العمارة غير الجنائزية في شبه الجزيرة العمانية في الألف الثاني ق.م (2000-1100ق.م)

مع  نهاية الألف الثالث قبل الميلاد شهدت المنطقة العربية بما فيها شبه الجزيرة العمانية فترة انتقالية كما كان الحال بالنسبة  لباقي أقطار الشرق الأوسط.  وبناء على الدليل المادي المتوافر فإن هذه الفترة مرت بتغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية ملحوظة , والتي يعتقد بعض علماء الآثار بأنها حدثت بشكل مفاجئ, في حين يميل البعض الآخر إلى الاعتقاد بأنها تمت على مراحل مختلفة . على أية حال فإنه من الممكن أن نلاحظ انحسارين أحدهما في إنتاج النحاس وتصديره في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد والآخر في التجارة الدولية بين ع مان وشبه القارة الهندية وبلاد الرافدين.

إن معرفتنا بشبه الجزيرة العمانية في الألف الثاني ق.م بدأت باكتشاف حملة دانمركية عام (1962-1963)  لعدد من الأدوات والمواد في مقابر منطقة حفيت المنهوبة في واحة البريمي/ العين. في الفترة من (1970-1971) قامت فريفلت (K.Frifelt.) بالتنقيب عن عدد من قبور هذه المرحلة في قرن بنت سعود شمال واحة البريمي/ العين, كما قامت في عام 1972 بالتنقيب في مقابر مختلفة في » وادي سوق« شمال صحار , تلا ذلك إشرافها على عملية جمع عينات سطحية من مقابر مشابهة في وادي سنيسل بالقرب من عبري . وقد اعتبر السيراميك والحجر الصابوني اللذين تم العثور عليهما في مقابر »وادي سوق« المنهوبة بمثابة عينة نموذجية للألف الثاني ق.م(1) .

يلقي هذا المقال الضوء عن فترة زمنية مهمة من فترات ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العمانية وهي الألف الثاني ق.م, وأهم ما تم العثور عليه من أدلة ومواد أعطت صورة واضحة عن ماهية هذه الحقبة الزمنية التي كانت ولسنوات عدة مبهمة للكثير من المختصين والباحثين. كما أنه سيتطرق إلى الحديث عن الإطار الزمني وما تخلله من آراء ووجهات نظر خصوصا في السنوات الأخيرة.

1- التسلسل الزمني للألف الثاني ق.م في شبه الجزيرة العمانية:                                                               

قبل البدء في الحديث عن العمارة غير الجنائزية للألف الثاني ق.م , لعله من المهم أن نعطي نبذة سريعة عن التسلسل الزمني لهذه الحقبة الزمنية . لقد كانت حضارة وادي سوق غير محددة لدى العديد من علماء الآثار , إلا أن التنقيبات والمسوحات الأثرية التي أجريت في السنوات الأخيرة في مواقع  كتل أبرك وشمل ((TellAbraq و(Shimal) وعدد آخر من القبور مثل الخت وشرم وقطاره ((al-Khatt  و((Shar  و(Qattarah) زودتنا بالكثير من المعلومات وأعطت صورا  واضحة عن هذه الحضارة. لقد كان ولفترة طويلة من الزمن يعتقد أن هناك فراغا حضاريا كبيرا يفصل بين الألفين الثالث والأول قبل الميلاد أدى إلى انقطاع تسلسل الأحداث, إلا أنه بعد القيام بهذه التنقيبات والمسوحات فإن هذا الفراغ الحضاري تلاشى والذي حدد بالفترة مابين (2000/1900-1300ق.م) أي منذ نهاية فترة أم النار إلى بداية العصر الحديدي . وهذا يتعارض مع ما ذهب إليه كلوزيو (Cleuziou) بأن هذه المرحلة  شغلت الفترة من (2000-1700 ق.م). وقد ترافقت المواد واللقى الأثرية التي عثر عليها في شبه الجزيرة العمانية- والتي تم تحديد النصف الأول من الألفية الثانية (2) كتأريخ لها- مع الفترة التي وصفها كلوزيو (Cleuziou) بأنها تمثل عشرين سنة من البحث باءت بالفشل في ملء الفراغ بين فترة ؛وادي سوق« والتي تم تحديدها بين (2000-1700 ق.م) والعصر الحديدي (3). وبالتالي فإن وصف كلوزيو (Cleuziou) للسكان الذين عاصروا مرحلة »وادي سوق« التي توصف بأنها ؛آخر حضارة اشتهرت بالاستقرار وعدم الترحال قبل تحول شرق الجزيرة العربية بأسرها إلى بداوة مستديمة« (4)  يعد قابلا للتبرير.                                                                                

يقسم روبرت كارتر (5) (Robert Carter) الألفية الثانية قبل الميلاد إلى ثلاث مراحل رئيسية بناء على تحليل سيراميك  كلبا (Kalba) وهي كالآتي:؛فترة وادي سوق الكلاسيكية – بداية ومنتصف مرحلة »وادي سوق«- (Classic Wadi Suq Period) أي حوالي (2000-1450 ق.م)  و»وادي سوق« المتأخر (Late Wadi Suq Period) أي حوالي (1450-1300ق.م) والعصر الحديدي الأول (1100-1300 (Iron I Period)ق.م).

يشير كريستيان فيلده (6) (Christian Velde) إلى تقسيم زمني آخر للألف الثاني ق.م  يمكن تقسيمه إلى فترتين متميزتين هما:

1- فترة وادي سوق (1600-2000 (Wadi Suq Period) قبل الميلاد).

2-  ثم فترة العصر البرونزي المتأخر (1200- 1600) (Late Bronze Period) قبل الميلاد).

يبدو أن التسلسل الزمني الذي تبناه  كارتر (Carter) من  موقع كلبا لم يكن منظما وغير واضح, وبالتالي فإن اللقى والمواد الفخارية ليست محددة بشكل جيد لفترة وادي سوق. وبالتحديد فإنه من الممكن ألا يكون هناك أي فترة تحولية خزفية بين فترة وادي سوق وفترة وادي سوق المتأخرة والتي تعرف اليوم بالعصر البرونزي المتأخر. يميل فيلده (Velde) إلى الاعتقاد بأن هناك تباينا كبيرا فيما يتعلق بالحضارة المادية بين فترتي وادي سوق والعصر البرونزي المتأخر, فعلى سبيل المثال لم يكن هناك تطور من مادة إلى أخرى بل أن  مسألة استحداث حضارة مادية شاملة قد تكون من جراء هجرة الناس الجدد. ويفترض كارتر  (Carter) بأن تكون نظرية فيلده (Velde) صحيحة ومقبولة, إلا أننا في حاجة إلى التنقيب عن المزيد من المواقع مثل كلبا وتل أبرك وشرم حتى نتمكن من تأكيد هذه الفرضية(7).

2- أهم مواقع العمارة غير الجنائزية من الألف الثاني ق.م:                                                         

إن معرفتنا الأولية بحضارة »وادي سوق« في الألفية الثانية قبل الميلاد مشتقة من الحفريات ومسوحات القبور تحت الأرضية والتي تم العثور عليها بمقابر في شمال عمان(8). ويتعارض الدليل المتعلق بمستوطنات الألفية الثانية بشكل صارخ مع معرفتنا الواسعة بالعمارة الجنائزية, وهناك القليل جدا من العلم بالعمارة غير الجنائزية والتي لا يمكن التسليم بأنها مستوطنات. إن عدد وتوزيع مواقع وادي سوق غير الدفينة المعروفة تختلف بكثير عن نمط مستوطنات مرحلة أم النار السابقة(9). ومن الممكن تقسيم العمارة غير الجنائزية من الألف الثاني ق.م وذلك بناء على تقسيم كارتر (Carter 1997) إلى ثلاث مجموعات هي: مواقع ثانوية (Minor Sites) والتي تتميز بوجود مبان صغيرة ورواسب أو تراكمات ضحلة نسبيا, ومواقع رئيسية (Major Sites) وهي تتميز بالمباني الضخمة وتراكمات أو رواسب ذات عمق واسع, بالإضافة إلى (التراكمات الصدفية ) (Shell Midden) خريطة(1).

1-2: المواقع الثانوية أو غير الرئيسية:

لقد تم العثور على مستوطنة سكنية ذات أهمية مميزة على الضفة الشمالية من وادي باثا (Wadi Batha) في المنطقة الشرقية حيث عثر على جدار من الطوب اللبن مع بعض الكسر الفخارية المتناثرة في طوي سعيد .(Tawi Said) هذه الكسر الفخارية التي عثر عليها في طوي سعيد كانت مختلفة عن تلك التي عثر عليها من الألف الثالث ق.م, في حين لوحظت أمثلة مشابهة لها في القبور المكتشفة بواسطة فريفلت (Frifelt) في وادي سوق (10). اكتشافات عام 1978 في هذا الموقع ظهرت منصتان من الطوب اللبن مترافقة مع اثنين أو أكثر من جدران الطوب اللبن (11) (لوحة 1), ولم يتم العثور على فخار يمكن ضمه على وجه الدقة إلى هذه المباني. وعلى الرغم من ذلك فأن الأمثلة الجيدة للفخار الملون من فترة وادي سوق الكلاسيكية  وجد لها مشابهات مطابقة لتلك التي في مقابر وادي سوق ووادي سنيسل(12), وقد أكد أيضا بواسطة دليل آخر من هيلي 8 (Hili8) حيث قدم الاستيطان من الألف الثاني ق.م كسرا فخارية شبيهة (14).

الفترة الثالثة من هيلي 8 زودتنا بدليل عن فترة الاستيطان من وادي سوق وذلك فوق بقايا خرائب البقايا القديمة والأكثر ضخامة (41). لقد وجدت معالم معمارية متاخمة للجدار الخارجي للبرج المبني في المرحلة IIF (حوالي 2200ق.م) من الفترة الثالثة, والتي حفظت بشكل رديء, إلا أنها تظهر لتحتوي على جدار ذي سياج دائري حيث إن الأجزاء السفلية بنيت من الحجارة للمرة الأولى. وهي تحتوي على وجه داخلي وخارجي من الألواح الحجرية ملأت الفراغات فيما بينها بحجارة صغيرة, والتي ربما غطيت أيضا بواسطة ألواح حجرية أخرى  وهي تقنية يمكن أيضا ملاحظتها في قبور حديثة. كما تم العثور أيضا على آثار جدران داخلية وأرضيات أو طوابق ولكن كانت في هيئة ضعيفة وقد أرخت اللقى الأثرية فيها بواسطة كربون 14 إلى فترة وادي سوق من الألف الثاني ق.م المبكر (15).

هيلي 3 أيضا قدمت مواد أثرية من فترة وادي سوق ولكنها مثل هيلي 8 أبرزت القليل من المباني. إن الشيء الكثير الذي يمكن أن يقال عن هيلي 3 هو أنه تضمن مواد من فترة وادي سوق الكلاسيكية والتي يمكن أن تنسب إلى الجدارين الدائريين اللذين عثر عليهما على زوايا قائمة لذلك يحتمل أن يكون موقع من فترة وادي سوق المبكرة (16).

إن بقايا فترة وادي سوق عثر عليها أيضا في بات (Bat) والتي يمكن مقارنتها مع هيلي 8. مبدئيا البناء البرجي من فترة أم النار في بات أ رخ بواسطة كربون 14 إلى منتصف الألف الثالث ق.م وقد أعيد استيطانه بواسطة مجموعة سكانية من حضارة وادي سوق (17). اكتشف برونزويج (Brunswig) جدار أجرد عار ثنائي الطبقات مع قطع غير مصقولة من كسارة الحجارة ومتضمنا قبرا من فترة أم النار من نوع كتلة السكر (18) (Sugar Lump) كسي بالحجارة. إن العثور على بقايا متآكلة من جدران من الطوب اللبن داخل هذا الجدار الحجري أوحى إلى وجود غرف مقسمة. هذا الجدار الحجري مشابه للحائط الجداري في هيلي 8 من المرحلة الثالثة (19).

من مواقع المستوطنات الأخرى والتي تحتوي على بقايا من الألف الثاني ق.م هو رأس الجنز(Ras al-Jinz), حيث عثر على بقايا هذه الفترة مستقرة بالقرب من بقايا من فترة أم النار. لقد أجريت حفرة اختبارية على RJ.1 لاكتشاف بيت من البيوت, وقد أتاح هذا الاختبار تأريخ هذا البيت والبيوت الأخرى القريبة والمشابهة إلى النصف الأول من الألف الثاني ق.م وذلك بناء على الفخار وتأريخ كربون 14 المشع. المدخل إلى الميسة (20) (Mesa), والذي حمي بواسطة الجدار الحجري (RJ.21), مازال منتصبا بارتفاع مترين على طول حافة المصطبة المنخفضة (21). كشفت الحفريات التي أجريت بواسطة تشوفلت (Chofflet) على الجانب الداخلي من الجدار عن مجموعة من المباني الحجرية الصغيرة والتي تميل إلى الشكل الدائري مترافقة مع فخار من فترة وادي سوق. تشير الحفريات الاختبارية الحالية إلا أن المرحلة الانتقالية بين العصر البرونزي الأول والوسيط في رأس الجنز تمت ملاحظتها بواسطة تغير كامل في موقع المستوطنة (22).

زودتنا مواقع الألف الثاني ق.م في شمل (Shimal) ببعض التفاصيل الأولية عن دليل وجود المستوطنات من هذه الفترة. لقد تم تحديد أربع مناطق في مستوطنة شمل المركزية (23) (Central Shimal) وهي على التوالي: SW-SX-     SY-SZ. تثبت البقايا الموصوفة بواسطة فوجت (Vogt) بوضوح بأنه كان هناك العديد من المستوطنات على طول الساحل والتي اعتمدت إلى حد ما على استغلال المصادر البحرية (42). إن مستوطنة شمل تنسب إلى حد بعيد إلى فترة وادي سوق المتأخر أي حوالي (1450-1300ق.م) وفترة العصر الحديدي الأول أي حوالي (1300-1100ق.م). هناك أيضا بعض العناصر من فترات أم النار ووادي سوق الكلاسيكي والعصر الحديدي الثاني حيث إن عنصر فترة وادي سوق الكلاسيكية مشتق من قبر (26).

لقد عرفت مستوطنة شمل بافتقارها إلى البقايا البنائية الضخمة والمتينة. كشف SW عن منطقة من حوالي 7200 متر مربع محاطة بجدران حجرية وتتضمن مباني حجرية مستطيلة الشكل ولقى سطحية مشابهة لتلك التي عثر عليها في المناطق الأخرى من الموقع. تم العثور في SY على جدران وحفر وفخار والتي يبدو أنها شبيهة بتلك التي عثر عليها في SX حيث عثر بشكل واسع على بقايا أخرى. تم تحديد خمس فترات تاريخية بواسطة فيلده (Velde) في هذه المنطقة, حيث عثر في رواسب الفترة الثانية  على مواد أثرية مطابقة لفترة وادي سوق الكلاسيكية. في حين أن الفترة الثالثة تقع في فترة وادي سوق المتأخر وذلك بناء على أنقاض الاستيطان من فترة وادي سوق المتأخر في الجزء العلوي من SX. في الجزء الشرقي تم العثور على حفر وحفر صغيرة لتثبيت الأعمدة وبقايا جدران وبناء عليه, ومع وجود هذه الحفر والحفر الصغيرة والجدران ولكن افتقار هذا الجزء بالمباني الضخمة والبارزة, فان شمل SX تطابق بشكل جيد النموذج من القرية الصغيرة من فترة وادي سوق (26).

إن بقايا العصر الحديدي الأول المكتشفة في الجزء الغربي من شمل SX تحتوي على  حفر وحفر صغيرة لتثبيت الأعمدة وتراكمات صدفية من الفترة الرابعة .(Period 4a) إن وجود حفر صغيرة لتثبيت الأعمدة يوحي بوجود مباني الباراستي (Barasti) (27) والتي ربما خصصت لتكون مخطط لكوخين (28).

  2-2: المواقع الرئيسية:

لقد تعززت معرفتنا بمستوطنات الألف الثاني ق.م في شبه الجزيرة العمانية خلال العقد الماضي, حيث كشف العديد من الحفريات كتلك التي في تل أبرك وكلبا 4 وند الزبا (Tell Abraq, Kalba 4, Nud Ziba) النقاب عن بقايا بارزة ضخمة وعدد كبير من الرواسب والتراكمات الحضارية. كما عثر في هذه المواقع على مواد أثرية مختلفة من فترة وادي سوق وخصوصا الفخار المنزلي.

تعتبر المستوطنة التي عثر عليها في تل أبرك والتي تعود إلى الألف الثاني ق.م واحدة من أهم المستوطنات السكنية التي عثر عليها من هذه الفترة, وعلى عكس بات وهيلي فأن الاستيطان من فترة أم النار في تل أبرك لم يتبع باستيطان مصغر أو سريع الزوال في فترة وادي سوق بل تبع أيضا بمبان ضخمة واستيطان كثيف. لقد تم تحديد فترات وادي سوق المبكرة والوسيطة والمتأخرة في تل أبرك مع احتمالية وجود رواسب من فترة العصر الحديدي (29). في الموسم الأول من الحفريات في تل أبرك تم اكتشاف مواد من الألف الثاني ق.م في جميع المربعات باستثناء المربع .(IV) المربعات (OI , OII) تضمنت مواد في الطبقات والمستويات الاستيطانية في حين أن مربع(I) تضمن تراكما سميكا لمواد من الألف الثاني ق.م والتي غطت المباني المهجورة من فترة أم النار أو تعبر عن جزء من العمل الاستيطاني كما لوحظ في المربعات (OI , OII) والتي تراكمت خارج هذه المباني. كما عثر على مستويات أساسية للألف الثاني ق.م عملت على قاعدة الحفريات في المربع .(O) (30) الموسم الثاني من الحفريات في تل أبرك كشف النقاب عن جدار ممتد وكبير (Locus 40) والذي يبدو أنه عبارة عن جدار محاط بسياج للمستوطنة خلال فترة وادي سوق المتأخرة أي حوالي (1600-1300ق.م) (31). إن مرحلة العصر الحديدي الأول وجدت في الجانب الغربي من الموقع بالاشتراك مع بقايا حفر صغيرة لتثبيت الأعمدة والتي تقترح استيطان لمبان من الباراستي (32). يناقش بوتس (Potts) أن الاستيطان في هذه المنطقة يبدو أنه أخذ شكل البيوت الخشبية (الباراستي) أو الخيام لأن ارتفاع مستوى الأرضية (Locus 60), والتي وصلت مع (Locus 40), كان قد ملئ  بالحفر الصغيرة لتثبيت الأعمدة والحفر العرضية (33).

من المواقع الرئيسية الأخرى التي تنسب إلى الألف الثاني ق.م ند الزبا (Nud Ziba) في واحة الخت (Khatt Oasis) في رأس الخيمة. بناء على تأريخ كربون 41 المشع فأنه تم تأريخ مبنى كبير عثر عليه في ند الزبا إلى الألف الثاني ق.م المبكر أو قبل ذلك بقليل حيث عثر على العديد من أنواع الفخار والتي لها نظيرات من فترة وادي سوق. في تل أبرك يمكن ضم هذا الفخار مع التراكمات المبكرة جدا من تسلسل الألف الثاني ق.م, ومن ثم يظهر بأن المبنى في ند الزبا والفخار التابع له يشير إلى نقطة التحول من فترة أم النار إلى فترة وادي سوق وأنها يجب بناء على ذلك تأريخها إلى القرن الأول من الألف الثاني ق.م (34).

كشفت الحفريات التي أجريت من قبل قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس في موقع منال في ولاية بسمائل بالمنطقة الداخلية من عمان عن مستوطنة سكنية من الألف الثاني قبل الميلاد. لقد عثر في موقع منال (1) على عدد من الوحدات السكنية التي أرخت بناء على اللقى الأثرية إلى أواخر الألف الثاني وبدايات الألف الأول ق.م. كما دلت الحفريات أيضا على أن المنطقة كانت مأهولة في الألف الثالث ق.م والتي عرفت بمرحلة مجان المبكرة. تشير اللقى الأثرية من هذا الموقع كالأواني الفخارية وبخاصة جرار التخزين, وأواني الحجر الصابوني والقواقع ورؤوس السهام والأمواس المصنوعة من البرونز, إلا أن المرحلة السكنية الرئيسية في الموقع كانت في أواخر الألف الثاني وبدايات الألف الأول ق.م أي حوالي نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي.

مستوطنة أخرى من فترة وادي سوق لم يتم التنقيب عنها بعد تم التعرف عليها في بدع (Bida,a) بالقرب من الفلية (Fulayya) وليس بعيدا عن مدينة رأس الخيمة. الموقع مغطى بفخار وادي سوق المنزلي ذي بنيات أو طرز توحي باستيطان من فترة وادي سوق الكلاسيكية والمتأخرة, لكن الهوية الكاملة للموقع ستظل مؤقتة إلا إذا تم التنقيب عن الموقع (35) . موقع آخر من فترة وادي سوق ذي مبان بارزة ضخمة وتراكمات استيطانية سميكة تم الكشف عنها في كلبا .(Kalba 4) هذا الموقع شبيه إلى درجة كبيرة في كثير من النقاط والنواحي بتل أبرك (36).         

3-2: التراكمات الصدفية:

من الواضح من خلال (RJ.1) والجزء الغربي من مستوطنة شمل بأن المحار شكل الجزء الأساسي والهام للغذاء الخاص بسكان الساحل خلال فترة وادي سوق وذلك على الجانبين الشرقي والغربي من شبه الجزيرة العمانية. أشارت دي كاردي (de Cardi) إلى وجود عدد من التراكمات الصدفية والتي يحددها فوجت(Vogt) في شمال وجنوب شمل. إن التركيز الشديد للتراكمات الصدفية عثر عليه في موقع  شمل المركزي (Centeral Shimal) حيث وجد بعضها على ارتفاع أعلى من مترين ونصف المتر وطول 30 مترا (37). على أية حال فانه من السهل تأريخ التراكمات الصدفية وذلك باعتبار الغياب المتكرر للفخار المشخص أو ذي العلامات البارزة . من الواضح أيضا أن التراكمات استمرت في الاستخدام خلال أكثر من فترة حضارية واحدة (38). يصرح فوجت (Vogt) بأن بعضا  من الهضاب الصغيرة أو التراكمات جنوب المستوطنة أبرزت فخار خشن رديء من الألف الثاني ق.م, كما تم التعرف على تراكمات من فترة العصر الحديدي الأول (39). هناك تل واحد من التراكمات الصدفية في الجزء الغربي من مستوطنة شمل يمكن أن ينسب بشكل أكيد إلى فترة وادي سوق, على الرغم من أنه وبكل تأكيد هناك العديد من التراكمات كانت قيد الاستخدام في هذا الوقت أيضا. إن التل أو الركام موضع التساؤل أو البحث هو موقع شمل (40) وهو واحد من التراكمات التي عثر عليها بواسطة دي كاردي (40) (deCardi)  والذي حدد بواسطة فوجت (Vogt) في المنطقة SW حيث تم التعرف على عنصر من فترة وادي سوق من الفخار السطحي والذي يحمل مميزات وخصائص فترة وادي سوق كتلك القطع الفخارية التي تحمل أشكال الحافة أو الإطار المميز من فترة وادي سوق. على الرغم من أنها عرفا ليست مميزة بشكل خاص.

تم تأريخ التراكم الصدفي في رأس الحمرا على الساحل الشرقي إلى نهاية الألف الثالث ق.م وبداية الألف الثاني ق.م. رأس الحمرا (RH10) تحتوي على بقايا ترجع في تأريخها إلى نهاية الألف السابع ق.م, لكن أحدث تأريخ مأخوذ من كربون 14 المشع من خلال فحم نباتي أعطى تأريخ يمتد من 2140-1750ق.م (41). تضمنت البقايا الاستيطانية من الحفر الصغيرة لتثبيت الأعمدة  ومواقد وحفر مغطاة بالحجارة المصقولة. تبدو الحفر الصغيرة لتثبيت الأعمدة  لترسم وحدات من غرف مفردة ومجموعة من المباني التي تأخذ شكل حدوة الفرس, وهو ما يمكن مقارنته بما هو في رأس الجنز (RJ.1), هذا ولم يتم العثور على فخار (42). تم العثور في كلبا على عدد من التراكمات الصدفية والتي يمكن نسبها إلى فترة وادي سوق على الرغم من أنه لا يوجد دليل من الفخار يدعم هذا التأريخ (43).

تم العثور على مادة من العصر الحديدي الأول مترافقة مع التراكمات الصدفية على الساحل الغربي من شبه الجزيرة العمانية. لقد أثمرت التراكمات الصدفية في شمل عن عدد من الفخار من نوع .(WareEz)  ويجب الملاحظة أن بعضا من هذه التراكمات قد تكون متعا صرة مع رميلة .(44) (Rumeileh I) إن الفخار من التراكم الصدفي في شمل SM1 يتضمن فخارا من نوع.(45) (WareEz) على الرغم من أن الغالبية العظمى من الكسر الفخارية من SM1  تنتمي إلى هذا الفخار إلا أنه تم أيضا ملاحظة الفخار البرتقالي الرقيق الناعم ذي مادة طينية تجعل سطح الإناء مصقولا وناعما, كما عثر على فخار من فترة متأخرة. ثلاثة تواريخ لكربون 14 تقترح بأن SM1 لا يحتوي في الحقيقة على عنصر من العصر الحديدي الأول. هذه التواريخ تم تقييمها بواسطة ماجي (46) (Magee) بناء على طريقة الاحتمالية وهي تنسجم مع التصنيف المقترح من فترة العصر الحديدي الأول.

هناك أيضا بعض التراكمات الصدفية في شمل تحتوي على فخار من نوع العصر الحديدي الأول. البنية والطراز الخاص بالكسر الفخارية التي حددت في موقع (40) تم مقارنتها بالفخار الخشن الرديء من (SM1) (مثال Velde,s WareEz) .(74) شكل هذه الكسر الفخارية موضع التساؤل, وعلى الرغم من ذلك لا يمكن مقارنتها بصفة مباشرة بأجسام أدوات العصر الحديدي من شمل وتل أبرك أو كلبا, إلا أن الحواف من كسر فخارية أخرى من الموقع (40) شبيهة إلى حد قريب بالفخار المعروف من العصر الحديدي الأول. إلا أن العنصر من العصر الحديدي الأول في الموقع (40) يجب أن يبقى غير أكيد وذلك في غياب الكسر الفخارية الواضحة من العصر الحديدي الثاني, والحقيقة أن- على الرغم من وجود كسر فخارية مترافقة مع أمثلة جيدة من العصر الحديدي الأول- طرز الرسم غير دقيقة والانزلاقات أو الانسيابات  تم تأكيدها أو بيانها في معظم هذه الكسر الفخارية(48). يصف ماجي (Magee) أيضا وجود مادة من العصر الحديدي الأول في بعض التراكمات الصدفية في منطقة الحمرية (49).

4-2: مواقع أخرى محتملة من فترة وادي سوق:

 هناك مواقع قليلة أخرى يمكن أن تنسب إلى فترة وادي سوق وذلك بناء على الدليل المتوافر من اللقى السطحية. هذه الحالات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار على أنها حدسية وذلك لأنه من الخطر محاولة تأريخ موقع على أساس عدد صغير من أمثلة للفخار دون إتاحة الفرصة للاختبار والفحص المباشر. واحد من هذه الأمثلة على مواقع المستوطنات من الألف الثاني موقع في منطقة خور الحمام بصحم والذي لم يتم التنقيب عنه بعد. لقد عثر في هذا الموقع عن طريق الصدفة على أوان من الحجر الصابوني والفخار بالإضافة إلى خرز وكسر فخارية شبيه بتلك التي عثر عليها في مواقع وادي سوق وذلك بناء على الأشكال والرسوم المنحوتة على هذه الأواني.  كما انه عثر من قبل وزارة التراث على بعض الأسوار التي يعتقد بأنها من الألف الثاني ق.م وذلك بناء على اللقى السطحية والشكل المعماري لهذه الأسوار (50). إلا أنه وكما قلنا لا يمكن التأكيد بأنها من فترة معينة بناء على تلك الشواهد الحدسية.

 إن الأمثلة الجيدة الأقرب للاحتمال والتي تتضمن مواقع من الألف الثالث ق.م هي وادي فار والغبرة (Wadi Far1) و( al-Ghubra BB6), حيث عثر على زبدية (bowl) وقاعدة من موقع (BB6) متناسقة مع أشكال وادي سوق, ويمكن مطابقتها بشكل جيد بزبدية من الفترة الانتقالية بين وادي سوق المتأخر والعصر الحديدي الأول في كلبا وقاعدة من فترة وادي سوق المتأخر (Base5) , وعلى الرغم من ذلك فأن كليهما يمكن بالتساوي تأريخهما إلى فترة أم النار (51).

كسر فخارية أخرى يحتمل أيضا بأن تكون من فترة وادي سوق عثر عليها في وادي فار (Wadi Far1) تتضمن أربع حواف وزبدية وأساس قاعدة أخرى, حيث إن حواف الجرار يمكن مطابقتها بالجرة (Jar2) من كلبا من فترة وادي سوق الكلاسيكي وجرة (Jar19) من فترة وادي سوق المتأخر في حين أن الزبدية تشابه الزبدية (Bowl.19) من الفترة الانتقالية بين وادي سوق المتأخر والعصر الحديدي الأول والتي ذكرت سابقا. القاعدة يمكن مطابقتها بالقاعدة (Base5) من فترة وادي سوق المتأخر (52).

إن موقع (BB6) في الغبرة يميل إلى أن يكون بناء برجيا دائريا من فترة أم النار أي الألف الثالث ق.م, في حين أن البقايا المعمارية المعروفة في وادي فار (Wadi Far1) فهي قليلة جدا وكلا الموقعين يعودان في المقام الأول إلى فترة أم النار. إذا كان هناك وجود حقيقي لفخار وادي سوق فأنه ربما يمثل استيطانا بطيئا, ومع ذلك فأنه من المحتمل بأن بعضا من هذه المادة ربما بدأ من مدافن اقتحامية أو تطفلية, مثال ذلك المبنى (1145) في بات (53). وإذا كان فخار وادي سوق وجد في هذه المواقع فأنه في حالة غياب الفخار الملون من فترة وادي سوق الكلاسيكية, وهذا ربما يشير إلى تأريخ إلى فترة وادي سوق المتأخر والكثير من هذه الكسر الفخارية موضع النقاش والتساؤل لديها أمثلة مشابهة من فترة وادي سوق المتأخر.

هناك القليل من المواقع التي يتضمن وصفها وجود مبان بارزة ضخمة, لكن ليس هناك دليل لمواد أثرية أو بنائية تم العثور عليه. واحد من هذه المباني البارزة عثر عليه بالقرب من نزوى في شرجة الحضيرة (Sharjah al-Hadirah) والذي يوصف بأنه ؛قلعة مرتفع أو تل محصن مثير للإعجاب مع جدران مسيجة كبيرة وأبراج… تشكل استحكاما شبه دائري ضخما, وقد عثر في هذا الموقع على فخار يتضمن خزفا من القرون الوسطى وكسرا فخارية لآنية إغريقية الشكل طويلة وكبيرة الوزن من الفترة الانتقالية ما بين العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي المبكر« (54). وبناء على ذلك فأن هذا قد يمثل موقعا بارزا وضخما من فترة وادي سوق المتأخر.

موقعان آخران يحتمل أن يكونا من المواقع البارزة والضخمة من فترة وادي سوق عثر عليهما في الواسط وجزيرة مصيرة. يشير فرانكية فوجت (Franke-Vogt) إلى الحصنين أو القلعتين في مصيرة والواسط واللذان أورخا إلى الألف الثاني ق.م , وهذا يبدو أنه المصدر الوحيد لهذين الموقعين. من المحتمل أن القلعة أو الحصن وجدا في الجوار من القبر الجماعي في الواسط في وادي الجزي (55).

بالإضافة إلى المواقع السابقة فأن فرانكية فوجت (56) (Franke-Vogt) يضيف المواقع التالية إلى قائمة المواقع التي يمكن نسبها إلى الألف الثاني ق.م: عباية (Abyah) وأملة (Amalah 3a-c, 12) و.(BB22) القليل من الفخاريات من هذه المواقع تتشابه مع فخار وادي سوق من حيث الشكل والبنية. الفخار من موقع عباية من دون شك نادر  لكنه مختلف جدا عن فخار وادي سوق كتلك القاعدة ذات الخزف الأحمر مع نواة أو جزء مركزي رمادي (57). يشير فيلدة (Velde) بالإضافة إلى ذلك إلى مواقع من الألف الثالث ق.م تحتوي على استيطان محتمل من فترة وادي سوق مثل وادي إثلي (Ithli 4) ووادي عندام .(Wadi Andam 1) (58)

لقد تم الاقتراح بأن ميسر 1 (Maysar1) تحتوي على عنصر من الألف الثاني ق.م وذلك بالإضافة إلى الاستيطان المعروف جيدا من فترة أم النار. آنية من حفرة في بيت 4 (House.4) تشبه كأسا ذا أساس قاعدة, والذي بين بواسطة فوجت (Vogt) على أساس أنه إناء من فترة وادي سوق ويحتوي على خطين أفقيين متوازيين أسفل الحافة وقاعدة تشبه قاعدة (Base5) من فترة وادي سوق المتأخر. إلا أن فخارا آخر من الحفرة نفسها يعود إلى فترة أم النار المتأخرة وذلك من حيث الشكل والزخرفة. هذه المجموعة الصغيرة ربما تمثل فترة أم النار المتأخرة أو فترة انتقالية والتي تتضمن عناصر من كلتا الحضارتين مثال ذلك فخار ند الزبا. إنه من الملاحظ بأن العمارة في ميسر (Maysar 1) مع جدارها ثنائي الطبقات أقرب إلى فترة وادي سوق من فترة أم النار والذي يمكن أخذه أيضا كدليل على تأريخ الموقع الذي يقع قريبا من نقطة الاتصال لكلتا الفترتين (59).                              

مناقشة:

بناء على الدليل الحالي المتوافر بين أيدينا يبدو أن هناك ثلاثة أنواع  من العمارة غير الجنائزية في فترة وادي سوق والعصر الحديدي الأول. إن النوعية الأكثر شيوعا والتي أصطلح على تسميتها المواقع الثانوية أو غير الرئيسية تحتوي على بقايا متضمنة بشكل كبير حفرا وحفرا صغيرة لتثبيت الأعمدة ومواقد وتراكمات رسوبية  وجدرانا. النوعية الأخرى والتي أطلق عليها اسم المواقع الرئيسية تحتوي على مبان ضخمة, وربما ذات طبيعة دفاعية وعمق كبير من الترسبات الحضارية. المواقع الثانوية والتي تحتوي على بقايا سريعة الزوال موزعة بالتساوي أو حتى بقلة على طول شبه الجزيرة العمانية والتي يمكن ملاحظتها في مناطق الجبال والواحات الغربية والشميلية والسر, كما توجد أيضا على الساحل الشرقي في رأس الحمرا (RH10) ورأس الجنز .(RJ.1) النوعية الثالثة هي التراكمات الصدفية والتي تشمل مواقع مثل رأس الجنز وشمل ورأس الحمرا أي مناطق الساحل. خريطة رقم (2) توضح أهم الأقاليم والمناطق الجغرافية في شبه الجزيرة العمانية.

توحي بقايا الحفر التي تثبت بها الأعمدة (60) بأن هذه المستوطنات تضمنت في المقام الأول مجموعات من الأكواخ أو الخيام التي- في حين ربما تحتوي مجموعات سكانية شبه مستقرة أو حتى مستقرة- قد تكون تركت القليل من المواد في الطريق أي بقايا مرئية. هذا الوضع يمكن مقارنته بالمستوطنات التقليدية والحديثة في شبه الجزيرة العمانية, حيث إن مباني الباراستي القابلة للزوال كانت الشكل الأساسي لمادة البناء, إلا أنه يجب الملاحظة أن هذه المباني الحديثة القابلة للزوال والهلاك غالبا ما تتجمع حول العديد من المباني الضخمة مثل الحصون والمساجد.  بينما تتمركز المواقع الرئيسية ذات المباني الضخمة في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة (منطقة الشميلية والسر), في حين أن حزام الواحات الداخلية  ومنطقة الجبال التي كانت مهمة جدا للاستيطان البشري خلال فترة أم النار لم تثمر عن مثال لموقع بارز ضخم , على الرغم من أن ثلاثة مواقع ضخمة تستدعي التأمل الشديد وجدت في جنوب كلبا وحصون أو قلاع نزوى والواسط ومصيرة (61).

مواقع وادي سوق المتأخرة والمعروفة محصورة في منطقة الشميلية والسر وهي تشمل تل أبرك وكلبا وربما ند الزبا والبدع. هذا أيضا يمكن أن يشير إلى التناقص في المستوطنات. ومع ذلك فأن مواقع أخرى كالتي في مناطق جبال الحجر والواحات الغربية  والتي تشمل بات وربما موقع BB6 ووادي فار, ربما تكون قد استخدمت في النصف الثاني من الألفية. ولسوء الحظ فإنه لا يمكن إعطاء تأريخ دقيق لهذه المواقع لكن طبيعتها وماهيتها توحي بأن البقايا البنائية من الألف الثاني ق.م سريعة الزوال في هذه المواقع (62). وهذا يشير إلى تركيبة سكانية صغيرة ومستوى منخفض من التعقيد أكثر مما هو واضح في المواقع الرئيسية من منطقة الشميلية والسر , حتى ولو أن بعضا من الوجود أو أسلوب الحياة شبه المستقر أو المستقر كان قد برهن عليه.

إن مواقع العمارة غير الجنائزية من العصر الحديدي الأول قد عرفت أو وجدت فقط في منطقة الشميلية والسر والتي تشمل شمل وتل أبرك وكلبا والعديد من التراكمات الصدفية. وهي أيضا تقترح تناقصا في الاستيطان منذ بداية فترة وادي سوق. إلا أن نزوى وعبري/السلمي -(Ibri/Selme hoard) ربما أورخ للعصر الحديدي الأول أو نهاية وادي سوق-  فأنها تشير إلى أن الاستيطان البشري لم يكن محصورا تماما في الشمال. على أية حال فانه يستحيل أن يكون إنتاج الفخار الملون توقف أو انقطع في مناطق الجبال والواحات الغربية  في تأريخ مبكر عنه في منطقة الشميلية والسر أو أن أسلوب وطراز حياة فخاري آخر قد بدأ. هذا أيضا ربما يكون دليلا على التناقص الإقليمي في التعقيد فالسكان البدو أو شبه البدو أقل احتمالا لاستخدام الفخار على أساس دوري منتظم خصوصا الأواني الكبيرة. اثنان من مواقع المستوطنات الساحلية من الألف الثاني ق.م وجدت على الساحل الشرقي جنوب كلبا وهي ((RH10 و.(RJ.1) وهناك موقع آخر في مصيرة والذي يمكن أن يخمن بأنه من الألف الثاني ق. م. إن RH10 وRJ.1 كلاهما يفتقر إلى وجود البقايا البارزة الضخمة ,  ويقترح كربون 41 تأريخ (63) لهذين الموقعين إلى النصف الأول من الألف الثاني ق.م. إن إستراتيجية البقاء أو العيش لهذه المواقع كانت قائمة على المصادر البحرية – وربما الرعي- أكثر منها على الزراعة.

إن المواقع الرئيسية في منطقة الشميلية والسر هي المواقع المعروفة بكثافة الاستيطان. يعتقد كارتر (64) إن وجود المباني الضخمة يشير إلى عدد سكان كبير منظم بشكل جيد جدا أكثر مما هو مؤكد في جنوب الإقليم. علاوة على ذلك فأن هناك درجة عالية من الاستمرارية في الاستيطان في هذه المواقع فتل أبرك وكلبا وربما ند الزبا استوطنت طوال فترة الألف الثاني ق.م. إن الاستيطان في البدع (Bida,a) يبدو بأنه يغطي فترتي وادي سوق الكلاسيكية والمتأخرة. إن وجود مقبرة واسعة  من فترة وادي سوق في شمل والتي تتضمن مقدارا  لا حصر له من القبور الضخمة البارزة – كما هو الحال في مقبرة الخت- تشير إلى وجود مستوطنة ضخمة من فترة وادي سوق الكلاسيكية في الجوار, على الرغم من أن المستوطنة المنقبة تغطي فقط فترة وادي سوق المتأخر والعصر الحديدي المبكر.

إن تمركز موقع رئيسي معروف في منطقة الشميلية والسر ربما يعود إلى الخصائص الطبوغرافية والهيدرولوجية للمنطقة, بالإضافة إلى ساحل الباطنة ذلك الإقليم حيث احتمال أن الزراعة التي تستخدم تقنيات الآبار مرتفعة بشكل غير عادي أو نادر. من أجل بناء وصيانة مبان ضخمة فأن ذلك يحتاج إلى قوة عمل كبيرة وضخمة. إن التنظيم المتطلب لمثل هذه الأعمال أو الواجبات والحاجة إلى مثل هذه المباني سواء للدفاع أو لنشاطات جماعية أخرى فان ذلك يتضمن وجود كثافة سكانية متعددة ومستقرة. مثل هذه الكثافة السكانية يمكن أن يتوقع تمركزها في المناطق التي يتوافر فيها مصادر المياه والتربة الجيدة, بالإضافة إلى توافر أنواع أخرى من المواطن أو البيئات القابلة للاستثمار أو الاستغلال. مواقع مثل البدع (Bida,a) وند الزبا وكلبا (65) جميعها استقرت في الأشرطة الضيقة من الأرض بين الجبال والبحر – والتي تحتوي على تجهيزات كبيرة وممكن الوصول إليها من المياه الأرضية الجوفية تحت السطحية والمناسبة لاستغلال تقنيات الري عن طريق الآبار.

إذا ما أردنا أن نعقد مقارنة سريعة بين العمارة الجنائزية وغير الجنائزية في شبه الجزيرة العمانية يتضح لنا أن معظم معرفتنا بفترة وادي سوق تأتي من البقايا الجنائزية وخصوصا القبور, إلا أن معرفتنا بالمستوطنات السكنية من الألف الثاني ق.م تطورت التي استقرت في وادي سوق خلال القرن الماضي من خلال وجود العديد من المواقع ذات الآثار البنائية الضخمة المواد الثقافية الثقيلة كتلك التي في تل أبرك وندالزبا وبدع وكلبا. تشير دراسة العمارة الجنائزية وخاصة القبور خلال الألف الثاني ق.م إلى تناقص الحركة الاستيطانية المركزة باتجاه الشمال خلال فترة وادي سوق الكلاسيكية, كما تشير إلى تناقص التعقيدات الاجتماعية في إقليم جبال الحجر وإقليم الواحات الغربية خلال نفس الفترة وخلال فترة  وادي سوق الأخيرة والمراحل الأولى من العصر الحديدي. وتوجد اليوم أدلة ساطعة تؤكد أن المباني الكبيرة الدائمة كانت قد استمر بناؤها خلال فترة وادي سوق. ويتأكد هذا الدليل بقوة في تل أبرك وكلبا, ويتأكد كذلك بدرجة كبيرة في ندالزبا وربما في بدع. وعلى الرغم أن مثل مباني مواقع وادي سوق تبدو قليلة في العدد إلا أنه من الممكن التنبؤ بأن المواقع ذات النصب التذكارية الضخمة تكون واضحة جدا  للعيان ومن السهل إيجادها خلال المسوحات الأثرية.

إن مشكلة نقص المعلومات المتعلقة بالألفية الثانية في شبه الجزيرة العمانية يمكن تلخيصها من خلال نظريتين. أولا -حسب نظرية كارتر- فإن السبب  قد يعود إلى أن حركات الاستيطان خلال فترة وادي سوق, وفترة وادي سوق المتأخرة والمعروفة بالعصر البرونزي المتأخر كانت ضئيلة للغاية ومبهمة  ومؤقتة في معظم أرجاء المنطقة فيما عدا المناطق الساحلية حيث يوجد الكثير من الماء وحيث تتوافر مصادر رزق متعددة. أما النظرية الثانية- حسب وجهة نظر فيلده-  فترجع إلى أن قلة المسوحات والأعمال الميدانية التي أجريت على داخلية البلاد الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى عدم التعرف على مواقع الألفية الثانية. فعلى سبيل المثال فإن المستوطنات توجد في عمان ولكننا لم نستطع أو لا نستطيع التعرف عليها بصورة صحيحة. ومهما يكن فإننا لا نعرف أيا من النظريات تمثل التفسير الصحيح. ولكن المؤكد أن المزيد من المسوحات والتنقيبات ستكشف النقاب عن هذا الغموض الذي يكتنف مواقع الألفية الثانية ق.م.

ومن المهم التنبيه إلى أن الأعمال الميدانية في دولة الإمارات العربية المتحدة- في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العمانية- كانت أكثف منها في عمان, كما أن أعداد الفرق التي تعمل سواء في المستوطنات والمقابر أكثر بكثير. أما بالنسبة لعمان فإن معرفتنا ماهية الألف الثاني عن طريق المسوحات مع القليل من التنقيبات التي تتضمن مشاريع ذات فترات زمنية طويلة مقيدة ومحصورة في مواقع معينة كتلك التي في موقع البليد في الجزء الجنوبي من عمان ورأس الجينز في المنطقة الشرقية. ومهما يكن فإن المسوحات المبكرة في عمان عملت على الكشف عن نواح مهمة عن الألفية الثانية قبل الميلاد في شبه الجزيرة العمانية.

وفي الختام ينبغي أن أنوه في هذا المقام إلى أن العديد من مكتشفات الألفية الثانية قبل الميلاد في شبه الجزيرة العمانية ستعمل بالتأكيد على إثراء معرفتنا بعادات الدفن وكذلك بالمجتمعات المؤقتة أو الدائمة بشكل أعم. وعلى المدى البعيد  فإن عقد مقارنات دقيقة بين الأدوات واللقى الأثرية التي تم العثور عليها في مقابر متشابهة مثل منطقة شمل وتل أبرك وشرم وأم النار في شبه الجزيرة العمانية وبين المكتشفات المبكرة في رأس الحمرا ونهاية الألفية الثانية المبكرة قبل الميلاد والعصر الحديدي كل هذه ستعمل على إضافة قدر كبير من المعرفة عن آثار ما قبل التاريخ في المنطقة.

الهوامش:

1-  Potts, D.T. (1990a) The Arabian Gulf in Antiquity: from prehistory.

 to the fall of the Achaemenid Empire, vol.I, p. 232-3

2 Potts, D.T. (1990a) ibid, p.232.

3  Potts, D.T. (1993) Rethinking Some Aspects of Trade in the Arabian Gulf.

 n :World Archaeology. Vol. 24 (3), p. 428.I

4 Cleuziou, S. (1981) Oman Peninsula in the Early 2nd Millennium BC. In Hartel,

 H. (ed) South Asian Archaeology,1979. Berlin: Reimer. p.279.

5-   Carter, R.A. (1997) Defining the Late Bronze Age in Southeast Arabia: ceramic evolution and settlement during the

 second millennium BC (unpublished PhD Dissertation). Institute of Archaeology: University College London.

6-Velde, C. Personal Communication.

7-Carter, R. Personal Communication.

8-        Brunswing, R.H. (1989) Culture Histroy, Environment and Economy as Seen from an Umm an-Nar Settlement:

 evidence from test excavation at Bat, Oman, 1977/78. In: Journal of Oman Studies. vol.10, p.37.

 9-Carter, R (1997) ibid. p. 56.

01-de Cardi, B. (1977) Surface Collections from the Oman Survey,

 1976. In: Journal of Oman Studies. vol.10, p61-4.

11-de Cardi, B. Bell, .R.D and id in the Sharqiyah, 1978. In: Journal of Oman Studies. vol.5, p. 84-91.

 Starling, N.J (1979) Excavations at Tawi Silaim and Tawi Sa

12-Carter, R. (1997) ibid. p.56.

13-  Cleuziou, S. (1980) Three Seasons at Hili: Toward A Chronology and Cultural History of the Oman Peninsula in

 the 3rd Millennium B.C. In: Proceeding of the Seminar for the Arabian Studies, vol.10. p. 27.

14     Carter, R. (1997) ibid. p. 57.

15-Crawford, H. (1998) Dilmun and its Neighbors. p. 117.

16-Carter, R. (1997) ibid. p. 57.

17  Brunswig, R.H. (1989) ibid. 17.

18- حجارة كتلة السكر عبارة عن حجارة مصقولة من الوجهين بدأ استخدامها منذ أواخر فترة حفيت حيث بدأت بشكل بسيط ثم تطورت مع بداية فترة أم النار لتأخذ أشكالا أكثر تهذيبا وتنسيقا وهي ذات أحجام مختلفة منها الكبير ومنها الصغير.                                                                                                                                     

19 Brunswig, R.H. (1989) ibid. 36.

20- الميسة هي عبارة عن هضبة مستوية السطح منحدرة الجوانب

21-s al-jinz and the Prehistoricصalan.  In: Journal of Oman Studies. vol.11, p. 40.

 Cleuziou, S. & Tosi, M. (2000) RaصCoastal Cultures of the Ja

22-Cleuziou, S. & Tosi, M. (2000) ibid. 40.

23-Franke-Vogt Ute. (1991) The Settlement of Central Shimal 1. In:

 Schippmann et.al (eds) Internationale Archaologie 6. p. 197.

24-s al-Khaimah, United Arab Emirates. In: Schippmann et.al (eds) Internationale Archaologie 6.

 Glover, E. (1991) The Molluscan Fauna from Shimal, Ra p. 205-220.

25   Carter, R. (1997) ibid. p. 60-1.

26   Carter, R. (1997) ibid. p. 61-2.

27- الباراستي عبارة عن مصطلح يستخدم للبيوت القديمة سريعة الزوال والتي كانت تبنى من مشتقات النخيل وهي غالبا ما تأخذ شكل الأكواخ أو ما يسمى محليا العرشان.                                                                                 

28        Carter, R. (1997) ibid. p. 63.

29    Carter, R. (1997) ibid. p. 65-6.

30-     Potts, D.T. (1990b) A Prehistoric Mound in the Emirate of of Umm al-Qaiqain, UAE:

 Excavations at Tell Abraq 1989. p.65-8.

31-     Potts, D.T. (1991) Further Excavations at Tell Abraq: The 1990 Season. P.36.

32-Magee, P. (1994), qouted in Carter, R. (1997) ibid. p.67.

33-Potts, D.T. (1991) ibid. P.36.

34-  Kennet, D. & Velde, C. (1995) Third and Early Second-Millennium B.C Occupation at Nud Ziba, Khatt  ,

 UAE. In: Potts, D.T. (ed) Arabian Archaeology and Epigraphy. Vol: 6 (No2). P. 93-4.

35       Carter, R. (1997) ibid. p. 70.

36        Carter, R. (1997) ibid. p. 70.

37-  Vogt, B. & Franke-Vogt, Ute. (1987) Shimal 1985/1986: Excavations of the German

 Arcaeological Mission in Ras al-Khaimah, UAE. A Preliminary Report. P. 13.

38        Carter, R. (1997) ibid. p. 63.

39-Vogt, B. & Franke-Vogt, Ute. (1987) ibid.16.

40-de Cardi, s al-Khaimah, UAE, 1977. In: Oriens Antiquus. Vol:24. p. 13.

 B. (1985) Further Archaeological Survey in Ra

41-Biagi, P. et.al (1984) Qurum: a Case Study of Coastal Archaeology

 in Northern Oman. In: World Archaeology. Vol: 16. p. 57.

42-   Santini, G. (1987) Site RH10 at Qurum and a Preliminary Analysis of its Cemetery.

 In: Proceedings of the Seminar for Arabian Studies. Vol: 17. p.180.

43        Carter, R. (1997) ibid. p.64.

44       Carter, R. (1997) ibid. p. 64.

45- Magee, P. (1996) The Chronology of the Southeast Arabian Iron Age. In: Potts,

 D.T (ed) Arabian Archaeology and Epigraphy. Vol: 7. p. 244.

46     Magee, P. (1996) ibid. p.251.

47-Vogt, B. & Franke-Vogt, Ute. (1987) ibid. p. 14.

 48-Carter, R. (1997) ibid. p. 65.

49- Magee, P. (1996) ibid. p.244.

05-Al-Bakry, S. Personal Communication.

51-Carter, R. (1997) ibid. p. 71.

52      Carter, R. (1997) ibid. p. 71.

45      Carter, R. (1997) ibid. p. 71.

54-  Al-Shanfari, A. & Weisgerber, G. (1989) A Late Bronze Age Warrior Burial from

 Nizwa, Oman. In: Costa, B. & Tosi, M. (eds) Oman Studies. P. 17.

55-Franke-Vogt, Ute. (1991) ibid. p. 192.

56-Vogt, B. & Franke-Vogt, Ute. (1987) ibid.67.

57 de Cardi, B. (1977) ibid. p. 17.

58       Carter, R. (1997) ibid. p.72.

59       Carter, R. (1997) ibid. p.72.

60       Carter, R. (1997) ibid. p.75.

61       Carter, R. (1997) ibid. p.75.

62       Carter, R. (1997) ibid. p.76.

63       Carter, R. (1997) ibid. p.76.

64  Carter, R. (1997) ibid. p.76-7.

65       Carter, R. (1997) ibid. p.77.

) حفريات يظهر فيها موقع مستوطنة منال- داخلية عمان (بعدسة: يعقوب الرحبي)
 
ناصر الجهوري
باحث من سلطنة عمان

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …