الشعر التونسيّ المكتوب بالفرنسيّة : الجيل الأجدّ

لقد تمكّن الكاتب علي اللواتي، بعد قراءة متأنية لقصائد الشّاعر معزّ ماجد، من رصد أهمّ خصائص تجربته الشعريّة حين قال : «إنّ هذا الشّاعر يتميّز بأصالة خطابه الشعريّ الذي تتداخل في فضائه أصداء ثقافيّة شتىّ.. » مشيرا بذلك إلى أنّ الأصالة لا تعني الكتابة من خلال ذاكرة بيضاء وإنّما تعني الكتابة من خلال ذاكرة مكتظة بنصوص عديدة يستضيفها الشاعر ليقول من خلالها تجربته ويفصح عن عميق رؤاه.
و قارئ مجموعات معزّ ماجد الشعريّة لابدّ أن يلحظ أنّ قصائده كانت ملتقى العديد من الروافد الفنّية والمعرفيّة المنحدرة من أزمنة ثقافيّة شتّى… فالشعر في هذه المجموعات هو المعرفة الإنسانيّة وقد تحوّلت إلى صور ورموز وأقنعة أي إلى حشد من المجازات والأخيلة أي إلى أفق شعريّ لا يحدّ منتهاه.
والشاعر معزّ ماجد ينتمي إلى الجيل الجديد من الشعراء الذين يكتبون قصائدهم باللغة الفرنسيّة. وهذا الجيل الذي ولد عقب الاستعمار الفرنسيّ وحروب التحرير لم يكن يعتبر هذه اللغة إرثا ثقيلا أو منفى كبيرا أو جرحا غائرا وإنّما كان يعتبرها وسيلة من وسائل المعرفة، مستودع استعارات ورموز، صوتا ثانيا، حلما آخر… لهذا لم تكن علاقته بها علاقة توتّر وصراع وإنّما كانت علاقة تفاعل وحوار وربّما علاقة توادد وتعاشق…
إنّ شعر ماجد لا يسعى إلى استرضاء الفرنسّيين مستعيدا إنتاج استيهاماتهم وهواجسهم، كما لا يسعى إلى إنجاز بطاقات بريد شعرية مستحضرا من خلالها صورا من رموزنا الفلكلوريّة، وإنّما يسعى إلى استدراج اللغة الفرنسيّة لتقول تجربته وربّما تجربة حضارته وتفصح عن أسئلته وربّما عن أسئلتها… ولهذا يحبّ الشاعر أن يصف قصائده بأنّها عربيّة وإن جاءت باللغة الفرنسيّة. فماجد مافتئ يحمّل هذه اللغة أساطيره ورموزه، ويطوّعها لتخبر عن هواجسه ورؤاه لكأنّه استأثر بجانب من هذه اللغة، ضمّه إليه، لكأنّه اقتطع لنفسه، داخل هذه اللغة، ركنا أقام فيه.
حين نقرأ في إحدى القصائد:
أيّتها الذّاكرة، يا ذاكرتي، يا أرضي
لا شيء غير الطّين
لا شيء غير الرّماد والحجارة
لا شيء غير الأنفاس
لاذعة مكسورة
لاشيء غير الملح
والأضواء دافئة..
ثمّة ماء دافق
ومؤذنون
ثمّة صلوات.. .
عند خيوط الفجر الأولى
حين نقرأ هذه السطور نستطيع أن نقرّر بكلّ اطمئنان أنّ المتكلّم فيها ليس الشاعر وإنّما تراثه، ذاكرته، وعيه ولاوعيه في آن.. الشعر هنا يعيد بعث الرموز الكيانيّة، يقاوم النسيان، يحتفي بالطين والحجارة والملح، يمجّد الضوء والأناشيد.. . أي يحتفل بكلّ ما يجعل الحياة ممكنة فوق هذه الأرض، لكنّ أهمّ ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو مديح الشاعر للذاكرة، هذه النار التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد والتي يصرّ الشاعر على أن تظلّ مشتعلة .. فالمعرفة تذكّر أيضا، والمعرفة استرجاع.. بل ربّما من وظائف الشعر أن يحرس الذاكرة ويحميها من غائلة النسيان.
لكنّ الشعر هنا ليس احتفاء بالذاكرة ورموزها وخرافاتها فحسب ,إنّما هو احتفاء بالحاضر، باللحظة تتفلّت من بين الأصابع، بالحياة تتدفّق هادرة.. . الشعر، بعبارة واحدة، هو احتفاء بالإقامة البهيجة في الأرض:
ثمّة لحظات من الصمت
ثمّة خطى وأناشيد..
ثمّة هؤلاء النسوة
يسكنّ أحلامنا
ثمّة ليالي الصيف
وأحلام غريبة.
في هذا السياق، سياق الإقامة البهيجة في الأرض، تبرز المرأة بوصفها مصدرا من مصادر الحلم أي مصدرا من مصادر المعرفة والكتابة:
لا أكثر ولا أقلّ من زهرة في راحتي
من وردتين صغيرتين فوق صدرك
ثمّة بارقة في عينيك
حلم جميل يراودنا نحن الاثنين
وكثيرا ما يلتبس الحبّ، في قصائد الشاعر، بالرّحيل، بالتيه، بالدخول، على حدّ عبارة الشاعر، في مناطق لم تطأها قدم بعد، مستعيدا بذلك مفهوم العشق الصّوفي بوصفه ضربا من العروج، والارتفاع، والانتقال.. . ولدى وصيد هذه التجربة لا يلتبس الحبّ بالرحيل والسفر فحسب وإنّما يلتبس أيضا بالموت . فالسفر، كما الموت وقوف على الغامض والمستتر والمجهول، نفاذ إلى ماوراء الأشياء الملفّع بالغموض:
عطر محموم
ثمّة لازمة تسكن قلبك
ثمّة موت يسكن قلبي.
لكن، بالرغم من كل هذه العناصر التي تحيل على الشاعر، فإنّ الشعر، في مجموعات معز ماجد، ليس وثيقة ذاتيّة أو تاريخيّة، فالنصّ، فيها، هو الأصل وليس الشاعر. ومن ثمّ فلا مجال للحديث عن الشعر بوصفه تدفّقا تلقائيّا للانفعالات.. . الشّعر هنا تمجيد للغة، لإمكاناتها المجازيّة وطاقاتها الرمزيّة، . بسبب من هذا نلفي القصيدة هي التي تشدّ انتباهنا وليس الشّاعر .. القصيدة من حيث هي أجراس وأقنعة وأساطير.. فليس للشعر هنا مقصد آخر غير الشعر أي إنّ قصائد الشاعر ليست مجموعة من الدوالّ تشير إلى مدلولات خارجة عنها وإنّما هي اللغة وقد انعكست على ذاتها وأصبحت موضوع نفسها. وهذه اللغة هي التي سمّاها رولان بارت اللغة اللاّزمة والتي تختلف عن اللغة المتعدّية الموصولة بالمرجع اختلاف تباين وتناقض. فكلّ ما يلمسه الشاعر يحوّله إلى صور وخيالات ورموز .. حتّى المدن التي وردت في هذه المجموعات قد تخلّت، داخل القصائد، عن مرجعيّتها الواقعيّة وباتت مدنا أسطوريّة، سحريّة، متخيّلة، علاقتها بالواقع واهية أو تكاد. لقد تحوّلت، بعبارة أخرى، إلى مدن من كلمات .، مدن من صور واستعارات ورموز. في هذا السياق أصبحت القيروان: أسوارا ترمقنا بعيون من طين
طقطقة خشب قديم
خطاطيف تضرم النار في أجنحتها
عطشا قادما من عصور سحيقة
وفي هذا السياق أيضا أصبحت باريس :
امرأة تقطر ماء
ضحكاتها تنفجر مثل عاصفة صيف
شوارعها تحتضر شيئا فشيئا..
كلّ هذا يؤكّد أنّ المدينة في قصائد الشاعر ليست إلاّ ذريعة للكتابة، وسيلة من وسائل استدراج اللغة، طريقة من طرق استنفار الذاكرة والحسّ والوجدان.

 

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …