أخبار عاجلة

الرواية المعاصرة واشكالية الكتابة

1- حاجة الانسان الى الحكاية حاجبة قديمة جدا. لعلها مرتبطة بالبدايات الأولى لتشكل النواة المجتمعية . عند اكتشاف الانسان اللغة واندلاع رغبة الكلام داخل جسده الجديد ومحاولة اشباعها بالحكي. وطبيعي أن اللغة هي المرتكز الأساس في صنع الحكايات . لكن هناك عناصر أخرى لها أهمية رئيسية أو ثانوية . ومع استبداد رغبة الكلام والحكي تشكل نوع من التسلط . نجد أثره في الحكايات التي وصلتنا شفافيا ودونت في حكايات متقطعة أو متسلسلة كألف ليلة وليلة ، وعنترة بن شداد وسيف بن زي يرن .ووصلتنا ضمن انماط تفكير أخرى أكثر تعقيدا كالأسطورة (اليونانية والاغريقية والفرعونية ). ووصلتنا بل امتدت داخل جسدنا الحكائي الشعبي، خصوصا الشفاهي الحديث والمعاصر.

1- 1- إن الرغبة في الحكي مرتبطة بالرغبة في امتلاك الآخر. ومرتبطة بحالة أخرى هي اثبات الذات واظهار الاختلاف عن الآخرين الذين هم المتلقي (المستمع والقاريء). لهذا نجد شخصية الراوي تمتاز بسلطة مطلقة في الحكايات . وان المتلقي يصادق على كل ما يصدر عنها ويثمنه . وسلطة الراوي تأتيه من العناصر الاستراتيجية في صنع الحكاية وتوجيه مسارها، وان من البيان لسحرا.

تكتسب الحكاية ، وقيما بعد كل الأشكال السردية والحكائية ، سحرها من خلال طريقة الحكي، أي الصيغة التي ترتب بها الأحداث والحوافز التي تدفع بها نحو النهاية ، ونحو الغاية المتوخاة منها، كالتأثير على المتلقي أو بعث المتعة أو الخوف في نفسه . ومن خلال المحتوى الذي تنقله ويتميز بالغرائبية . لهذا فالحكاية مؤثرة . وهي خطاب أدبي قريب من

الشفاهي يوظف تقنياته . باستغلال الفضاء التأثيثي والتمهيد النفسي لحالات استقبال المحتوى المسرود والمحي. كما أنها خطاب أدبي يستفيد من المنجزات التي تراكمت الى حدود الآن كتابة وتدوينا.

2- في رواية خيري عبدالجواد "العاشق والمعشوق " الصادرة عن دار شرقيات للنش والتوزيع ، نصادف الحكاية الشعبية مجددا. ولعل في تداخل الرواية والحكاية الشعبية بعض المغامرة . والكتابة الحديثة مغامرة . تروع خلخلة ما استكانت اليها الذائقة ، وجعلتها قاعدة نمطية . وكأننا أمام القضية النقدية القديمة الأرسطية ، أقصد "قضية تطهير الأجناس الأدبية وفصلها عن بعضها" لأن لكل واحد من الأجناس الأدبية غديته ووسائله التعبيرية . والكتابة الحديثة والحداثية خصوصا تطرح مشكلة التطهير جانبا لأن الواقع لم يعد يسمح بذلك . فالأجناس الطاهرة تمثل للفكر في حالاته المجردة الصافية . أما الأجناس المتداخلة والمتفاعلة والمهجنة فتستجيب أكثر الى الواقع . لأن الواقع غير متجانس ويخلق وحدته وانسجامه من كل هذا الشاز، تداخل الأجناس ، وتداخل اللهجات ، واللغات (…) والعادات والأعراف .

2- 1- يعتمد (خيري عبدالجواد) على الحكاية الشعبية المتواترة والمتداولة في العديد من البلاد العربية ويوظف تقنياتها أيضا. لكن السؤال المطروح على هذه الكتابات التي تمتدح من الحكايات الشعبية المدونة والشفافية هو : بأية غاية أو كيفية توظف الحكاية الشعبية ؟ هل يقصد من ذلك اعادة الاعتبار لجنس أدبي شفاهي بسيط قديم :؟ هل هي محاولة لاثراء الخيال ؟ هل هي ميثاق ثقافي يضعه الكاتب كجسر يربط بين ما يكتبه وبين رغبة القاريء المكبوتة منذ الأزمنة السحيقة ؟ أم لأن الكاتب يرى أن الشفاهي مايزال مستبدا بفئات اجتماعية كثيرة وواسعة في المجتمعات العربية ؟

إنه سؤال متشعب لكن أصله واحد. والروائي (خيري عبدالجواد) يوحي بالجواب في الفصل الأخير من روايته حين يقول : "… مدينة الأبطال . أصل التسمية أنها قدمت على مدى تاريخها الموغل في القدم كل الأبطال الخرافيين ، نبتوا فيها ونموا حتى اكتملت سيرهم ، خرجوا منها تسبقهم أعمالهم وأسماؤهم تتردد في المعمورة ، ففي كل جيل ، وعلى رأس كل قرن كانوا يوجدون من يجتمعون حوله ويوحد شملهم يروون سيرته ويدونونها في كتب يتداولونها من جيل لجيل ، يضيفون اليها عبر السنين ، وحدث أن المدينة أصابها عقم مفاجيء جفت ينابيع الخيال عند الناس ، تغيرت أحوالهم ، فقدوا الروح التي كانت تجمعهم ، أساطيرهم التي هي مصدر حياتهم ، حكاياتهم وسير أبطالهم نسوها، لم يعد لهم ما يعيشون له أو عليه ، وشيئا فشيئا بدأت ذاكر تهم تشيخ ، أصابهم داء النسيان ، وأخذ العدم

يبتلع كل شيء . في غمار هذه المصيبة التي حلت ، بدأت تنمو حركة سرية أخذت تنتشر في الخفاء تدعو الناس الى إحياء حكاياتهم المنسية تذكر سير أبطالهم ، تنمية الخيال وتنشيطه فقد ينجه في ابتكار أبطال جدد يعمرون المدينة من جديد . ص ( 90).

 2-2 – كل كتابة جادة هادفة لابد آن تعلن عن أهدافها ضمن مسارها الابداعي، وهذا النص المجتزأ من رواية "العاشق والمعشوق " يعلن عن غايات الرؤية ، وعن الدوافع الكامنة وراء ابداعها . لأن الابداع لابد أن يحدد لنفسا غاية قصوى . ليست المتعة فقط . لكن تحقيق الفائدة العامة ، وطرح القضايا الكبرى في صورة جمالية مقبولة . فما الذي يطرحه هذا النص ؟

يطرح علينا النص المجتزأ إشكالا، هو الحاجة الى الخيال المخصب جدا على التوجه الذي اتخذته بعض الكتابات الابداعية المعاصرة . وهذه الاشكال لا يطلب منا أن نتفق معه أو أن ننكره نظرا لعموميته . لكن يوجهنا نحو اختيار في الكتابة . إنه اختيار الاحياء . احياء الموروث الثقافي العربي المكتوب والشفاهي خاصة الحدوتة والحكاية الشعبية على اعتبار انهما أول الأشكال التعبيرية التي عرفها العرب قبل ازدهار التدوين والكتابة . والحق أن الحدوتة والحكاية الشعبية ليستا حكرا على العرب بل هما موروث انساني سانزال نرى امتداداته المختلفة الى الآن سواء أعان شفافيا أو مكتوبا أو مصورا.

2- 3- هل يطرح النص فقط اشكال الكتابة الروائية وكيفية تأصيلها؟ طبعا يطرح قضية أخرى هي قضية الكتابة والنسيان . إن الكتابة الروائية المعاصرة العربية ، استبد بقسط وافر منها الهم السياسي وقضايا الانسان العربي المعاصر المقهور، وضمن ذلك الكتابات الروائية النسائية التي تطرح إشكالية المرأة العربية في مواجهتها للواقع للمجتمع ولاكراهاته . وهو ما جعل الكثيرين يأنفون من الحكاية الشبية لأنها تعتبر تعبيرا ساذجا لا يتجاوز وظيفته التربوية والاخلاقية القائمة على الترهيب . وأنها خرافية تتجاهل الواقع وما يتفاعل داخله . انها نوع هن التعالي عن القضايا الجوهرية والحقيقية وهذا النمط من الكتابة يبرز أمامنا تعارضا قائما بين تيارين في الكتابة الروائية ، هما : الواقعية والكتابة اللاواقعية .

2- 4- هل ندرج كتابة (خيري عبدالجواد) ضمن الكتابة اللاواقعية ؟ الكتابة التي تحتمي بالخرافة وترتديها لباسا واقيا تقي به نفسها من مشاكل لا أدبية ، خارج أدبية ؟

إن هذا النمط من الكتابة يتضمن مشكلته . لأن الحكاية الشعبية لم تستطع أن تطور تقنياتها الشفافية ، ولا أن تتجاوز موضوعي الترغيب والترهيب التربويين .

في رواية "العاشق والمعشوق " يصبح مفهوم الواقع أكثر  تحديدا حتى أنه يحصر نفسه في قضية الكتابة . ومن هنا يجب تقييم وفهم هذا العمل . لأن الكتابة عملية كيماوية عبرها يتم تحويل عناصر الواقع وصهرها لتأخذ أشكالا وصيفا مختلفة ومتعددة . ولا يمكن ادراك الواقع في شموليته إلا من خلال الكتابة . وهو ما يبرر وجود الخرافة والحكاية الشعبية الشفافية والحدوتة والأسطورة والسير الشعبية كأشكال تعبيرية رافقت أنواعا محددة من المجتمعات ومن أشكال الانتاج .

3- بناء القصة :

3- 1 – اختارت رواية "العاشق والمعشوق " صيغة محددة لبناء قصتها . وهي تقوم على التناوب والتداخل الحكائيين المؤطرين ببنية متناسقة متواترة عامة .

تتكون القصة من أربعة فصول تمتاز بالتواتر في البناء. أما الخيط الناظم لهذا التوالي والتواتر هو موضوع الرحلة والسفر. يعثر الراوي على مخطوطة نادرة مسحورة ، يصاب كل من يقرأها بلغة الرحيل والبحث عن صاحبة المخطوط . التي يبدأ اسمها بحرف الميم . وهو ما يؤكد لدينا – تأويلا للقلاقات اللسانية – ارتباط رواية "العاشق والمعشوق " بإشكالية الكتابة . إن كل قاريء رحالة يقطع العديد من الأراضي ، ويصادف الكثير من الأقوام ، وليس كل قاريء بقادر على بلوغ المرام من الكتاب الذي يفتحه بين يديه . وما من الكتاب الا "المعنى". المعنى العميق . ومن هنا نفهم كذلك تعدد القراءات . لأن القراءة تختلف باختلاف المخزون الثقافي لكل قاريء. وجميع القراء يلتقون في المعاني السطحية البسيطة لكن يختلفون في بلوغ المعنى العميق . حيث يتوحد العاشق (القاريء والمعشوق ) المعنى العميق .

3-2- توسع القصة المركزية فضاءها الحكائي من خلال عدد من الحكايات الشعبية الصغيرة . بعضها متواتر على الألسنة في البلاد العربية ، وبعضها الآخر مبتكر أو معدل ، بالتالي يبدو بناء القصة مزدوجا، خط أفقي تتوالى فيه أحداث القصة المركزية (بحث الراوي العاشق عن معشوقته التي سيصل اليها وتنتهي الحكاية وينفلق النص ). وخطوط عمودية تتوزع عبرها الحكايات الصفري التي تستقل بدلالتها وبنائها . وقد تتواشج مع ما تقدمها . إلا أن البناء العام للخطاب لا يستقيم الا بوجود الخطين معا، الأفقي والعمودي.

3- 3- تعتبر القصة المادة الحكائية التي تتفاعل فيها الشخصيات وتحدث بها أحداث . بالتال فإن الأحداث التي توجد في رواية "العاشق والمعشوق " تتوزع على نمطين : نمط خاص بالقصة المركزية تحدده الغاية القصوى. ونمط خاص بالحكايات الصفري. تنقسم وظيفتها بين :

أ – عتبة لما سيأتي أو أنها عتبة لاستمرار تطور الحكاية الكبرى. كما حدث مثلا مع عفريت الجبل (عفريت الحكايات ).

ب – لغز يقصد منه الافصاح عن وضعية ما أو تلقين درس كما حدث مع شيخ الكلام .

ج- حكايات استردادية يسترجعها المؤلف للعبرة .

د – حكايات تصرف فيها المؤلف بغاية إزالة الغبار عليها ورد الاعتبار لمخيلتنا الموروثة .

والأحداث المكونة للقمة الكبرى والحكايات الصغري تلتقي في كونها تمتدح من المحكي الشعبي. فما دامت أغلب الشخصيات فوق طبيعية (العفريت ، الجن ، شخصيات متناسخة ، شخصيات تظهر وتختفي فجأة ، حيوانات خرافية …) فإن الأحداث تنتمي الى ذات الصفات الغرائبية والعجيبة ، والى الفجاءة . وهذه يلمسها القاريء لأن بناء متخيل رواية "العاتق والمعشوق " يقوم على العجيب والغريب .

3-4 – ينقسم الحدث في الرواية الى :

أ – حدث فجائي: وطبيعته أنه لا يستند الى محفزات تتقدمه وتمهد لوقوعه . وبالتالي يفاجأ به المتلقي. وهذا النوع من الأحداث يعتبر من مرتكزات البناء العام للخرافة والحكاية الشعبية .

ب – حدث غريب محكي: وهي أحداث يصعب تصديقها أو أنها زير قادرة على الاقناع والاستساغة وغالبا ما تكون مكونا من مكونات الحكاية الصغري.

ج – حدث عجيب : وهو حدث من طبيعة تكوين الحكاية ونسوق كمثال على ذلك (فك الطلاسم ، والاجابة على سؤال العفريت لتخليص الذات من الهلاك والفتك والسماح لها بإتمام الرحلة نحو الهدف المنشود).

والفرق بين الحدث العجيب والحدث الغريب يعود الى طبيعة جوهر الحدث الخرافي ، ومدى انسجاما وسيرورة المحكي الشعبي. فيطلق الحدث العجيب على كل حدث لا ينتمي الى الأحداث المتداولة في الواقع .وان كان الواقع أغرب من الخيال في كثير من الأحيان _ لكنه محض خيال ، وأن الذي يقوم به ينتمي الى عالم عجيب كل عناصر0مختلفة عن الواقع . عن العلاقات السائدة في الواقع ، عما كوناه من تصورات عن الواقع الخارجي العام . ومن عناصر0الأساسية الشخصية . الفوق _ طبيعية القادرة على تحدي صرامة الزمان لتصبح في المطلق . وتتخذ طبيعة الديمومة والاستمرار مع قهر الموت . فهي تتحول ولا تموت بالتالي فاختفاؤها ليس إلا نهاية حالة وبداية حالة ظهور جديدة .

أما الحدث الغريب فيمتاز – اضافة الى قدرته على قهر رتابة الزمان والمكان ، أي ما يتحكم في الانسان الواقعي الحقيقي – بكونه أشد ايغالا في الغرابة فلا يحافظ على سير الحكاية بل يفجرها ويربك نظامها بما ليس له سند في الحكاية وليس بقادر على خلق الانسجام داخل مخيلة القاريء. وبالتالي لا نجد له تبريرا لا في الحكاية – ولا في غاياتها أي لا في بناء الحكاية ، ولا في المقاصد التربوية والاخلاقية أو الجمالية للحكاية ، والاجتماعية أيضا لأن الحكاية قديما كالأسطورة ليست ترفا فكريا بل هي نمط تعبير ونسق تفكير من خلالهما كانت الشعوب الأولى تفهم وتفسر الوجود، وفي الخرافة لحانت تخزن معرفتها عن الموجودات ، وضمنها كانت تتصور نظام حياتها (البسيطة ) وما ينبغي أن يكون عليه (نظام الحياة ) . وقد ارتبطت الحكاية بالسحر والكائنات الغريبة والعجيبة نظرا لبساطة الانسان قبل احكام سيطرته على الطبيعة .

7- 5- لا يمكن ضمن الانماط الحكائية القديمة العزل بين المكونين ، الشخصية الحكائية والحدث الحكائي (الأفعال ). لأن الأفعال مرتبطة بالشخصيات تحدث للشخصية (البطل ) وتحدثها للشخصية (المساعد والمعيق ). وقد أطلق عليها بروب الوظائف . وهي مجموع الأحداث المتسلسلة ، سواء أكانت فجائية _ كما أوضحنا _ أو عجيبة أو غريبة . وسواء أحدثها البطل أو المساعد أو المعيق ، أو حدثت لهم.

وللشخصيات حضور مرتبط بوظيفتها ضمن المسار الحكائي، فالبطل شخصية محورية وتجب فيها الصفات التالية : الاقدام والجرأة على خوض المغامرة وركوب الخطر. وهي شخصية من أنصاف الآلهة (في الأسطورة ) تمتلك الجسد الأرضي القوي وتمنحها الآلهة الذكاء والجمال والمساعدة . وبالتالي فالبطل متفوق على بقية الشخصيات . أما الشخصيات الأخرى المساعدة والمعيقة فتلزمها وظيفتها بالتمظهر حسب الغاية والمهام . يختلف المساعد بين إنسان أو حيوان أو شيء سحري. والمعيق أيضا قد يكون انسانا (زوجة الطحان ) أو حيوانا (الأسد _ الطلسم ) أو عفريتا (عفريت الطاحونة ).

3- 6- ان ما يجعل من مؤلف "العاشق والمعشوق " رواية هو بناء المحتوى / القصة ، وصيفة الحكي. فاعتماد المؤلف على التضمين يعطي النص صيغة الابداع . وليبعد عنه صفة التكرار والاعادة واسقاط حمولة مودوثة على النص الابداعي. وتبرز هذه العملية الابداعية مسألة التعامل مع التراث ، فهناك فرق في اعتقادي بين التراث كنص مستحدث وبين الحمولة الايديولوجية للتراث . والفرق قائم على الاختلاف الزماني والمرحلي بين الاستعمال القديم حيث كانت الخرافة والحكاية الشعبية الشفافية عموما أحد أهم أنماط التفكير البسيطة لدى الانسان الأول وبين الاستعمال الحديث حيث تفقد الخرافة والحكاية الشعبية وظيفتها وتصبحان محكومتين بالسياق الجديد.

4- من المحاور الأساسية في بناء الحكاية الشعبية اللغة . وفي رواية "العاشق والمعشوق " لخيري عبدالجواد اهتمام باللغة تمثل في بساطة تركيبها واستعمال ما يلائم المواقف مع الالحاح على توظيف ألفاظ دارجة في اللهجة المصرية . هذا ما يعطي الانطباع بأن (خيري عبدالجواد) يكتب الرواية من خلال استنطاق الحكاية الشعبية ويبرز أيضا اعتماده في التأثير على المتلقي من خلال "الميثاق الحكائي" أي مخزون الانسانية من الاشكال السردية والمحكيات البدائية البسيطة .

4- 1- إذا كانت الشخصيات والأحداث متلازمين فإن اللغة لا تنفصل عنهما، وعن صيغة الحكي وطريقة نقله ، فاللغة هي القناة الأساسية التي تمر عبرها الأفعال والأوصاف . ومن خلالها تتشكل الحكاية وتنتظم عناصرها وهادتها. لهذا فاللغة في "العاشق والمعشوق" تتوزع بين لغة تصف بدقة المكان مع اضفاء العجيب عليه . وهي صيغة موروثة انتقلت الينا عبر الزمان . واذا كان الوصف الدقيق للمكان أو للشخصية الأدبية (= القصصية ) قد اعتبر دليلا على الحكي الواقعي التقليدي، فإنه في الخرافة والحكايات الشعبية ينهج سبيلا أخرى متأثرا بطبيعة ما ينقله فالمكان في الخرافة مختلف عن المكان الواقعي (في وصف المدينة وسبب عمارتها وهلاكها – صخرة الأحلام – بيت الأحزان ) . ونسوق هنا مثالا على الوصف الدقيق (- لغة الوصف الدقيق )، يقول : "… وتقدمت بضع خطوات حين لمحت عن بعد عدة أبنية متناثرة ، شددت حيلي وأخذت أجتهد حتى أصل اليها، بدت لي البيوت مهجورة وكأنها بنيت بالمصادفة فلا توجد طرقات أو شوارع وميادين لا سور يسورها ، فكل جهاتها مفتوحة ، لم أجد أحدا في طريقي فأخذت أتوغل بينها، بيوت طوابقها بنيت على الأرض بلا سلالم ، تدخلها من أي طابق فالأول مثل الأخير ، وبيوت تنتهي فجأة في الفراغ ، دون الكمال ، وأخرى مائلة على جنبها كأنها توشك على سقوط ، وبيوت معلقة في فراغ فلا أحد يستطيع الوصول اليها.." ص ( 84).

مثل هذا المجتزأ كثير. لكنه وصف مسرود لأنه لا يتوقف نهائيا على التقدم نحو غديته ، وما الوصف إلا وسيلة لغوية وتقنية كتابية تسعي الى التوغل في الغرابة وصف دقيق لما تتمثله المخيلة وما يقتضيه فضاء الخرافة والحكايات

4- 2- تتخذ اللغة في "العاشق والمعشوق " ايقاع نبضات القلب حالة الولع فتأتي الكلمات متدفقة منسابة دليلا على الحرقة ، ودليلا على التحول والاقامة في منطقة الوجد. وتصبح اللغة شبيهة بالرقصة الأخيرة في (بيت المسرات ) رقصة المخاض . "أجسادهن تلوت في ليونة ورشاقة ، الدوائر تداخلت في بعضها البعض ، بينما تسارعت أنفاس الجميع

وعلا لهاثهم وهم يتشكلون بمختلف الأشكال " . ص ( 94).

5- هل تبحث الرواية العربية من خلال النصوص مع بعضها على فضاءات جديدة ؟ هل يعتبر ذلك مرحلة تجريبية يختبر فيها المبدعون قدراتهم لارغام اللغة العربية على البوح بمكنوناتها المحزونة منذ أزمنة غابرة ؟ هل يعتبر ذلك محاولة لتأصيل جنس الرواية في الثقافة والواقع العربيين ردا على النزعات التشكيكية التي جعلت منا أمة الشعر وتحرمنا من امكانية السرد؟ كل ذلك يعد الغاية القصوى لدى المبدعين العرب . ولهذه المغامرة والمخاطرة تبعاتها التي لا ينبغي تهيبها. مثلا في رواية "العاشق والمعشوق " يتردد في أو دية وشهاب القراءة صدى حكايات شعبية انهكها الحكي ، ومفاجآت أصبحت متوقعة ، وبالتالي تخلت عن وهجها واثارتها. لكن الأهم في الكتابة الروائية القائمة على التداخل النصي وخاصة النص الموروث ، حكاية وأسلوبا ووقائع تاريخية وسيرية ، هو صيغتها الخارجية (الخطاب ). إن هذا الاستنتاج يعطي الانطباع بأن كتابة هذا النمط من الروايات يعد لعبا، أوكد ركائزه التوزيع والترتيب للأحداث والحكايات وللأساليب اللغوية . إنه فعلا لعب تتجدد من خلاله المادة . وهو ما نستفيده من الدراسة النحوية : ترهيب الجملة الذي يؤدي الى تغير ليس في الاعراب بل كذلك في الدلالة . وهو ما أكد عليا الجر جاني من خلال مفهوم "النظم ".

يقترح علينا (خيري عبد الجود) حكايات شعبية شيقة سبق تداولها ومعرفتها لكن بطريقة صهرها مجددا ضمن قالب /تركيب يضفي عليها صفة الجدة ويمنحها مجددا القدرة على الانبعاث . وبهذا الصدد نقول عن تجربة (خيري عبدالجواد) انها محاولة التحقق من القول المأثور عن الجاحظ : المعاني مطروحة في الطريق … وأن الابداع ينبعث من سديم الخيال ، ومن منسيات القول والحكي ثم ان رواية "العاشق والمعشوق " بحث في الكتابة من خلال المكتوب والشفاهي الشعبيين ، وهي بحث في المعنى العميق الذي لا يصله من القراء الا من استمسك بالصبر وأخلص للمغامرة العشقية .
اشارة:

"العاشق والمعشوق"(رواية) خيري عبدالجواد.دارشرقيات للتوزيع والنشر . الطبعة الاولى.

القاهرة مصر. 1995
 
محمد معتصم ( كاتب من المغرب )  

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …