الخبز
وتأمل دوامات التراب أسفل جدرانه الأربعة
بالأمس، كان الحاج عبد الحميد أول المنتظرين
نال حصته من الخبز
فعرف شعور الفاتحين وقد عادوا إلى أوطانهم
لتكافئهم النساء بأكاليل الغار وأكواب الشاى بالنعناع،
لكنه اليوم وقع تحت الأقدام المتشنجة .
في الحرب،
لا أحد ينظر تحت قدمية
والمحارب الجيد لا يسقط في المعركة .
الحاج عبد الحميد في الثانية والستين
سقط صريعاً تحت الأقدام الجائعة
ولم يعد يحتاج إلى الخبز .
عليكم أن تخجلوا
بينما ننتظر أن نتقدم في الصف إلى الأمام
جاء من يريد الاندساس من الجانب
متجاهلاً ركبتي الشيخ اللتين كادتا تخونانه
وضغط الدم الذي ارتقع عند الجدة المستندة على حفيدها
والصبي الذي ينهي واجباته المدرسية واقفا
التفتنا إلى من يحاولون الاندساس في الصفّ من الجانب
وصحنا فيهم :
أنتم الذين زورتم الانتخابات،
كيف تجرأتم ونبشتم القبور
لتسجلوا أصوات الموتى في كشوفكم
أنتم الذين في الصحف الكاذبة
وفي الأمن المركزي
عليكم أن تخجلوا
وسرعان ما تراجع المندسون إلى الخلف
 مرتعبين من قوة حجتنا
روح الخبز
 الابتسامات المشجعة
والنصائح الودودة
من أفضل النعم التي يمكن أن تنالها
وأنت تضع خبزك الساخن ليبرد قليلاً
إلى جوار الخبز الساخن لجارك
السور المجاور للمخبز
يمتلئ بآثار آلاف الأرغفة، لا مجال للتراب 
وجارك الأكبر سناً، الذي قضى وقتاً أطول مما قضيت في صفوف الخبز
يعلمك بودٍٍّ كيف تقلّب الرغيف باستمرارعلى الوجهين
ولا تلصق رغيفاً بآخر
يعلمك جارك الودود
كيف تضع الأرغفة بانتظام في الكيس الذي تحمله
عندما تهدأ روح الخبز
حتى لا تغضبَ عليك النعمةُ،
حتى تمنحك شهيتك للطعام.
القائد
نفد الخبز
بعد هذه الساعات التي قضيناها واقفين
لقد انتظرنا أكثر من اللازم
ماذا نفعل الآن ؟
انفرط  الصف، لكن لم يتزحزحْ أيٌّ منّا عن مكانه
كنا نحدق في كوة المخبز
وكانت النار تخبو والخباز يترك موضعه
والعمال يغتسلون
وبينما يتأهب كل منا للانصراف باحثاً عن حل لنفسه
صاح الصبي ذو السنوات السبع
أعرف مخبزاً في الشارع الثالث يساراً،
اتبعونى
وتبعناه جميعاً
نساءً ورجالاً، شيوخاً وعجائز وصبية
كانت خطوات قائدنا الصغير أسرع منا، ببيجامته وابتسامته
وحركة يده التي تحمل الكيس البلاستيكي، ملقياً إلينا بالأوامر ..
تعالوا، تقدموا،
ونحن وراءه،مثل جنود يعودون إلى قاعدتهم
مرهقين من المناوشات التي تسبق الحرب .
عندما وصلنا إلى المخبز في الشارع الثالث يسارا
تركناه ينظمنا من جديد 
جميعنا نبتسم للقائد
ونطيع ما يقول .

شاعر من مصر

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …