أخبار عاجلة

الفكر الرادديكالي والسياحة أو سقوط الماركسية كنظرية مطلقة كورنيلوس كاسترياديس

كان ويمون أرون يعيب مثقفي اليسار الفرنسي، ومن بينهم خاصة صديقيه جان بول سارتر وميرلو بونتي بقصور "التفكير السياسي ". وهو قصور كان يتجلى على حد أرون، في أمرين : أولا ركونهم الى ما هو "ايديولوجي"، بما هو الصورة الأدبية لمجتمع مرغوب، عوضا عن دراسة أداء كل نظام اقتصادي على حدة. وثانيا

الإحجام عن الاجابة على ذلك السؤال الذي طرح على أرون عشية استيلاء النازيين على الحكم في المانيا : "ما أنت فاعل فيما لو كنت مكان الوزير؟ ".

وكلا الأمرين إنما يدل على أن الافتقار الى العقل السياسي ما هو إلا من قبيل الاشاحة عما ينطوي عليه الواقع أو يمليه. فأن تسقط الواقع السياسي أو الاقتصادي من حسابك مندفعا خلف مثال أدبي التصوير، وان تغفل حقيقة التعارض الذي غالبا ما ينشأ بين ما ينبغي وما يمكن فعله (وهو ما قدر على الوزير الفرنسي، في السؤال المشار اليه أنفا مواجهته )فلابد وأن مقصود نظرك يقع خارج مدار السياسة، ومن ثم فإنه من الأرجح أن ينتمي الى مدار الأخلاق أو الجمال أو الدين. والسؤال الجائز هنا، هل يمكن أن يشمل هذا الحكم أي نظر يقوم على الدعوة الى تغيير سياسي حاسم أو انتقال للمجتمع من طور الى طور آخر مختلف تماما؟ وهل ما يسمي بـ "الفكر الثوري" هو فكر غير سياسي أو مناقض لشروط استقامة "التفكير السياسي" ضرورة ؟ بكلمات أخرى أليس من الممكن أن تكون هناك سياسة "ثورية "؟

على رغم أن أرون قد مال الى الظن بأن جل ما يسمى بـ "الفكر الثوري" لهو ضرب من الايديولوجية، أي لما هو معاد للسياسة، إلا أن ما يشترطه هو نفسه يبين بأنه اذا ما لم يصر الى التسليم المسبق بأنه ليس من الممكن أن يكون أفضل مما هناك، وأن قصاري ما يمكن صنعه هو اضفاء جملة تعديلات واصلاحات، جاز القول بأنه ما من مبرر لاسقاط السياسة عن فكر "ثوري" ما لم يجنح هذا الفكر جنوحا طوباويا أو نوستالجيا. أي ما لم يرس على أسس تتجاهل أو تتعارض مع

معطيات الواقع وممكناته. ومثل هذه الشروط تكاد أن تكون التحدي الذي سقط أمامه الكثير من النظريات الثورية في القرن العشرين، سواء أكانت من تلك التي استوت وفق المقولات الماركسية على نحو خاص، أم غيرها معن اتخذت من أزمة اقتصادية أو حالة انعدام رضا عامة مسوغا لطلب مثال عالم بديل زعمت بأنه ليس بعيدا عن متناول من طلبه. بيد أن ذلك لا يعني بأن ما من فكر ثوري ظهر خلال هذا القرن، وأولى هذا التحدي الاهتمام الذي يكفيه شر التهاوي أمامه. وهذا كورنيلوس كاستريا ديس (1922 – 1997)، أحد كبار المفكرين الراديكاليين في فرنسا النصف الثاني من القرن العشرين، لم يتوان عن الجهر بإفلاس التحليل النظري، السياسي أو الاقتصادي، حينما قصر هذا التحليل عن مجاراة ما يمليه التفكير السياسي. بل ويكاد الرجل الذي بدأ حياته مناضلا تروتسكيا أن يكون أحد أشد نقاد الماركسية كنظرية ثورية، سواء من خلال نقده لبعض أبرز الفرضيات الماركسية فيما يتعلق بالاقتصاد، أو في جهره بإفلاس الماركسية في الوقت الذي جهد أقطاب اليسار الراديكالي في اطلاق تأويلات جديدة لما قاله ماركس تستر الوجه المعيب الذي انجلت عنه اشتراكية الاتحاد السوفييتي.
الييروقراطية

ولنن هجر كاستريا ديس رفاقه من أتباع ترو تسكي بسبب موقفهم من استيلاء الحزب الشيوعي اليوناني على الحكم، فضلا عن بهتان تحليلهم لطبيعة النظام السوفييتي، فإنما فعل ذلك من قبيل الانحياز الى التحليل السياسي وليس الأصولي أو الأخلاقي.

فبينما ايد التروتسكيون تأييدا «تكتيكيا » استيلاء الحزب الشيوعي (الستاليني الولاء) على الحكم في اليونان، ظنا منهم أن ذلك كفيل بأن يكشف لانصار هذا الحزب حقيقة التعارض ما بين اهدافه الفعلية وطموحات جماهيره، بما سيؤدي الى انفضاضهم عنه والتفافهم حول من هو احق في تمثيلهم (أي التروتسكيين أنفسهم )، رأى كاستريا ديس الى هذا "التكتيك " كضرب من العبث. إذ أنه حتى لو أدى وصول الحزب الشيوعي ال السلطة الى ظهور الحقيقة المستترة، فإن ذلك لن يكفي لكي تنفض الجماهير عنه بما يفسح السبيل لمن هم أحق بالسلطة. فطبيعة هذا الحزب شأنه في ذلك شأن جل الأحزاب الستالينية البنية، انما تدل على أنه ما أن ميسكم السلطة فإن قصاري ما سيسعى اليه هو ضمان احتفاظه بها بأي ثمن. وهذا ما قد يعني التخلص من خصومة والقضاء عل أية امكانية للمعارضة. أما فيما يتعلق بالمسألة الروسية، فخلافا لما زعمه تروتمكي وأتباعه المخلصون بأن الأ حزاب الستالينية هي أحز اب "اصلاحية " ترمي في نهاية المطاف الى حماية مصالح البرجوازية، وأن الفئة البيروقراطية الحاكمة في الاتحاد السوفييتي عهد ذاك ليست سوى "تشكيل انتقالي " وطائفة من الطفيليين، فقد جادل كاستريا ديس بأن الأحزاب الستالينية ليست إصلاحية على الاطلاق وان ما تسعي اليه ليس حماية البرجوازية وانما تدميرها واحلال البيروقراطية محلها. ذلك أن البيروقراطية ليست بشريحة طفيلية عابرة وانما هي أقرب الشبه بـ"طبقة مسيطرة تمارس سلطة مطلقة على المدار السياسي فحسب وانما على الحياة الاجتماعية بأسرها".

وخلاصة القول أنا في وقت نظر التروتسكيون الى واقع الحال في الاتحاد السوفييتي من موقع الأصولي والأخلاقي فنددوا بزيغ الستالينية عن الصراط اللينيني (المعصوم عن الخطا بالضرورة )، رأى كأسترياديس الى الأمر من منظار السياسة فخلص الى أن ما جرى لا يقل عن قيام طبقة مستغلة جديدة. ولقد أتاح هذا الضرب من تحليل البيروقراطية الروسية الى طرح خرافة استكمال ازالة الملكية الخاصة وتأميم المرافق الاقتصادية،وهي الخرافة التي عول عليها ترو تسكي وأتباعه في سبيل بناء اشتراكية سليمة وفي الوقت نفسه اماطة اللثام عن علاقات الانتاج الفعلية التي تتسبب في انقسام المجتمع الى  طبقات.

ذلك انه حتى لو تمت إزالة الملكية الخاصة وتأميم المرافق التجارية ومن ثم اخضاع الاقتصاد الى سلطات الدولة، فإن ذلك لا يكفي لضمان انعتاق العمال من الاستغلال أو امساكهم بزمام أدوات الانتاج. إذ أن الانقسام المجتمعي في ظل الشريحة البيروقراطية المسيطرة التي تعمل بشكل مستمر على تعزيز استقرارها يكون انقساما بين موجهي عملية الانتاج ومنفذيها.

ومثل هذا التحليل كان بمثابة مدخل الى تقييم نشوء الرأسمالية الحديثة. فحيث صير الى مركزة رأس المال وتطوير التقنية والتنظيم الانتاجي، فضلا عن تعاظم تدخل الدولة وتعاظم دور المنظمات والنقابات العمالية فقد أفضى ذلك الى نتيجة مماثلة، قيام شريحة بيروقراطية توجه الانتاج وتتحكم بالأوجه الاجتماعية الأخرى.

نقد الماركسية

واذا ما ابان نقد البيروقراطية أمرا لكاسترياديس واصحابه من المتملقين حول مجلة "الاشتراكية أو البربرية " هي الجماعة الراديكالية التي نشطت في فرنسا ما بين منتصف الخمسينات ومنتصف الستينات، فقد أبانت لهم أن غرض الثورة الاشتراكية لابد وان يتمثل في إدارة العمال لعملية الانتاج فذلك هو السبيل الوحيد لوضع حد للانقسام الاجتماعي الناجم عن انقسام العملية الانتاجية ما بين موجهين ومنفذين.

ولكن على أي وجه تكون "إدارة العمال " المنشودة ؟ وكيف سيفلح العمال في تصريف شؤونهم وشؤون المجتمع العامة برمته ؟

يحجم كاستريا ديس عن الاجابة على سؤال كهذا بذريعة ان في ذلك ما يناقض مفهوم "إدارة العمال ". فان تنادي بهدف كهذا، فإنه لمن البديهي ان تعدل عن صوغ "معادل نظري" أو "تنظيم " يكافح في سبيل مثل هذا الغرض. ذلك أن مكر هذه المحاولة انما تنطوي على سعي مستتر الى تنصيب صاحب النظرية الزعومة وصيا على «الإدارة» بما يفضي الى  الارهاصات لولادة  نواة بيروقراطية جديدة، أي ما ينبغي للإدارة العمالية ان تحول دون حدوثه اصلا.

وقد آل هذا الحرص على عدم تبوء موقع العمال واقرار ما يتعين عليهم القيام به الى وضع النظرية الماركسية والتنظيم الذي يهتدي بها موضع المساءلة. وهو ما اوجب في الوقت نفسه فحصا نقديا للماركسية كانت حصيلته الاقرار ببطلانها.

وكان واقع الرأسمالية الحديثة، لاسيما منذ ما بعد الحرب الثانية، قد اظهر ان بعض ارسخ المقولات التي عول الماركسيون على صحتها لهي أبعد ما تكون عن الصواب. فلم يتعاظم استغلال العمال ولم تفض زيادة الانتاج المطردة الى أزمة لا خلاص للرأسمالية منها على ما علق ماركس آماله. واذا لم يخل الزعم بأن طبيعة الأداء الرأسمالي موجبة لنزاع اقتصادي متواصل ما بين الرأسمالي والعمال حول كيفية توزيع الانتاج، إذا لم يخل هذا الزعم من الصواب، فإن من الحكمة التنبه الى أن هذا النزاع ليس بالنزاع الأبدي وليس ممتنعا عن حل في كافة الأحوال. ولنن أمكن في أكثر من مرة وضع حد آني له، فإن ذلك ما يدل على أن اندلاعه في وقت لاحق لن يحمل أكثر من احتجاج ومطالب ليس من العسير كبيتها بما يهديه ثائرة نفوس أصحابها.

ولا جدال في أن لهذا الفعل الاحتجاجي الصادر عن العمال أهمية، بيد أنه ليس من الأهمية القصوى بحيث يقود العمال أو يهيئهم الى الثورة الاشتراكية. بل حتى وان تسببت الرأسمالية بتفاقم الفقر والبطالة، واذا ما حالت دون استيفاء المطالب الاجتماعية فليس ثمة ما يسوغ الزعم بأن الجماهير باتت مهيأة تحت وطأة حياة كهذه لبناء مجتمع جديد.

إذ قد يفلح العاطلون عن العمل والجائعون في تقويض النظام السائد، لكن ليس في الفقر ولا في البطالة ما يرشد الى أوجه تصريف شؤون الانتاج وتدبير الأمور العامة للمجتمع. والمحقق من خلال دروس التاريخ ان قصاري ما يسع ضحايا الفقر والبطالة فعله هو أن يصيروا الى دهماء منكفة ورهن أي حزب شمولي النزعة، كالأحزاب الستالينية والفاشية يستخدمها في سبيل الاستيلاء على الحكم. وليس هذا الاستقراء إلا من دلائل أصالة التفكير السياسي عند كورنيلوس كاستريا ديس. ففي وقت مال بعض الماركسيين الى اضفاء تعديلات على الماركسية، مرة من خلال العودة الى هيجل وأخرى من خلال إقرانها بالبنيوية، بغية تمتين صلاتها بشروط العالم الحديث وثقا فته الجديدة، وقد آلت الى اضمحلال لا مفر منه، لم يتوان كاستريا ديس عن الجهر بأن النظرية الماركسية التي ازدهرت ما بين 1847- 1939 قد استنفدت نفسها كمرجع لشرح وتحليل ما يجري وكأساس لمشروع ثوري. وفي مقالة تعود، الى أواسط الستينات، يجادل كاستريا ديس بأن ثمة ثلاث حقائق كبرى لا محيد للثوريين المدركين لما يفعلون من أخذها بالحسبان : أولا، إن الرأسمالية قد شهدت تحولا حاسما منذ بداية الحرب العالمية الثانية أمست الماركسية معه عاجزة عن الالمام بطبيعة الواقع الجديد. ثانيا، إن الحركات العمالية كحركات طبقية منظمة تناويء على نحو صريح ومتواصل السيطرة الرأسمالية قد انتهت. وثالثا، ان السيطرة الكولونيالية وشبه الكولونيالية للدول المتقدمة على بلدان العالم الثالث قد زالت من دون أن يصاحبها تمرد ثوري في الحركات الجماهيرية، ومن دون أن تنجم عن زعزعة أسس الرأسمالية في البلدان الاستعمارية.

الى ذلك يورد كاستريا ديس دزينة من الحجج التي تبرهن على قصور النظرية الماركسية، كما تبلورت على أيدي ماركس ولينين وترو تسكي، عن الاحاطة بواقع الرأسمالية الحديثة، فإلى حقيقة ان الانقسام المجتمعي لم يعد قائما ما بين من يصكك أدوات الانتاج ومن لا يمككها (أي ما بين الرأسماليين والبروليتاريا)، وانما ما بين الموجهين والمنفذين، فإن المجتمع لم يعد خاضعا الى سلطان رأسمال «غير شخصيه ومجرد، وانما صار في عهدة بيروقراطية تراتبية البناء.

وفي حين زعم ماركس بأن تحويل المعقول الى محسوس مي المقولة المركزية التي يتعين الاهتداء بها في فهم العلاقات الاجتماعية الرأسمالية من حيث انها عملية تحويل كافة العلاقات الانسانية الى علاقات تجارية. بات من الجلي ان السوق ليس العامل الحاسم في مجتمع اليوم وانما التنظيم التراتبي البيروقراطي. أي باختصار العلاقة ما بين عمليات التوجيه والتنفيذ.

ولقد رأى ماركس أن التناقض الموروث في الرأسمالية ما بين تطور قوى الانتاج وكيفية تنظيم عملية الانتاج، فضلا عن أشكال الملكية الرأسمالية، كفيل بأن يفض الى قطيعة لا يصار الى تجاوزها إلا بالانتقال ال طور اقتصادي ارقي، غير أننا نجد أن القطيعة القائمة منذ الحرب العالمية الثانية هي تلك التي تفصل عمليات التوجيه عن عمليات التنفيذ،. كما انه، وخلافا لزعم ماركس بأن من المقدر عل البروليتاريا المعاناة حتى يبلغ واقعها لحظة الانفجار، فإننا نقع على تاريخ صنعه العمال في ظل المجتمع الرأسمالي وفي سياق السعي الى تغييره، ربما أدى الى تغييرهم أنفسهم.

ولنن وجدت الحركات الماركسية التقليدية في مفهومي الجبرية الاقتصادية والدور الريادي للحزب مرشدا لا محيد عن اتباعه، فإن الحركة العمالية الجديدة التي ظهرت ما بعد الحرب وشهدت بأم العين عواقب الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا ارتأت أن تكون عملية التوجيه ذاتية، أي في عهدة العمال أنفسهم، وآثرت أن تطلب الحكم لنفسها.

على أن بطلان الماركسية لم يقتصر على تبين بطلان جملة من المقولات والاطروحات فحسب، وانما كان سقوط شكل من الربط ما بين الأفكار من جهة وما بين الأفكار والواقع من جهة أخرى. وبهذا جاز الخلوص الى أن مفهوم النظرية الشاملة المسلحة بقوالب علمية بما يصدق زعمها احتواء الحقيقة التامة لم يعد مقبولا.

ما بعد الماركسيه

ولا شك في أن ما قال كاستريا ديس لهو من قبيل التقييم النظري للماركسية ما كان ليجسر أحد من الراديكاليين على الاتيان به، وانه يدين بنفاذ نظرته المبكرة تلك الى رهافة احساسه بالواقع، غير أن الخلوص الى أن الماركسية قد بلفت قصارها، وانه لن تكون هناك نظرية شاملة من طرازها تحتاج الى تجديد وتعديل بين آن وأخر، انما يوجب التساؤل عن مصير «الثورة الاشتراكية » أو " المشروع الثوري". فهل ما زال من الجائز الحض على فعل كالثورة، وهو فعل واع يفترض الاهتداء بمعرفة مسبقة، في ظل اند ام نظرية ثورية كالماركسية ؟

وهذا السؤال الذي طرحه كاستريا ديس على نفسه قبل ما يزيد على ثلاثة عقود، لهو السؤال المطروح اليوم على الجماعات اليسارية، لاسيما تلك التي ظلت على ولاشها للنظم الاشتراكية حتى انهيارها خاصة في ظل التبشير بنهاية عصر الايديولوجية ووصول التاريخ الى محطته الأخيرة. ولعل هذا مصدر الاهتمام المفاجيء به حيث توالت صدور أعماله في العالم الناطق بالانجليزية في الأعوام القليلة الماضية. يرى كاستريا ديس انه لمن قبيل الوهم الظن بأن الفعل الثوري باعتباره فعلا واعيا يوجب معرفة مطلقة. إذ ليس في الواقع الفعلي ما يملي ضرورة معرفة كهذه، كما أن ذلك لا يعني بأن المعرفة الممكنة هي تلك التي تتمثل في الفعل الانعكاسي الأعمى. فالعالم التاريخي بما هو عالم الفعل والعمل الانسانيين المتواصلين، لا يستوي وفق أفعال غير واعية، وهو في الآن نفسه لا يتطلب معرفة مستوفاة على نحو مسبق، والا لما أمكن أن يكون هناك نشاط انساني واحد. ومن ثم فلا يمكن الزعم بأن ما هو جوهري في النشاط الانسان في هو ما يمكن استشفا فه على نحو انعكاسي أو باعتباره ضربا من التقنية. وعلى هذا فإن اشتراط استواء "المشروع الثوري" وفقا لنظرية تامة انما يوجب دمج السياسة في شكل تقني وانزال مدارها، أي التاريخ، منزلة المعرفة المستوفاة والنهائية، فأن تذهب هذا المذهب مستنتجا استحالة السياسة الثورية، طالما استحالت معرفة من هذا القبيل، فإن أقرب الشيء الى اطراح كافة الانشطة الانسانية، بل والى إطراح التاريخ بإعتباره حالة غير مستوفاة بحيث تكون تلك المرجعية المتوهمة.

ان السياسة على ما يجادل كاستريا ديس، لا تقوم على استجماع معرفة كلية، ولا هي بالتقنية، كما أنها ليست اعرابا عن إرادة عمياه لمن لا يعرف ايما شيء. فالسياسة تنتمي الى مدار الفعل والعمل (أو الفعل /العمل ) والى نوع محدد منه، أي ذاك الذي يوسم بـ_"براكسس "، أي المعرفة العملية.

فهذه هي المعرفة التي تنحو الى اعتبار الآخرين بمثابة كائنات ذاتية الحكم مستقلة، والى كونهم الوكلاء الاساسيين لنشوء ادارتهم الذاتية، ومن ثم فإن القويم من السياسة لهو ما ينتمي الى الناحية العملية للمعرفة بحيث تكون الإدارة الذاتية للآخرين ليست غاية بحد ذاتها وانما هي أقرب الى بداية الى ما هو غير مكتمل أو تام بحيث يصدق وسمها بسمة أو خاصة محددة. فهناك علاقة مضمرة بين ما هو منشود، أي نمو الإدارة الذاتية، والوجه الذي يصار الى تدبير الأمر المنشود عليه، أي مزاولة الإدارة الذاتية. وهاتان لحظتان تحدثان في سياق عملية واحدة.

ورغم أن المعرفة العملية تنمو في سياق ملموس، وانها تأخذ بالحسبان شبكة العلاقات السببية التي تتقاطع في مدارها، الا أن ذلك لا يمني بأنه لمن الممكن اختزال أدإئها الى عمليات حسابية، إذ أن في ذلك ما يتناقض مع ما يتطلبه الاستقلال الذاتي، الذي أن ند على أمر فإنما يند على صعوبة القطع بطبيعة أو وتيرة السلوك الفردي.

وجملة القول أن المعرفة العملية نشاط واع، بيد أنها في الوقت نفسه ليست مجرد تطبيق معرفة جاهزة. ولنن قامت على المعرفة، إلا أنها معرفة من طبيعة مؤقتة ومتقطعة،وليس هذا إلا من دلائل انعدام دلائل نظرية شاملة للانسان والتاريخ، وأن ثمة دائما معارف جديدة قيد الظهور.

وعلى هذا يخلص كاستريا ديس الى أن السياسة الثورية هي بمثابة المعرفة العملية التي يكون غرضها تنظيم وتوجيه المجتمع وجهة احتضان الإدارة الذاتية لسائر أعضائه، ومن ثم فهي التي تفترض ضرورة التحول الحاسم للمجتمع بما يمكن تحققه من خلال نشاط الإدارة الذاتية لنفسه. هذا في حين ان ما يسمى بالسياسة ليس هو في غالب الأحيان سوى خليط مكونه الأساسي استغلال الناس ومعا ملتهم كأشياء تبعا لما يملكون وللوجه الذي يكون عليه رد فعلهم. والسؤال الذي يتنبه اليه كاستريا ديس هو أنه اذا لم توجد سياسة من هذا الطراز من قبل، فلماذا ستوجد الان.

يرى كاستريا ديس ان من المتوجب قراءة مضمون "المشروع الثوري" بما هو محاولة لاعادة تنظيم وتوجيه المجتمع في سبيل الاستقلال الذاتي لافراده. ومعرفة المشروع الثوري بالتالي إنما هي معرفة جذوره الاجتماعية والذاتية ومعرفة العقلانية الكامنة فيه والمنطق الذي يحكمه.. الخ.

وهو يشترط التنبه الى أن المشروع الثوري ليس بخطة يعمل المرء على تطبيقها. فبينما ترتبط الخطة بـ "اللحظة التقنية " للنشاط، على حد تعبير كاستريا ديس، أي حينما يكون من الممكن تعيين طبيعة الشروط والأغراض والوسائل بدقة متنامية، وحيثما يقوم التنظيم المتبادل للوسائل والغايات في ضوء معرفة وافية لمجال الاهتمام المعني، نجد أن لحظة وجود المشروع الثوري الأساسية هي لحظة تحققه. إذ ينبغي الا تكون هناك الثوري الأساسية هي لحظة تحققه. إذ ينبغي الا تكون هناك فجوة ما بين لحظة التمثيل على وجوده ولحظة تحققه، فليس من مبدئه وجود فاصل أو مسافة كتلك التي تفصل، افتراضا، الصورة عن الحقيقة أو المثال عن الواقع. وحيث أن لب "المشروع الثوري" يكون في المعنى والتوجه، فإنه لا يمكن أن يصور بأفكار واضحة ومتمايزة وبما يحول بالتالي دون تمثله في لحظة ثابتة يجوز اتخاذها مثالا.

ورغم أن كاسترياديس يرى أن نظرية تامة للتاريخ أو صورة عقلانية شاملة له لهي أقرب الى الوهم، إلا أن ذلك لا يعني بأنه من الظانين بأن التاريخ والمجتمع كينونتان غير عقلانيتين. وتبعا لتصوره الكيان الاجتماعي والتاريخي، فإن العقلاني واللاعقلاني إنما يتقاطعان على نحو متوصل في مدار هذا الكيان، وان هذا التقاطع هو ما يجعل الفعل الانساني ممكنا، غير أن ذلك لا يعني بأن العلاقة ما بين "المشروع الثوري" تقع في المدار الميتافيزيقي نفسه للحتمية التاريخية التي قالت بها المار لحسية أو أي هدار ميتافيزيقي آخر.

ولئن وجد "المشروع الثوري" جذوره ودعائمه في الواقع التاريخي، أي في أزمات المجتمعات الغربية القائمة وقيما يظهره الناس من تحد لها، فإن ذلك لا يشبه بأي حال من الأحوال "التناقض " الذي يزعم أصحاب ماركس حتميته ما بين قوى الانتاج وعلاقاته في ظل النظام الرأسمالي. وعلى هذا فإنه لمن غير الحكمة الركون الى أن الصراع الطبقي هو الكفيل بانهاء هذه الأزمة وصولا الى تحقق الاستقلال الذاتي المنشود. تمثل هذا الصراع لم يؤد في وقت من الأوقات الى نتيجة كهذه، وهو حينما أفلح في احداث تغيير ملموس، فإن ذلك لم يكن كافيا للتخلص مما يحول دون تحقق الاستقلال الذاتي. فقد يسفر انتصار طبقة على أخرى عن تغييرات لا يستهان. بها، بيد أن بنية العائلة والقيم المجتمعية التي تبرر العنف كوسيلة لاخضاع فرد لمشيئة الجماعة أو الحاق جماعة بأخرى، نادرا ما يطالها التحول الحاسم الذي يجعل الاستقلال الذاتي ممنكا.

وقد يقر المرء بوجود الأزمة المزعومة في المجتمعات الغربية ويقنع بأن التعويل على الصراع الطبقي أو غير ذلك من الدعاوي الجبرية الطابع، ليس مما يجدي في سبيل وضع حد لها، بيد أن الشك في أن ما يدعو اليه كاسترياديس ليس سوى اعراب عن نزوع ذاتي طوباوي يبقى مشروعا. فلماذا ينبغي أن يكون المستقبل المأمول اشتراكيا، وان بالمعنى الذي يذهب اليه الفيلسوف الراديكالي غير الماركسي؟

يجادل كاسترياديس بأن "المشروع الثوري" ليس مجرد استجابة لنوازع ومعايير طائفة من الأفراد بدليل أنه لا المصلحين ولا دعاة الايديولوجيا هم من رفع لواء المشكلات المجتمعية في غضون نصف قرن من الزمن وانما حركات جماهيرية أفلحت في تغيير وجه العالم حتى حينما أخفقت في تحقيق أهدافها. فالصراع العمالي وتدمير الشخصية المستقلة وانهيار المرجعيات والقيم ليست مجرد نوائب برانية لا تطال حياة الناس فيتقبلونها، وانما هي الأسباب التي تحرضهم على الرد، ومن ثم فهي الأزمة التي يجمعون على وجوب التخلص منها وتجاوزها الى حيث لا يمكن أن تتهدد وجودهم ثانية.

ويقر كاسترياديس بتعذر إبانة وجه ضرورة امتياز الاشتراكية (أي حيث لا فرق بين الموجهين والمنفذين، وحيث لا مكان للبيروقراطية) أمام مرأى الشاكين في الأمر، بيد أنه يذكر بأن صعوبة عرض الاشتراكية في سياق نشوئها ليست أشد من صعوبة عرض عملية أي نشاط انساني آخر، أكان هذا النشاط فرديا أم جمعيا.

لا يحاول كاسترياديس اكراه التاريخ على الافادة بما ليس فيه، وانما استشفاف الدلالة على أن الاستقلال الذاتي مطلب هاهن فيه. وطبقا لذلك فإنه يرى بأن ميل المجتمع الحديث الى الاستقلال الذاتي، وان السعي الى تحقيقه، فهذا لأن تعزيز هذا الميل ونسب قيمة اليه واعتباره الطموح الأجل لأنه الشيء الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه جهرا وعلى وجه متناسق وجلي.

المتخيل الراديكالي

ان ما حدا بكاسترياديس الى اطراح النظرية الماركسية، على ما سبق وأشرنا، ليس بطلان بعض ابرز فرضياتها فحسب وانما أيضا وقوفها حائلا أمام تحقق الادارة الذاتية المنشودة. فالماركسية من حيث كونها نظرية سابقة على الفعل ومنفصلة عنه، فضلا عن ادعائها معرفة وافية بطبيعة الفعل المتعين القيام به، انما تتعارض جوهريا مع مطلب الإدارة الذاتية التي لا يمكن أن تستوي استواء سليما ما لم تنبثق المعرفة من خلال عملية الإدارة المعنية نفسها. إذ كيف يمكن للمرء أن يستقل استقلالا ذاتيا (وهذا في النهاية فحوى الإدارة الذاتية) إذا ما استند أصلا الى ما هو سابق ومنفصل عنه :؟

ولقد جاءت محاولة كاسترياديس اسقاط النظرية باعتبارها قابضة على ناصية نظام من الحقائق المعطاة مرة واحدة والى الأبد والاستعاضة عنها بمشروع "العمل /الفعل " كمحاولة متواصلة لايضاح العالم بعيدة كل البعد عن الوثوقية. وهذا ما اقتضى النظر في "المجتمعي والتاريخي" من حيث إنه لا يقتصر على اضافة غير محدودة للافراد، ولا هو بشبكات العمل ما بين الذاتية وانتاجها البسيط، وانما هو تلك البنى الموجودة والمؤسسات المتحققة وما تقوم به من أعمال مادية وغير مادية. انه أيضا ذلك الذي يؤسس ويكفل الترابط المجتمعي القائم والمجتمع والتاريخ قيد تحققها.

وما ذاك الذي ينشي ء ويعمل في التاريخ قيد التحقق إلا ما يسميه كاستريا ديس بـ "المتخيل الراديكالي ". وجدير بالايضاح أن المقصود بـ "المتخيل " في لغة كاسترياديس ليس المتوهم أو أي معنى أدبي شائع، وانما هو ذاك الذي يتسبب في قيام مؤسسات المجتمع ويضمن ترابطها.

وعلى ما يذهب المؤلف، فإن تمثيل كل مجتمع إنما يتجاوز ما يمكن للآلية الوظائفية أو المنطق الرمزي افتراضه. ذلك أن كل مجتمع يستعرض في كافة ظواهره فيضا من العناصر التي تعتمد على المتخيل. أما ما هو عقلاني أو رمزي بالنسبة لكل مجتمع فإنما يصار الى تعريفه وتنظيما من خلال الافتراض المبدئي وغير المتعمد لـ "الدلائل المجتمعية المتخيلة ". وهذه الدلائل انما تعتمد بدورها على "المتخيل الراديكالي " الذي يفصح عن نفسه من خلال عملية التأسيس المجتمعي. ويتجسد المتخيل في الدلائل المجتمعية المتخيلة التي لا يمكن للافراد الاستغناء عنها. وتنشأ هذه الدلائل بفعل المقتضيات الاجتماعية. وهي منذ لحظة نشوشها تنحو نحو الاستقلال عن المجتمع بل واخضاعه لها. وبهذا المعنى فإن الاغتراب، بما هو الوجه الأبرز لانعدام الإدارة الذاتية، ليس إلا حصيلة استقلال الدلائل المجتمعية وتعاليها في وعبر عملية التأسيس.

الظوابط المجتمعية

إن المجتمع، في عرف كاسترياديس، لهو خالق نفسه. فهو أشبه بكل تقوم فيه المؤسسات (أي اللغة والأعراف وأشكال العائلة وانماط الانتاج..الخ ) والدلالات التي تجسد هذه المؤسسات (أي الطوطم والمحرم والآلهة والرب والمدنية والسلع والثراء… الخ ) مقام الصلة التي تربه أجزاء المجتمع بعضها الى البعض الآخر. وهو من حيث أنه صانع نفسه ومؤسسها، فهو أيضا كيان تاريخي في حالة من التحول المتواصل.

أما بالنسبة للمؤسسات والدلائل المجتمعية المتخيلة فإن هذه ليست مما يصار الى انتاجها، أو استنتاجها استنتاجا عقليا، وانما هي بمثابة صنيع طوعي لاكثرية الكل المشار اليه آنفا. على أنها صنيع محكوم بجملة من الضوابط، منها الخارجي ومنها الداخلي، منها التاريخي ومنها الجوهري.

ومن الضوابط الخارجية هناك التكوين البيولوجي المفروض على نحو طبيعي. أما الداخلية فكك التي تتعلق بالجبلة الأولى التي يصنع المجتمع نفسه منها. وحيث يقتني تأهيل النفس تأهيلا اجتماعيا بما يلزمها هجر عالمها وافراغها في مواضيع اجتماعية الخلق والقيمة، وبما يستدعي هجر زمنها ودخولها الزمن العام للعالم.

وما الضوابط التاريخية الا تلك التي تقوم عل أساس أنه لا مجتمع يظهر من فراغ محض، وان ثمة على الدوام تاريخا وتقليدا، وان العلاقة التي تربط المجتمع بهذا التاريخ، أو التقليد، لهي احد مقومات نشوشه. ويندرج اسفل هذه الضوابط ما نقع عليه من أمر المجتمعات البدائية والتقليدية التي تصون وجودها من خلال سعيها الحثيث في اعادة انتاج ماضيها. على أن هناك حالات أخرى مختلفة يكون فيها استعادة الماضي أو التراث فعلا واعيا. أي انها تكون أقرب الى محاولة لاستعادة الماضي في إطار الحاضر بما هو طور منفصل انفصالا واضحا عن الماضي. ومن ثم فإنها تظهر تبعا لما تمليا الدلائل المتخيلة للحاضر نفسه.

وتلخص الضوابط الجوهرية في وجوب أن تكون المؤسسات والدلائل المتخيلة التي تجسدها على توافق وانسجام. غير أن أن توافر شرط كهذا لا يستبعد وجود معارضة أو انقسامات وصراعات داخلية. وانه لمن غير المستهجن وجود مفارقة كتلك التي نقع عليها في حقيقة تساوق بناء الاهرامات وتضور الفلاحين المصريين جوعا اذا ما رأينا الى الأمر في سياق التنظيم المجتمعي والدلائل المتخيلة العامة للمجتمعات الفرعونية.

ويضاف الى ذلك وجوب أن تكون المؤسسات المتخيلة في المجتمعات غير المستقلة استقلالا ذاتيا تاما. ففي مثل هذه المجتمعات انما تسود حالة من تمام المعاني بحيث لا يكون هناك سؤال قابل لأن يصاغ بلفة هذه المجتمعات من دون أن تكون له اجابة متضمنة في الدلائل المجتمعية المتخيلة، أما بالنسبة لتلك الأسئلة التي تتجاوز اطار الدلائل المعنية وتجعل فاعليتها ومشروعيتها قيد النقاش فإنها لا تعدم نصيبا من الاجابة فحسب وانما توسم بميسم الاسئلة التي لا معنى لها. وفي أقل تقدير محظورة.
القدرة على التغير

والسؤال الذي تنبغي العودة اليه هو أين يقع "المشروع الثوري" في اطار تحليل للمجتمع والتاريخ كهذا؟ والى أي حد يقترب هذا المشروع في ضوء تحليل كهذا من السياسة وينأى بالتالي عن التفكير الايديولوجي؟

يشترط كاسترياديس الا يكون "المشروع الثوري" كفاحا في سبيل مجتمع من دون مؤسسات ظنا بأن ذلك كفيل بأن يحول دون ثبات الدلائل المجتمعية وانفصالها عن المجتمع. فمثل هذا الكفاح ليس إلا ضربا من العبث. بيد أنه يذكر بأن السعي في سبيل مجتمع زي مؤسسات صالحة صلاحا كونيا لا يقل عبثا. ذلك أنه ما أن تنشأ المؤسسات حتى تنزع الدلائل التي تتجسد بها نحو استقلال يفني الى استعباد

المجتمع.

وفي ضوء استبعاد تصورين كهذين يصدق الخلوص بأن غرض "المشروع الثوري" الذي ينادي به كاسترياديس هو البلوغ بالمجتمع طورا يصير من الممكن فيه تجديد المؤسسات والدلائل المتخيلة تجديدا متواصلا. ذلك أن مجتمع ما بعد الثورة، على ما يجادل كاسترياديس، ليس فقط مجتمعا يدير شؤونه بنفسه ومن دون الاستناد الى مرجعية سابقة ومنفصلة، وانما هو المجتمع الذي يعمل على الدوام في سبيل اعادة تأسيس نفسه من دون الركون الى أي تصور نهائي.

هذا هو المعنى الجديد الذي يطمح كاسترياديس الى اضفائه عل السياسة. اذ لا ينبغي أن نرى أن السياسة كمحض صراع في سبيل السلطة، بل ولا بصراع في سبيل تغيير المؤسسات السياسية أو غير السياسية، وانما من أجل تغيير العلاقة ما بين المجتمع والمؤسسات، ومن أجل ارساء نظام يتاح من خلاله للفرد بما هو كائن اجتماعي بالدرجة الأساس اعتبار المؤسسات والدلائل التي تحكم وجوده بمثابة صنيعة المجموع ومن ثم فإن بمقدوره تغييرها كلما دعت الحاجة الى ذلك.

كاسترياديس على أية حال يغامر في تقديم صورة تفصيلية لما يكون عليه المجتمع الذي بمستطاعه ممارسة الإدارة الذاتية بيد أنه يعلم علم اليقين أن المجتمعات الحديثة ليست من ذلك المجتمع المأمول بشي ء. وما الأزمات التي ما ونت كم بها إلا خير ما يصدق هذا الزعم. فتراجع السياسة، أعان ذلك من قبيل عجز الدولة عل مواجهة الشدائد والمحن الاقتصادية والسياسية، أم في تحول الأحزاب الى ما يشبه الآلة البيروقراطية، أم في تحول النقابات الى "مراكز قوى" غديتها الدفاع عن مكتسبات وامتيازات أعضائها، انما يدل على ما أصاب المجتمع السياسي من وهن وما جعله أوهى صلة بالأمور التي تعنيا.

وفي سياق بلغة كاسترياديس نفسه، فإن ما جرى في المجتمعات الغربية لا يقل عن انهيار التحيل الذاتي. ذلك أن ثمة أزمة بينة في الدلائل المجتمعية المتخيلة تتلخص في عجز هذه الدلائل عن تزويد المجتمع بما يمكنه من أداء وظيفته ويزود الأفراد بالأعراف والقيم والحوافز التي تجعلهم قادرين على حفظ أنفسهم في حالة من التوازن.

وعلى رغم أن كاسترياديس في نقده لما هي عليا المجتمعات الغربية لا يند على نزوع نوستالجي الى مجتمع ماض وتام، إلا أن سآخذه شديدة الشبه ببعض سآخذ النقاد المحافظين معن يزعمون بأن اللجوء المتواصل الى تصورات عقلية في سبيل تصريف شؤون المجتمع قد أورث المجتمعات الغربية داء النظر الى نفسها كمريض بحاجة الى من يتمتع بمعرفة ترقى على معرفة المجتمع لذاته وتدا بير تفوق تدابيره، الى ذلك فإنه في ميله الى المفاضلة ما بين المجتمع الاغريقي الديمقراطي والمجتمعات الغربية الحديثة ما يجعله يدنو أكثر من موقع خنة ار ندت، أحدى كبار مفكري هذا القرن، من حيث تقديمها مجتمعي أثينا وروما كصورتين للمجتمع السياسي الناجح.
المدار العام

يرى كاسترياديس أن في التاريخ حالتين وقعت فيهما القطيعة فانتقل فيهما المجتمع من واقع الإدارة غير الذاتية الى واقع الإدارة الذاتية، أي صير الى انتقال الدلائل المجتمعية المتخيلة من احتلالها موقع المرجعية المتعالية، الى حالة صدورها المباشر والمتواصل عن المجتمع نفسه. وهاتان الحالتان انما حدثتا في اليونان القديمة وفي أوروبا منذ مطلع عصر النهضة.

ولكن رغم تماثل هاتين الحالتين إلا أن ثمة بونا شاسعا ما بين ما استقامت عليه الأمور في بلاد الاغريق في الحقبة المعنية وما سارت وتسير عليه الأمور في المجتمعات الغربية الحديثة.

فلقد تمتع أبناء تلك الحقبة الغابرة بحق ممارسة الديمقراطية المباشرة، أي أنه قيض لكل عضو من أعضاء المجتمع السياسي آنذاك المساهمة في الحياة السياسية. أما في المجتمعات الحديثة فلم تتجاوز ممارسة الديمقراطية في أحسن الأحوال حدود الديمقراطية التمثيلية، أي تلك التي تكل الحياة السياسية برمتها الى جماعة أو شريحة تنوب عن الشعب في تصريف شؤونه العامة.

وفي حين أملى النظام الاثيني (نسبة الى أثينا) وجوب انضواء الجسم السياسي فيما هو منوط به، ومن ثم فإنه سن الشرائع التي تكفل حصول ذلك، نجد أن المدار العام في العالم الحديث ما انفك يهجر لصالح خبراء واخصائيين ممن يتخذون السياسة مهنة. ولنن وجد خبراء في العالم القديم، فلقد كان الميدان التقني ميدانهم وانتاج المعرفة المتخصصة عملهم، أما اصطفاء ما هو نافع للمجموع فقد بقي في عهدة الجسم

السياسي. هذا في حين أن الخبراء في العالم الحديث يحتلون منازل رفيعة في جل الميادين، ومن ثم فإن الاعتماد عليهم ما انفك يتعاظم يوما اثر يوم الى حد يصدق معه القول ان السياسة باتت من اختصاص الخبراء والدعائيين وحدهم دون غيرهم.

وبينما كان الشعب في أثينا هو مصدر المؤسسة السياسية والدلائل السياسية المتخيلة التي تقف خلفها، فإن ما هو سائد فوق كل شي ء في المجتمعات الحديثة هي فكرة الدولة بما هي هم، أي المنتفعون من وجودها وسلطانها.

وفي حين كان غرض النشاط السياسي لدى القدماء تعزيز السياسة الجمعية والإدارة الذاتية، فإن غرض مثل هذا النشاط في المجتمعات الحديثة لا يعدو في أغلب الأحيان الذود عن المصالح الخاصة والحؤول دون تدخل الدولة. ولقد اقتصر هذا النشاط في العهد السالف على أوجه المدينة ومعطياتها التاريخية والفعلية، بينما نجد أن ثمة نزاعا ما انفك دائرا في المجتمعات الغربية ما بين النزعة الكونية للمخيل وما بين النزعة القومية، أو تلك التي تحض على اقتصار السياسة على الأمة ودولة الأمة.

ولا جدال في ايثار كاسترياديس لمثال الديمقراطية الاغريقية على الديمقراطية الغربية الحديثة، بيد أن ذلك لا يعني بأن ما يدعو اليه هو العودة الى المثال الاغريقي. فمثل هذه الدعوة انما تتناقض تناقضا تاما مع ما يمليه السعي الى الإدارة الذاتية بما يوجب استقاء الدلائل المتخيلة من مؤسسات المجتمع القائمة نفسها وليس من أي مثال جاهز. وقصاري ما يرمي اليه كاسترياديس من مقارنة كهذه هو الحض على انشاء ما هو أبعد حز المثالين الاغريقي والغربي، التقليدي والحديث، أي الى ارساء أسس ديمقراطية أصيلة في ظل الظروف الواهنة. هو ما لا يمكن أن يتحقق ما لم يصر الى اعادة ترتيب سلم الأولويات وما لم يبق المدار السياسي ملحقا بالمدار الاقتصادي على ما هو شائع منذ وقت غير قريب.

انه لفي ضوء هذه المحاجة يصح الخلوص بارتياح ان كاسترياديس ليس معاديا للنظم الديمقراطية الغربية عداء غيره من أصحاب الفكر الراديكالي، سواء كان هؤلاء ممن لازالوا يعولون على النشاط السياسي داعين ال تغيير تام وشامل يقوده صفوة مختارة من أعضاء المجتمع، أم كانوا من أولئك الذين كفروا بالسياسة جملة وتفصيلا. وانما هو ناقد يهاجم بشدة هذا الاستيلاء الجاري على المدار العام وتحويله الى أشبه بمدار خاص منوط بطوائف أو جماعات خاصة تتقاسم السلطة الفعلية وتتخذ القرارات الهامة نيابة عن المجتمع، وبمعزل عنه، خلف أبواب موصدة. حيث إن المدار العام لهو الميدان الذي يتيح لجل أعضاء المجتمع السياسي الانضواء في العملية السياسية سعيا الى ما يصبون اليه من ادارة ذاتية، فإن تحويله الى مدار خاص انما يعود بالمجتمعات الغربية القهقرى، الى حيث تسود النظم المستبدة والكلانية.
 
 
سمير اليوسف (ناقد من فلسطين يقيم في لندن)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …