أخبار عاجلة

الـقبــــر

حول قبر مطموس تناثرت الأشواك، والأعشاب البرية، وتمزقت راية بيضاء ظلت ترفرف من عارضة خشبية متآكلة ارتكزت – منذ أمد بعيد – في طرف القبر لتحدد وضع الميت.

قبر وحيد رمي في الفلاة وظل متمسكا بحدبته إزاء الرياح التي تعبث بكل شيء في هذه الرقعة المسكونة بالوحشة والفراغ.

من هنا.. من عمق الخلاء بزغ ظلان كانا يحثان الخطي – من جهتين مختلفتين – صوب هذا القبر حتى اذا بلغاه تطاير شجارهما وامتقع وجهاهما بأقذع الشتائم ولم يكن يجاورهما إلا صراخهما المتعالي في هذا الخلاء الممتد حتى الأفق، وحينما رغا وفاض غضبهما تماسكت أيديهما في عراك غير متكافىء.

أحدهما ضخم له أنف تجلس القرفصاء وعينان متسعتان لاحتواء ما يصادفهما، يده الضخمة أطبقت على هامة ذاك الرفيع زي الأطراف المتناهية الدقة، فلم يعد باقيا منه الا صوته اللاهث الخارج من نفس ضيق.. كان يزفر بألم في محاولة يائسة للفرار من تلك القبضة الحديدية التي أوشكت أن تفصل رأسه عن باقي الجسد.

وعندما خارت قواه، استسلم لدفعة قوية أوقعته أرضا، فجمع اوصاله المتضعضعة بانكسار، ونهض نافضا آلامه المبرحة، وتبقت عيناه المسيرتان تراقبان خصمه الجالس بمحاذاة القبر، والذي انشغل برفع يديه تاركا لشفتيه حرية التمتمة بأدعية غير مسموعة، وقد لبس وجهه خشوع طاغ… رمقه مليا، وتقدم نحوه بصوت متهالك:

– سيدي.. هذا قبر أبي لقد واريته بيدي هاتين، ونصبت هذه الراية للاستدلال عليه في هذا الخلاء الفسيح، ولا أريد أن نتعارك.. فربما كان قبر أبيك قريبا من هنا، إلا أن هذا ليس قبر أبيك، وأؤكد لك ذلك، بل أقسم على هذا.

استدار نحوه بنصف التفاتة من عينيه الواسعتين تاركا أدعيته غير المسموعة معلقة في الهواء، وبصوت مشبع ممعن في الثقة:

– وأنا أؤكد لك أنه قبر أبي فقد دفنته بيدي هاتين، واذا لم تغادر المكان سأجعلك تجاوره خاصة وأنا أعلم أن أبي لا يحب الوحدة !!

وعندما استيقن أنه غير قادر على مقارعة خصمه، وبدت – له – منازلته محسومة الخاتمة، تحرك، غير زي بعيد حتى أنس له خصمه، وانشغل بأدعيته غير المسموعة، دس يده في جيبه الداخلي، وقفز عدة قفزات متتالية حذرة، وانتصب واضعا مسدسا صغيرا على هامة خصمه، وبصوت منتش جعل رأس خصمه يترجرج تحت فوهة المسدس:

– والآن ماذا تقول ؟!

ارتبك ذو الجثة الضخمة، والعينين المتسعتين لاحتواء ما يصادفهما، واشتعل فيه الخوف إلا أنه تدارك هلعه بابتلاع ريقه الجاف مرارا حتى اذا انطلق لسانا، وجف خوفه قليلا قليلا.. نهض صوته متعثرا:

– أقسم لك أن هذا قبر أبي فقد كنا عائدين من رحلة شاقة، ومضنية فأصابته الحمى، وظللت أتنقل به لأيام طوال حتى إذا بلغنا هذا المكان، كانت الحمى قد أتت عليه وقبل أن يلفظ نفسه الأخير، أخرج من – كمره (1)- ورقه صغيرة طويت بعناية، ودفعها الي وهو يقول:

– إن وافاني الأجل فلأدفن أينما قبضت، وهذه وصيتي اليك، لا تفتحها إلا حين أكون نسيا منسيا.

وأطبق عينيه دوني ورحل، فجلست على جثمانه ليلتين على الحياة تحن لجسده، فتعود، حتى إذا نزت رائحته، قمت وواريت ذاك الطود، ووضعت هذه الشارة، واحتفظت بوصيته، وسحت في الحياة حتى إذا ذكر، ولم يترحم عليه أحد، فتحت وصيته فوجدته قد كتب:

يا بني..

افتح صدرك فصوتي قادم اليك

اليوم أغدو ترابا، ويغدو دمي موزعا في أوردة الطير وعظمي فتات الأرض، وأنت تجري، وتتفرع فيك الحياة، وتفور فيك الرغبات، فلا تجعل النزوات تميت الانهار فيك.. وتذكر أنك هالك… فادفع رأسك للأعلى قبل أن يجاور قدميك.. فالسماء والأرض تلتقيان بالمطر، فلا تجمع رأسك بقدميك إلا بشرف.

يا بني..

إياك أن تجعل عينيك بوابة لقلبك، فمن اتخذها فقد عمي.. فزحف وزاحف ففي الغيب متسع من النبوءات.

يا بني..

لا تقل مات أبي ظمآنا.. حسيرا.. وحيدا، واعلم أن لكل نفس مصبا.

يا بني..

أطل لداخلك – دائما – وذد عن مائك تتسامق فيك النهارات والأحلام الطليقة.

أنظر.. فالماء ينساب بيننا، فهناك من (يدلدل) رجليه، وهناك من يشرب، وهناك من يتبول، فلا تدنس ماءك.. وشد الرحال، وتزود بالماضي، ومد خطوك لعلك تواني.

أبوك

أمام هذه الكلمات، وقفت عاجزا عن استيعابها أو ادراكها فطويت وصيته، وأعدتها الى مخبئها، فطاردني أبي في المنامات يتلو علي وصيته، وظل صوته واقفا لا يبرحني حتى قيل لي:

– ان نفسه تتوق لأن تمد خطوك اليه.

فقطعت جميع اعمالي، وخببت السير في الصحاري، والقفار حتى إذا بلغت قبره، وجدتك هاهنا تدعى انه قبر أبيك.

تمايل خصما فوق رأسه، وغرس المسدس للعمق:

– هذا ليس ادعاء ولكن هي الحقيقة، فأبي كان له اعداء كثر، يتربصون به في كل مكان، وقد تناهى الى مسامعه – وهو على فراش الموت – أن أعداءه لن يتركوه، وسيتبعونه الى قبره إن سبقهم اليه الموت وسيعبثون بجثته، وقبل أن يموت قربني اليه، ودفع الي كيسا من الذهب – دون إخوتي – وأوصاني إن جاءته المنية، أن أدفنه على بعد شدتين شمال قريتنا في أرض عجوز لا ماء يجري في وجهها ولا شجر، وعندما لفظ أنفاسه الأخيرة، وانشغل اخوتي بتجهيز غسله، سرقت جثته، وخبأتها في شقي، وعندما جاء اخوتي لغسله، ولم يجدوه خرجوا في طلب أعدائه، وخرجت أحمله على عاتقي واذا تعبت سحبت جثته حتى إذ بلغت هذا المكان حفرت هذا القبر، وألقيته به، ودفنت معه كيس الذهب خوفا من أن يدخل نصيبي هذا في الميراث، أو أن يكتشفوه عندي.. وعندما سكن كل شيء، جئت لاسترداد مالي.

– إذن تود نبش القبر.

– نعم.

– لن أمكنك من هذا أبدا.

– أنا لن أنبش القبر.. انت ستقوم بالمهمة صاغرا، وستستخرج لي كيس الذهب، واذا لم تفعل ما آمرك به سأفرغ حبات هذا المسدس في رأسك.

– لن تستطيع.

شد قامته، وغرس قدميه في الأرض، رافعا الزناد، وواضعا أصبعه على لسان المسدس:

– سأعد لثلاثة، واذا لم تبدأ العمل، سيكون آخر عهدك بالحياة صوتي هذا..

وبدأ العد ببطء ولم يكن أمام صاحب الجثة الضخمة خيار إزاء اصرار خصمه، فجذب عارضة القبر، الخشبية، فانكشفت فجوة عميقة بدأ منها في ازاحة التراب، وتعميق الحفر، وكلما تباطأ سمع صراخ خصمه يدوي.

– اسرع.. لا تتباطأ.

مازال التراب مجدولا على شطرين، وذو الجثة الضخمة يعمق الحفر حتى اذا بلغ قاع القبر اتسعت عيناهما، وقفز من محاجرهما فزع طارىء أشعل بهما الخوف، لينطلقا راكضين لا يلويان على شيء..

حين ظل قاع القبر كاشفا عن بقايا جمجمة ضخمة، وعظام لسيقان طوال انتهت بحوافر متآكلة.

ــــــــــ

1- كمره: حزامه
 
 
عبده الخال ( كاتب من المملكة العربية السعودية)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …