الكتابة الوثيقة والكتابة الملاذ في الأدب المهاجر

1/ الإشكالية:
جُبِلَ الإنسان على التحول والحركة، فحاجته إلى المعرفة والحرية كانتا دائما الحافز الخفي وراء تغيير الأمكنة بالإضافة إلى حاجته إلى البقاء والاستمرار والحفاظ على النوع البشري، ومما يؤكد ذلك الاختلاط والتنوع البشريان، وحاجة الإنسان إلى الهجرة طالت مدتها أو قصرت، أو كانت بغرض الاستقرار الدائم أو الجزئي، عنصر أساس في تطور وعيه بذاته وبمحيطه.
فالتطور البشري والتحول في الوعي مرتبطان بالحركة والاختلاط وتلاقح التجارب البشرية، وقد يُشَبَّهُ الإنسانُ بالماء، إذا ما حوصر في مكان لفترة طويلة أسن وتعكر، لذلك تظل حاجته إلى التنقل بين الأمكنة والأزمنة ضرورة قصوى.

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن إشكالية معرفية أدبية في آن، وهي كالتالي: «ما دامت الهجرة ضرورة إنسانية، سواء الداخلية أو الخارجية، الطوعية أو الجبرية، الفردية أو الجماعية، فما آثارها على المهاجر الكاتب؟ ماذا أضافت للنص السردي على مستوى الموضوعات والصيغ؟ وما هي المفاهيم الجوهرية التي ترتبط بأدب المهاجرين؟ وهل هناك خصائص نوعية تميز هذا النمط من الكتابة السردية المغربية خصوصا؟ ثم ماذا بقي من أدب المهجر في بداية القرن المنصرم؟».
كما أن هذه الدراسة ستحاول قراءة آثار الهجرة، ونوعها في عدد من النصوص السردية المغربية، الرواية خاصة. ومن تلك النصوص ما تطرق للهجرة داخل الوطن الواحد، وهو ما يعرف بالهجرة الداخلية (النزوح)، حيث يتم الانتقال من القرية أو المدينة أو المدشر إلى مدينة اقتصادية أو إدارية كبرى لأغراض متنوعة ومتعددة، ومنها ما تطرق للهجرة خارج المغرب بغايات مختلفة كاستكمال الدراسة العليا والمتخصصة، أو بغاية الالتحاق بالأسرة والعائلة، أو هربا من الضنك، أو طلبا للمنفى الاختياري أو القسري… وهكذا دواليك.
1.1/ تعريف الأدب المهاجر:
يعرف هذا النمط من الكتابة عالميا تحت مسمى أدب «الدياسبورا»(1) (diaspora): ويقصد به أدب «المجموعات التي تعيش خارج أوطانها الأم»، وأصحابه هم الكُتّابُ الذين مارسوا ويمارسون فعل الكتابة خارج أوطانهم، ولغاتهم الأم، في وضعية اللا استقرار، وبحس فجائعي، وإحساس بالاضطهاد والخوف والاقتلاع، لأنهم يكتبون عن وطن في «الذاكرة» سيستوطن بدوره «الورق»، يكتبون عن أوطان افتراضية، وبحس عنيف بالرفض وعدم القدرة على التلاؤم والاندماج في المجتمعات المضيفة، وحنين ممض إلى العودة. ولاشك في أن الكتابة بهذه المشاعر ستؤثر في مضامين المكتوب، وفي صيغ الكتابة، وفي لغتها، وأهدافها.
إن الأدب المهاجر ليس دائما حنينا مؤلما، وشعورا بالاقتلاع، فكثير من الكتابات التي تحسب على «الأدب المهاجر» تكون إضافات تثري اللغة التي كتبت فيها، وتغذي متخيل الثقافة المضيفة، وهي ليست أدبا مغربيا مكتوبا باللغة الفرنسية، بل هي أدب فرنسي كتب بروح مغربية. ونحن لن نتحدث في هذه التوطئة عن «الدياسبورا» فحسب، لأن الأدباء المغاربة الذين كتبوا عن الهجرات التي عاشوها لم يحيوا الشتات، كما عاشه الكتاب اليهود، بل كانت دوافعهم محددة، والأوطان التي قصدوها صديقة أو حامية (مستعمرة) للوطن الأم (المغرب): فرنسا واسبانيا.
 ينقسم هذا الأدب من حيث موضوعاته وفضائه إلى أقسام كبرى،كما تبدت لنا، كالتالي:
[ أدب مهاجر مندمج.
[ أدب مهاجر مغترب.
[ أدب مهاجر مغامر.
ما أقصد إليه هنا الإشارة إلى اختلاف جوهري في مفهوم الهجرة عند الأدباء، ويعود ذلك إلى طبيعة الهجرة وظروفها وأهدافها، ويرجع أيضا إلى طبيعة مرحلة الهجرة، والبلد المتوجه إليه، ويعود إلى شخصية الكاتب/ الأديب التي تلعب دورا هاما في تشكيل معنى «الهجرة»، فالكاتب المندمج في المجتمع المضيف، والقادم إليه عن طواعية واختيار (رواية «البعيدون» لبهاء الدين الطود) يكون مفهومه للهجرة مختلفا عن مفهوم الكاتب الذي يرحل قسرا عن بلده خوفا من الاضطهاد الجسدي والنفسي، والسياسي أو الاجتماعي (رواية «حراكة» للماحي بينبين، ورواية «أن ترحل» للطاهر بنجلون). لذلك فأدب الهجرة اليوم مختلف عن «أدب المهجر» في بداية القرن المنصرم بشمال وجنوب القارة الأمريكية.
 2.1/ بين أدب الرحلة والأدب المهاجر:
إن أدب الرحلة (récit de voyage)(2) خطاب يقوم على رواية المشاهدات ومقارنة العادات والتقاليد فيما بين البلد الأم والبلدان المقام بها لفترة قد تطول أو تقصر. ولكي يكون مختلفا عن مذكرات الرحلة أو الرحالة لابد أن يشتمل على خاصيتي «السرد والوصف». ويتقاطع أدب الرحلة مع الأدب المهاجر أو «الدياسبورا»، في الانتقال من مكان إلى آخر، وفي خاصيتي السرد والوصف، وهو مظهر عام. أما المظاهر الجوهرية التي تشكل كل نوع أدبي على حدة فهي:
[ اختلاف الدوافع والنتائج.
[ اختلاف العلاقة بين الرحالة والمهاجر.
[ اختلاف الموضوعات بين أدب الرحلة والأدب المهاجر.
[ اختلاف الصيغ السردية.
يضاف إلى ذلك الاختلاف في الزمن، فأدب الرحلة قديم وقد ارتبط في البلاد العربية بالتحصيل الديني والعلمي ثم الحج، أما أدب الهجرة فحديث ودعت إليه دوافع مختلفة، بعضها موضوعي والآخر ذاتي، كالهروب من التضييق السياسي، والاجتماعي، أو كما يشير إلى ذلك الطاهر بنجلون(3)؛ يعود إلى فقدان الصلة بين المهاجر ووطنه الأم، مما يدل على الهوة المتسعة بين الطرفين بسبب غياب الدور الثقافي، وانحسار مفهوم الوحدة وإشاعة اللا اطمئنان.
والحقيقة أن الهجرة ليست واحدة، ودوافعها مختلفة ومتنوعة بتنوع الظروف التاريخية التي صاحبتها، وقد أشرت إليها، ومنها مثلا، هجرة الجيل الأول للاستقلال، الذي وجد نفسه مرتبطا لغويا وثقافيا بثقافة الحماية الفرنسية. فصار مغتربا خارج وداخل وطنه. وقد نعتت أدب هذا الجيل الرائد بـ«أدب مهاجر مندمج»، لأنه لم يكن يشعر بالغربة ولا بالاجتثاث والاقتلاع من تربة وطنه الأم، لأنه وليد مرحلة تاريخية ولم يكن اغترابه اللغوي والثقافي أو في المكان اختيارا ذاتيا. ويقول الطاهر بنجلون عن هذا الجيل بأنه كان يقبل على الهجرة لكنه يحمل في داخله المغرب(4). وهذا يعني أن الجيل الرائد لم يكن منفصلا عن ثقافته العربية وتاريخه الوطني. يضاف إلى ذلك الجيل الذي هاجر إلى بلدان كفرنسا وإسبانيا من أجل طلب العلم، ووجد نفسه بفعل التفاعل والاختلاط جزءا من البلد المضيف، وهو ما يعبر عنه بهاد الدين الطود في روايته «البعيدون»(5) حين صور ذلك من خلال علاقته بصديقته «بيلار» يقول:» غالبا ما كنت أتناول فطوري بذات المقهى، فتلحق بي «بيلار» أو أجدها في انتظاري في الركن المعتاد. عندما كان الندل يرونني يتأكد لهم قدوم «بيلار»، أو يشاهدون «بيلار» تلج المقهى وحيدة، فيترقبون قدومي. هكذا صرنا مألوفين للجميع. أرفع أصبعي بعد الزوال فتأتيني قهوتي المفضلة وأشير لأحدهم ليلا فإذا بكأس نبيذي المختار على مائدتي، دون أن أسمي ما أطلبه أو أريده، فكلهم تعودوا على عاداتي، ولسبب –ربما ذكي- لم تطأ قدماي أرض مقهى «مانيلا» إلا رفقة «بيلار».» ص (52.51)
لكن لم يكن كل كتاب الهجرة الأوائل على هذه الحال من الوفاق والاطمئنان مع الأوطان المضيفة، بل هناك من كان يشعر بقلق وجودي داخل اللغة التي يكتب بها. فمحمد خير الدين يصرح في أحد حواراته بأنه حاول الكتابة باللغة العربية لكنه لم يستطع نظرا لتمكن اللغة الفرنسية منه، وهي اللغة التي تعلمها ودرس بها، ولم يتمكن بالتالي كتابة أشعار كالتي يغنيها المطرب محمد عبد الوهاب، يقول:» إن أول لحظة في حياتي، أعني اللحظة التي قدر علي فيها أن أصبح كاتبا، كانت يوم اكتشفت، وأنا، بعد، في المستوى الثانوي، محمدا عبد الوهاب، من خلال ما كان يتغني به من قصائد. ثم قرأت تلك القصائد بالعربية… في شكل نصوص… وقلت في نفسي إن علي أن أفعل تماما كما يفعل عبد الوهاب… فأتغنى، أنا أيضا، بقصائد مكتوبة. غير أني وجدت غناءها شاقا عسيرا. وكنت أجهل بالكثير مما يتصل باللغة العربية. أو لم أكن على وجه التحديد، أستطيع استعمالها، كاستعمالي الفرنسية. ولذلك انغمست انغماسا في اللغة الفرنسية…»(6). ويوضح هذا التناقض الوجودي في ازدواجية اللسان الكاتب بنسالم حميش في كتابه «الفرنكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي»، فيقول عن إدريس الشريبي:» في التيوس(7) حيث يتوفق في وصف تعاسة المهاجرين في ضواحي المدن الفرنسية، وذلك من خلال حياة الشخصية الرئيسية «والديك». وهذه الرواية تعد بحق من أقوى أعماله تعبيرا عن تمزق الكاتب النفسي والكياني ويأسه من الحياة في أوروبا…»(8).
وفي سياق سردي آخر يورد بهاد الدين الطود رأيه في اللغة الثانية، لغة الكتابة أو لغة الحديث في بلد الغربة، البلد المضيف، فيقول: «…ويتدخل «أرماندو».
أتعرف الحقيقة يا إدريس، إني بالكاد أخالك عربيا.
– لكنني عربي بقدر ما أنت إسباني قشتالي، واعتزازي بانتمائي يعادل تعصبك لانتمائك، وهذا أيها الأبله يفصح عن جذورنا المشتركة.
وانتبه إلى أنني لغطت بكلام أنا نفسي لا أصدقه، فأية جذور أشترك فيها مع «أرماندو» القشتالي أكثر من حالة تسكع تجمعنا، وحتى لغته فقد فرضت علي فرضا، أو اضطررت لتعلمها اضطرارا.
كدت أقول له ذلك، بل كدت أضيف بأن اللغة التي يتخاطب بها أشخاص من غير تاريخ وثقافة تجمعهم هي لغة داعرة، لكن لباقتي جعلتني أكبت غيظي وألوذ بالصمت.»(9).
يبين المجتزأ أن اللغة ليست مجرد وسيلة أو أداة أو قناة للتواصل، وليست مجردة، أي اعتباطية بدون مرجعية ثقافية وتاريخية تملأ محتواها وتعطي الكلمات مستقلة (المعجم) معانيها الحقيقية والمتعددة، وتعطي الجمل والنصوص فحواها بحسب تغيير السياقات والمواقف…إلخ.
هذا النمط من الأدب يختلف عن أدب الرحلة، لأن الرحَّالَةَ العرب لم يعانوا من الاغتراب اللغوي والثقافي، ولا حتى في تغيير كبير في العادات والتقاليد، لأن الرحالة كان يطوف في البلاد العربية الإسلامية، بل كانت رحلته بدافع التحصيل الديني والعلمي، وزيارة الديار والمواقع المقدسة (بيت المقدس، والكعبة المشرفة قصد مناسك الحج)، وأن الرحلات التي كانت خارج البلاد العربية الإسلامية، ولها أهداف مختلفة عن الرحالة السابقين لم تظهر إلا مع عصر «النهضة العربية» في صورة بعثات علمية، للوقوف على أسباب تخلف البلاد العربية وتقدم البلاد الغربية من قبيل رحلة أحمد فارس الشدياق «الساق على الساق فيما هو الفارياق»(10)، أو رحلة خير الدين بك التونسي(11)،،، حيث وقف الرحالة على المتغيرات العلمية والاختلاف اللغوي والثقافي والفكري، وأنماط الحياة الاجتماعية والعلاقة بين السائد والمسود، وهكذا.
وقد كان المغرب واحدا من الدول العربية التي أرسلت بعثاتها العلمية إلى البلاد الأوروبية بالدافع ذاته: الوقوف على أسباب التخلف عندنا والتقدم عندهم، لكن الخطاب الذي أنتجه هؤلاء الرحالة لم يكن خطابا سرديا ووصفيا متخيلا ومحكيا، أي لم يكن رواية أو قصة قصيرة، ولم يكن إبداعا بالمعنى الحقيقي للكلمة، كان مجرد تقارير تنقل مشاهدات الرحالة باندهاش وانبهار بمظاهر الحضارة الغربية، وبإعجاب كبير بمكانة المرأة في تلك البلاد، وبأشكال الممارسة السياسية التي تعترف بالحقوق الشخصية، التي تمنح الفرد القدرة على الابتكار والمشاركة في بناء وطنه والتعلق به دون قمع أو اضطهاد…
فكرة الاندهاش والانبهار ستأتي مع الجيل الثاني الذي سيهاجر خارج الوطن مضطرا، يطلب ملاذا يحتمي فيه من القهر الجسدي والاجتماعي، والسياسي، ومن الاضطهاد النفسي. ويحدد الطاهر بنجلون(12) ذلك في الفترة ما بعد 1971م و 1972م حيث عرف المغرب حملة شعواء على كل من يتبنى أفكارا مختلفة ومغايرة للسائد. لكن هؤلاء المهاجرين أنشأوا أدبا طليعيا، يدعو إلى التقدم والعيش الكريم للمواطن داخل وخارج الوطن، مهتدين بما وجدوا عليه الفرد داخل المهجر الملاذ. وهذا يعني أن هؤلاء بدورهم هاجروا وهم يؤمنون بمستقبل الوطن الأم(13)، ويحلمون بتغيير أنماط عيشه الاجتماعية والسياسية من الخارج. ويحلمون بالارتقاء به إلى مصاف الدول التي استضافتهم ووجدوا بها ما كانوا يصبون إليه من العيش الكريم والعمل والحق في الحرية: حرية التعبير والتصرف والرأي. وقد وجد المهاجرون في البلاد الغربية ملاذا مما دفعهم إلى الإقامة الدائمة أو الطويلة، وهو ما يدل على أن الأدب الذي أنتجوه- وقد أنتجوا أيضا أدبا مقاوما، وفكرا طليعيا- «أدب مهاجر مندمج».
3.1/ بين كتابة اليوميات وكتابة المذكرات والأدب المهاجر:
في كتابه «يوميات وتأملات في المنفى»(14) يصنف فاروق يوسف نصه في خانة اليوميات، ويصرح بذلك في مقدمة الكتاب، فيقول: «(لا شيء، لا أحد)، صارت هذه الجملة عنوانا للجزء الأول من كتاب يومياتي، وهو الكتاب الذي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات لعان 2006 التي يمنحها المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق في (أبو ظبي). ذلك لأني لم أكمل كتابته إلا بتحريض قوي من لقائي الحاسم بها. وبالرغم من أنني لا أزال مؤمنا أن عملا ككتابة اليوميات هو نوع من الصنيع العبثي، إلا إذا افترضنا أن حياة كائن ما، هي فرصة لاختبار سبل فريدة للعيش، سبل قد لا تتكرر، وهي كذلك دائما. فلا يتشابهون. لكل إنسان حكايته التي تستحق أن تروى. غير أن من يقرر كتابة يومياته يود أن يكون موجودا في كل ما يكتب. في إمكانه أن يقول بيسر: «أنا هنا، أنا موجود في كل كلمة، في كل إشارة، في كل فعل». ولكن هل يكفي ذلك الوجود لقول كل شيء؟…».
أولى الملاحظات تتمثل في الجمع بين أدب الرحلة واليوميات، تحت مصطلح الأدب الجغرافي المهتم بالمكان، إقامة وانتقالا. وهذا يقترب أكثر من الرحلة، بينما اليوميات فإنها نوع أدبي – شبه أدبي- يقوم على التدوين بضمير المتكلم، يوما بيوم لكل الأحداث التي يراها المدون ذات أهمية من حيث القيمة التاريخية أولا، والسياسية والاجتماعية ثم الفنية.
وثاني الملاحظات أن الأدب المهاجر يلتقي مع اليوميات في الكتابة بضمير المتكلم، فكاتب اليوميات يشبه كاتب الأدب المهاجر يرغب في أن يكون في كل كلمة يخطها، سواء أكان ما كتبه ينتمي إلى الكتابة الملاذ أو إلى الكتابة الوثيقة. وهو ما يبرزه هذا المقطع من «يوميات مهاجر سري» للكاتب المغربي رشيد نيني، يقول فيه: «… لكن الأمطار هي سبب عودتي إلى الكتابة. عندما كان الجو يسوء كنا نغادر الحقل ونهرب إلى أقرب بار. وهناك يشرع الرجال في الشرب ولعب الورق بانتظار الأمطار. أنا كنت آخذ ورقة كلينكس وأكتب ما يخطر ببالي. مع مرور الأمطار انتبهت إلى أنني كنت أكتب يومياتي. لا أحد يختار ما يمكن أن يحدث له في يومه. لكن بمستطاع أي أحد أن يحكي عن يومه. اليوميات بهذا الشكل هي الطريقة الأكثر تسلية لإعادة وصف جريمة شنيعة اسمها الحياة. إعادتها بشكل انتقائي. بحيث تصبح التفاصيل التافهة أحداثا جديرة بالتأمل.»(15). 
تُناسِبُ اليومياتُ مَعْنَى الكتابة الوثيقة لأن الكاتب يسجل بدقة كل صغيرة وكبيرة، وكل الظواهر الاجتماعية والثقافية والسلوكية التي يراها تختلف عن الحياة في الوطن الأم. ويكتب صاحب اليوميات بروح اليقين، لكن الروائي والقاص المهاجر يكتب بروح المندهش، وبروح الغريب المختلف مهما طال به المقام في البلاد المضيفة.
يصدر الكاتب المغربي علي أفيلال، وهو صاحب العديد من الروايات والمجاميع القصصية، في أعماله عن الرؤية التوثيقية. فعندما نجرد عن أعماله المقومات الأساس للحكاية، نحصل على معلومات تهم العالمين: الوطن الأم، وبلد المهجر، وتهم بالأساس الاختلاف في العادات والسلوك الشخصي، والظواهر الجديدة الطارئة. لذلك نجد فعل التوثيق والتدوين والتسجيل، ونقل المعلومات، والأحكام، والمقارنة، والوصف … من أهم لبنات السرد عنده. وخير مثال روايته «رقصات على حافة الموت»(16).
يمكن القول بأن الكتابة السردية عند علي أفيلال تصدر عن رؤية واقعية قريبة من معاناة المهاجر،وتصدر كذلك عن الاختلاف بين الأنا والآخر، بين هنا وهناك. وهو ما قاله بغضب في حوار مطول مع الناقد صدوق نور الدين تحت عنوان «الرواية الحياة»(17).
4.1/ السيرة الذاتية والأدب المهاجر:
 السيرة الذاتية نوع أدبي آخر يقحم نفسه في الأدب المهاجر من خلال تقنياته وخصائصه النوعية. فالسيرة الذاتية، كما يدل عليها اسمها، ترتبط بالذات، فيصبح التمييز في السرد بين الكاتب الخارجي الموضوعي وبين السارد اللغوي والمتخيل، صعبا(18). والسرد الذي يكتبه المغاربة المهاجرون لا يخلو من نفحات سير ذاتية أو من التخييل الذاتي، تتمثل عند عدد منهم في رغبتهم القوية في الإعلان عن الاختلاف، بل حتى التناقض الصارخ بين الحياة في موطنهم الأصلي (المغرب) وبين موطن الإقامة، وأقصد هنا الكتاب الذين اختاروا الحديث مباشرة عن اختلافهم في الميل والرغبة، الكتاب الذين عاشوا الكتمان، والحُبْسَةَ القلمية ولم يفك عقالهم إلا في ديار الغربة. هؤلاء الكتاب يعتبرون المغرب معقلا للطابوهات (المحرمات) وهي طبعا؛ السياسة، والدين، والجنس، وكل ما يتصل بهم من قريب أو بعيد. ويعد الاعتراف العلني داخل المجتمع بالاختلاف الجنسي جريمة في اعتقادهم، لذلك ينبغي الكتمان، والتستر والصمت. ويعبر عن هذا الموقف، ومن خلال نوع أدبي آخر هو: الرسالة، الكاتب عبد الله الطايع في رسالته/ المدخل إلى صديقته أيام الدراسة بجامعة محمد الخامس (سعاد)، فيقول بضمير المتكلم، أحد أهم العلامات الفارزة في الخطاب السير ذاتي: «اليوم أنا جاهل بما آلت إليه، كذلك، من جهتها، فهي تجهل حقيقتي الخاصة. أنا شاذ جنسيا. هل تعلم؟ هل تخمن؟ هل تتفهم؟ هل تفهمني رغم الصمت؟»(19).
في هذه الجمل المقتضبة، القصيرة، حضور كثيف للأنا، للبوح، للرغبة الدفينة في الاعتراف للآخر بالسر، السر الذي كان كذلك في الوطن الأم، وأصبح اليوم مشاعا في موطن الإقامة. وإذا كانت كتابة اليوميات عند المهاجر كتابة وثيقة، فإن كتابة السيرة الرواية، أو الرواية السير ذاتية تعد الكتابة الملاذ.
كثيرة هي تصريحات الكتاب التي جعلت من الكتابة عامة ملاذا تحتمي فيه من ضجيج وعنف الخارج، وتحتمي فيه من غربة الذات. وقد سميت الكتابة ب»البيت» لأنها «مقام» يتحقق فيه الوجود الفردي (الشخصي)، وحيث يمكن للذات أن تقول نفسها وتحيى بعيدا عن الإكراه الخارجي في المجتمع، وعادات وتقاليد الناس وأعرافهم.
والأديب المهاجر يجد في الكتابة ملاذه الذي يحتمي فيه من (غربته)، ومجالا للبوح وميدانا للتفكير والتأمل والاعتراف والتدوين علنا. إن الكتابة الملاذ بمثابة المعادل الموضوعي، وصورة الآخر المأمول، والمُحاوِرِ الذي يفتقد إليه الأديب المهاجر. ويمكن اعتبار الكتابة الملاذ نوعا من المقاومة ومجاهدة النفس على الصبر والصمود ضد كل ما يمكنه أن يهدد المكونات الأساس للذات، للاختيار الفردي، والحياة الخاصة والحميمة للأديب المهاجر. أي أنه يكون على درجة عالية من الحساسية اتجاه المبادئ التي (تربى عليها) في وطنه الأم، واتجاه لغته العربية ولهجته الدارجة، في حال الحديث عن المهاجر الذي اضطرته الفاقة أو الدراسة أو العمل أو الزواج أو الإقامة الدائمة إلى الهجرة. بينما يكون الأديب المهاجر الذي يعتبر نفسه مختلفا، ومضطهدا ومرفوضا اجتماعيا وأخلاقيا شديد الحساسية اتجاه القضايا الفردية والشخصية الحميمة. فالأول يعلو في خطابه السردي الحنين إلى الوطن والأصدقاء والأحباب، ويكثر من الاسترجاع والاستذكار، ولا يتورع في استعمال الألفاظ الدارجة لتهجين لغة الكتابة (غير العربية) وموطن الإقامة أو الغربة، بينما الثاني يميل أكثر في صيغه السردية إلى البوح والاعتراف والتذمر، فتكون الكتابة لديه ملاذا، وكأنه يأمل أن يبدأ تاريخه الشخصي من لحظة المغادرة وبداية الوصول إلى العالم الجديد: العالم الحر!! تعبر إحدى الشخصيات الروائية عند الماحي بينبين في روايته «حرَّاكة» عن هذه الولادة المأمولة في السياق التالي: «…أما يوسف ورضا وأنا فقد اعتقدنا، عن سذاجة، بأننا سوف نتعشى بالتأكيد في إسبانيا. «قصف من «تابّاس» مع شراب «سانكريا»، في قلب الجزيرة الخضراء! بهذه الطريقة سنحتفل بولادتنا الجديدة! كانت هذه كلمات مراد التي لم تكن خالية من صفات مبالغة وصف طعام ما وراء البحر، التنوع اللا محدود من المأكولات التي يمكن تذوقها: فواكه ريانة غير معروفة في أرض المسلمين، وكل أنواع الخضر التي تستخف بالفصول، ولحوم فيها طراوة ومذاق استثنائيان.»(20).
الصورة ذاتها والإحساس ذاته ببناء تاريخ شخصي جديد بعيدا عن حياة التالفة والفاقة والبطالة والأحلام الخائرة الخائبة، نجدها عند الطاهر بنجلون في روايته «أن ترحل» وقد قام بترجمتها بسام حجار، يقول السارد: «ثم لم يطل الأمر حتى استدرج عازل الأحاديث التي كانوا يتبادلونها إلى المسألة التي تستبد بتفكيره. أن يرحل. أن يولد من جديد في مكان آخر بعيد. أن يرحل بأية وسيلة. أن يشعر بأنه نبت له جناحان. أن يركض على الرمل صارخا حريته ملء رئتيه. أن يعمل، أن يحقق، أن ينتج، أن يتخيل، أن يصنع شيئا من حياته.»(21).
فهل يمكن للإنسان أن يعيد ذاته من جديد وبطريقة أخرى مختلفة كما يرد لها أن تصير؟ هونري لابوري في كتابة «مديح الهروب» يجزم بأن إعادة الحياة من جديد غير ممكن تماما لأننا لا نستطيع إلا أن نكون نحن، ولا نستطيع التحكم في الشروط التي تكوننا في ظلها، ولا نستطيع إعادة تلك اللحظات الأساس في تاريخنا الشخصي، ويضيف، «إن لكل شخص حياته الفريدة (unique)»(22). نعم، ليست الرغبة وحدها التي تحقق التغيير، وليس بالهجرة نستطيع إعادة الولادة، لكن يمكننا التغيير في ما يحيط بنا، ويمكننا «تشذيب» أرواحنا وتهذيبها بالتفاعل مع، والاندماج في المحيط الجديد ثقافة وحضارة، دون مسخ أو سلخ لهوياتنا. هذا ما تؤكد عليه زكية داود في كتابها «مغاربة الضفة الأخرى» ومن خلال تجربة جديرة بالانتباه والاهتمام والاحتذاء؛ تجربة جمعية (الهجرة والتنمية)، التي استطاع من خلالها «المهاجرون لعب أدوار إيجابية عندما فتحوا فرنسا على الآفاق الواسعة، واستطاعوا الشيء ذاته بفتح بلدهم المغرب على الآفاق الأرحب»(23). 
إنها الصورة النموذجية لدى الكثير ممن يحلمون بالغرب ويتصورونه جنة مفقودة ينبغي اكتشافها، وهي نتاج للاختلاف القائم بين ثقافات الشعوب الخاصة والمتوارثة. وستعمل روايات غربية على إبراز حدة هذه الصورة عندما ستتحول بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بمدينة نيويورك، ومنها الروايتان «من يبكي النوارس؟» للروائية زهرة المنصوري، ورواية «شرقية في باريس» للأستاذ عبد الكريم غلاب.  
5.1/ الأدب المغترب والأدب المستلب:
يختلف «الأدب المهاجر المندمج» عن «الأدب المهاجر المغترب» في الإحساس الذي يشمل فضاء الكتابة، ونمط العلاقة بين الأديب المهاجر والبلد المضيف. وأهم صورة أو مفهوم يميز بينهما هو «الاغتراب».
لقد وجد الأديب المهاجر الأول في البلاد المضيفة ملاذا سواء أكان لغويا وثقافيا، أو سياسيا، وهو ما منحه القدرة على التلاؤم والانسجام داخل تلك المجتمعات الحديثة المضيفة. أما الأديب المغترب فقد وجد نفسه في وطن مختلف بدوافع مختلفة. لم يهجر وطنه للأسباب أعلاه، ولكن الحياة الاجتماعية الصعبة، وانسداد آفاق العمل، والوضعية الصعبة والملتبسة التي أصبحت عليها العلاقة بين الشواهد التعليمية والجامعية وسوق العمل، واختلال الكثير من قوانين الحياة السالفة، دفعه كل ذلك نحو البحث عن آفاق جديدة غير مسلح بالرغبة الذاتية، ولا باللغة الثانية، ونمط عيش فرض عليه كما هو حال الجيل الأول، فكان من اللازم أن يشعر بالغربة والعزلة، وهما يتنافيان ويتناقضان مع مفهوم الاندماج.
لقد تعرض مفهوم «الاغتراب» للكثير من التحريف نشأ عن محاولة التكييف بينه وبين وضعيات مختلفة في مجالات وأنشطة ثقافية وفكرية متنوعة، وقد وجب التمييز بين مفهومين سائدين لكي نختار واحدا منهما يلائم الوضعية المتحدث عنها. المعنى الأول والذي سنعتمده مرتبط بالجذر اللغوي للكلمة (غ.ر.ب.ة)(24) أي الانتقال من مكان إلى مكان آخر، مع إحساس بالعزلة، والابتعاد عن الذات، والوجود، وهو مفهوم مرتبط بمعاني الاجتثاث والاقتلاع والشتات في الأرض.
أما المعنى الثاني «للاغتراب» وهو سائد كذلك في الدراسات الفلسفية وعلم الاجتماعي، فهو: «الاستلاب». والتفريق بين مفهومي «الاغتراب» و«الاستلاب» ضروري جدا، لأنه سيقودنا إلى النمط الثالث من أنماط الهجرة والذي قلنا عنه أعلاه «الأدب المهاجر المغامر» الذي يقامر بكينونته، ويقوم بإحراق أوراق هويته الوطنية، كما أنه أدب منبهر ومندهش إلى حد الانتفاء والانمحاء. وهو أدب يقف موقف المعادي للبلد الأم، لغة وأدبا وثقافة، وتاريخا…بل لا يعتبر انتسابه لوطنه الأم إلا خطأ فادحا، والسبب يعود إلى التغييرات الجوهرية التي شملت الفرد في ذاته، ولغياب المثل العليا لديه، وابتعاده عن كل اهتمام سياسي، أو انفصاله عن الروابط التاريخية والثقافية بالبلاد العربية، وتراكم حالات الإحباط النفسي، وتتابع الهزائم في هذه البلاد من محيطها إلى خليجها، وانتشار التناقض بين الفعل والخطاب، وبين الثروة والإنجاز، بين الغنى الفاحش والفقر الفادح…
وقد كتب هذا الأدب أدباء مغاربة من داخل وخارج المغرب، ويوافق الأدب المستلب ما نطلق عليه عادة «أدب اللا يقين». ويعبر عن هذه الوضعية الملتبسة والصعبة التي تدق ناقوس الخطر، القاص والباحث المغربي محمد أمنصور، ولعلها خلاصة للعديد من البيانات الأدبية التي رافقت هذه المرحلة، والتي تخرج منها أدباء بعضهم فضل الهجرة والآخر ينتظر الفرصة، والبعض فضل المكابرة والبقاء ليحمل لواء مختلفا للمثقف الطليعي. يقول أمنصور في كتابه «شهوة القصص: أوراق من مفكرة قاص تجريبي»: «يبقى أن نشير في الأخير إلى أن المظهر الأساس الذي قد يشكل عمق التحولات جميعا، يكمن في تحول مفهوم القصة القصيرة ذاته لدى غالبية كتابها؛ وبالأخص لدى الجيل الجديد الذي يكتب قصة قصيرة دون مسبقات. إنك تجده غير معني بملاحم الشعب ولا بمآسيه، لا بالوطنية ولا بالطبقية، ولا بالمركز ولا بالهامش، لا بالتجنيس ولا بالواقع المرجعي، ولا بسلامة اللغة ولا حتى بالتواصل أحيانا..!!.. ولم لا؟!.. أليس من حق المرء أن يكتب ما يشاء بما في ذلك قصة اللا تواصل؟.. ألا يكفي القصة أن تشبه صاحبها…»(25).
نعم، إن الجيل المهاجر الجديد لم يهاجر رغبة في العلم أو العمل، أو هاجر لحماية أفكاره ومبادئه من الاضطهاد، بل هاجر هربا من المصير المبهم، والأفق المسدود(26)، ومن الانقطاع عن الجذور. هنا ينبغي الإشارة إلى النوع الجديد الذي تشكل لغويا وقانونيا مع الجيل المهاجر المعاصر من المغاربة ومن مختلف شباب العالم العربي والإفريقي، أقصد طبعا مفهوم «الهجرة السرية» أو «الهجرة غير القانونية» وما رافقها من تعابير قاسية وتوصيفات مثل «قوارب الموت» والتعبير المغربي المحلي الأكثر إيلاما وتصويرا للحالة «الحريج» (بالجيم المصرية).
مع ذلك سينشئ هذا الجيل أدبا مغامرا، لا وطن له، وبلا يقين، وهو أدب لم يقتصر على الأدباء الذين فروا بجلودهم بعيدا، خوفا من الفراغ، ومن سؤال الهوية وسؤال المصير اللذين يلاحقانهم، بل شمل كذلك الأدباء في الداخل، الذين يصدق عليهم قول أبي حيان التوحيدي، في معناه «وأغرب الغرباء من كان غريبا في وطنه»(27).
6.1/ الأدب المهاجر وأدب المهجر:
هل هناك علاقة بين الأدب المهاجر والأدب المهجري الذي ظهر بداية القرن العشرين؟
لكل حركة أدبية شروطها التاريخية والاجتماعية والسياسية، والفكرية والثقافية، وهذه الشروط تحدد خصوصياتها وخصائص الأدب الذي تنتجه. لا ينكر أحد الدور الطليعي الذي لعبته حركة «أدب المهجر» في أمريكا الشمالية أو في البرازيل بأمريكا الجنوبية، وأهم ما تميزت به الطابع الرومانسي، والهروب إلى الطبيعة رفضا لما وصلت إليه الحال من تدهور في المجتمعات العربية، ومن صراع وتطاحن مذهبي وديني في بعض البلدان العربية. فهرب الناس إلى المنافي البعيدة. و«الهروبية» نزعة انتشرت في أدب المهجر، تمثلت في الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة الأم حيث الحرية غير مقيدة، وحيث يجاور النرجس الماء الريان، وحيث الأطيار تحيا في انسجام مع الأشجار…
لم تكن الهروبية وحدها الصفة المميزة للأدب المهجري بداية القرن العشرين، بل كان هناك إعادة اعتبار للذات وللأنا، وللفرد من خلال البحث المضني عن الحرية الشخصية، والابتعاد أكثر عن التقاليد العتيقة التي اضطهدت الناس ودفعتهم إلى التطاحن ثم النفي «الاختياري!».
ويرى الدكتور صابر عبد الدايم، بأن المؤثرات الهامة في هذه الحركة كانت الأدبية كالحركة الرومانسية الغربية، والمدرسة الرمزية، وتأثر أدباؤها بالفلسفة الهندية والفارسية إلى جانب الفلسفة الإسلامية، واستفادوا من مؤثرات دينية شرقية غنوصية أيضا، وهذا الذي جعل حركتهم تتميز بـ«التأمل»(28).
فهل تميزت حركة الأدب المهاجر الحديثة بالهروبية نحو الغاب؟ وهل هي حركة تأمل فلسفي وأدبي؟ وما مكانة سؤال الذات فيها؟ هل كان مثالا لسؤال الحرية الفردية؟ وهل هناك غنائية رومانسية؟ وهل هناك دموع وبكاء وحنين للغاب؟؟؟
هذه الأسئلة تنبئ بالاختلاف، فالحركة الأدبية المهاجرة الجديدة لها خصائصها الفنية وموضوعاتها وفضاؤها وأهدافها. لكن دائما حسب المراحل التي مرت بها الهجرة المغربية:
– مرحلة الحماية (جيل الحماية الفرنسية)
– مرحلة الامتداد (البعثات الثقافية، البحث عن المعرفة)
– مرحلة الستينيات … الثمانينيات (الاضطهاد السياسي والإيديولوجي والاجتماعي)
– مرحلة التسعينيات والألفية الثالثة (الحراكة)
وقد أنتجت كل مرحلة أدبها بخصائص مميزة ونوعية. ويمكن هنا إدراج أهم الخصائص النوعية، التي تبرزها الدراسات في هذا الكتاب، وتلتقي عندها:
في الموضوعات (الآخر، الذات، الهوية، المنفى، العزلة، الوحدة، الاختلاف اللغوي والثقافي والحضاري، التشرد، العنصرية، الاستغلال الجنسي/الجسدي والمالي، الحنين إلى الوطن الأم «النوسطالجيا»، …)
في أشكال التعبير (التناص: أدب الرحلة، والرسالة، والسيرة الذاتية، والتخييل الذاتي، والمذكرات، واليوميات،…)
في اللغة الأدبية (التعدد الثقافي، التداخل اللغوي، التهجين اللفظي، تغريب الأسلوب، والمعاني «التعبير»… )
في الرؤية الجمالية (الرؤية الفجائعية/ عدم القدرة على الاندماج، والشعور بالإحباط، والشعور بالتخلي والنبذ…)
يعترف أحمد أبو زيد في دراسته «الهجرة و«أسطورة العودة».» بصعوبة تعريف الهجرة فيقول: «قد يكون من الصعب وضع تعريف دقيق وواضح ومقبول لمفهوم «الهجرة». ولذا يكتفي الكثيرون بتعريفها بأنها النقلة «الدائمة» أو الانتقال «الدائم» إلى مكان يبعد عن الموطن الأصلي «بعدا كافيا». ولكن هذا التعريف – إن صح اعتباره تعريفا على الإطلاق- يفتقر إلى الدقة والوضوح فيما يتعلق بالبعد الزماني المتمثل في كلمة «دائم» والبعد المكاني المتمثل في عبارة «بعدا كافيا». وصحيح أن هيئة الأمم حددت المقصود بالانتقال الدائم بأنه الانتقال الذي يستمر لمدة سنة واحدة على الأقل…»(29). ومع ذلك يمكن الاتفاق على أن الهجرة غير السفر، وأنها تختلف باختلاف الدوافع والأسباب – كما أوضحنا أعلاه – وباختلاف الوجهة، والمدة الزمنية الخاصة بالإقامة، ونوع الهجرة (الاستقرار القصير أو الطويل أو الدائم)، وإحساس المهاجر، ونوع العلاقة بالوطن الأصل (الحنين أو الكره أو القطيعة)، أما المسافة في المكان فتحدها الحواجز والأسلاك الشائكة والحدود السياسية والثقافية والاجتماعية…
وحسب ذلك تصبح الهجرة كما تدل عليها النصوص الأدبية -الرواية– مقسمة إلى أنماط:
– هجرة داخلية: تكون مرفقة عند المهاجر بإحساس بالعزلة والاجتثاث والاغتراب في المكان والعادات والتقاليد (البعد العِرْقِي).
– هجرة خارجية: تكون بالانتقال من بلد أصل إلى بلد آخر مختلف سياسيا وثقافيا وحضاريا ولغويا بدوافع متنوعة كالعمل، وطلب العلم، والنفي…
– هجرة خارجية: تكون بالانتقال من بلد أصل إلى بلد مختلف سياسيا، لكنه يشترك مع البلد الأم في الأبعاد الثقافية والحضارية واللغوية، مثل الهجرة من المغرب إلى البلدان العربية. 
ومن أهم النصوص السردية التي تطرقت للهجرة وآثارها على المهاجر، كتاب السيرة الذاتية لعبد المجيد بن جلون «في الطفولة»(30). وهي نص سردي هام جدا، كونه سيجيب عن بعض الأسئلة الشائكة التي يطرحها الأدب المهاجر، من قبيل إشكالية الذات والآخر، وأيضا السؤال الثقافي والحضاري. وسيلقي كتاب «في الطفولة» الضوء على العديد من الظواهر التاريخية والاجتماعية عبر الملاحظة والمقارنة والاستنتاج(31).
ونجد كذلك رواية الكاتب والناقد المغربي محمد برادة «مثل صيف لن يتكرر»(32) التي تطرق فيها لمرحلة الدراسة بمدينة القاهرة بمصر، حيث ألقى الضوء على أنماط الحياة الاجتماعية والسياسية لمصر الخمسينيات من القرن المنصرم. وقد استأثرت القاهرة بأغلب النصوص السردية.
أما رواية الشاعر محمد الأشعري «جنوب الروح»(33) فقد قامت على الرحلة والتنقل بين الأمكنة لكن داخل المغرب، ولم تخل هي أيضا من وصف للأمكنة وأهلها وعاداتهم وتقاليدهم.
الهوامش:
1) تعريف الدياسبورا: أدب «المجموعات التي تعيش خارج أوطانها الأم».
2) معتصم، محمد: خطاب الذات في الأدب العربي. منشورات دار الأمان. ط 1. 2007م. ينظر المدخل من الكتاب.
3)  ينظر ضمن كتاب:  De l’ambition à la rigueur, in : Lettres à un jeune marocain choisies et présentées par Abdelleh Taia. Seuil. 2009.
الكتاب النفسه. Après les deux coups d’Etat militaries de 1971 et 1972, le pays allait sombrer dans une longue nuit lugubre et sans pitié. Notre jeunesse a été abimée, désespérée, torture, et certains urent la chance de s’enfuir et de s’exiler. Aujourd’hui nous savons que cette époque est révolue, définitivement. Avant, nous quittions le pays pour échapper à la repression mais nous avions le Maroc au Coeur et nous n’imaginions pas ne pas y revenir. Aujourd’hui des jeunes espérent émigrer légalement ou clandestinement et cherchent à sauver leur peau, leur avenir. Les conditions ont change, pas le désespoir. Avanti l fallait attendre un an et plus pour avoir un passeport. Aujourd’hui cela prend quelques jours. Mais entre-temps, les portes de l’Europe se sont férmées. P 21
  Lettres à un jeune marocain choisiesnet présentées par Abdelleh Taia. Seuil. 2009.
4) الطود، بهاء الدين. البعيدون. رواية. مطبعة بوبليداي- ملتيديا. ط 2. 2001م.
5) خير الدين، محمد: زمن الرفض. حوارات. ترجمة عبد الرحيم حزل. منشورات جذور. ط 1. 2007م.
6) Chraibi Driss : Les boucs. Roman. Editions Denoel. Paris, 1955
7) حميش، بنسالم: الفرنكوفونية ومأساة أدبنا الفرنسي. سلسلة المعرفة للجميع. العدد 23. ص (70). 2002م.
8) البعيدون. سبق ذكره.
9) طرابلسي، فواز وعزيز العظمة: أحمد فارس الشدياق. منشورات رياض الريس. ط 1. 1995م.
10) التونسي، خير الدين: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. منشورات دار الطليعة. بيروت. ط 1. 1978م.
11) بنجلون، الطاهر: رسالة، من الطموح إلى الصرامة. سبق ذكره.
12) Daoud, Zakya ; Marocains de l’autre rive. Les Immigrés marocains acteurs du développement durable. Editions Paris-Méditerranée, 2004 et Tarik Editions, 2005. Casablanca.
13) يوسف، فاروق: يوميات وتأملات في المنفى، مائدة من هواء. دار أمل للنشر والتوزيع. ط 1. 2008م.
14) نيني، رشيد: يوميات مهاجر سري. منشورات عكاظ. ط 2. ص (102.101). 2009م.
15) أفيلال، علي: رقصات على حافة الموت. رواية. مطبعة النجاح الجديدة.
16) أفيلال، علي ونور الدين صدوق: الرواية والحياة (حوار). مطبعة النجاح الجديدة. ط 1. 2006م.
17) معتصم، محمد: خطاب الذات في الأدب العربي. سبق ذكره.
18) الطايع عبد الله، ضمن كتاب: Lettres à un jeune marocain choisies et présentées par Abdelleh Taia. Seuil. 2009.
19) بينبين، الماحي: حراكة. رواية. ترجمة، محمد المزديوي. منشورات الجمل. ط 1. 2007م.
20) بنجلون، الطاهر: أن ترحل. رواية. ترجمة، بسام حجار. منشورات المركز الثقافي العربي. ط 1. 2007م.
21) Laborit, Honri : Eloge de la fuite.
22) داود، زكية: مغاربة الضفة الأخرى. سبق ذكره.
23)  غرب غ ر ب: الغُرْبَةُ الاغْتِرَابُ تقول تَغَرَّبَ و اغْتَرَبَ بمعنى فهو غَرِيبٌ و غُرُبٌ بضمتين والجمع الغُرَبَاءُ والغُرباءُ أيضا الأباعد و اغْتَرَبَ فلان إذا تزوج إلى غير أقاربه وفي الحديث (اغتَرِبوا لا تُضوُوا) وتفسيره مذكور في ض و ى و التَّغْرِيبُ النفي عن البلد و أغْرَبَ. المختار الصحاح. نسخة إلكترونية. 
  الغُرْبَةُ: الاغتِرابُ من الوَطَن. وغَرَبَ فلانٌ عَنّا يَغْرُبُ غَرْباً أي تَنَحَّى، وأَغْرَبْتُه وغَرَّبْتُه أي نَحَّيْتُه.
والغُرْبَةُ: النَّوَى البعيد، يقال: شَقَّتْ بهم غُرْبَةُ النَّوَى.
وأَغْرَبَ القومُ: انتَوَوا، وغايةٌ مُغرِبةٌ أي بعيدة الشَّأَوِ. معجم العين. نسخة إلكترونية.
جميع الحقوق محفوظة لشركة العريس للكمبيوتر
24) أمنصور، محمد: شهوة القصص، أوراق من مفكرة قاص تجريبي. منشورات دار الحرف. ط 1. 2007م.
25) نيني، رشيد: يوميات مهاجر سري. سبق ذكره. ص (90.89).
26) من مأثور أبي حيان التوحيدي.
27) عبد الدايم، صابر: أدب المهجر. دار المعارف. ط 1. 1993م.
28) مجلة عالم الفكر: الهجرة والهجرة المعاكسة. ص (5). المجلد 7. العدد 2. 1986م.
29) ابن جلون، عبد المجيد: في الطفولة. سيرة ذاتية. مكتبة المعارف. الرباط. بدون تاريخ.
30) برادة، محمد: مثل صيف لن يتكرر. محكيات. منشورات الفنك. ط 1. 1999م.
31) الأشعري، محمد: جنوب الروح. رواية. منشورات الرابطة. ط 1. 1996م.  

محمــد معتصــــم
 كاتب وناقد من المغرب

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …