الــشــعــر الـرعــــوي.. المـفـهــــوم والـخـصــائــــص

لا ننتوي إخفاء الصعوبات والإعنات الذي لاقيناه، ونحن بصدد لملمة الخيوط الشتيتة ذات الصلة بالشعر الرعوي. فالحق إن الجنس الأدبي إياه الماثل أو المخفي في ظل الأجناس الشعرية الكبرى كالملحمة والدراما والكوميديا، لم يلق عناية ولا تتبعا والتقاطا ومن ثم تسنينا وتنظيرا في مدونة النقد العربي لا القديم ولا الحديث، ولا في تاريخ الأدب العربي بعامة. وقد نعزو غيابه أو شُحَّ وجوده، في المناولات النقدية أو التنظيرية، إلى عطب في المثاقفة قديما.. أو تَنكُّب ونفور من الشعرية اليونانية والرومانية معا لوثنيتهما واحتفائهما بالميثولوجيا طالما أن الرعويات مصدرها يوناني.. وخالقها شاعر اسكندري حصرا وهو: ثيوكريت.

وبناء عليه، عَوَّلْنَا على تتبع واستقصاء الشعر الرعوي.. مفهوما ومواضعة وحضورا نصانيا إن في القديم أو في الحديث، على ما طالته يدنا، وبلغه سعينا، وبحثنا الذي كما أسلفنا- لم يَخْلُ من جهد ومشقة وإعنات بالنظر لتجشمنا عناء الترجمة الشخصية، وتقليب عشرات النصوص في جغرافيات متباعدة ولغات مختلفة، ومسارات تاريخية متلاحقة ومتفارقة. لكننا نقر -بالمقابل- إفادتنا الجمة من المادة الشعرية الغزيرة التي اطلعنا عليها بما قدمته لنا من ثراء شعري وغنى نصوصي، ووفرة صور، وبهاء إيقاع، وعوالم رحيبة أثثتها تلك النصوص بما يثلج الخاطر، ويجذب ويشد الانتباه، ويمتع القلب، ويشهي النفس، ما دامت الرعويات انشغلت وانْهَمَّتْ بسحر الأمكنة، وتاقت إلى فضاءات فردوسية، وأرْكَادِيَا مدهشة يسودها الحب والرعي والشعر والموسيقى.. هربا من جحيم أرضي، وواقع رمادي مُسَيَّج بالخراب.
إن كل تعريف للرعوية يَرُومُ الجمع والمنع مآله الخسران، ذلك أن هذا الجنس الشعري، قبل أن يكون كذلك، يوجد منثورا ومُنْسَرِبًا كبذور اللقاح أو الرذاذ في آداب الأمم القديمة، ويَسْتَكِنُ كاللؤلؤ الناصع في كتابات الأشوريين والبابليين والمصريين القدماء والكنعانيين والكتاب المقدس –لكنه سيظهر كجنس شعري بَيِّنِ القسمات على يد الشاعر اليوناني الاسكندري تيوكريت (310ق.م – 250ق.م) الذي ترك ديوانا شعريا سماه (الايديليا) «les Idyles» تُرْجِمَتْ بالرعويات، و»الايديليا» في معناها الإغريقي: هي «الصورة الصغيرة» أو القصيدة القصيرة، قصيدة بسيطة وصفية تُمِثلُ الحياة في الريف. وقد اكتسبت الايديليا صفة الرعوية في القرنيين الثاني والثالث قبل الميلاد من خلال أعمال الشعراء الإغريق الآتين: بيون Bion، تيوقريط، والصقلي موسوش»(1).
غير أن ثيوكريت سيكون الأظهر والأكثر سموا من بين الشاعرين المذكورين،  ومن بين شعراء آخرين حاولوا استخدام النوع، علما أن إيديليات شاعر سيراكوز (ثيوكريت) لم تكن رعوية بالكامل.  (وبالمناسبة فالعدد الذي وصل منها مدونا هو ثلاثون نصا رعويا)، ذلك أن تيوكريت مارس كتابة التوقيعات والمقطوعات الحكمية  والمراثي.إننا نجد هذه الأجناس متداخلة مندغمة أحيانا مع الايديليات التي يغلب عليها الطابع الرعوي، أي الاحتفاء بالطبيعة الفاتنة والموسيقى العذبة الصافية والحب الرعوي التلقائي والبساطة، والشعر والسعادة.. والمبارزة الشعرية.
هكذا، ونحن نقرأ أشعار ثيوكريت الرعوية، نستشعر كل مفاتن البادية، ومتع العزلة، فإذا استقرينا بعض رعوياته، وعكفنا على قراءتها، فستدهشنا حتما تعابير وأوصاف الحب الرقيقة. يتضح ذلك مثلا في رعويته الثانية ورعويته السابعة والعشرين، وروعيته السابعة عشرة، مستفيدا من الشعر الغنائي، ومن مختلف أشكال الإيليجيا(2) ونبراتها الأليمة.
يصل تيوكريت في «رعوياته» إلى مستوى القصيدة الملحمية، أفكارا وتعابير وأوصافا، تتمتع بكامل القوة والأناقة، حتى إنه ينافس بندار في غنائياته وهو يضع فيها ذوب روحه»(3).
وجدير بالذكر، أن هذا الشعر المكرس للبساطة والعذوبة، ووصف حياة الرعاة الهنيئة واللاهية، لم يستقر على مصطلح واحد يحظى بالإجماع. فنحن واجدون تسميات عديدة، إن هي أدت نفس المعنى الذي نحن بصدده، فإنها تومئ إلى ظلال فروق داخل الأشعار التي تلبس صفة الرعوية. وهي فروق لها اعتبارها الابستمولوجي مهما تضاءلت أو عَنَّتْ مجرد تنويع على مسمى واحد. نسوق ذلك حجة بين يدي المبحث حتى لا يوصم بالخلط والتمريغ. فإذا كانت التسميات واضحة بينة في اللغات الأوروبية، فالحِيرَة وقلة ذات اليد هي مؤونتنا، ونحن نتغيا القبض عليها جميعها. حاولنا الاستسعاف بالثيمات، كما حاولنا الاستنجاد بأشكالها الوزنية والإيقاعية لنقف على سر الاختلاف في التسميات، عبثا، فلم نل إلا فضلة بقيت !!
فما هي هذه التسميات يا ترى؟ إنها الرعوية: La Pastorale، وإنها الايديليات les Idylles كما مارس كتابتها تيوكريت، وترجمت بالرعويات، أو القصائد الوصفية.. وهي: Les Bucoliques، كما مارسها الشاعر فرجيل.. ثم هي La Pastourelle، والصيغة تصغير Pastorale، «الرعوية الصغيرة» وهو شكل شعري فرنسي، ظهر في القرن الثاني عشر الميلادي، كما لا يخفى.
وإيثيمولوجيا: يعني المصطلح «الراعية الصغيرة أو الشابة»، وهو نوع شعري بطلته المركزية: راعية.
كما تسمت الرعويات بـ: Les Bergeries، وقد ظهرت التسمية في بدايات القرن السابع عشر على يد أحد أفذاذها الشاعر الفرنسي ركان 1625 Racan (1670-1589).
وهناك نوع يطلق عليه La Madrigale، ويمكن ترجمتها بالنشيد الرعوي أو الأغنية الرعوية..
غير أن تعريف كل تسمية على حدة، قد يساهم في إضاءة الجنس الشعري الرعوي بصفة أمثل، ويقودنا، تاليا، إلى توسيع الكلام عنه وعن ممارسيه من الشعراء عبر العصور، وعن خصائصه المتواترة هنا وهناك.
ويهمنا أن نؤكد ثانية أن قصائد ثيوكريت الرعوية، وهو واضع الجنس وخالقه نصانيا، لم يتوافر لها الصفاء الكلي، ويحافظ على حَدِهِ كما حاول بلورته. فقد داخلتها-كما أسلفنا- الإيليجيا والكوميديا، كما داخلها وتنافذ معها ما يمكن تسميته «بالميم» الشبيه في زعمي «بالمقامة» من بعض الوجوه. «إنه الشاعر السيراكوزي صوفرن Sophron مواطن تيوكريت، مَنْ جعل من «الميم» جنسا أدبيا حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، وهو عبارة عن حوار يتسم بالقصر مسكوب في قالب نثري إيقاعي، ويدور حول موضوع مستلهم من واقعة شعبية من دون حبكة أو خيوط متشابكة. كما أنه مكتوب بلغة قريبة من اللغة  العامية مدار موضوعاته على الثرثرات والمناوشات الصغيرة.. وصيادي السمك، والفلاح. ويظهر أن هذه الميمات نالت استحسان الفيلسوف أفلاطون. ثم استلم الشاعر xénarque المشعل من يد والده، فأرسى دعائم هذا النوع الذي سيعرف كسوفا وشحوبا حتى العهد الاسكندري حيث سيشهد قيامته على يد كل من الشاعرين هيرونداس وتيوكريت»(4).
يتأدى من هذا أن الرعويات، وهي تنسج عالمها الرعوي الموسوم بالبراءة والطفولة، تفتح أضواءها على المقارنة الضمنية البعيدة عن الواقع اليومي المبتذل، والمنحط، والمتهافت على الماديات الزائلة بما يعني اتكاؤها على الحلم والرفرفة فيما هي ترثي واقع الحال. ومن هنا أيضا، تنوعها، فهي مكنونة في السرود، وفي الحوارات، وفي توصيف مشاهد حقيقية أو خيالية.
غير أن الأظهر هو أن الحياة الرعوية تشغل الإطار العام، فتكتسب، من ثمة، أهمية قصوى إذ تغدو التيمة الأساس التي توجه النص، وهذه التيمة لا تخرج، في الغالب الأعم، عن الخشوع أمام الطبيعة والحنين إلى العهد الذهبي أو «الأركاديا»، ومدح الخلوة والعزلة والبداوة.
وقد توضحت سمات وملامح «الايديليات» أو القصائد الوصفية الرعوية أكثر بدخول الشاعر اللاتيني فرجيل الحلبة ممارسا كتابتها. ورعوياته الموسومة بـ« Les bucoliques »- وإن لم تَرْقَ إلى جُورْجَياته أو «زراعياته» من حيث السمو التعبيري والأناقة التصويرية على الرغم من ديداكتيكية تعليمية-، فإنها رسخت الجنس الرعوي، ومنحته أبعادا جمالية أخرى بَلْهَ معرفية وسياسية غائرة، نهضت على مسعى حلمي، وتوق خيالي إلى جنة أرضية يعمها السلام، وتغمرها ألطاف العناية الإلهية، وشدو الرعاة الأبدي. إذ لا ننسى ما كان يمور به عصر فرجيل من فوضى سياسية واضطراب، وليس مقام الخوض في ذلك هنا بمتاح !
مراثي «أين منا»: « ubi sunt وهذا مطلع متكرر لقصائد باللاتينية تتحسر على ماضٍ مضى يحن له الشاعر. لقد صار هذا النمط من القصائد يعرف بهذا المطلع والتأملات على الأطلال، والحنين إلى عهد رعوي مضى، والبكاء على دمار الامبراطوريات أو الفرح لذلك»(5).
على أن اتصال الشعر الرعوي-تاريخيا-بالأركاديا كأسطورة(6) يعود إلى فرجيل لأنه أول من تلقف موضوعة الأركاديا الخيالية وطورها في «رعوياته» مانحا إياها أجنحة ومتاعا… حيث البساطة والانسجام التام مع الطبيعة. «وفي رحلة البحث عن ذاته الأدبية تلك، استطاع فرجيل أن يجعل من الشعر الرعوي الأسكندري والشعر الإيامبي الأيوني(7)، والشعر الغنائي الأيولي، فنونا أدبية رومانية الطابع والروح»(8).
نفتح كتاب «الرعويات» مع الدكتور أحمد عثمان، فنلفي أن الرعوية الثامنة تجمع بين شكوى الصبي غير المحظوظ في الحب (وهو ما يقابل القصيدة الأولى لتيوكريتوس) من جهة، والعمل السحري الناجح الذي تقوم به الفتاة. وتتغنى الرعويتان الثالثة والسابعة لفرجيليوس بمباريات ومسابقات بين الرعاة ويديرها أحد المحكمين. ويهدي فرجيليوس القصيدة السادسة إلى فاروس كتحية بسيطة من شاعر رعوي لا يستطيع أن ينظم ما هو أكبر من ذلك. وفيها نرى سلينوس نائما مخمورا يقيده الرعاة بالتاج نفسه الذي يتزين به فيوافق على أن يفدي نفسه بالغناء.. إلخ..إلخ.
يتحدث فرجيليوس، أحيانا، في قصائده الرعوية بضمير المتكلم المفرد، ويذكر أصدقاءه، وقد سبقه إلى ذلك ثيوكريتوس»(9).
تاريخيا ونقديا، لفتت الرعوية الرابعة لفرجيل، الانتباه بشدة، حتى قال البعض إنها نبوءة الشاعر بقدوم المسيح ليزرع الأمان في جنبات أرض يحرق أخضرها ويابسها لهب الحقد وعنف الصراع. وفطنة القارئ بالمعنى الإيكاوي Umberto Eco، قلما تخطئ ما يوازي دلالة هذه الرعوية في ما جاء في الأصحاح الحادي عشر من سفر أشعياء 6-8):
فيسكن الذئب مع الخروف ويربض.
النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن.
معا، وصبي صغير يسوقها والبقرة والدبة ترعيان تربض أولادهما معا..
والأسد كالبقر يأكل تبنا، ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان»(10).
مرجعيا وتقاطعا دلاليا، يمكن الإشارة أيضا إلى مفهوم اليوتوبيا الكامن كالنار اللامرئية في تضاعيف الشعر الرعوي، مثلما يشار إلى جنة عدن المذكورة في الأديان الثلاثة الكبرى كجاذب جزائي، ومكافئ متاعي وجمالي للمؤمنين، وإلى «جنة الصالحين»: Les champs Elysées ». تلك جملة من الموضوعات والصور المهيمنة بالمعنى الشكلاني على كافة النصوص الشعرية المنتسبة إلى الرعويات، بدءا من الإيديليات: النصوص الوصفية، مرورا بالبيكوليك: رعويات فرجيل والرعوية الصغرى Pastourelle في العصور الوسيطة.. وانتهاء بعصر النهضة والعصر الحديث.علاوة على أن الجملة المفتاح: Locus Amoeunus : المكان العذب ذو اللذاذات، تسيدت المعاني، وكانت في القلب من الممارسات النصية الرعوية، علما أن المعنى إياه اشتغل على مدار القرون محتفظا بجوهره المكنون وإن خضع لتعديلات تزيد أو تنقص وفقا لتحولات تاريخية معينة، واستجابة لوعي قرائي ما انفك ينشحذ ويستعصي. فالأركاديا واليوتوبيا وجنة الصالحين هي ميثولوجيات مشرئبـة إلى المأمول والمحلوم به؛ وليس أعذب وأهنأ وأدعى إلى السكينة والحلم والسعـادة من عالم الرعاة، لذلك نهضت النصوص بهذه المهمة مقترحة أمكنة سحريـة، وفضـاءات مزركشة بالخضرة الزاهية.. والماء النمير، والشجر الكث والأناشيد الأورفيوسية، والحب الغامر، الحب في كامل بهائه وعفويته وبساطته، ضدا على واقـع معيش أمر من الحنظل !
لهذا التقط شعراء كل العصور واللغات هذه المفاهيم /الصور، وعكفوا يوقعون باللغة الشعرية، اللغة الأنقى والأصفى، بناءات باذخة، بغية توطين المهيمن منها حتى تصبح حيوات بديلة موازية للحيوات المرة التي نعيشها مرغمين. وإذا كانت أسطورة الأركاديا ترتد إلى الميتولوجيا اليونانية، بما تعنيه من نعيم وصفاء وسلام، وإلى الميتولوجيا الرومانية من ناحية أخرى، حاملة معنى السعادة الأبدية للأجسام والأرواح لكل من الأحياء والموتى.. أو معنى الجنة الموعودة الموجودة على ضفاف مراع خضراء يقطعها نهر «الليثي»، نهر النسيان حيث يجب أن تأتي كل الأرواح للشراب؛ فإن اليوتوبيا التي شكلت بدورها منهلا سعيدا، للشعراء الرعويين، لم تظهر إلا في القرن السادس عشر الميلادي.. وبالضبط في العام (1516) على يد القديس الانجليزي توماس مور (1478/1535) فهو مبتكر اليوتوبيا-التي أصبحت مصطلحا موطوءا من كثرة التداول الخاطئ-بما هي جزيرة خيالية.. لا تتسع إلا للمجتمع المثالي، القادر على تحرير نفسه من إرغامات الواقع، والتهافت على الماديات والشهوات المقيتة. طبعا، لا ينبغي أن يغرب عن البال ما تطرحه اليوتوبيا التوُّمَاوية من نقد ذكي ومحول، لواقع حال بريطانيا تحت حكم الملك هنري الثامن.
ولنا بعد التأمل، أن نقر بأثر وتأثير الأفلاطونية على توماس مور، وعلى غيره ممن تناول المفهوم وصار به أبعد حيث الذروة التي تلتبس بالعقيدة المذهبية بَلْهَ الدينية.
ولم يفت أدباء وشعراء وفنانو عصر النهضة، أن ينكبوا بدورهم على هذه المفاهيم والثيمات، وبالخصوص «الأركاديا» جاعلين منها البؤرة الأساس والنواة المركزية التي دارت نصوصهم الشعرية والروائية ولوحاتهم التشكيلية عليها، وَاسِمِينَ بالأركاديا عوالمهم الفنية حيث التوق إلى حياة البراءة والبساطة بإجمال: «هكذا تعاقبت أعمال ذات خطر في مجال الرعويات، وتَسَمَّتْ بالاسم الميثي: أركاديا. نذكر تمثيلا عمل الإيطالي: سنازارو Sannazaro الموسوم بـ(أركادي) (1504)، وعمل لوتاس l’aminta le tasse (الأمنتا) (1573)، وعمل الشاعر الانجيليزي الشهير  فيليب سدني (Philip Sidney) أركادي أيضا (1590)، ثم رعويات شاعر الثريا (la pleiade) رونسار Ronsard، الذي صور أركاديا أكثر أرستقراطية ورهافة. وبدءا من القرن السابع عشر الميلادي، أصبحت الأركاديا تشغل مساحات شاسعة في أدب الحب كإطار للخيال الجامح، وهو حال الكاتب الرعوي Honoré d’urfé .
وتظهر «الأركاديا» كموضوع شعري تصويري، في لوحات نيكولابوسان Nicolas Poussin وكلود لوران Claude Lorrain، اللذين استلهما المشهد الرعوي من الموضوعات الوصفية المكرسة للأركاديا كماتخيلها الأقدمون. فاللوحة الشهيرة لبوسان Poussin (رعاة الأركاديا)، التي تحمل عنوانا فرعيا (في النعيم الرعوي: In arcadia Ego).. وهي تظهر فريقا من الرعاة منكبا على قراءة توقيعة شعرية منقوشة على شاهدة قبر، تخبر-بطريقتها- بأن حياة البشر البريئة في الأركاديا، لا تسمح لهم بالإفلات من شبح الموت الذي يتعقبهم. كما شهد القرن الثامن عشر الميلادي، طفرة نوعية للشعر الرعوي مشدودة إلى الموضوعة الميثية «الأركاديا» دائما.
وقد تميزت هذه الكتابات الرعوية بسمو لغتها وبديع صورها- ولا ننسى أنها كانت تكتب للطبقة الارستقراطية-كما توهجت بموضوعات الحب اللاذع الذي جمع بين الراعيين أستري Astrée وسيلادون Seladon، وحب ديان وسيلفاندر Diane et Sylbandre الممض، والوجد الحارق لهيلاس المتهتك والخليع الذي لا يستقر على حال.
ولما جاء القرن الثامن عشر الميلادي، تسنمت الرعوية ذرى لم يسبق أن وصلتها في القرون السابقة، بفضل رهافة ذوق القرن وتمدن أصحابه. بل إن الرعوية شحنت بخطاب فلسفي جديد ومنظور متطور أَجَدَّ، ويكفي أن نذكر شاعرين كبيرين، أما أحدهما ففرنسي وهو André chenier أندريه شينيي شاعر القرن بلا منازع، أما الآخر فهو كِسْنَرْ gessner السويسري.
إنجليزيا وفي القرن 19، يَرِدُ على البال متقدما الشعراء والفنانين المنتسبين لهذا الجنس الإبداعي كل من ألفريد تينيسون Alfred Tennyson من خلال كتابه «إيديليات الملك» (Les Idylles du roi : 1859-1885)، ثم شارل براونينغ Charles Browning من خلال كتابة «الرعويات الدرامية» Les Idylles dramatiques (1879-1880).. اللذين أغدقا على الجنس الرعوي غنائية بهيجة لا تنكر.
إننا، ونحن نسرد هذه المفاصل الأساسية للشعر الرعوي تاريخيا، لم نغفل وكيف يتأتى لنا ذلك؟ مساهمات الشاعر الإنجليزي الكبير إدموند سبانسر Edmond Spenser من خلال نصه العميق والحفيل: (رزنامة الراعي) The shepheards calender أو نصه السحري الدسم (ملكة الجان) the Faerie queen، و«مساهمات الشاعر ملتون من خلال قصيدته Lycidas (لسداس) وشكسبير في كوميدياته الغابية، وقصائد الرثاء الرعوية عند كل من شيلي Shelly وأرنولد Arnonld ووتمن Whitman ودلن توماس Dylan Thomas» (11).
على أن في الأس من هذا، وفي خلفياته المعيارية بمعية إيدليات (رعويات) ثيوكريت وبيكوليك (رعويات) فزجيل، النوع الشعري الوسيط «الرعوية الصغرى» ذات التيمة المتشابهة والمتواترة والمتوارثة في القرون الوسطى جميعها: تيمة الفارس الذي ينتوي ويفكر في اغتصاب «راعية» يصادفها في مرعى. تتميز الرعويات الصغرى بتناوب السرد والحوار على معمارها البنائي، وعلى النقيض من «الرعوية الكبرى»، إذا جاز التعبير، فإن الأمكنة والشخصيات في الرعوية الصغرى تكتسي طابعا واقعيا، أو يتم الإيحاء بواقعيته. من هنا، فعن «رعوية Marcabrur (آخر القرن الثاني عشر الميلادي)، تنتصب مثلا شاهدا في هذا المجال.
وفي 1285م، استطاع الكاتب آدم دولاهال: ADAM de la halle أن يطوع هذا الجنس من خلال مسرحته لعمل عَنْوَنَهُ: (لعب روبان ومربون) بفضل ما انطوت عليه التيمة الرعوية من طاقات ميمية، وبفضل البنية الشكلية لهذا النص الشعري الغنائي ذي الأصوات المتعددة»(12).
فهذه «الرعوية الصغرى» تتحدد بشكلها الوزني كخاصية مفارقة ومائزة عن الرعويات التي ستعرف تحولا ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي، إن على مستوى المحتوى بتجسير العلاقة مجددا مع رعويات ثيوكريت وفرجيل، أو على صعيد البناء اللغوي الأليجوري والتخييل الذي اقتضته الاستجابة لنداءات المرحلة التاريخية ومستلزمات النهضة الفتية. «وهو شكل يقارب في وجهه العام وزن الغناء الملكي: الذي هو أحد تنويعات الشعر الغزلي. فالرعويات الصغرى تتكون من أحد عشر سطرا موزعة على ثماني مقاطع في المذكر، وتسع مقاطع في المؤنث.. فضلا عن أن التنويع الوزني يتواتر فيها. كما أن من خصائص بنياتها تكرار اللازمة. وبسبب من تغير الوزن فيها من نص إلى نص أو داخل النص الواحد، فقد تعذر تعريف هذا النمط الكتابي تعريفا شافيا. لذلك اعتمد في دمغها التمييزي عن باقي الأشكال المُسَامِتَة، على مضامينها.. وهو ما قام به الناقدان: ريمون فيدان وكيلهلم مولينيه Vidal و Molinier(13). فما هي هذه الخصوصايت  المضمونية التي تمنحها وجودها المميز، وكينونتها الفارقة؟ إنها –بلا شك-ثوابت تيماتها المسكوكة التي تعاورها شعراء العصور الوسطى. ومفادها، فيما يذهب إليه فيدال، أن عناصرها المكونة لبنائها القصصي لا تخرج عن اللقاء الدائم لفارس براعية، متوددا لها، بائحا بما تكتوي به جوانحه من لظى الحب والهيام. فممانعة الراعية، وتذكيرها الفارس بالفارق الاجتماعي، وأنها البسيطة كما هي، خلقت للبسيط صنوها ورفيقها ألا وهو الراعي. ثم إن التنوع الوزني، لم يكن الخاصية الوحيدة للرعوية، بل أيضا ذلك اللعب الطوعي بعناصر المحتوى.. وقلب أدوار بعض الشخصيات تكسيرا للنمطية الخطية المتكلسة. «أما الأمثلة فعديدة تمنحها برشاقة أشعار ريفيير Rivière وبارتس وأوديو: Bartsch وAudieu كما يقول زنك Zink(14).
 وغالبا ما تسمى هذه الراعية (ماريون-Marion أو مارو Marot أو Perenelle بيرينيل) التي ترفض الفارس العاشق لأنه ليس من طينتها- كما أسلفنا-. وبداهة فإن الراعي يحظى في هذه المعادلة بالأفضلية-وغالبا-ما يكون الراعي هو (روبن-Robin، أو Perrin –بيران أوكيو guiot ).
وانسجاما مع مبدأ التنويع المشار إليه، فإن رعويات أخرى تُوسِعُ أحيازها لموضوعة الراعية المُدَلّهة بحب الفارس، والفارس المذنف بها. وعلاوة على ذلك، تلعب العناصر السردية أهمية بالغة في نسج خيوط الرعوية الصغرى مؤطرة حكيها بوصف عذب لفصل الربيع، وهموم الراعية الساذجة، وهي ترفع شَكَاتَها من عذابات الهوى الذي بَرَّح بها. حتى إن الباحث زنك Zink يقول: «إن هذا النوع الأدبي كانت له وظيفة خالصة، تتلخص في التعبير عن الرغبة الجسدية، والتلمظ الشهواني كاستراحة عسلية بعد استنفاذ وسائط الغزل العذري(15).
أما بييربك (Pierre Bec) فوضع كرونولوجيا تظهر أن المرحلة التاريخية الفاصلة بين 1210 و 1240، عرفت عهد الغزل العذري في شمال فرنسا، ورعويات صغرى ذات مستوى شعري عال. ويضيف قائلا: «لقد بدأ هذا التقليد الأجناسي من رعوية Marcabrur (1140).. وكان علينا أن ننتظر إلى العام 1200، لينطلق التقليد ويتطور على يد الحادي الشاعر الجوال Jean Bodel وبارتش وغيرهما. فكل الرعويات الصغرى الأخرى كان منطلقها الزمني هو القرن الثالث عشر الميلادي على الشكل التالي:
– 40-1210م: المرحلة الأرستقراطية.
-60-1240م: المرحلة البرجوازية.
ولم يكد ينتهي القرن المذكور حتى كانت تقاليد الشعر الرعوي تحتل صدارة المشهد الشعري في فرنسا وانجلترا.. بينما أصبحت الرعوية الصغرى أثرا بعد عين، وإن تسللت تيمتها الأساس في خَفَرْ إلى الأشكال الفلكلورية واستكنت بها(16).
وسواء وقفنا عند الرعوية الصغرى، أو عدنا الأدراج إلى الإيديليات الثيوكريتية «القصائد الوصفية» أو «البيكُوليكْ»: الرعويات الفرجيلية، أو ارتمينا عميقا نزولا إلى ليل الحضارات، أو استعرضنا مذكرين بالمنجز الرعوي فائق النحت والبناء اللغوي والاستعاري في عصر النهضة والقرن الثامن عشر الميلادي والعصور الحديثة-حسب التقسيم الأوروبي العريض- فإن الهيمنة المفهومية تخترقها جميعها- في زعمنا- وهي: الهروب من المحدودية إلى الرحابة الأفدح، رحابة الأركاديا واليوتوبيا، والفضاء المترامي الزاهي الخضرة، والمترع بالنشيد والرذاذ. وهي الاحتماء الرحيم بالغد الحالم أو الماضي المأسوف عليه، والبساطة الوديعة، والبراءة المطلقة. وبعبارة أوجز: هي مديح الماضي الذهبي المتخيل، والنوستالجيا المبرحة. وفي هذا يرى شيللر: «أن الايديليا هي صورة عاطفية لاستعادة الحلقة المفقودة بين الطبيعة وبين روح الإنسان»(17).
إن مفهوم البراءة في دلالتها الطفولية، يوجد في القلب من الجنس الرعوي، وهو المفهوم عينه المستكن في محاولة الشاعر شيللر وهو يصوغ الفرق الجمالي بين الشعر الساذج والشعر العاطفي حيث ينتصر للأول باعتباره صورة الطبيعة في طفولتها وغضاضتها وعنفوانها، أي ينتصر، بالحري، للشعر الرعوي من دون أن ينتقص من الثاني، وتلك مسألة معقدة تجد كامل تَبَرُّجها المعرفي في رسائله إلى مجايله الشاعر غوته، ومقالاته الماتحة من المنهـل الجمالي الكانطي دافق العطاء والحدب التي شكلت بدورها منبعا ثرا للأخوين شلغل، والشاعر هولدرلن. وإذا كانت نصوص ثيوكريت الرعوية بعامة أقرب ما تكـون إلى تلك النصوص التي تعود إلى زمن موغل في القدم، من حيث احتفاؤها بالطبيعة والمراعي والحب والأناشيد، «فإن شعر الرعـويات يحمل –إجمالا-في طياته معنى النقـد والهجاء للواقع من خلال الحنين إلى مـاض متخيل»(18).
وهو ما تذهب إليه الدكتورة نازك إبراهيم عبد الفتاح حين تقول: «… فقد استغل شعراء هذا الجيل الرعويات، (تقصد جيل عصر النهضة بإيطاليا)، وجعلوا منها أداة للتعبير عن رغباتهم الثورية ضد الكنيسة الكاثوليكية التي اعتبروها قد اتخذت مبادئ التنسك والزهد من قبل العناد فقط، وأنها قد فرضت على معتنقيها استعبادا كاملا لآرائها ووجهات نظرها. لقد عمد شعراء هذا الجيل إلى حرية الفكر وإلى التمتع بجمال العالم بهجة الحياة وملذاتها، فوجدوا منفذا للتعبير عن رغباتهم في الرعوية الكلاسيكية، لذلك فضلوا استخدامها»(19).
بعد كل هذا، يثور سؤال: أما زال لواء المجد معقودا للشعر الرعوي من خلال هذه التسمية أو تلك؟ أم أنه جنس أدبي التمع عبر الأزمنة وانطفأ بغتة كالنيزك، وكأنما بفعل فاعل؟ لكننا –دفاعا عن تيماته- نعارض السؤال بسؤال آخر وهو: وأين الملحمة والمأساة والكوميديا كأجناس شعرية كبرى؟ ألم يصبها الضمور والذبول؟ وفي حالة الملحمة تخصيصا، ألم تخرج من التداول المعرفي والمحاكاة الكتابية قبل قرون؟
الحق إن الجنس الرعوي كنوع أدبي قائم الذات، صار خبرا وذكرى، وما بقي منه هو نمطه الذي خضع لتحولات وتصورات مخالفة لأصوله.. من دون أن تقطع مع روحه وجوهره اللذين استشريا في مناخات كتابية أخرى شعرية ونثرية وفنية. كتب ألستن فاولر Alastain Fowler، منظر الأنماط والأجناس في الأدب يقول: « Le genre pastorale est mort : le mode pastorale perdure ».(20)
ولقائل أن يقول، وهو مطمئن، إن الجنس الرعوي التقليدي اختفى باختفاء كبار شعرائه في العصر الحديث.
ولا نعدم الأمثلة الضاجة في هذا الباب.. فلو استزدنا، لقفز إلى الذهن أيضا، الشاعر الأمريكي روبرت فروست (1874- 1963).. الذي ظل وفيا لجذوره الرعوية الزراعية في سلوكه وشعره وفلسفته في الحياة. على أن اختفاء هؤلاء وغيرهم من مسرح الحياة، لم يضع حدا للشعر الرعوي، ذلك أن كثيرا من موتيفاته وتيماته تحولت بفعل التطور العام بداهة، مبقية على النسغ الحار، الذي يسري في شجراتها، ناسجة من خيوط الذهب، وأوراق الربيع، ما به احتمت من غطرسة التكنولوجيا، وإن في عش رهيف رقيق يكاد يَتَخَلَّعُ ويتفتت لو لم تعصمه خفته فيعانق الهواء والأثير ! بيد أن هذه الرهافة، وهذا الشفوف، لم يحولا دون تموقف الشعر الرعوي المتحول من قضايا العصر، وما عرفه من سقوط اليوتوبيات، وانهيار الأحلام؛ معبرا عن انهمام وانشغال وخوف من استشراء الخراب، واستفحال الرماد، وانسداد الآفاق. حتى قال جوهان ويزينكا Johan Huizinga : «إن الشعر الرعوي في معناه الشامل هو شيء أكبر من أن يكون جنسا أدبيا وحسب، إنه الحاجة لترميم تصدعات الحياة»(21).
وترتيبا عليه، أيمكن المجازفة بالقول إن كل أدب يتقصد الاحتفاء بقيم الجمال والعدل والحرية، وينتسج بناء لغويا استعاريا باذخا مكرسا لغد مأمول أقل بؤسا، وماضٍ ذهبي تغذيه نوستالجيا الفقد والطفولة الرائقة، أدب يعبر عن الرغبة المشتعلة في السلام والسكينة والطبيعة ومدح الإنسان، بما هو كينونة وجودية أرقى، وانوجاد انطولوجي عليه العول في تأثيث الكون بنعمة الحلم، وزخرفة الحياة بالخضرة الدائمة، ونشيد الحب الأبدي؟ أدب كهذا تحققت فيه وبه المقومات المذكورة؛ هل يمكن نعته بالأدب الرعوي؟ أما نتوء التيمة الرعوية التي أتينا عليها بسطا وتحليلا، فندرك أنها صارت إلى امحاء واختفاء وتحول بالمعنى الأوفيدي، إنه المحو الذي هو شغل الكتابة الشعرية التي تترك بالضرورة بصماتها وآثارها، ولكن التي تمنح القراءة أثر صمت ما، ومن هذا الصمت يأتي جزء من الجاذبية الآسرة للكتابات الرعوية، ولكل كتابة تهفو إلى التحرر من النموذجية والنمطية، وتقيم عرسا لعوالم الطفولة المتواثبة والحلم الضاحك ! أم أن الكل باطل الأباطيل، كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن !
فهل سكنت هذه الروح أطواء الشعر العربي القديم أو في الأقل رانت على أخص نماذجه، وشكلت أحد أبعاده؟
نبادر ونقول إن الشعر الجاهلي يهجس بتلك الروح، وينتصر للبساطة والحسية والفروسية أيضا، التي كانت أحد مقومات الرعوية في العصور الوسطى الأوروبية. كما أن قاع النص الشعري الجاهلي عَبَّرَ بالمضمر كثيرا وبالتصريح قليلا عن حنين دفين، ونوستالجيا حارقة، وبكائيات ما زالت تَرِنُّ في سمع الأيام،  توقا إلى أيام ذهبية خلت، وتعلقا بنعيم ما فتئ الدهر يهدده بالزوال. وما النسيب ووصف الرحلة.. وما يعترضها من أخطار، ويحدق بها من فجاءات وطوارئ، إلا تقليد رعوي صار إلى كتابة شعرية صاقبت بل تماهت مع الموجود ووجود الشاعر نفسه، مستحضرة شواخص ترمز إلى زمن هارب، ومستدعية طيف المرأة، العذبة والشهية، خالعة عليها أجمل الأوصاف المادية تحديدا، ونائسة بين نصوص تقطر لذاذة غِبَّ لقاء الشاعر بالحبيبة، ونصوص ترشح أسى والتياعا غِبَّ مسعى خائب. ولنا أيضا أن ننتبه إلى أن طبيعة الشعر الجاهلي هي طبيعة رعوية بحكم الجغرافيا، ومقتضى البداوة والقيم الخلقية. وأن أعلى نماذج الشعر الجاهلي (المعلقات أو المذهبات سيان) مجدت الحب الشهوي باعتباره، أولا، اقتناصا للحظات ذهبية ماتعة، وباعتباره، ثانيا إشباعا لعطشين: عطش بيولوجي، وعطش روحي، به يعلو الشاعر على واقعه الآسن الصحراوي، ويتحرر من قبضة الأرضي، والزائل والمكرور. وقبل هذا وذاك، لم تكن الخمر بما هي وجه آخر للانفلات من الشرط المادي، تعويضا أو بديلا للمرأة. كانت، وقد وَثَّنَهَا الشعر الجاهلي، وزادها توثينا أبو نواس فيما بعد، استكمالا للذاذات، وتحقيقا للفتوة والصبا أو التصابي، والدخول في طقس أركادي حالم لم يكن عدوه سوى الفجر القادم والمهرول بألف عين، وألف موعظة وتهديد بالويل والثبور، وبسحب الانتماء القبلي !
لقد كان الشاعر الجاهلي واعيا بمحدودية الفضاء على شساعته، وبضيق الأفق على تراميه ورحابته، فاختار عامدا الذهاب إلى القصيدة، أي إلى الانفلات من أَسْرِ واقعه، والارتباط- في المقابل- باللغة، لغة أسلافه محققا بصنيعه هذا وجوده الرمزي، وخالقا، من ثمة، جنة محلوما بها، تتمظهر من خلال الحيوان رفيقا ومؤنسا وصَفِيَّا، ومن خلال الصيد ألهية وتصابيا وطفولة. هكذا نفهم رعوية الشعر الجاهلي، والأمثلة بهذا الصدد تسعفنا فلا أقل من أن نشير إلى كتب الجمهرات والمفضليات والأصمعيات وغيرها التي تحوي نصوصا بل فصوصا من الزمرد والياقوت والماس، تَعَلَّقَهَا التلقي العربي –في الإِبَّان- قبل أن يكرم منتخبات منها بتعليقها على أستار الكعبة، أي على حيطان الخلود، وألأبد السرمدي !
فإذا تخطينا الحقبة، تَوَهَّجَ شعر الغزل العذري كالأسورة في يد الحسناء البضة. ونحن نعتبر أن الغزل العذري أو بعضا منه –في أقل تقدير-شعر رعوي في بنائه ووصفه وموضوعته، فهو من حيث البناء اللغوي، يتسم بالعذوبة والبساطة والرقة كشعر ثيوكريت، ومن حيث الوصف، فمكرس للمرأة المثال. أما موضوعته فأفلاطونية عنوانها الفناء في المعشوق، والموت، عديد المرات في اليوم، من أجل النظر إلى المحبوب، حتى لكأن الصوفية نهلوا من معينه، وتشربوا صبابات شعرائه وعذاباتهم. كل ذلك يؤطره فضاء إما صحراوي، أو وادي ذي زرع، أو جبل شهد براءة الشاعر والحبيبة وهما يرعيان الغنم منذ مطلع الشمس إلى مغربها، ويلعبان بالحصى تزجية لوقت فارغ، ثم يخطان على نقا الرمل أحلاما وغدا ذهبيا يتلامح في الأفق اللازوردي الأصفى من عين ديك. ثم تأتي الريح بغتة فلا تبقي خطوطا ولا رسوما، فكأنما الريح نذير شؤم، وغراب بَيْنٍ يتعقبان الشاعر وصبيته.
في كل هذا الشعر، كان الواقع المعطوب حاضرا بكل نتوءاته وتضاريسه لكنه الحضور المؤسي المرفوض وغير المرغوب فيه. وذلك واحد من مرامي الشعر الرعوي الذي حمل على عاتقه توجيه سهام النقد إلى الواقع فيما هو يتحلل منه، مبشرا بغد جميل أو مستعيدا عصرًا بعيدا وَلَّى، فيه ما يبعث السعادة ويغري بالاحتماء والإقامة.
في العصر الحديث، وكنتيجة للاحتكاك بالغرب المتقدم والتثاقف، أمكن للشعراء أن يقرأوا متون الآخرين بعيون مفتوحة، واستبصار أَلْمَعِي، فكان أن احتفى الشعر المهجري- فضلا عن رومانسيته-بالرعوية مستبطنا رؤيتها ومخيالها، متيحا للشعرية العربية- ولأول مرة في تاريخها-الخروج من شرنقتها المُصْمَتَة وخيمتها البالية بالتوجه السعيد رأسا إلى الطبيعة الحالمة، مُهَلِلاُ- كطفل أعادوه إلى أبويه- بالضفاف والينابيع والأودية والطيور والأغنام والمراعي والبراري والشجر، مخطوفا بلألاء النجوم والسماء والخضرة، ولجين الماء، وبهاء النساء. لقد ظل الشعر المهجري المحتفل بالطبيعة في غالبية نصوصه، يوقع عبر نماذجه  المدهشة، نشيد العودة المرحة إلى حضن الشساعة، ورحم الرحابة، وأمومة الغاب، ملتفعا بالبساطة والبراءة والحلولية ضدا على مدنية إسمنتية يُسَوِّرُها الفجور، وتَحُوطُهَا الشرور. ولنا في شعر جبران خليل جبران: (البدائع والطرائف-السابق-المجنون)، وفي شعر ميخائيل نعيمة (همس الجفون والنهر المتجمد)، ونسيب عريضة (الأرواح الحائرة)، وإيليا أبو ماضي (الخمائل والجداول)، ورشيد أيوب، وفي شعر رشيد سليم الخوري، المهجري الجنوبي المشهور بالشاعر القروي، لنا في متونهم الأساسية هذه، المثال الحي على البعد الرعوي مخلوطا-دون ريب- بالرومانسية. كما أن أبا القاسم الشابي يمنحنا سانحة الادعاء بانتساب ديوانه الجميل والعذب : (أغاني الحياة) إلى مجال الشعر الرعوي وكذا الشاعر المصري محمود حسن اسماعيل من خلال : (أغاني الكوخ-وقاب قوسين).
وتتيح بواكير السياب الشعرية القول برعوية شعره ورومانسيته في آن، قبل أن يضرب موعدا مع منجز شعري مغاير فَيُدَخِلُ الشعرية العربية –من ثمة- وهي جذلى- إلى حرائق الشعر وبهاء النشيد. في السياق إياه نعطي الكلمة للناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة، وهو يضع اليد على رعوية السياب في بواكيره: [حكاية (هالة) الراعية، واسمها الرعوي (هيلة) تضيف شذى إلى قهوة الرعيان، فَيُصَغِرُونَهَا للتحبيب (هُوَيْلَه). وهذه تجربة صادقة أخرى لا تزيد شرارتها عن تجربة (وفيقة) السابقة.
لكنه –هنا- يقول لنا بكل براءة القروي: إنه كان يُقَبِّلُ الأغنام التي كانت (هالة) ترعاها في أنحاء (جيكور) لأنه رأى راعيته تقبل تلك الأغنام، فراح الشاعر الفتي يبحث في الكأس عن فضل يناله:
وقَبَّلْتُ حتى البهم لما رأيتها
        تُقْبَلُ تلك البهـم قبلـة ثائـر
فقد أهتدي في قبلة إثر قبلة
        إلى أثر من ثغرها غير ظاهر
وفي هذا أصداء من شعر مجنون بني عامر(22).
فلسطينيا، يتقدم المشهد الشعري، في نبضه وسمته الرعوي، كل من محمود درويش وسميح القاسم في أعمالهما الشعرية الأولى حيث الطزاجة والطراوة والغنائية المكرسة للأرض المسروقة، والفضاء المستباح. إن الاستقصاء العميق لعناصر الطبيعة الفلسطينية، واستدعاء عوالم الطفولة، وتنزيلها المنزلة الأسنى.. كطفولة منتهكة بانتهاك حقها في أرض آبائها، وجدها الأول كنعان، لهو- في نظرنا- وثيق الصلة..متين السبب بالتجلي الرعوي، ما دام أن الرعوية-كما أَلْحَفْنَا- تدور على النص الشعري، كما تدور الخيوط على الوشيعة، وفي بالنا، تتداعى المجاميع التالية: أ-أوراق الزيتون-عاشق من فلسطين-آخر الليل-العصافير تموت في الجليل..إلخ لمحمود درويش.
ب-أغاني الدروب-قرآن الموت والياسمين-أحبك كما يشتهي الموت- جهات الروح..إلخ بالنسبة إلى سميح القاسم.
لكن الشاعر الفلسطيني الأكثر احتفاء بالرعوية الزراعية.. الرعوي بامتياز هو الشاعر عز الدين المناصرة، لأنه رَاوَدَ هذا الشكل الشعري وَرَادَهُ ثم باشره ممارسة شعرية وتنظيرا، وبالتالي، فإنه كشف عن مقصدية ونية توجهت نحو الرعوية. ولعل ذلك أن يحقق لشعره السبق والتميز والانتساب بالقوة والفعل إلى هذا الجنس التعبيري المفكر فيه. من هنا، فإن شعر المناصرة الرعوي غني بنفسه كشعر، وبالمعرفة التي يحملها في طياته للنوع إياه. بمعنى آخر، إن غناه مزدوج بجماليته المنبجسة من تشابك مستوياته اللغوية والإيقاعية والتصويرية ورؤياه، وبإحالاته الذكية المتخفية والمنطوية على تراث ينحدر من ليل الحضارات، بكل العفوية والتلقائية الممكنة، ومن عهود الإغريق والرومان بعد أن عرف تقعيدا وأصبح معيارا على يد ثيوكريت وفرجيل.
 إحالات :
1 -Encyclopédie Encarta 2002.
2 -أفضل استعمال الإيليجيا على مقابلها العربي المرثاة لأسباب سأذكرها في حاشية المبحث.
3 – Encyclopédia Encarta 2002. [من ترجمتنا] 4 -قرص مدمج: Marie Paule loica Berger -شتنبر 2002—جامعة لييج-بروكسيل.
5-نورثرب فراي-تشريح النقد-ترجمة د.محمد عصفور-1412هـ-1991م-عمّان-الأردن.ص204
6-الأركاديا (ميثولوجيا)-منطقة جبلية في اليونان القديمة- تقع وسط بيلوبونيز، و التي تمثل في الميتولوجيا الأغريقية-طبيعة رعوية حيث يعيش الآلهة والبشر في سلام ووئام، وقد جاءت تسمية الأركاديا من ابن لزوس أنجبته مع كالستو الغانية وبحسبان الأسطورة، فإن المنطقة لم تكن ملجأ وموئلا للبشر فقط بل أيضا للآلهة.
وهكذا، أقام فيها Pan إله الطبيعة وحامي الرعاة، واتخذها مكانا لطقوسه، وكانت الحوريات تسبح في الأنهار..إلخ.
7-تفعيلة الأيامب والوزن الأيامبي عامة أقرب التفاعيل والأوزان إلى النثر.. أما مخترعه فهو أرشيلوك- بحسب ثيوكريت-إذ يقول في التوقيعة 13 وهي بعنوان (من أجل تمثال أرشيلوك: «أيها المسافر.. قف واعتبر بأرشيلوك.. هذا الشاعر القديم الذي ابتكر الشعر الأيامبي. والذي اخترقت شهرته الزمن من الغسق إلى السحر.. أيولو وربات الشعر يحبونه حبا رهيفا، وهكذا ظل متسقا ومنسجما في أشعاره مثلما كان رهيفا وهو يغنيها على قيثارته».
8-د. أحمد عثمان-الأدب اللاتيني ودوره الحضاري-عالم المعرفة- ع 141-1989-ص209.
9-د. أحمد عثمان-نفس المرجع السابق-ص: 215.
10-الكتاب المقدس-دار الكتاب-المقدس-مصر-الإصدار الثالث 2001-الطبعة الأولى.
11-تشريح النقد-مرجع سابق-ص: 125.
12-Dictionnaire de critique, littéraire-Joëlle gardes-Tamine, Marie Claude Hubert-è1998-Cérès Editions-Tunis-P : 209-210.
13-Tiré du site de dictionnaire international des Termes littéraires. www.DITL. Info (Voir Internet).
14-Zink-La pastourelle poésie et folklore au Moyen âge, Paris, Bordas-1972-p :118.
15-المرجع نفسه- زنك Zink  -ص: 12.
16-Pierre Bec : La lyrique Française du Moyen Age (XII-XIII siècles) contribution à une typologie de genres poétiques Médi vol 1-1977. p : 119-136.
17-نازك إبراهيم عبد الفتاح-الشعر العبري الحديث-أغراضه وصوره-الدار الجامعية للطباعة والنشر-بيروت-1983-ص: 121.
18-كتاب امرؤ القيس الكنعاني-مقالة الدكتور إبراهيم السعافين-المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت-ط 1-1999-ص: 190-191.
19-الشعر العبري الحديث-مرجع سابق-ص: 122.
20 -Le sourcier d’Eden, Christian, B. Allègne-Université de Montréal (thèse présentée à la faculté des études supérieures de philosophie-Mai-1998.
21-Le sourcier d’Eden مرجع سابق
22-عبد الواحد لؤلؤة-منازل القمر-دراسات نقدية-دار رياض الريس- الطبعة الأولى-أكتوبر 1990-ص: 228.
   هوامش تكميليـة
1-الشعر العبري الرعوي-انظر الكتاب المقدس-مرجع مذكور-قصة قابيل وهابيل: «التكوين-الأصحاح الرابع» ص 4 وما بعدها.
2-هناك إشارات رعوية واضحة في المزمور الثالث والعشرين-(انظر الكتاب المقدس).
3-يشار إلى التناقض السياسي الثقافي الذي عرفته الجزيرة العربية بين الفلاح الجنوبي القحطاني والراعي الشمالي العدناني.
4-سفر: «نشيد الإنشاد» نص أدبي رعوي فادح الجمال.
5-الإسماعيليون الرعاة: (التناقس بين «هاجر» و«سارة» في المروية التوارتية، تنافس أهل المدن وأهل الوبر.
-والراعي والفلاح في المعتقدات السومرية والبابلية [م: دموزي الراعي) في [ديوان الأساطير-الكتاب الأول-تأليف قاسم الشواف- تقديم وإشراف: أدونيس –دار الساقي-ط1-1996-بيروت-].
6-توضيح الهامش رقم 3:= (إن عرب الشمال العدنانيين كانوا بدوا رحلا أي رعاة على خلاف عرب الجنوب القحطانيين الذين كانوا أهل حضارة نسبية اشتغلوا بالفلاحة مما طبع وضعهم بالاستقرار).
 وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، في قوله تعالى: «لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتين عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور».
-سورة سبأ- الآيات 15-16-17.
7-نشير إلى أن شعر الصعاليك شعر رعوي بامتياز. وقد أمكن رصد ذلك من المعطيات النصية نفسها عند عمرو بن براقة وعروة بن الورد وآخرين، من خلال حوارات قصيرة لكن غنية بينهم كشعراء رعويين وبين صويحباتهم، وعلى رأسهن «سليمى) وكتاب الدكتور يوسف خليف- الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي- دار المعارف- 1959م-يسمح بالاستزادة  والتوسع.
-الإيليجيا: (المرثاة)= الشعر الرثائي الأوروبي، يختلف في لغته وموضوعه عن المرثاة كما عرفها الشعر العربي. ففي حين، تنحصر المرثاة العربية في بكاء ميت، وذكر مناقبه، وأحيانا بكاء ممالك وبلدان، فإن الشعر الأوروبي منذ الشاعر الأسكندري ثيوكريت، والشعراء اللاتين، مرورا بشعراء الانجليز الإليزابيثيين (سبنسر-سدني-وجون دون، وملتون(، كرس هذا النوع من التعبير، لندب الذات، وفضح الواقع، والتوق إلى الهروب نحو عالم أجمل وأفضل وأكثر سكينة. من هنا التباسا=المرثاة الأوروبية بالموضوعة الرعوية سواء عند ثيوكريت أو فرجيل أو مِلْتون أو غيرهم. (هذا رأينا).  

محمد بودويك
شاعر وناقد من المغرب

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …