الرومانسية* لروبت والير

ترجمة: عبدالله علي العنزي/ مترجم كويتي
مراجعة: طارق فخرالدين/ اختصاصي أول في اللغات والترجمة

إن وقوفي اليوم هنا يبدو أكثر من مجرّد مُصادفة غريبة؛ ففي هذا المبنى وفي هذه الصالة تحديدًا استلمت شهادتي الجامعية في عام 1962. وقبل ذلك كنتُ قد أهدرتُ هنا ساعاتٍ لا حصر لها من سنوات شبابي. فقد لعبت كرة السلة ضمن ما كان يسمّى آنذاك بفريق كلية معلمي ولاية أيوا. وعلى مدى ثلاث سنوات ركضت بسروالي الرياضيّ القصير في أرجاء هذه الصالة مراوغا وراميًا الكرة. ما زال صوت والدي الراحل يتردّد في أذني بصيحاته التشجيعيّة لي من جوانب الملعب حينما كنّا نخوض معركة ضد فريق جامعة شمال داكوتا أو فريق ولاية جنوب داكوتا. فقد اعتاد والدي القدوم بسيارته من مدينة روكفورد في ليالي شتاء أيوا الباردة ليضمّ صوته مع أصوات 4000 طالب لطالما ملأوا هذا المكان أثناء جرينا ولعبنا موسمًا تلو الآخر. كان والدي يعتقد دائمًا أن بوسع الكتب أن تجعلني أكثر سعادة من كرات السلة. ولقد كان محقًّا، ولكن هذه حكاية أخرى نرويها في وقت آخر.
إذن هذا المكان مليء بالذكريات، والذكريات جزء مهمٌّ عمّا أريد التحدث عنه اليوم. وحيث إني أشغل منصب عميد كلية الدراسات التجارية، فأنا متأكّد تمامًا أن بعضكم قد حضر متوقعًا الاستماع لنصائح مهمة حول أسْهم شركات الحواسيب الصغيرة، أو ربما عن آخر أخبار تذبذب ضخّ السيولة النقدية. آسف، فلن أحدثكم عن ذلك؛ كما أنّني لن أحدثكم عن (1) مدى جودة تعليمكم، ولا عن (2) الفرص الرائعة التي تنتظركم، ولا عن (3) أهمية قيامكم بتغييرات جذرية ودائمة في محيطكم.
ما أريد أن أتحدّث عنه اليوم هو أمرٌ مختلفٌ قليلا، أمرٌ يجعل كلّ مناحي العيش وكلّ ما تتوقون إلى القيام به أمرًا جديرًا بالاهتمام. بل أكثر من ذلك، إنه يجعل الحياة وتجربة خوضها أفضل حالًا عمّا هي عليه الآن، أفضل كمّا ونوعًا. اليوم سأحدثكم عن الرومانسية.
بحثت عن تعريف الرومانسيّة في العديد من القواميس. وكما توقعت، أن قراءة تعريفات الرومانسية هي أكثر عمل غير رومانسي. ولذا لن أقوم بتعريف الرومانسية، على الأقل ليس بشكل مباشر. لكنكم ستتلمسون روحَ الرومانسية التي أريد من خلال ما سأقول عنها.
أنا موسيقيّ ومؤلف أغانٍ. إحدى أغنياتي التي أسميها ” في عصر السهول الممتدة ” تبدأ بهذا الشكل:
أراك الآن كما كنت حينئذ
في أوان العصر في السهول الممتدة
(ألا تذكرين الزهور،
ألا تذكرين الريح؟)
عارية قد رقصت في غبار أواخر الخريف،
حينما اعتلى الشتاء القاسي مهددا الأفق الرمادي
(ألا تتذكرين أولئك الذين كانوا أحرارًا؟
قد طردناهم من حياتنا)
حينما أغني هذه الأغنية، فإنها تُعطي انطباعًا أنها عن امرأة. وهي ظاهريا كذلك، ولكنّها أيضا أغنية عن فكرة الرومانسية، فهي (واعذروا التأنيث هنا) كما لو أنّها ترقص أمامنا، ثم ما تلبث أن تخرج من حياتنا ما لم نعاملها على النحو الصحيح. الرومانسية، كما ترون، تستوجب الرعاية، فالرومانسية بحاجة لغذاء وماء وعناية من نوع خاص. بمقدورك أن تحطم الرومانسية، أو على الأقل تطردها بعيدا عن حياتك، ومن دون أن تعلم أنّك تقوم بذلك تقريبا. اسمحوا لي أن أضرب لكم مثالا.
كانت هناك أستاذة في هذا الحرم الجامعي تعمل على كتابة أطروحة الدكتوراه، وقد كانت تقوم بإجراء مقابلات مع أشخاص متزوّجين كجزء من أطروحتها عن موضوع الزواج. عندما طلبت منّي ومن جورجيا آن المشاركة في الإجابة عن أسئلتها، فكّرنا ثم رددنا بكل أدب “لا” لا نرغب بالمشاركة. نحن متزوّجان منذ ما يقرب من 22 عامًا، ونحتفظ بمستوى عالٍ من الودّ والبهجة في علاقتنا، ولذا ربما كانت لدينا بعض الملاحظات المُفيدة عن الزواج. إذن لماذا قرّرنا عدم المشاركة؟ لأننا اتفقنا على أن التّحليل المفرط لمواضيع معيّنة سيزيل الرومانسية عنها. وعلاقتنا هي إحدى تلك المواضيع.
تتراقص الرومانسية خلف نور النار المشتعلة، وفي زوايا عينيك. فلا يروق لها أن ينظر إليها بشكل مباشر؛ وهي تفرّ من برودة ضوء المنطق وتجميع البيانات والتحليل عندما ينصبّ نحوها. إذا ألححت على دراستها فإنّها تتفكك أولاً ثم تذوب ثم تستحيل إلى لا شيء على الإطلاق.
ذكر وايت E. B. White ذات مرّة شيئًا مشابهًا عن النّكتة، حينما قال إنه “يمكن تشريحها، كتشريح ضفدع، لكنّه سيموت أثناء العملية، لتبقى أحشاؤه حينها بلا قيمة سوى للعقل العلمي البحت”. إذن لا يمكنك الوصول للرومانسية من خلال المنهجية الاختزالية الغربية.
أعلم أنّي لا أتحدث عن الرومانسية هنا بمعنى الحبّ بين شخصين. فلا يمكنك أن تكون في علاقة ملؤها المحبة مع آخر ما لم تكن رومانسيًّا أولاً. ومعظم من أعرف من الأشخاص ليسوا غارقين في الرومانسية. لعلّهم كانوا كذلك يومًا ما، أو ربّما أتيحت لهم فرصة بأن يكونوا رومانسيين ولكنها رومانسية قد ضاعت في متاهات الدروب، وغرقت في خضمّ الحياة، وتحطمت على أيادي أولئك المعلمين المهووسين بالتحليل، وعلى قهقهات الساخرين ممن يصفون الرومانسيين بالحماقة والضعف. ترمق الرومانسية هؤلاء ولسان حالها يقول “لن أبقى؛ فالمقام هُنا باردٌ جدًّا”.
قد تتساءلون كيف يبدو الرومانسيون؟ الجواب هو أنه لا يمكنك التعميم. وزد على ذلك أنّ وضع قائمة لصفات الرومانسيين يوقعنا في ارتكاب خطيئة تحليل الرومانسية وتفتيتها لأجزاء صغيرة، وقد حذّرت من فعل هذا من قبل. لذا فإن أفضل طريقة لمعرفة الرومانسي هي أن تكون قريبًا من أحدهم. وستعرف حينها لا محالة. إنك تشعرُ بحماستهم الجيّاشة، وتشعر بحدّتهم العاطفيّة في تعاطيهم مع الحياة، وفي اهتمامهم أحيانا لأمور قد تبدو للآخرين أنها سخيفة وليست ذات جدوى- كاحتفاظك بمقعد قديمٍ لازمك خلال أيامك الدراسية وربّما في أولى مراحل حياتك المهنيّة، أو سكين لفضّ الرسائل يوجد على مكتبك عامًا بعد عام، أو صندوق خشبي بسيط. تعرف الرومانسي من نبرات صوته، فإنها ترقص لأن عقله في حالة نشوة راقصة.
أستطيع أن أقول لكم بكل تأكيد: إن جميع الرومانسيين يستلطفون الكلاب والقطط وربما بعض المخلوقات الأخرى، ويفضّل أن تكون من الحيوانات المشرّدة التي تأتي لأجل قليل من الطعام وتقرر البقاء والمشاركة في الجنون الذي تشعر به في هذا المكان حيث الطعام والضحك. الحيوانات تعشق الرومانسيين، لأنها تعرف أنهم لن يخذلوها.
من المهمّ أن أشيرَ هُنا أنّه لا يتحتّم عليك أن تكون شاعرًا أو رسّامًا أو عازفًا موسيقيًّا لتكون رومانسيًا. في الواقع، أعرف أشخاصًا لديهم مثل هذه الاهتمامات وهم بكل تأكيد غير رومانسيين. ومن ناحية أخرى، كان أندرو كارنيجي رومانسيًا، وكذلك كان جوزيف سميث عندما قاد معتنقي المورمونيّة باتجاه الغرب الأمريكي. ولقد رأيت كم من بائعي بوليصات التأمين في الحانات التي كنت أعزف فيها وكانت ترتسم على وجوههم وتنبعث من دواخلهم الابتسامات المبتهجة حينما أبدأ أغنية عن الريح والزهور وعن دروب الأسفار الممتدة إلى الأبد.
قد بين روبرت بيرسيج Robert Pirsig ذلك جيدًا في كتابه معتقد الزين وفن صيانة الدراجات النارية عندما ألمح أن “بوذا … يتربع بكل ارتياح على الدوائر الالكترونية في جهاز حاسوب رقمي أو تروس ناقل حركة دراجة نارية تماما كما يفعل على قمة جبل أو داخل بتلات زهرة. وأن التفكير بخلاف ذلك هو مهانة لبوذا – أي مهانة المرء لذاته”.
بمعنى آخر تبقى الرومانسيّة أمرًا عمليًّا. إنها تمنح حياتك وتفعم عملك بالإلهام والأمل والاهتمام. وحيث إنك قد تعمل لأجل الآخرين وليس فقط لنفسك، فإن عملك يتسم بجودة إضافيّة ما كنت سوف تحصل عليها من دون الرومانسية. تستطيع القول إن الرومانسية تمدّك بجوهر الحياة، وحينما أقول ذلك أشعر باستنزاف ليس بالهيّن في منظومتي الشخصية، عندما أرى أن الرومانسية تستعد لمغادرتها.
دعوني أنتقل الآن للحديث عن كيفية نيل الرومانسية والإبقاء عليها. إن الرومانسية صعبة المنال وصعبة الاحتواء وسهلة الضياع. ولكن إذا كنت حقًّا عازما على التخلص من الرومانسية، إليك بعض الاقتراحات الموجزة:
– كن مهووسًا بالترتيب والتنظيم، خاصة في طريقة ترتيب مكتبك.
– قم بوضع سجّادة باهظة الثمن في منزلك، وعندما يقوم الكلب بالمنزل بتوسيخها أو حينما يسكب عليها أحد أصدقائك شرابا تقوم القيامة ولا تقعد.
– لا تستمع لأي موسيقى جيدة. فتجاهل باخ Bach وموزارت Mozart وبيت سيغر Pete Seegerوبول وينترPaul Winter. بدلاً من ذلك، استمع فقط إلى أفضل أربعين أغنية شائعة في المذياع. هذه أفضل طريقة للتخلص من الرومانسية من حياتك، فهي تحب الرقة والإيقاع الهادئ.
– التّركيز المفرط على التفاصيل والإجراءات الشكليّة على حساب الرؤى والأحلام، والتأمل، هي طريقة أخرى جيدة لطرد الرومانسيّة. وقد أتقنا نحن الأكاديميين هذا النهج في عالمنا الأكاديمي.
– قم بشراء بطاقات أعياد الميلاد وبطاقات المناسبات السنوية وما شابه ذلك بعباراتها الجاهزة المنمقة بدلاً من كتابتها بنفسك. كلنا شعراء ولكن بعضنا قد فقد ألحانه منذ زمن. وكما قال راي برادبري Ray Bradbury ذات مرة، واصفا الناس بشكل عام “وكانوا جميعًا، عندما أصبحت أرواحهم دافئة، شعراء”.
وأخيرًا، أضمن طريقة لفقدان الرومانسية إلى الأبد هي قيامك بأعمال لأجل المال فقط، على الرغم أن كل ذرة فيك تصيح وتقول لا يجب عليك القيام بهذا.
الآن، ومن دون ترتيب معين إليك بعض الاقتراحات لإبقاء الرومانسية حولك (أو لاستعادتها إن رحلت):
– اقرأ كل يوم بعضًا من الأشعار. بالنسبة للمبتدئين، جربوا قراءة نزرٍ من شعر ييتس Yeats، ثم جانب من قصائد كيبلينغ Kipling (مع بعض قصصه). أعرف أن كيبلينغ قد يبدو الآن منتميا بشدة إلى الماضي ولا يتماشى مع ما هو سائد الآن، لكن الرومانسي لا يكترث أبدًا وغير معني بما هو سائد على أي حال.
– ضع لنفسك جدولًا جديدًا لقراءاتك. جرّب الآتي: عوضًا عن التقلب في السرير، استيقظ مبكرًا – ربما في الرابعة صباحًا في يوم الأحد الشتوي، عندما تعصف رياح أيوا القارصة المعروفة القادمة من أقاليم داكوتا. فإن هذا يفعل الأعاجيب. وعلاوة على ذلك ستتولد لديك متعة خفيّة كونك متيقنًا لحدٍّ معقولٍ من أنّك الوحيد في النصف الغربي من الكرة الأرضية الذي يقرأ لكيبلينغ في تلك اللحظة بالذات.
إليك فكرة أخرى، في مرحلة ما من مراحل حياتك، قم ببناء منزلك أو على الأقل الأجزاء الأكثر حميميّة منه. قم بتصميمها أيضًا بكل ما أوتيت من أفكار. سوف تستمد من ذلك متعة ورومانسيّة لا حدّ لهما حينما تعبر من خلال مداخل المنزل، مدركًا أنك قد وضعت الباب في مكانه الجديد بفكرك وجهدك الشخصي.
قم بجمع الأشياء الصغيرة، مثل سكين قديم لفتح الأظرف على مكتبك أو صندوق صغير كتذكار منذ كنت طفلا. في إحدى مراحل حياتي كنت قد عانيت من عبء الأعمال الإدارية، وكان ذلك باديا على محيّاي، أعطاني أحد أعضاء هيئة التدريس وقتها نايا خشبيا صغيرا مع قصاصة ورقية مكتوب فيها “لا تدع ملهمتك تهرب”. والآن، احتفظ بالناي في مكان حيث يمكنني دائما رؤيته.
اعزف على آلة موسيقية. تستطيع أن تستفيد من العزف في وقت الصباح الباكر عندما لا تكون القراءة الشيء الذي ترغب فيه حينها. لا تقل لي أنك لا تتمتع بحس موسيقي ولا تخبرني بربّك أنك لا تملك أذنا موسيقية. فإني ببساطة إن جاز التعبير لن أسمح بذلك، أما إذا أخفقت محاولاتك أو لم تخفق، عليك بشراء آلة القانون الموسيقية الأبلاشي. ستحصل منها على أصوات دافئة وغريبة على الفور ومن دون معرفة سابقة عن العزف. حاول قراءة بعض من الشعر الصيني القديم بينما تعزف على الآلة. فإن لهذا تأثير السحر.
السفر مفيد للرومانسية. ولكن لا تكن مجرد مسافر عادي، بل مارس السفر. هذا ما تحتاج إليه: كراسة لتدوين الملاحظات، بوصلة صغيرة، كتيّب صغير بحجم الجيب لأطلس العالم، ومنظار مكبّر للنظر من نوافذ الطائرات أو من فوق أسطح منازل مدينة باريس أو على امتداد الممرات الريفية في إنجلترا. ولكن وجب التحذير هنا: إذا كنت مسافرًا مع رئيسك أو رئيستك في العمل، وإذا كان لا يؤمن بالرومانسية، فعليك التحوّط. فقد لا ترغب في أن يراك الآخرون حاملا البوصلة والمنظار في الطائرة. ولكن إذا كنت رومانسيًا حقيقيًا، فلن يهمك هذا الأمر كثيرًا، لأنك ستكون رائعا فيما تفعله ولن يملك رئيسك إلا أن يهز رأسه ويتمتم ببعض العبارات حول ما يجب على المرء تحمله للحصول على جودة العمل في هذا الزمن.
احتفظ بسجل جيد ليوميات حياتك وأسفارك. هذا مهم للغاية. أجد متعة في قراءة مشاهداتي وإعادة قراءة مغامراتي في الأسواق القديمة في السعودية، حيث كنت أساوم باعة الذهب والفضة باحثا عن هدايا أقدمها حينما أعود للديار، وحينما كنت أجوب شوارع مدينة الرياض في وقت متأخر من الليل مع سائق سيارة أجرة بدوي مع صوت الموسيقى العربية الصادر من شريط في مسجلة السيارة ومحاولته أن يعطيني دورة تدريبية قصيرة بلغته الأم، بينما أفضل ما كان يمكنني فعله هو تعليمه أن ينطق عبارة “كلينيكس” مشيرا إلى علبة مناديل ورقية في سيارته.
كما يروق لي أن أعرف -كما هو مكتوب في كراسة مذكراتي- أنني كنت في مدينة ريتشموند، في ولاية فيرجينيا، الساعة 7:55 صباحًا. في تاريخ 7 يونيو، 1981، أو أنني كنت في باريس أمشي على بياض الثلج في يناير 1982، أو أنني كنت في إحدى المرات في خليج مونتيغو، جامايكا، في فصل الربيع.
وقرأت في دفتر يومياتي مذكرة مؤرقة بهواجس انتابتني بشكل فاق كل شيء حيث كتبت “12:24 من بعد الظهر، الآن في ولاية أيوا (حيث الوقت 3:24 صباحا) جورجيا وراشيل تغطان في النوم، وأنا أحلق فوق الأجواء المصرية “. عندما كتبت ذلك، أتذكر أنني قد شعرت أني بعيد جدًا، وعلى نحو أبعد من مجرد مسافات وأميال.
لطالما تركتني مساعدة مكتبي لوحدي عندما أكون متأخرًا في إنجاز بعض الأعمال، خاصة حينما لا يكون عملا ممتعًا، والطقس بارد وملبّد بغيوم شهر نوفمبر الرمادية وزخات المطر لا تكف عن الارتطام بنوافذ الطابق الثالث لقاعة سيرلي. إنها تعرف حينها أنني في حالة سفر. أقف ويديّ في جيوبي محدّقًا عبر تلك النوافذ، مطمئن البال لأني أعلم أن الطائرات الكبيرة في مكان ما تحلق متجهة لبومباي أو بانكوك، إلى بريسبان أو برشلونة، والرومانسية تنساب على امتداد أجنحتها.
الرومانسية ليست مرتبطة فقط بالرحلات المغادرة. إنها ترادفك وتعتلي كتفك عند عودتك للديار، حينما تكون كرّاسة ملاحظاتك ممتلئة بمشاهداتك الخاصة، وحقيبتك مليئة بالملابس المتّسخة، قبيل أيام من أعياد ميلاد المسيح ومطار هيثرو في لندن في فوضى الزحام، حينما تكون جميع الرحلات الجوية محجوزة فوق طاقتها. ولكن بعد برهة من الزمن ومن مقعدك في الطائرة ترى اختفاء لندن، وأيرلندا في الأسفل؛ وعندما تخرج كراسة ملاحظاتك مرة أخرى، وتدون فيها “يا إلهي، كل ما أريده الآن هو رؤية جورجيا وراشيل والجراء الصغيرة والقط رودكات، وأن أتناول طبقًا كبيرًا من معكرونة جورجيا الشهيرة عالميا”.
أخيرًا، عليك أن تجتهد في تذكر أنّ الرومانسية منتشرة في كل مكان حولك. فهي ليست في مكان آخر. وإليك مثالين على ذلك:
اضطررت في إحدى المرات للذهاب إلى جزيرة أواهو في هاواي. أخبرني كثير من الأشخاص قبل ذهابي، كيف أن أواهو وخاصة هونولولو أصبحتا بلا جاذبية؛ بل ومتهالكتين. للوهلة الأولى بدا لي ومن دون شك أنهما كذلك. قلت لنفسي “ولكن الرومانسية حتما لا تزال في مكان ما هنا “. لم أوفّق في رؤيتها في بادئ الأمر. فرؤيتي كانت محجوبة بصورة نمطية لمغني الأغاني التقليدية دون هو- من هاواي- واقفا يتناول شراب كريمة جوز الهند. لكن شيئًا ما هناك لفت انتباهي – إنها الرومانسية، واقفة خلفه، وتقفز مرحا للأعلى وللأسفل وتلوح لي بيديها. استيقظت قبل الفجر وتوجهت إلى الشاطئ، رفعت بنطال الجينز، وتقدمت نحو البحر ووقفت يلفني الفجر الرمادي قبل بزوغ ضوئه، وبدأت بعزف الناي وصوت ارتطام الماء يحيطني، كنت أتساءل كيف كان يبدو هذا المكان عندما وصل القبطان كوك قرب منطقة دايموند هيد لأول مرة بأشرعته المنتصبة مع الرياح التجارية الدائمة الهبوب. كان يوجد عدد قليل من الأشخاص على الشاطئ، لكنهم لم يعيروني أي اهتمام، فقد أتوا لنفس الأسباب. حينما انتهيت من العزف سمعت صوت تصفيق آتيا من مسافة بعيدة، فالتفتّ فكانت هي، الرومانسية. لمحتها، حينما لامست أولى أشعة نور الشمس الباكرة الحاجز المرجاني، كانت تتراقص على امتداده. وتقول مفكرتي “تهب الرياح الخفيفة برفق، هنا في المساء، بينما تستحم أواهو في عبق أزهار الأوركيد الزاكية. تمتطي هذه الطائرة الرياح الغربية حتى الصباح فتهبط في لوس أنجلوس مباشرة بعد الفجر.”
المثال الثاني متعلق بولاية أيوا. آيوا رومانسية جدا وهي مكان صوفيّ أيضا. لا أستطيع شرح ذلك، لكنّي أجدها هنا. يمكن لأي شخص مشاهدة جبال روكي – فهي واضحة للعيان. ولكنّ الامر يتطلب أكثر من منظور لرؤية جمال أيوا أو الرومانسية في الامتداد الطويل لمروج داكوتا الشمالية من جهة غرب مدينة لاريمور. ذات مرة عندما كنت أعمل في الغابة جنوب مدينة وادينا، في شمال شرق ولاية أيوا، بدأت الثلوج تهطل في وقت متأخر من ذلك اليوم. وبينما كنت مواصلا عملي شعرت بحضور شيء ما. ماذا كان يا ترى؟ كانت الثلوج تملأ الغابة، ماذا كان هناك؟ استغرق الأمر مني بعض الوقت، ولكنني عرفت السر بعد ذلك: كانت هي أيوا. أيوا كالرومانسية لا تتباهى وتدور كراقصة باليه أمامك قائلة “أنت، انظر إليّ، كم أنا جميلة”. إنها فقط تستلقي هناك، كامرأة مستلقية تحت شمس يونيو الساخنة وتتناثر الرومانسية من حولها في تلك الأماكن، حيث يجري نهر وينيباغو لتقبيل مدينة شيل روك، على بعد ميلين فقط من المكان الذي ترعرعت فيه.
حسنا، أكتفي هنا. أعتقد وصلتكم الفكرة. ولم يتبق لكم سوى اختبار (بالطبع أنتم توقعتم أن هناك اختبارا، أليس كذلك؟). كيف لك أن تعرف إذا كنت قد عشت حياة رومانسية أم لا؟ إليك الجواب: بعد خوضك الحياة وعيشها، وعلى فراش موتك، عليك أن تستحضر في ذهنك هذه القصيدة لشاعر القرن ريلكه R.M. Rilke:
أعيش حياتي في مدارات متنامية،
تتحرك فوق ماديات هذا العالم.
ربما لن أستطيع الوصول لآخرها،
ولكنها ستكون محاولتي.
أطوف حول الرب،
حول البرج العتيق،
مثلما طفت لآلاف السنين.
وما زلت لا أعلم،
إذا كنت صقرا،
أو عاصفة،
أو أنشودة رائعة.
عندما تقوم بذلك على فراش موتك وإذا استطعت حينها أن تبتسم وتومئ لنفسك بهدوء، فاعلم إنك قد نجحت، وسترافقك الرومانسية في رحلة عودتك لدار القرار.
فلتمضوا بسلام. وتذكروا الزهور، تذكروا الريح. شكرا لكم

شاهد أيضاً

أفق الكِتابة في تجربة صلاح بوسريف: الأسطورة والشعر في «مثالب هوميروس»

عزالدين بوركة ما بين الشعر والأسطورة: إن أخذنا بالتحقيب الزمنيّ المعمول به من قبل مجموعة …