أخبار عاجلة

الدراما الأمريكية قراءة نسوية

منذ أن طرحت سيمون دوبوفوار مفهوم أيديولوجية الاذعان لدى المرأة في كتابها "الجنس الثاني" 1949 م ، وكشفت من خلالها حقيقة اللاتماثل في العلاقة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة حيث إنه ( الرجل ) هو المحدد لكل ما هو انساني وليست المرأة في جميع الأدبيات والنتاج الابداعي حيث الخطاب الذكوري هو السائد وهو الذي ينوب عن المرأة في طرح مشكلاتها ومن ثم كانت أهمية كلوح دوبوفوار تكمن في تلك القوة التي منحت الحركة النسوية امكانية طرح أسئلتها الأساسية دون نائب ذكوري، ولعل ذلك ما تبدى في كتابات دورثي ريتشاردسون Dorthy Richardson  التي اتخذت لنفسها موضوع وعي الأنثى في روايتها ( رحلة حج ) ، كذلك ما نراه لدى فرجينيا وولف رائدة النقد النسوي ومن بعدها ظهرت كتابات كثيرة في نفس الاتجاه فكان كتاب ماري المان M. Elman  "التفكير حول المرأة " وجوليت ميتشل Muliet Mitchel  التي دافعت عن فرويد في كتابها "التحليل النفسي والحركة النسائية " 1975 من حيث إنه أنه أي فرويد يصف تمثيلا ذهنيا للواقع الاجتماعي وليس الواقع نفسه ، ورغم ذلك فدفاعها عن أفكار فرويد عن الاختلاف الجنسي لم يلق قبولا عند العديد من ممثلات الحركة النسائية .

لقد كان الابداع النسوي تلبية لحاجة فكرية ماسة حيث ليست هناك إجابة عن أسئلة المرأة الحقيقية سوى لدى المرأة ذاتها وخاصة سؤال التعيين كما يذهب فوزي فهمي في دراسته "المرأة وثقافة الاضطهاد" . فالمرأة تولد في ظل ثقافة ذكورية تخلع قيمة رمزية على نوعها وهذه الثقافة المسيطرة هي التي ألبستها قناعا تعيش به حياتها في إطار "كرنفال " ووفقا لأصول هذا الكرنفال ليس لأحد أن ينزع قناع الآخر وكانت تلك هي ألية الضبط الاجتماعي من قبل المجتمع الذكوري" وفي إطار النهضة الثقافية التي تقوم عليها أكاديمية الفنون المصرية التي أصدرت أكثر من تسعة عناوين مترجمة عن هموم المسرح النسوي في أمريكا والغرب فإن كتاب "الدراما الأمريكية الحديثة : قراءة نسوية " الذي قامت على تحريره في الانجليزية وقدمت له الناقدة الأمريكية جون شلوتر June Schlueter  وقام على ترجمته سامح فكري يشتمل على ثلاث عشرة دراسة في مسرح يوجين أونيل ، وأرثر ميلر، وتينسي ويليامز ، وادوارد ألبي، وسام شيبارد وتنوعت هذه الدراسات بتنوع كاتبيها وكاتباتها بين الرؤية النسوية كما تراها المرأة (الناقدة النسوية ) وبين رؤية الناقد الرجل لهذه النماذج النسوية المسرحية وهذه الرؤية الأخيرة لم يمثلها سوى اثنين من النقاد الرجال هما جيفري . د. ماسون وجون تيمباني. وفي مقالتها المعنونة بـ "وحش الكمال : نموذج ستيلا عند أونيل " ترى آن فليش Anne Fleche   مؤلفة المقال أن السمة المعمارية السائدة لدى أونيل تتمثل في وجود شخصية نسائية غير مستقرة ، وان كانت تمثل أيضا محورا بنائيا تتوزع حوله السرديات الذكورية المتصارعة والمشكلة التي تواجه الناقدة النسوية هنا هي كيفية قراءة شخصيات أونيل النسائية دون نزعها من سياقها السردي، وتتبنى أن فليش وجهة نظر "تيريسا دي لوريتيس ,; Teresa de Lauretis التي ترى أن   القراءة النسوية أصبح لزاما عليها أن تتعامل مع غير الممكن فهي قراءة وجب عليها قراءة نص لم يوجد بعد ووجب عليها التحدث بلغة تقف منها موقف العداء" ، إلا أن هذا الطرح المتناقض قد يبدو نوعا من التفكير الخادع والمراوغ فإن دي لوريتيس تقرر : "ان وضعية المرأة في اللغة تتسم بعدم الاتساق فهي لا تجد نفسها الا في فراغ المعنى وفي ذلك الفضاء الخاوي بين العلامات " وعلى ذلك فإنه من الصحيح القول بأن المرأة تمدنا بذلك الفضاء الذي تعمل من خلاله السردية وتحرز من خلاله اتساقها بمرجعيته البيولوجية والصراعات تبدو إذن وكأنها تحدث عبر المرأة وحولها، إلا أنها أي المرأة تمثل شرط السردية وهي حبلى بها ومن التناقض أن نري أنها خارج الجماعة التي هي شرط لوجودها.

وعن «نساء أونيل الشبحيات " تكتب سوزان بير Suzanne Burt  في محاولة منها الى اعادة تقييم معالجة أونيل للشخصية النسوية مستبعدة ما أثير حوله من كونه عدوا للمرأة ، فتطرح عوضا عن ذلك وجهة نظر ترى أن أعمال أونيل تعكس ما نسميه اليوم – "الوعي النسوي" فهذه الكيفية التي يقدم بها أونيل صورا لنساء فرض عليهن الغياب . والحصار والسكوت كما نرى في شخصية ماري تايرون في مسرحية "زيت الحيتان " وشخصية "ماري تايرون " في مسرحية "رحلة اليوم الطويل في جوف الليل ". ترى سوزان في إعادة تقييمها أن أونيل عبر في كلا النموذجين عن توحد لافت مع نفسية المرأة وما تعانيه من حصار اجتماعي وحرمان من الحقوق .

وانتقالا من مسرح يوجين أونيل الى مسرح آرثر ميللر فإن هجوما حادا تشنه جايل أو ستين Gayle  في مقالها الذي يحمل عنوان مقايضة النساء والرغبة الاجتماعية المثلية لدى الرجال في مسرحية موت قومسيونجي (عرفت في الترجمات العربية تحت اسم : موت بائع متجول ) وتشير أوستين الى الكيفية التي تتم بها مقايضة النساء بين الرجال وكذلك الكيفية التي يتم بها تمثيل النساء باعتبارهن "أشياء للمقايضة " وهو من شأنه أن يستبعدهن من دائرة الذوات الفاعلة في المسرحية ، ولتأكيد ذلك المفهوم لدى ميللر فإن أوستين تركز على مسرحية أخرى لكاتبه "جانب آخر من الغابة " لليليان هيلمان والتي ترى فيها أنه على الرغم من أن النساء يسلكن وفق قواعد حددها المجتمع الذكوري إلا أنهن في هذه المسرحية يعظن ذوات فاعلة ، ومن هنا ترى أن مسرحية ميللر "موت قومسيونجي" تمثل حجر عثرة أمام منح التجربة النسائية حضور في الدراما الجادة . وفي نفس إطار النقد النسوي لمسرح ميللر تطرح كي ستانتو Key Stanton  الحلم الأمريكي كما تجسده شخصية ويلي لومان وترى أن هذا الحلم ذكوري التوجه Male – Oriented   وأن تحقيقه يتطلب الاعتماد على النساء فقط مع عدم الاقرار بذلك كما يتطلب تحقيق الحلم قهرهن واستغلالهن عن طريق خلق مجتمع ذكوري داخل العوالم الثلاثة المحققة للحلم الأمريكي والتي تشمل عالم الطبيعة ، وعالم التجارة ، والبيت وهو عوالم يبرز فيها الحضور الذكوري تماما حيث يقوم على سلطة الأب والأخ .

وفي القسم الثالث الذي خصصته المحررة لتحليل مسرح تينسي ويليامز تكشف "انكا فلاسوبولوس " عن مسألة الصراع على السلطة السردية في مسرحية "عربة اسمها الرغبة " لويليامز إذ ترى أن الهوية الجنسية تتحكم في استبعاد شخصية بلانش Blanche  من دائرة الخطاب التاريخي الأوسع مدى. فكل من بلانش وستانلي يقومان بمراجعة تاريخية ويقدمان روايتين تاريخيتين لماضي بلانش ، فهي أي بلانش ترى نفسها كاهنة للآلهة أفروديت في حين يراها ستانلي "مزحة أطلقها رجل عن نساء ساقطات وشبقيات " وعلى ذلك يتم انتخاب رواية ستانلي (الذكر) من قبل المؤلف بالطبع وتحظي بالسلطة داخل إطار الصراع في المسرحية وفي إطار دينامية المسرح نفسه . ثم يجيء مقال جون تيمباني عن (تينسي ويليامز والمرأة المكتوبة ) الذي يتبنى وبنهة النظر الذكورية فإنه يدافع عن ويليامز حيث يرى أن الشخصيات النسائية في هذه المسرحيات تتحطم ولكن ليس بفعل سيادة الذكر أو الأبوية أو العداء للمرأة وإنما بسبب نزوعهن الى التحطيم وبفعل رغباتهن الشخصية ويضيف ان ويليامز بهذه الشخصيات النسائية قد أمدنا بصورة أصيلة  ومعتمدة عن حماقة المرأة ومحدوديتها وأخطائها.

ولعل الأمر نفسه يتكرر من "ويليامز" الى  "إدوارد ألبي" ذلك الأمر الذي يكرس لحماقة النساء وهذا ما تكشفه "ميكي بيرلمان "Mickey Pearlman"   في مقالتها عن "ألبي" . "ما الجديد في حديقة الحيوان : إعادة قراءة أحلام إدوارد ألبي وكوابيسه الأمريكية " حيث ترى أن النساء قويات وعاطفيات ، مدمرات و ومختلات سماتهن الفظاظة ويقحمن أنفسهن . على الفضاءات الخاصة بالرجال ويدمرنهم "  وتخلص الى أن رؤية ألبي أن النساء باعتبارهن  "أعداء للحلم " ليست سوى طنطنة فارغة .

ويختتم الكتاب بدراستين عن مسرح سام شيبارد Shepard  لينداهارت مسألة . التلاقي الحادث بين الصورة العامة للمؤلف : والأدوار الدرامية التي يبدعها كما تسلم بوجود وعي متنام في مسرحياته بالعلاقة بين اختلال النظام والذي يحدثه الذكر والسلطة الأبوية ، ولعل كلا من هذه المقالات التي يضمنها الكتاب ويمثل على حدة إعادة قراءة لنصوص رئيسية في الدراما الأمريكية وذلك من خلال مقاربة نسوية متوسلة بمناهج وطرق تحليل متنوعة ومتباينة ولكنها تصب في نهاية الأمر في مناقشة التصور الذكوري الابداعي عن المرأة وبها ومن خلالها كحالة انسانية وحالة دراسية ، ولعل أهمية هذا الكتاب الدراما الأمريكية الحديثة – إعادة قراءة نسوية تكمن أيضا فيما كتبه مترجم الكتاب في مقدمته : أن القاريء أو القارئة هو المرأة التي كانت بالنسبة لكاتب المسرح هي الموضوع الذي يخضع للبحث والفحص ومن ثم يخضع للتشيؤ/ التشوه وقد أضحت المرأة في هذا الكتاب هي الذات التي تجعل من الكاتب الذي يحوز سلطتين : سلطة الكتابة وسلطة الذكورة ، موضوعا لها وهذا القلب في الأدوار وتحويل الموضوع الى ذات والذات الى موضوع يتمخض عن إعادة النظر في مفاهيم اعتقدنا أنها ليست موضع تحاوز.
 
 
يوسف وهيب (شاعر من مصر)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …