الشاعر والعلوم التطبيقية

لم يعد يعرف عدد المرات التي قام بها بالرحيل من سكن إلى آخر. لكنه, هذه المرة, كان سعيدا بشقته الجديدة. فقد كانت مريحة, بالنسبة له. أصبح لديه بالإضافة لغرفة النوم. غرفة أخرى صغيرة وضع فيها مكتبا, وحشر فيها كتبه وأقلامه.

أخذ, بادئ الأمر, بالتخلص من الحمولة الزائدة. قام بقص ما يهمه من المجلات والجرائد التي كانت تأخذ حيزا كبيرا من الشقة, جمعها وبدأ بترتيبها في كتل متراصة حسب مواضيعها: شعر, قصة, نقد.. سينما, وألقى بهذه الكتل, بعد أن لم يستطع منع نفسه من قراءتها, في زاوية قريبة من المطبخ.

قام بالتخفيف من حمل الملابس, رغم أن بعضها كان جديدا, إلا أنه فكر في موضوع الكي الذي كان يكرهه. فقام بجمع ما لا يرغبه منها في كيس حمله في رحلة بعيدة.

بعد أيام من رحيله, اكتشف وجود كتب مختلفة كان قد استعارها من مكتبات عامة ومضى على تاريخ إعادتها وقت طويل. سعد كثيرا بالمكان الذي سيخلو في الرفوف والذي سيستعمله لوضع كتب اشتراها مؤخرا بأثمان رخيصة من سوق الكتب المستعملة. وكانت قد تكدست يمينا ويسارا بانتظار ركن تستقر فوقه.

كانت غالبية الكتب المستعارة حول حياة (أنشتاين), نيوتن دولاسال, لهم أو عنهم. فبالرغم من أن اهتمامه الأكبر كان ذا منحى ادبي عام إلا أن انشتاين كان قد فتنه مذ كان صبيا يذهب للمدرسة.

حاول, بعدها, ولأيام متتالية, ترتيب أوراقه وكتاباته, كان يعتبر نفسه شاعرا فقط. إلا أنه اكتشف في هذا الرحيل أنه يكتب في مواضيع مختلفة: قصص قصيرة, نقد سينمائي.. رواية غير مكتملة, مسرحية طويلة جدا.. ترجمات ودراسات. وجد, أيضا, محاولات في النقد الأدبي وعلاقته بالآني, كتابات طويلة. ووريقات صغيرة تدور حول التعبير والتاريخ في تنويعات تصب في ثيمة واحدة: النسيان.

كانت هناك دراسة بعنوان (الشعراء كجنس في طريقه للانقراض), مرتبطة بمعنى ما, بنظرية (النشوء والارتقاء) وقد اعتبرها (شيئا) ذا قيمة فاحتفظ بها رغم العرف القائل بأن مهنة الشاعر هي (اللاشيء).

مزق الكثير من القصائد, رتب الكثير من الأوراق حسب موضوعاتها في اطارات رقيقة أغلفتها أوراق بيضاء مطوية ومكتوب عليها بخط واضح: سينما, نقد, مسرح.. أو شعر.

قرر بدون تردد تصوير بعض صفحات الكتب المستعارة, والتي تتناول السيرة الشخصية لانشتاين. الذي بدأ اهتمامه به حين كان صبيا وشاهد على غلاف مجلة أجنبية هذا العالم يمد لسانه بخفة غير متوقعة من مخترع معادلات نووية معقدة.

كان يخرج كثيرا ويدخل بيته الجديد كثيرا أيضا. ينام قليلا ويقرأ كثيرا وفي أوقات متقطعة قبل الذهاب للعمل الذي يأخذ منه, لحسن الحظ, وقتا قليلا, وبعد عودته منه وقبل مغادرته البيت الجديد نحو المكتبات أو الندوات. لكنه كان منزعجا رغم سعادته بالمسكن من عدم الرغبة في الكتابة وعزا هذا للفوضى التي تعم المكان وتمنى لو كان اليوم بطول خمسين ساعة على الأقل, لرتب حياته وسكنه. هزل جسمه كثيرا دون أن يسعفه ذلك بإبراز طوله, المتوسط.

كان يحس أن حياته غدت صلبة, ولا يفتأ يكرر: حياة.. صلبة. رغم وجود (ندى) فيها, فهو لم يفهمها تماما ورغم تواصلها معه حتى أثناء ساعات العمل القليلة عبر الهاتف, مما كان يعطيه الاحساس, الغامض قليلا, باهتمام عميق من طرفها به. فقد كانت تخبره بمواعيد الندوات الأدبية, كونها تستيقظ باكرا بسبب طبيعة عملها, على عكسه هو, فقد كان ينام تقريبا وقت استيقاظها, وفيما هي تقرأ جرائد الصباح وتدون الملاحظات حول الندوات ومواعيدها, كان هو يحاول نعاسا عصيا بسبب أشعة الشمس, أو التفكير بمصائر أبطال الروايات التي لم يكملها.

كانت تحب الشعر.. تتابع ندواته. كما كانت مسجلة في عدة جمعيات تهتم بالبيئة, بحقوق الانسان والحيوان. بالآثار الكثيرة والغابات القليلة. كانت تزعجه أيضا . ففي كل ندوة كانت تأتي مصحوبة بشبان وسيمين, شبه مخنثين أحيانا . يمتلكون سيارات فارهة ويتفهمون بدون إدعاء مقولة تفيد بأنه ليست بالضرورة أن يكون أصدقاء أصحابي أصدقائي أيضا. فكانوا يتركونهم معا يتحادثان بلا تطفل في الهوامش, عكس رفاقه من الذين (يطقطقون في الأدب قليلا والذين كانوا يظهرون بتحلقهم حولهم) مودة مفاجئة تختفي بمغادرة ندى.

لم يكن قد أخبرها باقترافه الشعر. لكنها كانت تعلم افتتانه بسير علماء الفيزياء, فنبهته لكتاب (هاملتون) حول النسبة عند (كانط). أكبر هذا فيها ومن سر أكثر أصحابها الوسيمين بنسبة ارتفاع الذوق الجمالي عندها. وكان يتمناها جماليا وجسديا ولم يعلن لها شيئا وحلل علاقتهما بأنها كانت: صلبة لم يفهم نفسه, متأكدا بأنه لا يفهمها هي الأخرى. وكان يبدو مهموما .

ما لبثت الفوضى أن عمت المسكن. تكدست الأشرطة في المطبخ المفترض احتواؤه على أدوات الأكل والطبخ والثلاجة. فكر أن لو كانت لديه ثلاجة لاستخدام رفوفها لوضع أشرطة الفيديو. ولو كان لديه خزائن مؤونة لكانت رفوفها من نصيب أشرطة الموسيقى ولفصل, هكذا, بين المسموع والمرئي بدل هذا الاختلاط الرهيب, لكنه حمد الله على أن أصحاب المساكن يفكرون بمستأجرين بشر عاديين فيكون هناك مطبخ بما منحه في حالته هذه غرفة اضافية فيها من المطبخ غاز صنع القهوة الصغير.

حضرت الى مسكنه. وتفاجأ وهو يفتح الباب بلباسها الشعبي المزركش والخارج من الفلكلور. لم يتعرف عليها بداية الأمر فقد كان ضوء المدخل مطفأ فظن أول الأمر أنها زوجة صاحب السكن جاءت تطلب الأجرة أو شيئا آخر. لم يسألها كيف استدلت على مسكنه. كان يومها قد بدأ بفتح حقائب ملابس نوى ترتيبها في الخزانة الوحيدة مقابل السرير. فاجأته مرة ثانية خلال دقائق بقولها: إذن, فهكذا يعيش الشعراء! حتى أنهم يرتبون ملابسهم على ضوء القمر!. كان قد عاد للمسكن مبكرا. وأشعل حينها ضوء الغرفة الوسطى الصغيرة, بينما ضوء غرفة النوم حيث تناثرت الحقائب بقي مطفأ. لم يستجب لمداعبتها فقد كان الرد على الملاحظة الثانية حول القمر يستوجب تفسيرا للأولى.

اقترحت مساعدته في كي القمصان, بينما يرتب من جهته باقي الملابس. كان يحاول عدم مراقبتها وقد أزاحت كومة من الكتب والاوراق فوق الطاولة المكتظة في الغرفة الوسطى ووضعت سجادة صغيرة, لا يعرف كيف وجدتها. وأخذت بكي القمصان. ثم انه لم يستطع منع نفسه من سؤالها عن هيئة ملابسها ففاجأته بأنها تنكرت في هذا الزي للحفاظ على سمعتها, الشيء الذي حيره, لكنها استرسلت لائمة إياه على اختياره لمنطقة سكنه وبلهجة قاسية قالت بأن عليه البدء جديا بالبحث عن سكن في حي راق .

ناولته قميصا ليضعه في الخزانة فسألها ان كانت تود العشاء. ضحكت وهي تنظر نحو المطبخ, وكان لضحكتها صدى فاجأه وأخجله.

أخبرته أنها أحضرت معها شيئا جاهزا على سبيل الاحتياط, تركته في سيارتها. طلب مفتاح السيارة وأخبرها بأنه سيخرج لاحضار كيس المأكولات, فان كان مجيئها قد مر بسلام فالحذر مطلوب خاصة أن جيرانه هم عائلات تقليدية هادئة.

حين عاد كانت قد انتهت من القمصان ورتبت ملابس كانت في حقيبة صغيرة يجاهد ترتيبها منذ قبل مجيئها.

أكلا بصمت وشهية. ثم نهضت وأشعلت المكواة وطلبت منه البذلات والسراويل لحرصها على أناقته في عمله الذي يتطلب ذلك. سألته إن كان لديه بعض أشرطة (بيلي هاليداي) بين (مأكولات) المطبخ: وضع شريطا في المسجل ثم حاول التلهي بتفريغ حقيبة فيها ملابسه الداخلية. فأوصته بوضعها في الرف الأسفل من الخزانة. ففعل.

كان يدرك أنها تراقبه من الغرفة الوسطى وهو في الغرفة المعتمة للنوم. منحنيا يرتب بصعوبة.. بينما نزعت هي منديلها بفعل الحرارة التي تملكتها بسبب الكي وهي تبتسم. سألها دون أن يدير رأسه تجاهها: لماذا تبتسمين? ضحكت وتفاجأ من سعادتها وهي تعاود الانحناء على الطاولة ناعتة جميع الرجال بالأطفال كبار الحجم.

أخذ منها السروال المنضد ورتبه في رف السراويل.. كانت تقف في ضوء الغرفة الوسطى وقد بدى شعرها ككتلة زرقاء. عيناها فقط كانتا تبتسمان. ويداها فوق خصرها.

بالكاد إنحنت لكي سروال آخر, فلم يقاوم جسدها الفارع الممتلئ تحت الثوب الفلاحي المطرز. أحاط جذعها بساعديه وقبلها بعد أن أزاح شعرها من فوق الرقبة. طلبت بصوت خفيض ألا يزعجها في العمل. رد بأن لو كان الأمر مقتصرا عليه لما كوى سوى ما يلبسه ذاك اليوم.

مد لسانه ولعق غضافير الأذن مستقرا  في الثقب فطلبت منه إطفاء النور ففعل. حملها نحو السرير وهي تضحك. ولم يفاجئه صدى ضحكتها هذه المرة. عراها دون أن يقبلها. نزع الثوب الفلاحي ففاجأته من جديد بلباسها الداخلي. كانت تبدو كعارضة ملابس داخلية. دانتيل أسود بالكاد يضم ردفيها وصدرها الذي برز متحديا, متكورا يفيض, بالرغم من كونها مستلقية, فوق الحز  الذي حين مزق باستعجال الدانتيل الذي يلم الصدر, بدا واضحا كحد ؛خفيف« فاصلا لونين لبشرة اسمرت من كلور مسابح. حاولت أن تفك حاملة الصدر دون أن تنهض فطلب منها ابقاءها قبل أن يغرس صدره فيه. قبلها ثم قلبها معريا جسدها سوى نهدها الذي يعلو القلب. كان يستمع لدقاته حين وضع أذنه فوق القماش الاسود من جهة القسم العلوي الشفاف وكانت (بيلي هاليداي) تنهي أغنيتها عن (وقت الصيف). قال لنفسه, وهو يتناوم وقد عم السكون وكأن نفسها قد انقطع: القلب يدق بعنف فهي إذن ما زالت حية. ضمته في عناق حنون. ركبها فأخذت تدير رأسها يمينا شمالا.. قضم أطراف الأذن, ووضع اللسان ثانية ونفخ ببطء. كانت تتنفس بسرعة. ثم أخذت تموء مصدرة كلمات لم يكن لديه وقت كاف للتركيز ليفهمها. فقد كان مواؤها يختلط قبل أن يتحول إلى أشبه بالثغاء كخروف يطلب ثدي أمه, فألقمها, إياه. ولم يكن في تمام الادراك للتأكد من الأصوات.

وحين كان مستلقيا معها في السرير المظلم تذكر, فجأة, استلقاءه تحت شجرة تفاح, في حديقة بيتهم القديم. وكيف كان يتمنى, منتظرا طويلا, سقوط تفاحة, لوحدها فوقه, وكان حينها بالكاد مراهقا , فاستغرب أن تأتيه ذكرى كهذه في وضعية مثل تلك.

كانت المكواة التي نسيتها مشتعلة فوق الطاولة تضيء برهة زرها الأحمر ثم تنطفئ فيما في الظلمة تطاولت ظلال رفوف الكتب والامتعة حولهم. في مجسدات غريبة على جدران الغرفة المجاورة للمطبخ.. وحين فتح عينيه كانت تنحني, عارية, فوق الغاز الصغير الذي احتل مساحة لا تذكر من المطبخ, والذي مفترض أن يكون سيده.

لم يفاجئه عريها فقد كانت فرصتها معدودة, تلك الليلة, في النجاح بوضع أي قطعة من ملابسها, لكن, المفاجأة كانت من جرأتها. تعللت بأن من يراها من الجيران فسيكون ذلك بعامل الصدفة, مما سيجعل الأمر طبيعيا وضمن صيرورة الأيام!

ثم أردفت: ما كان عليك سوى وضع الستائر منذ وصولك. تمددت فوقه ضاحكة: وقالت: نعم ضمن سياق الأيام!

لم يحاول فهم قصدها فتابعت: يسعدني أن يراني أحدهم (فيستفتح) هكذا. مما سيجعل نهاره سعيدا!

ارتكزت بحجرها فوق حجره. جاهدت في وضع أصابع قدميها فوق اصابع قدميه تماما كمن يمارس رياضة الجمباز. كانت أطول منه بمدى سنتيمترين على الأقل. برر لها ذلك بكثافة شعرها الطويل, مقارنة مع شعره الخفيف وكان ذراعاها يمتدان فوق ذراعيه كمن تحاول صلبه. ثم غاصت في قبلة ؛شرهة« ضاغطة صدرها وحجرها فوقه, مرتعشة كقصبة…, شربا القهوة باردة تقريبا.

لمح كتابا عن طبقات الشعراء مفتوحا, منذ مدة كما تبدى من الغبار فوقه وحوله, على بداية فصل بعنوان (طبقة الفحول). كان يكدس الجرائد التي فرغ من قراءتها فوق كومة تشكلت حديثا حين لمحه, جعله العنوان يبتسم قبل أن ينتبه لنفسه, فيتفاجأ بأنه يبتسم. حاول تذكر سبب ابتسامته فلم يتذكر الكلمتين اللتين منحهما عينيه, قطب متمثلا الرزانة. فكر بأن الوقت قد حان لقص ما يهمه من مواضيع أدبية في الصحف وترتيبها. ولم يفعل.

كان قد شاهد ذبابا صغيرا في المطبخ صباح ذلك اليوم. وها هو يشاهد ناموسة صغيرة هذا المساء. حاول إكمال قصة بدأها ولم يفلح. ابتسم, فتفاجأ لذلك ولم يتذكر سببه, لابد ان لذلك علاقة بالقصة وتذكر أن أصدقاء زاروه أمس وقرأوا, رغم احتجاجه, الورقتين المخطوطتين. علق أحدهم واتهمه بضعف المخيلة. بأنه يستنزف عناصر سيرته الذاتية في كتابة قصص صغيرة بدلا من تخزينها لرواية كبيرة. الآخر ابتسم قائلا: أرجو ألا يمنعك حياؤك من تعريتها, على الأقل هذه المرة!. لكنه هو, كان سعيدا لمعاودة الكتابة رغم البطء الذي يبديه. لطالما تاق لكتابة قصة عن علاقة الانسان بالطبيعة. وما دام قد وجد الحل التقني, فان (استنزافه), كما يقول صديقه, لسيرته الذاتية ليست بمشكلة. حاول ان يستوعب مغزى كلام صديقه, فلم يفلح.

تذكر أنه كان يحاول معرفة سبب ابتسامه. لوح بكفه مبعدا فراشة تحوم فوق الطاولة. نهض وأغلق النافذة. وقرر أن يراقب نفسه فقد لاحظ أن يكثر من الابتسام حين يكون وحده: خطرت له الفكرة المرعبة بأنه ربما يكلم نفسه أيضا. وما أدراه? عبس, وقطب ثم عاد فابتسم للفكرة. خلص الى ان الخروج عن الصواب أمر نسبي, أيضا.

كانت الفراشة تحوم حول ضوء النيون. نهض مرة ثانية وفتح النافذة ليعطيها فرصة امكانية مغادرة الشقة. قرر ان يضع قهوة وان يحاول الشغل على القصة.

كان المطبخ على حاله منذ مغادرتها قبل أيام. غسل الفناجين فلاحظ تطاير ذباب كبير الحجم وشبه فراشات, صغيرة من المغسلة باتجاه النافذة المفتوحة. عاوده الابتسام وهو ينتظر غليان القهوة وافترض تحقيق نظرية (النشوء والارتقاء) في مطبخه معتبرا ذلك شيئا يرد الاعتبار لأصدقاء, قابلهم في الكتب فقط, أمثال (لييل) والسير (داروين) وغيرهم. ثم عاود العبوس التزاما بتعهده لنفسه بمراقبة حازمة لتصرفاته كيلا تشكل (انزياحا) كما كان يردد صديقه, صاحب نظرية (استنزاف) عناصر السيرة الذاتية, الذي كان يردد هذه الكلمة في الطالع وفي النازل. ثم ازداد عبوسه حين فكر في المقارنة التي تشكلت في رأسه, فجأة بين دراسته عن انقراض جنس الشعراء وتكاثر جنس الذباب, بالرغم من ان معنى المضمون العام لدراسته كان مجازيا ومنزاحا بشكل أكيد.

أيقظت رائحة القهوة حواسه جميعا. كان قد عاد قلقا هذا المساء. كانت تحضر الندوة بصحبة صديق لها. وكان قد حضر متأخرا بسبب طبيعة عمله. وما أن انتهت الندوة حتى بادر الذي بصحبتها بالتسليم عليه. لم يكن قد كلمه من قبل وان كان رآه, استلطف ذلك منه. سألته عن حاله بعد ان تركهما صديقها ثم دار الحديث عن الندوة. عاد صديقها بعد دقائق ليذكرها بأن هناك من ينتظرهم, ثم غادرا.

منذ ذلك الصباح الذي شربا فيه القهوة معا في السرير لم تهاتفه. كان يحاول أن يفهم. لكنه لم يستطع تحديد ماذا. وقرر عدم التفكير بالأمر الذي اعتبره ما يزال  طازجا. وانه من المبكر جدا النظر اليه كذكرى, كما أن للأيام صيرورة لابد ان تكتمل دورتها. لم يستطع كتابة أي شيء رغم القهوة والسجائر.

تذكر وهو يحدق في أصابعه انه ربما, شاهد خاتما, ولم يستطع ان يحدد اليد اليمنى أم اليسرى. لكنه لم يكن متأكدا تماما ثم اعتبر هذا شيئا بلا اهمية. منع نفسه من التفكير في تلك الليلة. وقرر ان يستكمل تنضيد الملابس في الحقيبة, التي استقرت في زاوية من غرفة النوم اتخذها الغبار المتراكم كمطار هبوط في محطة قررها, نهائية.

جلب منضدة خفيضة وجلس فوقها مقابل السرير وأخذ باخراج القمصان ووضعها في رف بالخزانة القريب. عاود الجلوس وتناول طية أخرى من القمصان فتفاجأ بأن ما تبقى تحتها في الحقيبة: أوراق منضدة في ملفات بائسة مرتبة حسب مواضيعها.. وبعضها قصاصات من جرائد بالإضافة لعدد من الكتب الصغيرة الحجم. سوف يبقى اذن, طوال حياته, حمالا لكتب مصغرة وقصائد لا تنشر ودراسات لا تعجب سواه. وكان نظره يتأرجح بين الاسطر امامه والسرير المقابل له. قرر باستسلام ؛راض« أن يتأقلم مع حياة, في عمقها, صلبة. وبدا له انه يتفهم, الآن, معنى ذلك. لينفض الشعراء! وكان يحاول متابعة أفكاره, ولم يعد يعنيه فهمها تماما.

ولينفض القصاصون! ولم يكن يعرف كيف سينهي قصته تلك. لكنه كان متأكدا بأنه سيزيل الغبار من فوق ورقتيها ويكملها. وبدا لنفسه, أكثر ثقة رغم كل شيء.

»أوراقكم الثبوتية أيها الشعراء! «. وفوقها غبار الأيام, وذئاب الوقت وطيات تنانير النساء. تجاعيد حيوات مختصرة بدفء المناطق النائية والمستقلة ذاتيا. لم يكن يرتب حقا. كان في ثورة عمياء لكن هادئة. قرر بوعي تام امساك زمام غضبه. توجيهه واحتواؤه. لن يضرب أي شيء بقبضته. قام واتجه نحو المكتبة في الغرفة الوسطى. رفع بعض الاخبارات وكومات دفاتر صغيرة وأوراق. تأكد من العنوان انها هنا. لن يعيد ما كتبه في حياته بعد اليوم لأنه عاشه حقا مرة. عاود بحثه وليس عن مسودة (تقاطعات) بل عن دراسة, مسودة هي الأخرى, وارتاح حينما قرأ فوق الدفتر (امبراطورية الألم).

لم يكن يرتب حقا, فقد أخذته قراءة ما يقع تحت يديه من أوراقه فانتبه لذلك. جمع كل اخبارات الشعر في طية واحدة ليضعها في ركن من المكتبة فتبعثرت الأوراق. جمعها مرة ثانية ووضعها كيفما اتفق. لكنه لم يستطع منع نفسه من قراءة ورقة صغيرة بعيدة ووحيدة بقيت على طرف أرضية السرير. ما لفته نحوها انها لم تكن تشبه أوراقه. كانت مكتوبة مع ذلك بخط يده, قرأها ولم يتذكر أبدا انه كتب شيئا كهذا وهو الذي لا ينسى مطلقا كتاباته:

(انشتاين) يشبهني كثيرا;

كلانا, لم نفهم هذا اللغز: المرأة.

إلا أنه كان يختلف عني في الكسل.

فقد اشتغل على نفسه, كثيرا

فاكتشف (نظرية النسبية).

ابتسم قليلا, ثم عاود التقطيب, وكانت فراشات صغيرة تدور حول ضوء النيون وتحيره كثيرا.
 
 أحمد النسور كاتب من الأردن

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …