العَالمُ ليْسَ مجَرّدَ أزْرَار (مُونُودرَامَا)

«يُفتَحُ الستارُ عنْ رجلٍ فيْ الأربَعينيّاتِ يَجلِسُ عَلى مَكتَب، عَلى المَكتَبِ شَمْعَة وَجِهازُ حَاسُوبٍ شَخصِيّ وَ هاتِفٌ نقّال وَشَاشةٌ تعْرِضُ سَطحَ المَكتَبِ وَكتبٌ وَأورَاقٌ مُبعثرَةٌ، عَلَى الحَائِطِ سَاعةٌ كَبيرَةٌ, حِينَ يَبْدَأ العَرْضُ، يَسْمَعُ الجُمْهُور دَقّاتِ السّاعَة وسْط الظّلام، يَتمايَلُ جسَدُ المُمثلِ مَعَ مَيلانِ عقْرَب السّاعَةِ لا شُعورِيّاً وهوَ مُنهَمِكٌ بِالتأمُّلِ يَرِنّ جَرَسُ الهَاتِفِ»
المُمثل : ألو
صَوت : مَساءُ الخَيرِ
الممثل :مَساءُ النّور
الصوت :كلّ عَامٍ وَأنتُم بِخيْرٍ
الممثل :وَأنتَ بِألفِ خَيْر
الصوت: هَلْ تذكّرْتَنِي؟
الممثل: نَعَم، الصّحُفِيّ الذيْ سَلّمنِي سُؤالَ استِفتَاءِ رَأسِ السّنَة
الصوت:بالضّبطِ, أتمَنّى أنْ تكُونَ الإجَابَةُ جَاهِزَةً خِلالَ سَاعَةٍ مِنَ الآنِ لأننّا ننويْ نشرَ الاستِفتَاءِ إلِكترُونِيّاً فيْ السّاعةِ الأوْلَى منْ بدءِ العَامِ الجَديدِ، وَلمْ يَبْقَ وَقتٌ عَلى مَوْعِدِ التّسلِيمِ
الممثل : اعتَدْتُ أنْ أجِيبَ عنْ أمثَالِ هذِه الأسْئلَةِ فيْ السّاعاتِ الأخِيرَة منَ العَامِ، لأنّ الزّمنَ يَتكثّفُ «تنطلق دقات الساعة» وَالتفكِيرُ بحَركَةِ الزّمنِ يَكونُ مُركّزاً
الصوت :هذا جَيِّد، لكنَّ الوَقتَ يُدرِكُنَا وَموعِدُ تحدِيثِ صَحِيفتِنَا الالِكترُونِيّة قدْ أزِفَ
«تقرع أجراس الكنائس»
الممثل : نعَمْ، نعَمْ, أنا عندَ وَعدِي، سَيكُونُ ببَريدِكَ بعدَ سَاعَة, لا تنْسَ إنّ يَومِي فيْ صَحِيفتِنَا كَانَ شَاقّا، وَالعمَلُ فيْ الصّحَافةِ الوَرَقِيّة لا يزَالُ يَتبَعُ الأنظِمَة القَدِيمَة التّقلِيدِيّة، وَأنتَ مَحكُومٌ بظرُوفِ المَطبَعَة وَقوَانينِ النّشْرِ وَالمطبُوعَاتِ، لذَا لابُدّ منْ مُراجَعَةِ كلِّ كلمَةٍ وَكلّ حَرْفٍ وَصُورَة وووو
الصوت: «يقاطعه ضاحكا» بالنسْبَة لنَا المَسألة ُ أرْحَم، لكنّا نُطالِبُ دَائِمَا بِالجَديدِ فالمُنافَسَةُ شَديدَةٌ، عُمُومَاً لأترُككَ مَعَ الاستِفتاَءِ فالوقتُ بَدَأ يُدرِكُنا, أتمنّى لكَ وَقتاً طَيّبا مَعَ السّلامَة.
الممثل: شُكراً لكَ معَ ألفِ سَلامَة «يُغلق الهاتف». يفتَحُ مَلفاً حمَل عُنوَان «استِفتَاءُ رأسِ السّنَة» يردد وهو يشير بالماوس على كلمات تظهر على الشاشة التي تعكس سطح المكتب :
معَ نهايَة كلّ سنةٍ اعتَدْنا أنْ نطرَحَ –نحْنُ المُشتَغِلينَ فيْ وَسائِلِ الإعْلامِ- عَلَى المُثقفِينَ وَالأدبَاءِ وَالفنانِينَ أسئِلة ً تتناوَلُ أبرَزَ الأحدَاثِ الثقافيّة وَالفنيّةِ نرجُو التلطفَ بالإجَابَةِ على سُؤالِ صَحِيفتنَا الالِكترُونيّة علَى أنْ تصِلنا الإجَابةُ فيْ موعِدٍ أقصَاهُ نهايَة السّاعة الأخِيرَة منَ العَام.
السؤال:
هل أنتَ راضٍ كلّ الرضَى عنْ مستَوى أدَائِكَ هذا العَام؟
إذنْ عليّ أنْ أبدأ الإجَابَة…. وَلَكِنْ
 صوت عبدالوهاب البياتي: من أيْنَ يَبتدِيءُ المُغنّي
وهوَ يُمسِكُ قلبَهُ؟
منْ شرْفةٍ فيْ الغَيبِ؟
أم قصْرِ الشّتاءْ؟»
نعَم لابدّ أنْ أحدّدَ نقطة الإنطِلاقِ… نُقطَة البِدَايَة… منْ أينَ أبدَأ…. مَهلا، علينَا ألا نفسّرَ السُؤالَ بشكْلٍ سَطحِيّ، صَحيحٌ أنّ السؤَال يَبدُو سهلا، لكنّه ليسَ بهَذِه السُهُولةِ التيْ يتصوّرُهَا صحَفِيّ يَشتغِلُ بِصحِيفةٍ الِكترُونية يتعَاملُ معَ الأشيَاءِ بِالضّغطِ عَلى الأزرَارِ !!
فالعالمُ ليسَ مُجرَّدَ أزرَار، العَالمُ أوسَعُ منْ فِكرَةٍ تقدَحُ برَأسِ شَاعِر، العَالمُ كَلِمَةٌ مُشعَّة، لَكننِي لنْ أدَعَ هذَا الصّحَفِي يُسيّرنِيْ وفقَ مِزاجِهِ الالِكترُونِيّ القائِمِ علَى المَلفّاتِ الطّائرَة وَالقصِ واللّصقِ وَتشغيلِ مُحرّكِ البَحثِ فيْ «كُوكَل»!
وَخبَر عَاجِلٍ يُنشَرُ بَعْدَ ثوَانٍ منْ وُقوعِهِ !
العَالمُ يَا عَالمْ.. تأمّلٌ وَمراجَعَاتٌ وَقراءَة لِمَا سَيَحْصُلُ، وَقفزَة ذِهنِيّةٌ لِلأمَامِ, «يقفز فيسقط على الأرض» آسِف، اعْذرُونِي، لا أجِيدُ القَفزَ، رُبَّمَا لأنَنِيْ لسْتُ بَهلَواناً، رغْمَ أنَّ عَالمنَا صَارَ مُمتَلِئَاً بِالبَهلَوانَاتِ، البَهلَوانَاتِ الالِكترُونِيَّة تحْدِيدَاً، «دقات متواصلة للساعة» نعُودُ إلَى سُؤالِنَا،
«يسرح بعيدا ويتحرك من كرسيه الذي ينوء بحمله»
,آآآآآهْ أشْعَرُ بِظمَأ شَديدٍ… بِحُرقةٍ فيْ مَعِدتي لأتوَجّهْ إِلى البَرَّادِ لأشرَبَ كأسَ مَاءٍ بَارِدٍ, «ينهض من مكانه يشرب ماء»
فكُّ السّؤالِ لا يَزالُ مفتُوحَاً  لالتِهَامِي !
هلْ أنَا رَاضٍ كلّ الرِضى عنْ مُستوَى أدَائِي طوَالَ العَام؟
الإضَاءَة الحَادَّةُ تًحرِقُ عَينِي… سَأكتَفِيْ بِضَوءِ الشّمْعَةِ.
تأمُّلُ الشّمعَةِ يجْعَلنِي فيْ طَقسٍ إحتِفالِيٍ… فيْ غَيبُوبَةٍ… حتّى لا نَشْعُرَ «بِثقَلِ الزّمنِ الرّهِيبِ» كمَا يقولُ بُودلِير الدّاعِي إِلَى الثّمَالَةِ «بِالخَمْرِ أوْ بِالشّعرِ أو بِالفَضيلَةِ»
صوتُ الشّاعربودلير: لكُمْ أنْ تخْتَارُوا مَا تشَاؤنَ
وَإنِ استَيقَظتُمْ, ذَاتَ مَرَّةٍ، وَكنتُمْ وَاقفِينَ عَلَى دَرَجٍ قَصِيرٍ أوْ عَلَى عُشْبِ قَبْرٍ أخْضَر, أوْ كنتُمْ فيْ غُرَفِكُم وَسطَ عُزلةٍ كَئيبَةٍ
وشَعَرتُمْ أنّ سُكرَكمْ بَدأ يَضْعُفُ
اسألُوا الرّيحَ، المَوْجَة، النّجْمَة, العُصْفُورَ، السّاعَة َ
اسألُوهُ:كمِ السّاعَة؟
وَسَيُجيبُكُم الهَوَاء وَالمَوجَة وَالنجْمَة وَالعصفُورَ وَالسّاعَة:
حانَ الوَقتُ كيْ تثمَلوا حتَّى لا تُصبِحُوا عَبيداً يُمعِنُ الزّمنُ فيْ تعذِيبِهِم
اثمَلوا بِلا هَوَادَة، بِالخَمْرِ، بِالشّعْرِ, أوْ بالفَضِيلَة كمَا تشَاؤونَ»
الممثل: هَا نحنُ قدْ ثمِلنَا بِشِعْرِ بُودليرْ ! ثَمِلنَا بدَبيبِ الزّمنِ وهُوَ يمّرُ بسُرعَةِ البَرْقِ فيْ هذِهِ اللّيلَةِ، مُحبِطٌ أنْ يحْتَفِلَ العَالمُ فيْ النّوَادِي وَالفنَادِقِ وَصَالاتِ الرّقصِ بَينمَا أجلِسُ وَحدِي هنَا وَليسَ ليْ سِوى هذِه الشّمعَة التيْ تتلاشَى شَيئاً فشيئاً
كمْ كنتُ أحبّ الشّموعَ!
أوّلُ شَمْعَةٍ أشعَلتُهَا كانتْ فيْ عرسِ القاسِمِ فيْ العزاءَاتِ الحَسَينيّة
وكنّا فيْ اللّيلِ نَضعُهَا فيْ علبةِ صفيحٍ صغيرَةٍ لِئَلا تُطفِئ الرّيحُ حَياتَهَا ثمْ نثقُبُ علبَةَ الصّفيحِ بِالمسَامِيرِ كيْ لا تَختَنِقَ الشّمْعَة وَتظلّ تتنَفّسَ الأوكْسُجِينَ وَننتقلَ بَينَ البيوتِ وَنصِيحَ:
أصوات من الخارج :
اللهْ يخَلّي رَاعِي البَيت  آآآآآآآآآآآمين
بجاهِ اللهِ وَإسمَاعِيل    آآآآآآآآآآآمين
فتفتحَ الأبوابُ التيْ إذَا كانَ أهلُهَا كُرمَاءَ فإنّ نَصيبَنَا الحَلوىَ وَالنقودَ المَعدِنِيّة الصَغيرَة
وَإنْ كانَ أهلهَا بُخَلاءَ
صوت أجش: قلنا لَكُمْ لا تُوسّخوا عتَبَة البَابِ بأقدَامِكُمُ القَذرَة يَا أوْلادَ الشّوارِعِ يَا… «رشقة ماء قوية تسقط الممثل أرضا»
 رشقونا بالماء
صوت طفل: بَللتُم ثِيَابيْ بمَائِكمُ الوَسِخ مَاذَا سَأقولُ لأمّي؟ اللهْ ينتَقِم مِنكُمْ
الممثل «للجمهور»: لِحُسْنِ الحظّ أنّ المَوسِمَ كانَ صَيفاً وَإلاّ لمَرِضْتُ، بَعْدَ سَنواتٍ عَديدَة كنتُ عَائداً منَ الحَربِ, سَاهمَاً وَمفكراً بِالقادِمِ منَ الأيّامِ وَكانتِ الحَرْبُ قدْ دخَلَتْ سَنتهَا الثّامِنَة, كانتِ الحِيطَانُ ترتَدِيْ لونَ الحِدادِ «ولا تحسَبَنّ الذينَ قُتِلُوا فيْ سَبيلِ اللهِ أمْوَاتاً بلْ أحيَاءٌ عندَ رَبّهِمْ يُرزَقونَ».. صَدقَ اللهُ العَظيمُ «ننعَى إليكُمُ الشهيدَ البطلَ……» عشراتُ اللافتاتُ تكرّرُ العِبارَة نَفسَهَا وَتضعُ اسمَاً جَديدَاً وَتاريخَاً جَديدَاً، حتّى رَاجتْ مِهنةُ الخَطّ وَبيعِ الأقمِشَة السّودَاء !!
كنتُ التَهِمُ اللافتاتِ خَوفَا منْ وُجُودِ اسمِ صَديقٍ أوْ قرِيبٍ،  فجْأة طَلبَ مِنّي أحَدُ المَارّةِ فتحَ زُجاجَةِ النافذَة ورَشَقني بِإناءٍ كَبيرٍ منَ المَاءِ، كانتِ الرّشقة مُبَاغتة لذَا انشغلتُ بمَسْحِ المَاءِ عنْ عيُونِي، وَحينَ فتحْتُهمَا وَجَدتُه يَضْحَك وَقالَ: هذهِ بِمناسَبةِ نهايَةِ الحَربِ، بعْد قليلٍ وَجدتُ النّاسَ تتبادَلُ رَشقاتِ المَاءِ وَالكلُ يبلّلُ الكُلَّ، قبلَ ذلك كانَ الدمِ يبللنا وَالقهرُ والحُزنُ.
 «يتردد صوت الصحفي» : هل أنتَ رَاضٍ كلّ الرضى عنْ مُستوَى أدَائِكَ هذَا العَام؟
سؤالٌ صَعبٌ، أصعَبُ ممّا كنتُ أتصوَّرُ، مَا كانَ ينبغِيْ أنْ أستهينَ بِهِ، أذكُرُ أننَا خِلالَ درَاستنَا الابتِدَائيّةِ كانَ المُعلّمُونَ يُوصُوننا بألا نَستَهِينَ بأيّ سُؤالٍ وَحينَ نُجيبُ نبدَأ بالأسئِلَةِ السّهلةِ لكيْ لا نَستنفِدَ طاقتنا عَلى الترْكيزِ بالبدْءِ بالأسئِلةِ الصّعبَة، وَحينَ نطلبُ المَزيدَ منَ التوضِيحِ
المعلم: حسَناً، سَأشرَحُ لكُمْ، سُئِلَ عنترَةُ بنُ شدّادٍ يوماً : كيفَ تظفَرُ بِأعدَائكَ؟ فأجاب : أضرِبُ الجَبَانَ ضربَة يَرتَعِدُ لهَا قلبُ الشُجاعِ، وَهكذا فالسُؤال البسِيطُ يضاعِفُ الثقة بِالنفسِ وَيجعَلنا نَدخُلُ مَيدانَ الامتِحَانَ وَنحنُ وَاثقونَ منَ النجَاحِ، فالعَامِلُ النفسِيُّ مُهِمٌ فيْ المُواجَهَاتِ كمَا يَعلَمُ الجَمِيعُ.
«الممثل يستدرك» لكننيْ لسْتُ فيْ امتِحَانٍ، إنّهُ استِفتَاءٌ عَادِيٌ لصَحِيفةٍ الكترُونِيّة رغْمَ أنّ مَسْألة َ الرِّضى عَنِ النّفسِ غَايَةٌ لا تُدْرَكُ، يردد :
وعينٌ الرّضى عنْ كلِّ عَيبٍ كَليلةٌ
وَلكِنّ عَينَ السّخطِ تبدِيْ المَسَاويَا
لكتابَةِ إجَابَةٍ دقيقَةٍ عَنْ هَذا السّؤالِ ينبَغِيْ أنْ أرَاجِعَ دفترَ يَومِيّاتِيْ، لكنْ مَهْلا..لقَدْ هَجَرتُهَا، كتابَة اليَومِيّاتِ أصبحَتْ عادَةً مُمَلّةً.. بدَأتْ مُمتِعَة كأيّ شيْءٍ جَديدٍ، لكِنْ شيئَاً فشَيئَاً دَخَلتُ فيْ فلكِ السّأمِ وَالتّكرَارِ الذي تستمِدّهُ منْ تكرَارِ تَفاصِيلِ أيّامِيْ، فترَكتُهَا.. مملٌ أنْ تُحصِيْ علَى نَفسِكَ كلّ نفسٍ صَادِرٍ وَوَارِدٍ! كمَا إنهَا تتعَامَلُ معَ الزّمنِ بشَكلٍ أفقِيّ، خُصُوصَاً أنّ أيَامنَا تتشَابُه كأسْنانِ المِشطِ! وَ«اليَومَ امتِدَادٌ لأخطَاءِ الأمْسِ» حَسْبَ رُوجيه جَارودِيْ
لكننيْ أستَطِيعُ أنْ أعْصُرَ ذاكِرَتِيْ،
الذاكرَةُ «حَارِسُ العَقلِ» كمَا يَفتَرِضُ شِكسبِير تخُون أيضَاً
علَيَّ أنْ أكونَ صَريحَاً مَعَكُمْ
وَواضِحَاً وَجرِيئَاً مَعَكُم فبالتّأكِيدِ منْ بَينكُم قِرّاءٌ ليْ
وَعندمَا أخسَرُ قارِئاً فهذا يَعْنِيْ إنني أخسَرُ رُكنَاً فيْ قَصْرِ منِيفٍ
الحرْصُ علَى القَارِئِ هوَ حِرْصٌ على الصّدقِ معَ النفسِ
ينبغِيْ أنْ أكونَ صادقَا مَعَ نفسِيْ لأكونَ صادِقَاً معَ القُرَّاءِ
 إذنْ كيفَ يمكنني أنْ أكونَ صادقاً وَأنا أستَعِينُ بذَاكِرَة بَدأتْ تَهْرَم؟
منْ قالَ أنّ الذاكرَة لا تَمرَضُ؟
قبلَ سَنواتٍ كنتُ أتذكّرُ أرقامَ هَوَاتِفِ أصدِقائِيْ وَإخوَتيْ وزُملاءِ العَملِ، وَشيئاً فشيئَا بَدأتُ أنسَى !فنسِيتُ أرْقامَ أصدِقائِيْ أوّلاً، قلتُ :الأصدِقاءُ يَمْضِي كلٌ إِلى جِهَةٍ فيْ دُرُوبِ الحَياةِ وَيبقَى زُمَلاءُ العَمَلِ وَالأهلِ فالعَمَلُ مَصْدرُ رِزقِيْ وَالأهلُ دَمِي وَلحمِيْ
فجأة زحَفَ النّسيانُ علَى أرْقامِ زُمَلاءِ العَمَلِ
لمَ لا؟ إنهُم أصدِقاءٌ أمْلَت عَليّ الضرُورَة اللقاءَ بِهِمْ مثلمَا أملَيتهُ عَليهِم
لمْ أخترْهُمْ
ولمْ يقع اختيَارُهُمْ عليَّ
إنّما هيَ ضرُوراتُ الحيَاةِ
إذنْ لمْ يبقَ سوَى أرْقامِ الأهْلِ
ألو… أخِيْ
كيفَ الحَالُ؟
يبدُو أنكَ مشغُولٌ
آسِف
سأتّصِلُ بوَقتٍ آخَرَ
مَرحبَاً أختِيْ
هل أنتِ فيْ المطبَخِ؟
آسِفٌ جداً
الوقتُ غيرُ مُناسِبٍ
أغلق الخط
وشيئا فشيئاً قلتِ اتّصَالاتي بِالأهْلِ وَبدأتُ أنسَى هَوَاتِفَهُم
لعنَ اللهُ النسْيَانَ
لمَاذا هذَا الإسهِابُ؟
تعلّمتُه منْ جدِّنَا الجَاحِظِ، كانَ يُسْهِبُ وَيطنِبُ
أتذكّرُ كتابَه «البيَانُ وَالتبيِين»ُ الذيْ كانَ منْ ضِمنِ مُقرّراتِ درَاستِنَا الجَامِعِيّة، كانَ أحدُ الطلابِ يَقرَأ صَفْحَة أوْ صَفحتَينِ وَنحنُ ننتقِلُ منْ مَدينةٍ إلَى أخْرَى ومِنْ حَالٍ إلى آخَرَ،ومنْ حَدثٍ إلى حَدثٍ وَحينَ نشعُرُ بِالمللِ يقُولُ أستاذنا الأشْيَبُ :
– إنّهُ الجَاحِظُ أميرُ البيانِ العَرَبِيّ, كانَ رَجُلا مُوسُوعِياً لذا ترَونَه يُسْهِبُ وَيطنِبُ وأنا صِرْتُ مِثلَهُ
معذرة أطلتُ عليكُمْ، يبدُو إنّ إحسَاسِيْ بالزمنِ تَوَقّفَ فليسَ ليْ منْ أحَدٍ يطرُقُ بَابيْ حتّى المَرأة التِيْ كانتْ… قرّرْنا أنْ نَضعَ حَداً لجنونِنَا
لمْ يَكنْ بِالقَرارِ السّهْلِ وَلا البَسِيط
لكنّه كانَ ينبغِيْ أنْ يُحْسَمَ
عَلاقةٌ كهَذِهِ لا بدْءَ لهَا وَنِهايتُهَا سَائبَة يَجِبُ أنْ نضَعَ لهَا حَدَاً
فوَضعنَا باتفاقِ الطرَفينِ
هلْ أنتَ رَاضٍ كلّ الرِضى عنْ مُستوَى أدائِك هَذا العَام؟
السؤالُ وَاضحٌ وَبسيطٌ لاشِيَة فيهِ وقدِ اخترتُه لأنّهُ بَسيطٌ… البسَاطة ُ عُمقٌ وَجمَال، منْ كُلِ مَا كتبَ الشّعرَاءُ فيْ العَاطفَةِ كنتُ أرَدّدُ لمنْ أحبَبْتُ قصِيدَة لرَسُول حَمزاتُوف الذي يَعتبِرُ حَيَاتهُ «مُسودَّة يَجِبُ تَصحِيحُهَا وَإعادَة النّظرِ فِيهَا»… كلنَا حَيَاتنَا مُسوَدّة قَابِلةٌ لإعَادِة النظرِ وبينَ حينٍ وَآخرَ نُجْرِي عليهَا تَعديلاتٍ، وَتصحيحَاتٍ.. هذا مَكانُ هذا وذاكَ مكانُ ذاكَ… لكِنّ تلكَ القصِيدَة لمْ تكُنْ مُسوَدّة… إنّها مَكتوبَة وَكَأنهَا مَنقوشَة عَلَى لَوْحٍ مفخُورٍ!!
سترَونَ إنّها بَسِيطَة الصّوَرِ وَالمعانِيْ، لكنّهَا عَمِيقَة…كنتُ أحفظُهَا وَأردّدُها عَلى مسامعها :
صوتُ رَسول حَمزاتُوف: إنْ كانَ فيْ هذا العَالمِ ألفٌ منَ الرّجالِ
يمضُونَ نحْوَك كيْ يَخطِبُوك
فاعلمِيْ أنّ بينَ هؤلاءِ الرّجالِ رَسولْ حَمزاتُوف
إنْ كَانَ هناكَ مَائة مِنَ الرّجالِ
مأسُورينَ بِحُبكِ وَالدمَاء لظَى خَجُولٌ
سَيلوحُ بَينهُمْ رَجلُ الجِبَال
جَامِحَاً يُدعَى رَسُول حَمزاتُوف
إنْ كانَ هناكَ عشرَةٌ منَ الرّجَالِ
بصِدْقٍ يَعشَقونَك
دونَ أنْ يخافوا اللّهِيبَ
سيُطِلّ مُبتَهِجَا بَينهُمُ رَسُول حَمزاتُوف
إنْ لمْ يَعُدْ هناكَ سِوَى رَجُل وَاحِد
مَا زَالَ مَجنوناً بِحُبّكِ
فاعلَمِيْ إنّهُ رَجُل الجِبَال
هلَّ منْ قمَم الغيُومِ
ذاك يُدْعَى رَسُول حَمزاتُوف
إنْ لمْ يَعُد أحَدٌ هُناكَ
يهْوَاكِ كالمَلهُوفِ
وأنتِ أكثَرُ حزناً منْ غرُوبٍ غَيهَبيٍ
فاعلمِيْ انّ الحُتوفَ حَلتْ
وَتحتَ الهضَبَة
هناكَ فيْ حُضنِ الجبَالِ
دفَنُوا رَسُول حَمزاتُوف
الللللللللللللللللللللللللله…كم كانت تسعَدُ عندَمَا أسمِعُهَا هذا النَصّ ! وكنتُ أكرِّرُه على مسَامِعِهَا
وذاتَ مرةٍ سألتُهَا وَكنا فيْ مَطعَمٍ نضْحَكُ وفيْ قمّةِ البهجَةِ :هلْ أنتِ رَاضيَة عَنِي؟
سكتتْ
أعدْتُ السّؤالَ : هلْ أنتِ رَاضِيَة عَنِيْ؟
صوت المرأة: لماذا تَسْألُ؟
الممثل:لا شَيْء، إنّمَا مُجَرّدُ سُؤالٍ
صوت المرأة: وهل أنتَ علَى استِعْدَادٍ لسَمَاعِ الإجَابَة؟
الممثل: لو لمْ أكُنْ كذلكَ لمْ أسْألكِ
صوت المرأة: لكنّ إجَابتي رُبّمَا لنْ تُعجِبَكَ
الممثل : كَيف؟ هلْ تَعنين…….؟
صوت المرأة:بالضَبطِ، هذا هوَ جَوَابِي
الممثل «للجمهور» :فجأةً هدَأ الضّحكُ….. تكَوَّرَتُ على رُوحِيْ وَانطفَأتُ
صوت المرأة : لمَاذا سَكَتَّ؟
الممثل: لمْ أتوَقعْ مِنكِ هذَا ! كنتُ فيْ السّماءِ أحَلقُ مثلَ طائرٍ يَفرِدُ جَناحَيهِ عَلى امتدَادِ الفضَاءِ وَالآنَ أشعُرُ أنّ جوَابَكِ مِثلُ رُصاصَةِ صَيَّادٍ أسقطَتنيْ أرْضاً مُضَرَّجَاً بكبرِيَائِيَ الجَرِيحَة
صوت المرأة «مصحوبا ببكاء» : لم أكنْ أقصِدُ إيذَاءَكَ…ليسَ سَهْلاً عليَّ هَذا أبَدَاً… لقدْ سَألتَنِيْ وَأجَبتكَ
الممثل: أجَبتنِيْ بِرُصَاصَة
صوت المرأة: كانَ جوَاباً ليسَ إلاّ
الممثل: لكنَنِيْ، كنتُ أحبُ سَماعَ جَوَابٍ يُسعِدنيْ
صوت المرأة: لا أريدُ أنْ أخدَعَكَ
الممثل «ينفعل» : ولِمَاذا كُلُّ هذَا؟
صمت يتسلل صوت المغني كاظم الساهر وهو يغني «إني خيرتك فاختاري»
صوت إمرأة : اسمعْ ماذَا يَقولُ المُغنّي:
صوت كاظم الساهر: الحب مواجهة كبرى
            إبحار ضد التيار
            صلب وعذاب ودموع
           ورحيل بين الأقمار
الممثل:ماذا تَعنِينَ؟
صوت المرأة: نعَمْ الحُبُ مُوَاجَهة ، ومَنْ يَسِيرُ فيْ ظلِّ حَائطٍ صَرحُه المُمَرَّدُ لا ينل منهُ سوَى مَا يتسَاقطُ علَى رَأسِهِ منْ غبَارِ الشُرُفاتِ، وقدْ خَنقَ حُبَّنَا الغُبَارُ «تسعل بشدة» خنقَ حُبنَا الغُبَارُ… خنقَ حُبَنَا الغُبَارُ «يتلاشى الصوت»
الممثل :بعد ذلكَ لمْ نلتَقِ،أخذَهَا الغُبَارُ إلَى أحْضانِ رَجلٍ آخَرَ، فيْ البَدْءِ ظننْتُ انّ الذكريَاتِ المرّةَ سَتخنِقنِيْ، لكنّهَا سُرْعانَ مَا خُنِقَت بِداخِلي وَتبخَرَّتْ تلكَ المَرْأةُ
وَكلّمَا كانَتْ تَسْألنِيْ أمِّيْ عنْهَا أقولُ
الممثل: إنّهَا… إنّهَا….إنّهَا مُسَافِرَة
وذاتَ يَومٍ قالتْ ليْ الأم: اسمَعْ منّي يَا وَلدِيْ هَذهِ الكلِمَة… إننِيْ لسْتُ رَاضيَة عَنْكَ
الممثل : وقفتُ كَالمَلدُوغِ وَسَألتهَا
الممثل: لمَاذا يَا أمِّيْ؟
الأم : لأنك سوَف لنْ تكونَ مَا ترِيدُ
الممثل : كيفَ؟
الأم : لأنكَ لا تفرَحُ بالذِيْ يأتِيْ وَلا تحْزَنُ علَى الذِيْ يَذْهَبُ
الممثل «للجمهور» وصَارَتْ أمّي فيْ طيِّ الغَيْبِ وَكلمَا تَقدَّمَ بيَ السِنُ كَبِرَتِ اللامُبَالاة حتّى أصْبَحَتْ فلسفَة صَارَتْ حِكايَتِيْ تشْبِهُ حكايَة الفَلاحِ الصِينِيّ
هلْ سَمعتُم بِحكَايَةِ الفلاحِ الصِينِيِّ؟
«صوت رنة هاتف»
الممثل: هذا ليسَ هَاتفاً… إنّه رِسَالةٌ قصِيرَةٌ منَ الصُحُفِي الالِكترُونِيّ..إنهَا مُجَرّدُ تذكِيرٌ… اسمَحُوا ليْ بالرَدّ عليهِ بأرْبَعِ كلمَاتٍ : لا تقلقْ سَيكُونُ الجوَابُ ببرِيدِكَ… إرْسَال… تمَّ الإرْسَالُ..تمَّ التسْلِيمُ….حسناً لنُكْمِل، سأروِي لكُمْ حِكايَةَ الفلاحِ الصِينِيِّ إنَّها حِكايَةٌ بَسيطَةٌ تُشْبِه أمِّي وَحِكمَتُها تشْبِه لا أباليتي…لا تتململوا… إنّها حِكايَة قَصِيرَة وَمُسلِيَّة… سَأروِيهَا بسُرْعَة لأنَّ الوَقتَ أزِفَ.. والشمْعَة بدَأتْ تَلتهِمُ سَاقيهَا وليْ وَاجبٌ مُهِمٌ فأنا وَعَدْتُ الصُحُفِيّ الالِكترُونِيّ بتَسْلِيمِ الجَوَابِ…وَيَجِبُ أنْ أكونَ عندَ وَعْدِي لذا سَأحَاوِلُ أنْ أروِيهَا لكمْ باقتِضَابٍ لكيْ لا أفقِدَ المَزيدَ منَ الوقتِ وَلا يُسالُ الكثيرُ منْ قطرَاتِ الشمْعَة لتكُنْ هذهِ ملحَة الودَاعِ كما كانَ يفعلُ أبُو حَيّانَ التوحِيدِيّ فيْ «الإمتاعِ وَالمؤانسَةِ» أبو حَيَّان الذيْ أحْرَقَ كتبَهُ لأنهُ أعْطَى وَلكنّه حُرِمَ منْ كلِّ شَيْءٍ …. لندَعِ التَوْحِيدِيّ جَانباً وَنروِيْ حِكايَة الفَلاحُ الصِينِيّ…الحكايَة سَادتِي تتحَدُث عنْ فلاحٍ فقيرٍ يعمَل فيْ الحقلِ وَلا يَمْلِكُ مَن حُطامِ الدُنيَا سِوَى حِصَانٍ وَحيدٍ كانَ يُسَاعِدُه فيْ أعمَالِ الحَقْلِ « تظهر على الشاشة صورة مضببة لحصان يمتطيه فلاح
مرَتِ الأيامُ على الفَلاحِ الفَقيرِ هَادِئَة يَعْتَلِيْ صَهْوةَ حِصَانِهِ فيْ الصّباحِ البَاكرِ ليَصِلَ الحقلَ الذيْ يَعملُ بِهِ بنشَاطٍ وَيعُودُ قبلَ غُروبِ الشّمْسِ مُحَمّلاً بِالغِلالِ التيْ يَضَعُهَا علَى ظَهْرِ حِصَانِه
وذاتَ يَوْمٍ هَرَبَ الحِصَان «صوت صهيل حصان ووقع أقدام وفوضى ثم يسود صمت مطبق»
فجَاءَ إليْهِ جِيرَانهُ عِشَاءً يوَاسونَه فيْ مُصيبَتِهِ قائلِينَ:
 الرجُلُ المِسكينُ يفقِدُ حِصَانهُ، إنّه أمْرٌ مزعِجٌ، وَحزينٌ، لا حَوْل وَلا قوة إلاّ بِالله يا لهَا منْ مُصِيبَةٍ حَلتْ بِكَ.»
الفلاح يهز رأسه ويقول:
 «ربّمَا، مَنْ يَدْرِيْ.»
-هل يُمْكننَا مُسَاعَدتكَ؟ قلْ وَلا تتَحَرَّجْ، نحْنُ أخْوَة
الفلاحُ يَضْحَك
أصوات الجيران: لا حولَ وَلا قوَةَ إلا بِاللهِ…لقدْ أصَابَ الرَجُلَ مَسٌ… فقدَ صوَابَهُ…. الرّجُلُ المِسكِينُ فقدَ عَقلهُ….. إنّهَا مُصيبَة ليسَتْ بالهَينةِ…..كيفَ سيتدَبّرُ أمرَهُ؟ كَيف؟
 الممثل : وفيْ اليَومِ التالِيْ «أصوات جياد تملأ المسرح» سَمِعَ الفلاحُ أصْوَات جِيَادٍ !خرجَ ليَسْتطلِعَ الأمْرَ، أتعْرِفونَ مَاذا وَجَد؟ هههههههههه لقدْ وَجَد الحِصَانَ قدْ عادَ إليهِ… ليسَ هذا فقَطْ بَلْ مَعَهُ سِتّة جِيَادٍ بَريَّةٍ قويَّة, فماذَا تعتَقِدُون هُوَ فاعِلٌ؟ لمْ يرقُصْ طربَاً ولمْ يرِشّ المَاءَ على المَارةِ ولَم…. لقدِ اكتفَى بهَزةٍ صَغيرَةٍ منْ رَأسِهِ وَعادَ ليواصِلَ نومَه, «يطلق صوت شخير» لكنهُ لمْ يَهنأ بنومِهِ طويلاً فبَعْدَ ساعَةٍ سَمِع أصواتَ الجِيرَانِ يطرُقون عليهِ البَابَ بِعُنفٍ.
الجيران: أيّ خَيرٍ أصَابكَ أيّها الفَلاحُ الطَيِّبُ،أيّ بُشرَى ! هَاهوَ الخيرُ قد حَلَّ ببيتِكَ بَدلاً منَ الحُزنِ، هَنيئاً لكَ أيّها الفلاحُ الطيِّبُ !»
 فهزّ الفلاحُ رأسَه وقالَ: «رُبّما، منْ يَدْرِي.»
استغْرَب الجِيرَانُ وَظنوا إنّه فقدَ صَوابَه منْ فرطِ الفرَحِ، وَانصرَفوا مُتأبِطِينَ دهشَتَهُمْ !
 في اليوم الثالثِ أسْرَج ابنُ الفلاحِ أحَدَ الجِيادِ البَريَّة وَحَاولَ امتِطَاءَهُ، فَجمحَ الجَوَادُ وألقاهُ عنْ ظهْرِهِ وَكُسِرَتْ سَاقهُ.
 فجاءَ إليهِ جِيرَانهُ يُواسُونَه قائلِينَ:
الجيران: يا لهَا منْ مُصيبَةٍ حلّتْ بكَ أيّها الفلاحُ المِسكينُ، لقدْ أصَابتك عَيْنٌ، كانَ عليكَ أنْ تعلّق أمَّ سَبعِ عُيونٍ لتطْرِدَ عنْ بَيتكَ الحَسَدَ.
 فهز الفلاح رأسه وقال: «رُبَّمَا، منْ يدرِيْ.»
في اليَومِ الرّابعِ جاءَ مَأمورُ التجنيدِ فيْ مهمّة لسوْقِ شَبابِ القريَةِ للجَيْشِ، فأخذ مَنْ وَجَدَهُمْ صَالحينَ للخِدْمَة العَسكرِيَّة وطرَقَ بَابَ الفلاحِ.
مأمور التجنيد: أخرُجْ أيّها الفلاحُ، صوتُ الوطنِ ينادِيكَ.
الفلاح: صوتُ الوطنِ يحتاجُ إلى أجْسَادٍ قوِيّةٍ لتخْرُج لمُلاقاتِهِ فمَاذا يَفْعَل الوَطنُ بشَيخٍ هَرِمٍ؟
مأمور التجنيد: نَحنُ لا نقصِدُكُ… لديكَ وَلدٌ صَالحٌ لخِدْمَة الوَطنِ.
الفلاح: نعَمْ، لوْ كنتَ قدْ جئتَ بالأمسِ لوجَدتَه صَالِحَاً للوَطَنِ وَسِواهُ, فالوَطنُ يحتَاجُ إلى رَجلٍ بسَاقينِ كامِلتين.ِ
مأمور التجنيد: مَاذا تعْنِي؟
الفلاح: لقدْ تأخَّرَ الوَطنُ أكْثرَ مِمَّا ينبَغِي، ادخُل لتشَاهِدَ الوَلدَ الذيْ جَعَلَتْهُ سَقطةَ الجَوَاد لا يَصْلحُ إلا للنّومِ علَى السَريرِ.
مأمور التجنيد:تباً لكَ أيّها العَجُوز وَتبَّتْ سَاقُ ابنِكَ، فالساقُ المكسورةُ لا تَجبِرُ خَاطِر مَعْرَكةٍ معَ العَدُوِّ.
الفلاح : اذهَبْ أيّها المأمورُ وَعدْ بعدَ أنْ تكسِرَ سَاقَ الوَطنِ، عندَهَا سَنتسَاوى فيْ العَاهَاتِ «يضحك» ههههههه.
الممثل: وعندَمَا سَمِعَ الجِيرَانُ قهقهَاتِ الفَلاحِ جَاءوا إليِهِ يُهنئُونَه.
الجيران :منْ حَقكَ أنْ تفرَحَ وَتسعدَ أيّها الفلاحُ فالخيرُ أصَابكَ وَنجا وَلدُك منَ الحَرْب.
الممثل : فهَزّ الفَلاحُ رَأسَه وَقالَ: «رُبَّمَا، مَنْ يَدْرِي.»
«يرن جرس الهاتف».
الممثل:أووووووووووووه إنّهُ الصُحُفِيّ الالكترُونِيّ: ألُو
الصوت: عفوَاً لمُقاطَعتِكَ، أظنّ إنّكَ الآنَ مستغرقٌ بمُراجَعَة مَا كتبتَ، حَسَناً، لا تنسَ أنْ تبعثَ معَ المِلفَ حينَ تنجِزُه صُورَةً حَديثة خَاصَّةً بِصحِيفتِنَا، فجَمِيعُ صُوَرِك المَوجُودَة عَلى «كُوكَل» قَديمَة، وَنحنُ ننشِدُ التمَيُّزَ.
الممثل : أيّ تميّز؟ هلْ تفهَمُ التمَيّزَ إنّه يتمُ بنشرِ صُورَةٍ جَديدَة؟هذا فَهْمٌ مَحْدود وَقاصِرٌ.
الصوت: الكلُ يُنشِدُ فيْ عَمَلهِ التمَيُّزَ، إنّهُ حَقٌ مَشْرُوعٌ، فإذا لمْ نتمَيَّزْ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ، يُمكّننا أنْ نتَمَيّزَ بصُورةٍ جَدِيدةٍ، ثمّ إنّ ثقافتنا اليَومَ هيَ ثقافَة الصُورَة، عُمومَاً لا أريدُ أنْ أطِيلَ، الأمرُ مترُوكٌ لكَ، أنتظِرُ المَلفَ بعدَ أقلّ منْ نِصفِ سَاعةٍ، مَعَ السّلامَةِ «يغلق الهاتف».
الممثل : التميّز !!! عنْ أيّ تَميّزٍ يتحَدّثُ!؟ هلِ العَالمُ صُورَة مُعدّلةٌ بِالفوتُوشُوب؟ مَهْمَا حاوَلنَا تَجمِيلَ قبَائِحِ العَالمِ فإننا نَظلّ نُحدّقُ فيْ الفرَاغِ بِعيُونٍ صَدِئة… هَاهيَ الشّمْعَة تذُوبُ بِسُرْعَة أكْبَر… وَالدقائِقُ تذُوبُ… مَا أسْرَعَ جَريَانَ الدّقائِقِ وَالسّاعَاتِ وَالأيّامِ وَالأسّابيعِ وَالشّهُورِ… كأنَنِيْ بالأمْسِ كنتُ طفلاً أدْرُجُ علَى الدُرُوبِ… كيفَ بلغنَا مَا بلغنا؟ كَيفَ كَبِرَنا؟ لا أصَدِقُ هذِهِ التّجَاعِيدَ التيْ زَحفَتْ علَى خَارِطَة وَجْهِي… وَيَسْألنِيْ الصُّحُفِي الالِكترُونيّ عَنْ «لوك» جَدِيد !!! أيّ «لوك»؟
مع ذلكَ لا بُدّ أنْ أرضِيهِ… هَؤلاءِ الأشْخَاصُ الالِكترُونيّونَ مُخيفُونَ… لهُمُ ألسِنَة حَادّةٌ لا تقِفُ بوَجهِهَا رِقابَة وَلا قوَانينُ مَطبُوعَاتٍ… إنهُم ينشرُونَ سمُومهم فيْ الهوَاءِ بتوقِيعَاتٍ مُزيّفةٍ… الشّاتمُونَ كثِيرُونَ وَمجْهُولونَ وَالمشْتُومُ وَاحدٌ وَمعْرُوفٌ… غداً سَيُلطّخُ اسمُكَ النَاصِحُ بَالشَبكة بأسوَأ الصّفاتِ !!
لأبْحَثْ لهُ عنْ صُورةٍ مناسِبَة, أريدُ أنْ أظهَرَ بـ«لوك» جَدِيد ما رَأيُكم بِهَذهِ الصُورَة؟ أوْ هذِهِ الصُورَة؟ لكنَنِي أحِبُ هذهِ الصُورَةَ أكثَرَ.
هذهِ الصُورَة كانتْ تُحِبُهَا قبلَ أنْ نفتَرِقَ للأبَدِ…
(يتصل بالمحرر)
ألوْ…اخترْتُ صُورةً مُميّزةً… أريدٌ رأيَكَ بهَا…سأبْعَثهَا حَالاً… لا تَقلَق… سَأنجِزُ الجَوَاب..
« يغلق الخط»
هذا الرّجُلُ مِلحَاحٌ, إنّهُ يَظنُ أنّ خُروجَ الأفكارِ أمْرٌ بسيطٌ ! ألمْ يسْمَعْ بِـ«إنّ فِكَرَةً واحدَةً نَاجِحَةً أفضَلُ منْ حَياةٍ بينَ المِلفَّاتِ»؟
أنا أبحَثُ عنْ ذلكَ الجَوَابِ الذيْ يُجسِّدُ تلكَ الفِكرَةَ ! لا أريدُ أنْ أمَلأ الصّفحَةَ بِكلامٍ إنشَائيٍ مُكرَرٍ أريدُ أنْ أضعَ بَصمتِيْ عَلى الجَوَاب أنْ…. «يسمع أصوات اجراس أعياد الميلاد» ما هَذا؟ يَبْدُو أنّ الوَقتَ أدرَكنيْ هلْ هناكَ ضَرورَةٌ للجَوَاب؟
 (يغلق الهاتف ويطفيء الشمعة….. إظلام  يسدل الستار).
تألِيف: عَبدالرّزاقِ الربيعِيّ
شاعر وكاتب من العراق يقيم في عُمان

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …