الكينونة في الشعر العربي المعاصر

1. أن دراسة الشعر وتحليله في إطار مفهوم فلسفي، تبدو إشكالية لأسباب مختلفة، منها أن«الكينونة» تعد مفهوما دقيقا وعميقا لأنه يتعرض لقضية الوجود الانساني على نحو عام، وماهية هذا الوجود؛ فعلى الرغم من ان الشاعر يتعامل مع هذه القضية منذ ولادة القصيدة؛ الا ان المختلف هنا والاشكالي ايضا ان مفهوم «الكينونة» هو الذي يقود البحث بحسب انتاجه الفلسفي لاسيما ان هذا المفهوم يدرس في علم النفس وعلم الاجتماع؛ الا اننا نبحث فيه من خلال المنظور الفلسفي حصرا ومن ثم يبدو ان ثمة سؤالا يطرح نفسه؛ يقع في صميم الاشكالية، وهذا السؤال أيفهم الشاعرالمعاصر ويعي هذه القضية الفلسفية،ومفهوم «الكينونة» بدقته العلمية؛ام انه يتفاعل معه كما يتفاعل الشاعر ويتعامل مع الوجود؟  والماهية ومعاناة الذات وتأملها ازاء  وجوده وعلاقته بمحيطه الطبيعي والانساني؟لا شك أن الفضاء الفكري والحضاري الذي يعيش فيه الشاعر العربي المعاصر يقصي الفلسفة ؛ ويهمشها الى حد كبير ومن ثم كيف يتسنى للشاعر في هذا الفضاء  الاطلاع والقراءة والتحليل الذي لابد منه لإنتاج وعيه؟

وهنا لابد أن ندرك أن الشاعر العربي المعاصر ينهل من الاتجاهين؛ اذ ان البراءة؛ والولادة، والموت، والمصير والفناء، والعدم، والقرار، والايمان وسيرورة الوعي كلها ثيمات القصيدة منذ بدايتها الاولى؛ فعلاقات الشاعر بكل ما يحيط به؛ تشكل شذرات الكينونة /الوجود والموجود/ لذلك فان بعض الشعراء يعرفون مفهوم الكينونة بدقته العلمية، ومن الشعراءالكبارمن يتفاعل مع محيطه، ويدرك مفردات الوجود لمايتمتع به من فرادة شعرية؛ فضلا عن الاطلاع الثقافي العام، ومعاناة العربي ازاء إشكالاته الحضارية، فيكون انتاجه الشعري جزءا من معاناة شعبه، وروح العصر الثقافي والحضاري فنحن لا نستطيع ان نقوم بعمل الا ضمن اطار عصرنا وزماننا وبين المحيطين بنا،(1) لذا فان معاناة الشاعر شكلت لحظات درامية تمثل ابعاد التجربة الحضارية والمعاناة الفكرية، والهزيمة السياسية، يقول خليل حاوي في مقدمة قصيدته/لعازر 1962: «كنت صدى انهيار في مستهل النضال فغدوت ضجيج انهيارات حين تطاولت مراحله»(2) فكانت القصيدة العربية المعاصرة تعاني لحظات /النكد والفصام / وبدت محنة ذاتية وموضوعية تفاعلا وتمثلا للتجربة العربية والعصر الدرامي والمأساوي، فتعددت الاصوات في القصيدة لتمثل اصوات الاختلاف والسلطة والمختلف معها، وصراع الماضي والمستقبل. نشيد تتصارع فيه الرؤى والمنظورات فكان الصراع بين الانا-الانا الشعرية ابرز سمات القصيدة المعاصرة؛ ومن ثم فان محنة الصراع هذه لم تكن نتائجها ترميمية وانما تتضمن كشفا وعريا امام الزمن، عري الانا-وعري المجموع، هذه المحنة الصراعية جعلت القصيدة تنطلق من الداخل لاستيعاب الخارج، وعادت الى الداخل تحاور الانا والذات نفسها؛ تعاركها؛ وتصادمهاوتقصيها وتهمش جزءا منها؛ ولا تنصر الجزء على الآخر، وانما تجعله يسبح مع السيرورة للقبض على الكينونة، فتحلق القصيدة في تجليات الوجود /الازمة والروح وأسرار الوجود والموجود؛ فتكشف أنامل الشاعر ان ثمة وجودا محلقا طائرا تحاول اللغة القبض عليه، ولكن سيرورة العدم تسير في اتجاه اللا عودة وهكذا تستثمر اللغة إمكاناتها لتدمير الانساق الكلاسيكية المتداولة، لتنتج قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر محاولة للرقص مع فوضى الوجود من أجل استدراجه، ان فوضى الوجود التي يعيها الشاعر العربي المعاصر تستلهم ازمة الامة والحياة العربية التي تعاني من ثلاث مسائل كبرى وهذه المسائل التي شغلت الفكر والثقافة العربية وتتمثل الاولى في الاستبداد واما الثانية فانها تتمثل في الحرية؛ وهي مرتبطة بالمسألة الاولى، فالحرية تتمفصل في اتجاهين الأول يتعلق بالسلطة السياسية ومؤسساتها؛ والأخرى بالسلطة الميتافيزيقية ومؤسساتها والعرف الذي يعيق الحرية فمفردات الاستبداد الفردي هي:  القدرية والقسمة والمكتوب ومفردات الاستبداد الجماعية/ السلطة والسوط والسلطان والرهبة/ كل هذه المفردات؛ تقود الىالمسألة الثالثة، ونعني بها إعاقة التقدم/التولد/والاختلاف والتدجين الفكري والثقافي والادبي.(3)
 ان هذه المسائل أسهمت في إنتاج اللا شعور الجمعي، السياسي والثقافي والادبي. فالوعي العربي الذي مثل سطح الحياة العربية والمنظور العياني لها؛ كان نتاجا مؤسسا على البنيةالعميقة، ونعني به اللاوعي الفردي والجمعي الذي انتج القيم والظواهر السلوكية المختلفة، ومنها الثقافية والادبية لهذا يعد «المخيال الشعري» جزءا من هذا النتاج. فالمخيال الشعري يتأسس في المخيال الاجتماعي اولا ويتأسس على تاريخ النوع الشعري كله ثانيا بما يتضمن من وظيفة واداء وسلوك وبهذا الصدد يقول ادونيس: «فيما كان الوحي يتجسد في مؤسسات، وكانت المؤسسات لا تنظر الى الشعر الا بوصفه اداة يخدمها كانت تتأسس في الحياة العربية اليومية علاقات جديدة بين الشعر بمعايير وقيم جديدة وكانت المؤسسة السياسية- الدينية تمارس سلطتها بوصفها الحارسة الامينة للوحي الاسلامي الذات في هذه التنشئة مستلبة سلفا بل لاوجود للأنا المتسائلة.»(4) هذه القوانين والتقاليد الشعرية والنقدية تعد جزءا من صراعية القصيدة التي تحاول ان تؤسس حضورا للذات الواعية والرافضة والصادمة للمؤسسة، مما يشكل أزمة نقدية؛ تتمثل في حضور الفرادة الشعرية التي تحاول ان تؤسس لنفسها انموذجا من خلال وعي كينونة الشاعر بفرادته والتشكل الشعري بحداثته، وهنا يحدث إندماج لادراك الحداثه من جهة وافتراق من أجل التميز من جهة اخرى.فالشاعر لايحس بالسعادة في حالة تماثله مع شاعر آخر قديما ام حديثا، وانمايشعر بضرورة التفرد؛ لذلك تكون أزمة الكينونة بحثا مستمرا عما يستوعب هذه الكينونة التي تسهم اللغة في استيعابها من خلال اللعب والصناعة اللغوية الابداعية والانجازية لتسمية الاشياء، والافعال المجهولة التي ليس لها أسماء بعد داخل الكينونة، او في وعي الكينونة والوجود الذي لم ينوجد-بعد-وهذا اللعب –كما يقول هيدغر-يقوم على/التراوح/ والحوار بين الفكر والقول الشعري الذي يسمح للفوضى والتشظي للسيطرةعلىمشهد الروح والذات وادراك الكينونة، من هنا يكون التفرد والسيطرة الابداعية او التجلي الابداعي والتناغم مع اللغة دليل الشاعر في الابداع وادراك اسباب الوجود وانشغالاته .
2. وكان علم النفس قد تحدث من خلال فرويد ويونغ عن اللاشعور الفردي والجمعي الذي يشكل الضميروالمقدس، والذنب والقوانين الاجتماعية، وقد وسع يونغ مفهوم استاذه «فرويد» عن اللاشعور الفردي الى الجمعي الذي هو عبارة عن رواسب دفينة في النفس البشرية ترجع الى وجود «آدم وحواء» والخطيئة الاولى .فكان الموروث والتجارب المختلفة منذ الانسان الاول وتركته من قيم العشيرة والقبيلة قد شكلت اللاشعور الجمعي؛ ومتخيله الذي يتحكم بصورة أو باخرى في سلوك الفرد والجماعة حاضرا ومستقبلا ويشكل جزءا من الكينونة «فالغيب..جانب اصيل في كينونتنا»(5) وهذا اللاشعور يؤثر في الثقافة والفكر والادب؛ وافاقها التي تمتد من الموروث الىالمستقبل الذي يتشكل فيه متخيل اجتماعي ممتد من الموروث من جهة ومنقطع في اتجاه تمثل الحاضر من جهة اخرى، فاللاشعور الجمعي متجدد مع كل تجربة انسانية وحضارية
واننا اذا اردنا تتبع علاقة الادب باللاشعور الجمعي، يوجب استخدام خطاب شمولي وتكاملي ويتطلب- كذلك-الوقوف على خطا بين الاول تاريخي والآخر منطقي. فاما التاريخي فانه انتج خطابا مزدحما بالتراث، ومخيال الامة الثقافي والصوري واما المنطقي فقد حدد اهداف التراث ووظيفته، والمخيال والمنتج الثقافي وحدوده.وهذا ينطبق ويشمل حدالادب ووظائفه كما اشار اليه ادونيس(6) .لذلك نعتقد ان التاريخي والمنطقي يتشكلان من خلال امرين هما «المخيال الاجتماعي»، و«العقل العربي» الذي يحد الحدود؛ ان المزدوج «المخيال والعقل» افرز انماطا من الصور، واشكالا مختلفة سواء اكان على صعيد التجربة الواقعية، بمافيها السياسي والاقتصادي والعلمي ام على صعيد الثقافي والادبي والفكري بوصفها البنى العليا العميقة للمجتمع التي تشكل وعيه. وقد حدد «جليبارد دوران» المخيال في نظامين، يشكلان التاريخي والمنطقي، ويمثلان الفكر أيضا، فمن خلال تشغيل هذين النظامين نستطيع الوقوف على ابعاد التجربة الذاتية الشعرية، فالمخيال بنظامه الليلي هو الذي يمثل الادب والفن مع تفاعل في حدود ما مع النظام النهاري(7).وقبل الخوض في ابعاد التجربة الشعرية المعاصرة لابد من ان نقف على مفردات هذين النظامين .
 فاما النظام النهاري، فانه يجمع كل الصور التي ترمز الى القوة والسلطان برموزها وادواتها، الصولجان، والسيف، ويطمح هذا النظام الىالتفوق و«الانتصار على الموت والتمرد على القدر…ومن صفات النظام النهاري البطولة  ووحدانية الاله والدفاع عن نقيض الاطروحة والمثالية والعقلانية والتجريد والنظام النهاري… نظام ذكوري يتهاوى صوب«السكيزوفرينيا» ان لم يعدل كفته النظام االانثوي المضاد له أي النظام الليلي»
 واما النظام الليلي، فهو يجمع الصور المعبرة عن الالفة، والمحبة والحميمية ويقصي صور النظام الابوي «فالسقوط يصير نزولا والليل يصير راحة وسكونا بين احضان الام يعاد للانوثة اعتبارها في صورارض وليل يسبح النظام الليلي في تناغم الالوان المريحة… انه نظام اليف حميمي وصوفي وحلولي».(8)
 ويتضح ان النظام الليلي هو الذي يتضمن الخيال الشعري وموضوعات الفن، ومن ثم يكون تشكيل القصيدة في اطارهذا النظام، علاوة على بعض صور النظام النهاري لاسيما الانتصار على الموت والتمرد على القدر؛ وهي سمات عقلانية الى حد ما، وصوفية في حدها الآخر .وتمثل مفردات الكينونة، وذلك في وعي الذات، وادراكها لا على سبيل الثنائية المعروفة «الذات- الموضوع»؛ ومع ذلك فان هذا التشاكل والتفاعل بين هذين النظامين وواقع التجربة العربية، الفردية والجماعية، قد شكلت بنية صراعية جديدة لثيمات القصيدة وهذه تعطي معاني لكل ما هو «موجود»، كأن التجربة الجماعية؛ واللاشعور الجمعي والسياسي المنتج للانظمة الثنائية للمخيال الشعري قد انتجت قمعا للجماعات البشرية في انتاج كينونتها الخاصة، وتقديم صورة ورؤية لنفسها؛ ورؤية وصورة للآخر المواجه لها سواء اكان الآخر بشرا ام اشياء طبيعة، هذه الصور كانت تمارس سلطتها على اللاشعور الجمعي والمخيال الاجتماعي، ونستنج من هذا المهاد ان تراث الامم ومخيالها؛ ولاوعيها يتحدد في الظروف المختلفةالسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، لتشكل على ضوء هذه الظروف ثيمات المخيال واللاوعي، ولاشك في ان وعي الآخر ومعرفته تسهم في حساسية تعميق الوعي بالكينونة عند بعضهم، والاستلاب من الآخر البشري «لاسيما الغربي» عند بعضهم الآخر(9)، من ثم تبدو الضرورة في ادراك ازمة الهوية التي لا تظهر الا في المجتمعات التي تدخل في جدلية الآخر، وتضعنا هذه القضية مرة اخرى في صلب قضية اساسية في مفهوم الكينونةعند الشاعر العربي ونعني بها الحداثة الشعرية لاسيماعندما اصبحت الحداثة تكمن في افق الكينونة والافق الكشفي-المعرفي للاحاطة بالذات والآخر، والعلاقة الخلاقة مع الآخر بالضرورة، لانها تنتج انسانا يعي ما يحيط به من إشكالات العلم والحياة.
3. بدأت النهضة العربية في محاولة مفكري الامة وعلمائها ادراك ثقافة الآخر الاستعماري، وأدراك اطروحات الفكر التقدمي كذلك، وسمحت هذه الرؤية في تلمس وجدان الامة، وأسباب التقدم الحضاري فيها وامكاناتها في الابداع كذلك، لذلك بدأت القوىوالفعاليات الفكريةوالطبقية؛ التحول الى فعل الثورة بوصفه تغييرا حضاريا شموليا، لكن اساليب الحكم العشائرية المتخلفة والاساليب «»التوتاليتارية» في الحكم، وانعدام الديمقراطية.، فضلا عن ضغط الآخر الاستعماري والامبريالي التي حاصرت الثورات والمجتمع في اطار لاانساني و لا اخلاقي، فهذه القوى وبمسمياتها مختلفة، . اسهمت في تخبط قوى الثورة العربية والمجتمع العربي.، والدخول في موجهات عنيفة مع قوى النكوص المختلفةالمحلية والعالمية والدخول في فوضى ادراك مهمات الثورة، ودورها   لذلك بدت مشكلات الثورة ما بين التزام بالمورث من خلال الاصالة ومابين الانفتاح على الآخر/الغرب، وهي خيارات المسيرةالعربية.اما الخيار الحضاري فهو الانطلاق من الواقع الذي تعيشه الامة والتراث الذي نحتويه في شعورنا عن وعي اومن دون وعي بفعاليةونظرة ايجابية للحاضر والمستقبل؛ هذه المحاور معروفة في حياتنا الفكرية، الا ان المناهج المختلفة في تمثلها لهذه القضايا كان لابد لها ان تسهم في تطويرهذه القضايا، وتحدد خيارات التقدم فيها .
 و التعددية التي«افقدت وحدة الشخصية» كما يقول د. حسن حنفي.وجعلتنا «نعيش في فصام/ نكد، فتتقارب الثقافات ومناهج التعليم والمذاهب السياسة ويقضي الامر على الوحدة الوطنية في الممارسة وعلى الشخصية القومية في النظر»(10)
 ويبدو ان د . حنفي يعد هذا الامر خصيصة سلبية –وهذا ما نستنتجه من نصه-منطلقا من ان الامة واحدة وينبغي ان تكون ثمة اساسيات مشتركه لاينبغي التفريط بها وهذا الامر يبدو صحيحا، لان هناك تباينا في تطور المجتمعات العربية من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ هذا الاختلاف يفضي الى التنوع والتعدد الفكري والمفهومي وهذا الامر يعد قوة في العالم المعاصر.
ان الاختلاف والتعدد نابعان من تنوع المنظورات والتأويلات، وهى قوة فكرية وحضارية- كما اسلفنا-فالتعدد و«الفصام النكد» له اثره في طبيعة الكينونة لانه يسهم في انتاج لاشعورجمعي وادبي ومخيال شعري جديد وبافآق متغيرة ومتنوعة وبرؤيا جديدة، و لهذا نرى ان القصيدة الناضجة والقوية هى التى تتفاعل مع هذا الوعي الكلي باشكالاته المختلفة والمتنوعة وبمفرداته المتشظية فتكون القصيدة صراعية ومتشظية لاستيعاب جدل الوجود وهذا لا يعني الانعكاس ولا النقل انما خلق عالم جديد ومتخيل لم تصل اليه القصيدة من قبل، يقول الشاعر الالماني المعاصرجوتفريد: «ليس هناك واقع خارجي بل هناك وعي إنساني دائم البناء والتعديل، وإعادة بناء عوالم جديدة من صنع إبداعه»(11) ولاجل رسم هذا العالم المتخيل لابد من تدمير النسق المألوف حتى في الشعر نفسه، اذ ان نسق القصيدة العمودية هو غيره في النسق الصراعي الجديد والحداثي .وقد وصف كلود برنارد، الكاتب الحداثي «بالقاضي» الذى يختبر اللغة «فهو يشوهها ويغوص في متاهاتها لا لتدميرها بل لتحقيق تفكيك الخلق الذى يطلق قوى جديدة من النطق واللفظ ويضع القواعد اللغوية المألوفة جانبا ويتوصل الى الاكتشاف الذي يعزوه «ميشيل فوكو» الى الحضارة التي تعتق نفسها من نظام المفاهيم التقليدية وتدرك انه في الامكان الاستغناء عنها»(12) ان هذا التعامل مع اللغة من خلال الرؤية الحداثية للعالم اقصى الكثير من المفاهيم اللاعقلانية التي كانت سائدة على الرغم من ان الشاعر يتعامل معها، بل ان فضاء الشعر هو اللاعقلانية والاسطورية الاان وعي الشاعر وهويتعامل مع الاسطورة، وقوىالغيب يراد منه القبض على جمرة الوجود اللامتناهي الذي يعدم نفسه، وينفيها من اجل سيرورة دائمة فتجعل العالم متعاليا. والشاعر «الفاعل» يلهث وراءه؛ وبيده اداته/اللغة فيستطيع الشاعر تحطيم غرور هذا اللا متناهي من خلال اللغة.. والقبض على ما لم ينوجد-بعد. أويرسم لهذا الذي لم يوجد –بعد خيوطا بمستويات لغوية مختلفة وبانساقها المتشظية؛ فهي تستوعب الاشياء العارضة، والشظايا المتنافرة، وصور السوقة والابتذال، ولكن هذه المفردات كلها هي مفردات الوجود والموجود/الكائن، ومن ثم تكون مفردات الكينونة الانسانية جزءا من العارض والمتشظي والمتنافر والجميل، والقبيح والعدل والظلم للانسان الكلي الوجود الذي يرتسم عليه العالم الاكبر والوجود المستمر للسيرورة والتحول والانتاج لتشكيل ذاته وكينونته.
 4 . بعد ان توقفنا في الصفحات السابقة عند الواقع العربي. والقصيدة وسماتها بات من الضروري الوقوف عند مفهوم «الكينونة» لكي نحلل القصيدة العربية المعاصرة وعلاقتها بالكينونة في مرجعياتها الفلسفية، فقد ارتبطت الفلسفة بوعي الانسان وسعت لاستيعاب تجربته اليومية وفهم مصيره وعمله ازاء تحديات الوجود اذ ان الانسان وجد نفسه في عالم معطى سابقا الا ان تحديات الحياة والطبيعة ولدت عنده هاجسا من الخوف والقلق من الاتي، لهذا بدأ الوعي، يتجه الى ادراك موضوعات العالم والالتحام به والتأمل في مقاصده. وبدأت «الانا» المتجهة الى ادراك العالم، والانتماء اليه؛ تتخذ طريقها الى وعيه(13) من هنا صنعت الفلسفة موضوعاتها، وشكلت المفاهيم لكل ما يحيط بالانسان من قيم واخلاق وعقائد . هذه المفاهيم تفترض مداخل كثيرة ومتنوعة و تؤدي بعضها الى بعضها الآخر فتجعل الجميع يتجهون نحو قبلة واحدة، ومن خلال هذا التنافذ بينت الفلسفة حدود تفاعل العقل مع الوعي، وشبكة العلاقات بين الافراد، والجماعات فضلا عن تحديد تشكيلات السلطة ومؤسساتها وخطابها.كما ان الفلسفة تفاعلت مع العلم وتعاملت مع انجازاته لانها ظلت دائما صدى له، مع انها «الفلسفة» سعت دائما الى احتواء هذا العلم؛ وعملت على وضع المفاهيم له، وايجاد الشرعية له ايضا.
إن اعادة تنظيم التفكير الفلسفي طوال تاريخ الفلسفة تمت باستلهام من سنن التنظيم العلمي لمعارفه واسلوب التنظيم في الفكر العلمي نفسه ويعني هذا ان الفلسفة لا تقوم ولا تفعل الا باتصالها بالعلم(14)وهو ما يفترض اسبقية العلم كما ان الفلسفة تفاعلت مع الادب علىنحو عام، والشعر على نحو خاص لما يمتلكه «الشعر» من حرية وشمولية؛ يستطيع من خلالها تجاوز حدودالمنطق الى افاق رحبة لادراك الوجود ولامكانيات الشعر التي تكسرالحدود؛ وتكشف ما وراء الحجب فهو يؤسس الوجود بواسطة الكلام(15)، فهو مسكن العالم مما يجعله قادرا على انجاز التذكر والمتخيل للكشف عن الحقائق الجوهرية بقدرات شبه لا متناهية؛ فيصبح الشعر بهذه القدرات والسمات نشاطا مقدسا يتمثل الوجود كله، وفي هذا الصدد يقول ميشيل ليريس: «كنت قد اصبحت لا اؤمن بشيء(..) ولكنني كنت أتكلم، بارتياح عن المطلق وعن الابدي»(16) ولهذا بدت القصيدة شاردة في اتجاه استيعاب الوجود، وتشكيل هذا الوجود الهارب من اليومية الى الجدل الوجودي المصيري والباحث عن كينونة هذا الوجود وماهيته، فأخذت القصيدة تنفتح على آفاق متنوعة وأجناس مختلفة..
 ان تحرك القصيدة القصدي تجاه معطيات الوجود شكل عالما متوهما مكتنزا بالآمال للكائن/الموجود الذي يسعى الى معرفة ذاته و معرفة العالم الذي يرغب فيه ويسعى اليه، ومن ثم فان الادب والشعر يقلب المفاهيم المألوفة، ويعكسها على وجه جديد أو يشكك فيها لأنه مسكون بالأسئلة المقلقة التي لا تقف عند أفق واحد لانشغالات الوجود اصلا بهذه الاسئلة التي تحمل قيما ومفردات وانفرادات تمثل هذا الوجود. لهذا لم يعد للشعر ما يعادله في الواقع(17) فهو عالم خادع لا يسعى الى التملك بقدر ما يسعى الى الفعل باتجاه السيرورة، وهو بهذا التصور يكون الادب حفازا «لارادة القوة»(18) –بحسب تعبير نيتشه-وتلعب اللغة فيه الدور الخالق لهذا العالم المتخيل الخالق للوعي والفهم والارادة. فهي التي تكون الوجود الذي لم ينوجد-بعد وهى التي تحفز الانسان الموجود على البحث والخلق، والفعل للوصول الى عالم الحلم الذي عمل الموجود على تشكيله ولكن هذا العالم سرعان ما يفلت  مما يجعل الانسان في سيرورة دائمة للفعل والابداع من اجل العالم الذي لم ينوجد – بعد، وعليه فان اللغة هي التي تخلق مضمار الموحى به من قيم ومثل واخطار واخطاء، والافعال التي لم تسم بعد وهى «التي تخلق احتمال فقدان الوجود  أي الخطر …وهي…تخفي في ذاتها ولذاتها خطرا دائما وهذا الخطر يكمن في ان اللغة تحتمل الشفافية والصعوبة ولكنها ايضا تحتمل المشوش والشائع»(19) ولذلك كانت العلاقة بين الفلسفة والشعر ضرورية للنشاطات الفلسفية من جهة، والادبية من جهة اخرى.
 لقد ذهب هيدغر الى ان الشعر انما هو «انشغال متواضع ولعب بالكلمات لا ترجىمنه الا البراءة انه/استحضار للآلهة/وذكر للأشياء بكينونتها وتاسيس للكينونة بالقول والكلمة/انه باختصار اساس تاريخ الانسان نفسه وهذا ما يجعله في النهاية أبعد من ان يكون «تنميقا» او«زخرفا» .لذلك كله كان الشاعر الحقيقي هومن يلعب دور الوسيط بين الالهة والبشر فيتلقى الامارات القادمة من عالم الخلود ويقدمها للفانين»(20) هذه هي المهمات التي حددها هيدغر للشعر، اضفت اهمية على نبوءة الشاعر والقصيدة التي شغلت الجدل الفلسفي منذ بداية الاسئلة الانطلوجية الوجودية، وارتبطت هذه النبوءة في الفلسفة الحديثة بافق الحداثة وفي اتجاهين: الاول يرتبط بالصياغةالشكلية النصية والآخر في المضامين والموضوعات الحداثية التي تكشف رؤيا الفنان والشاعر ازاء انشغالاته الكلية وكذلك اسئلته المصيرية. لقد ارتبطت الصياغات الجديدة باسئلة الحداثة، و بمفهومات اللغة والدراسات اللسانية الحديثة منذ دوسوسير الذي اعطىامكانات كبيرة للغة في خلق الافكار والمعاني، وفي كشف العلاقة بين اللغة والعقل لذلك لا وجود للافكار قبل اللغة فهي منتجا العالم؛ كما ان الدراسات اللسانية اكدت«الحقائق الاجتماعية»و«الجماعية الاسلوبية» التي اشار اليها دوركهايم(21) التي هي الكيانات التي تؤلف اللغة ومن ثم فان «الجماعية الاسلوبية» تصب في اطار اللاوعي المجتمعي لانها تكشف وعي الجماعة ازاء النسق اللغوي الذي يتحدث فيه المجتمع، ويكتب فيه . لهذا يعد الانزياح «العدول عن النسق اللغوي في الشعر تفردا ذاتيا ويتضمن مواجهة الانسان» الشاعر المتفرد لذاته فهو وجود منعزل عن فرضية قديمة وكذلك عن المعاني القديمة وذلك لبناء فرضية ومعان جديد.
 ان الوجود بوصفه معيارا يقيس عليه الموجود وجوده وافعاله وبيان ماهيته يرتبط بالزمن «الانوجاد» والحدث المنفتح دائما على التقدم الى الامام(22) وعليه اختلفت الكينونة «الانية» للانسانية عن سائر الكائنات الآخرى لانها ترتبط بالتكوين المتعالي الذي هو امكان مركزي «لوجود الذات الفعلية».(23) ويبدو ان هذه الامكانية في ارتباط «الدازاين» تحمل طابعا اشراقيا وصوفيا. بالتأكيد الممتنع عن البيان الذي يظهر نفسه بوصفه عنصرا صوفيا(24). اما التكوين المتعالي فانه يتعلق بطريقة الموجود الاله، ومن ثم يسعى الموجود/الكائن الى التجاوز والابلال من لحظة الحاضر:(25) ولهذا اعتبر نيتشه الانسان مظهرا مرضيا للحياة(26) فهذا التجاوز مثل دراما عظيمة في التاريخ وانتج انسانا قويا يعمل على تجاوز ذاته دائما فهو لا يحترم الوجود الضعيف، سواء اكان في ذاته ام في الكائن الموجود فيه أو المقابل له .فهو يسعى الى الانسان الاعلى «السوبرمان» ويلعب الشعراء دورا اساسيا في ادراك هذا الانسان الاعلى من خلال الرفض والنفي والعدم(27) وكان هيدغر قد ذهب مع رؤية نتيشه العدمية فأراد البحث عن ماهية الموجود، وكينونته الآنية «الدازاين» ودمجها في سيرورة متطورة من الزمن الذي اعيشه، وافعل من خلاله «الزمن خاصتي» ومن ثم اصبح السؤال الاثير عند هيدغر(28). هو كيفية «الانوجاد» بتتابع لفاعلية الموجود فالكينونةفي ابسط تعريفاتها انما هى السيرورة والفاعلية والحركة(29). فتبدو تساؤلات الموجود عن ماهيته، وماهية الوجود من أهم أسئله الكينونة، لانها تبين صفات الوجودوالماهية التي «هي عملية حدوث..(30) وهذا الحدوث يتضمن السيرورة والعمل على إدراك وفهم حدود العلاقة بما يحيط به، فيكون الموجود في حالة سيرورة دائمة، وغير مكتملة لهذا فهو متسائل؛ وقلق ويبحث عن معنى لوجوده فيقذف بنفسه مع الآخرين على الرغم من تميزه من اجل المعرفة التي هي قوة لهذا الكائن وبهذا يولد الموجود الاصيل .
 ومن أساسيات الفلسفة الوجودية فكرة التجاوز وتعني «خروج المرء عن ذاته»(31)  وتعد هذه الفكرة من اهم سمات الموجود الاصيل الذي يحس بالقلق في تعامله مع الآخرين، لأن هؤلاء الآخرين يفرضون عليه انتماءاتهم وتصوراتهم مما يؤدي الى فقدان حريته في هذا الوجود الذي قذف به منذ البداية دون ارادته؛ ومن ثم فانه يقيم علاقاته مع الآخرين وهو مسلوب الارادة؛ وأن إستعادته لبعض إرادته تسمح له بالخروج عن ذاته، ويعد هذا التفاعل ظاهرة مأساوية بين الرغبة في الحرية الكاملة؛ والرغبة في التعامل مع الآخرين والارادات التي تهمش حريته من الآخرين؛ فيكون البحث عن الاختيار قائما في كل ما يعمل ويفكر فيه بأبعادها المأساوية فـ«ليس ثمة وجود بشري دون العالم  وبدون الموجودات الآخرى وهكذا نجد ان معرفة العالم ومعرفة الآخرين متضمنة بالفعل في فكرة الوجود»(32) ولاشك ان الاختيارات الانعزالية قد تجد تنفيذها في فكرة اقامة علاقة مع الموجودات والاشياء والطبيعة لان الاغتراب خيار انساني وهدف يلجأ اليه الانسان، وهو يحس باليأس من الآخر لذلك كان الكائن الانساني بائسا وممزقا بين رغبته في العيش كونيا(33)  ورغبته في التفرد.
 اما خاصية «الاسقاط»(34)  فهي فكرة اخرى في تشكيل الكينونة وتعد عنصرا ايجابيا لأن الموجود الاصيل يقوم باسقاط مستمر لجزء من وجوده في العالم؛ ويفضي الى خروجه المستمر عن ذاته ومن ثم يسقط ذاته على ما يحيط به. وكان هيدغر قد طرح في كتابه «الوجود والزمان» انواعا عدة من الاسقاط كما يقول جون ماكوري منها. «إسقاط الذات» وإسقاط الوجود «وإسقاط الفهم» وا سقاط للامكانات «واسقاط للمعنى» وإسقاط للطبيعة «كما ان هناك اسقاطا على الامكانات والمعنى والعالم…وهو الطرح الى الامام او الالقاء الى الامام فالموجود البشري في تجاوزه لذاته  يلقي بنفسه الى الامام في امكاناته..وهو بهذه الطريقة يسقط المعنى ويبني عالما مفهوما»(35)  وهذا يعني ان الاسقاط شمولي في تعامل الموجود مع مفردات الحياة ومفردات الوجود- المختلفة لاسقاط الخاصة «الدازاين» في تحققها الفعلي الذي يتحلق حول نظم الاشياء والادوات وعلاقاتها وهو الذي يكسبها المعنى لأنه لا يرجع الى شيء آخر غير ذاته من هنا فان التحقق الفعلي- بوصفه المصدر النهائي لكينونة الموجود الاصيل- يشمل علاقته بالتذكر على الرغم من ان هذا التذكر يبدو غامضا ومشوشا. وتبدو هذه الاشكالية واضحة في علاقة الوجود بالزمن عند هيدغر(36)  إذ ان الموجدات الانسانية وحدها قادرة على معرفة ترابط الحياة وهي وحدها التي تتحاسب مع الماضي والمستقبل، مثلما تتحاسب مع الحاضر  ولا يتم الحساب إلا من خلال الحوار الذي يعد جوهرا في الوجود الاصيل لانه يتعلق بالآخر، والعلاقة معه؛ وقد اثار هذا الحوار اهتمام فلاسفة النظرية النقدية؛ لانه يتشكل من نظامين فاشستي يؤدي الى انحطاط القيم الفردية وانسحاب الفرد عن الاختلاف فالحضارة الصناعية تلهي الدازاين «عن كشف معنى العالم في ذاته»(37)  مما يؤدي الى الاغتراب الذي هو مفصل أساسي آخر من مفاصل الوجودية .أما النظام الآخر فهو النظام الديمقراطي الذي اعاد الاهتمام بقراءة اللاوعي الذي يتضمن لا وعي الفرد والمجتمع وعلاقته بدلالات الرغبة واللذة في اللاشعور؛ وموقع الجنس في آليات الاغراءات الحديثة على اعتبار ان موقع الجنس يكشف عن دلالة الفهم والتحولات المختلفة للحياة(38).
 ان الحديث عن الموت والفناء المرتبطين بالكينونة فلابد من التأكيد أن هاتين القضيتين مهمتين في تشكيل الموجود الاصيل  إذ ان الموجود الذي وجد نفسه مقذوفا الى الحياة دون ارادته يسعى للاختيار الذي يجعله قادرا على تحديد مصيره ويشعر بالمسؤولية ازاء وجوده ومن ثم فان الاتجاه نحو الموت والعدم يمثل تقريرا لمصير الموجود وفعله الايجابي في الوقت نفسه. ولذلك تتأسس لحظة تراجيدية للتخلص من العدم علىأساس ان العدم يخلق الانسان الاعلى فقد ذهب نيتشه الى ان تجربة التاريخ مكررة(39)  ولا يحتمل هذه التجربة الا الاقوياء «الانسان الاعلى- السوبرماني» مما يجعل الانسان القوي يتجاوز روح الخنوع ويرفض الاستبداد من أية جهة كانت «السلطة الدنيوية»و«السلطة الميتافيزيقية» ويتمرد عليها؛ ومن ثم يسعى الى تجاوز عبودية الفناء والعدم .ان هذه الآفاق؛ والجدل القائم في الفلسفة العدمية –عند هيدغر- اكدت ازمة الانسان المعاصر المتجسدة بالرغبة والامال والاحباط التي تشكله الحضارة الصناعية له، ولكن الانسان يسعىالى السيطرة على الواقع من خلال دولة الجمال والفن الرفيع «دولة ديونيسوس» علىحد تعبير نيتشه، ويلعب الفن والادب دورا كبيرا في تجاوز هزيمة الانسان ليخرج ظافرا منتصرا(40) لذلك وجد فيلسوف الاختلاف/نيتشه/ان الفن يحفز إرادة القوة على الرغم من ان الفن يزيف الواقع ويخرفه وهذا التزييف والخداع يجعل من الانسان في سيرورة دائمة للوصول الى العالم المفترض والممكن التحقق «ان الفن يخترع بالضبط اكاذيب ترفع الزائف الى تلك القوة الاثباتية الاعلى ويجعل من ارادة الخداع شيئا يثبت نفسه في قوة الزائف»(41) ونخلص من هذا التحديد لمفهوم الفن الى تفاعله مع الكينونة بوصفها سيرورة وفعل تجاوز دائم فضلا عن الاسقاط؛ وارادة القوة التي تسمح للانسان ان يعي ذاته. وذهب هيدغر الى تحديد ماهية العمل الفني من خلال دراسة العمل في ذاته وجوهره الداخلي للكشف عن ارادة القوة وماهية الكينونة(42) فالجميل ينطلق من الوجود «فيتمظهر وهو يحمل واقعا يصبح موضوعا ثم تتحول الموضوعية الى تجربة نعيشها»(43) ويتساءل «هيدغر» ماالذي يتم عمله في العمل الفني؟ ليجيب «انه انفتاح الموجود على وجوده» وهنا يجد ان البحث في طبقات العمل الفني تعني أ قتطاع لحم الوجود، ونبضه المتميز؛ ليجعله جسدا مستقلا بذاته منفصلا عن غيره من الاجساد والافكار. وتأخذ الكلمة ماهيتها من خلال قدرتها على تجديد نفسها؛ وانتاج تسميات الوجود الذي لم ينوجد– بعد ولهذا يتشكل عالم جديد يتناغم، ويعمل مع روح الانسان وقلقه وتأملاته ووعيه؛ ومن ثم تتشكل كينونته التي هي اساس الموجود/الكائن الاصيل.
5. لقد انشغل الشاعر العربي المعاصر بقضية التكوين الذي انشأها  وصورها على نحو فعال؛ ويبدأ التكوين الوجودي بالزمن؛ وينتهي بالتساؤل؛ والامال في البحث عن الوجود والكينونة(44). فالتاريخ جزء من تجليات وعي الانسان لاسيما اذا كان التاريخ يخص النوع البشري والوجود الذي أحاط بهذا النوع، وشكل وعيه ببعده الميتافيزيقي وبعده المادي ولهذا يطرح الشاعر مشروعة في التساؤل عن نشأة الوجود لكي ينتمي اليه وليحاول الخروج عليه يقول ادونيس: «…فمن موت الاشياء تبدأ حياتها ومن موت الافكار تبدأ الحياة..»(45) وقد حمل ديوانه «مفرد بصيغة الجمع» هذين المعنين؛ في الانتماء الاول غير الارادي والآخر في نفيه، والبحث عن ولادة جديد، والانتماء اليه وعلى الرغم من قناعتنا ان ادونيس تتبع التسلسل الزمنيي على نحو محافظ في البداية؛ فان مفردات الوجود والموجود، الولادة والحب والمعرفة والموت؛ شتتت الوعي والتسلسل التاريخي الى قراءة خاصة لا يمكن ان تكون محافظة، ومن ثم تجعله في خضم تساؤلات كثيرة ومتنوعة؛ ففي مشهد «التكوين- تخطيطات» يبدأ الشاعر بانشقاق الارض والسماء..
 «لم تكن الارض جسدا كانت جرحا
 كيف يمكن السفر بين الجسد والجرح
 كيف تمكن الإقامة؟»(46)
 وأخذ الجرح يتحول الى ابوين والسؤال يصير فضاء
 « خرج علي
 يستصحب
 شمس البهلول دفتر اخبار تاريخا سريا للموت»(47) ويستمر التتبع التاريخي ليشكل الوعي الاول للانسان، فيبدأ الكائن في السؤال عن القيم الدينية.
«رأيت سجنا يقال له موسى وقيل بولس وقيل مصطفى/فيه اشخاص يبكون تسيل عيونهم جداول رأيت مراكب/تجري»(48)
 وتأخذ المذاهب بالانشقاق؛ وتتعدد الآراء
«يفتي الفقهاء. . . . . . . يصلب الشلمغاني ويحرق
 يكون من مذهبه
 اـ.الله يحل في كل شيء.
 ب ـ.خلق الضد ليدل على المضدود
 حل في ادم وفي ابليس الناس
 ج.ـ الضد أقرب الى الشيء من شبهه
 دـ.الله في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه
 ه ـ. الله اسم المعنى
 وـ.من احتاج اليه فهو آله لهذا المعنى يستوجب
كل احد انيسمى إلها
 زـ.ملاك من ملك نفسه وعرف الجن
 ويقول الشلمغاني—
 -اتركوا الصلاة والصيام وبقيةالعبارات
 لا تتناكحوا بعقد
 أبيحوا الفروج
 للانسان أن يجامع من يشاء
 ويقول الشلمغاني—
 اقرأوا كتابي— الحاسة السادسة في ابطال الشرائع
 الجنة ان تعرفوني
 النار ان تجهلوني …»(49)
 هذا الموجود/الكائن الشلمغاني وجد نفسه عقلا أعلى يرفض السائد والمألوف والعرف ويحاول إيجاد عالم جديد تمحى فيه القيود والحدود للانطلاق الى عالم الحرية الرحب ولكن هذا العالم /يصلب/ مع صلب الشلمغاني وتبقى مسيرة القلق والسؤال مشرعة ويظل التجاوز مستمرا لينتج سيرورة رأى جديد من خلال القرمطي ولاشك ان هذا النسب يرتبط بالثورة فيتحول من(علي) الى(ادونيس) . ويمثل هذا التحول انقطاعا من جهة وتوحدا من جهة اخرى اذ ان (علي) يرمز الى التقشف والعدالة والشجاعة والابداع ومن خلال الابداع تتوحد رموز (علي) و(ادونيس)[ ان الانقطاع يرتبط بالتتبع التاريخي المحافظ الذي يصور مفردات الوجود الاولى؛ القذف الىهذا العالم دون إرادة (علي) الطفل.
 « اخرج الى الفضاء أيها الطفل
 سمي شقق الكلام
 لكن اسماءه غامضة»(50)
ثم يتوحد عندما يعرف الابداع من خلال إطلاعه على المذاهب والملل او يحدد الرؤية يقول القرمطي:
«انا النور لا شكل لي /وقال/أنا الاشكال كلها/ سمع أدونيس/ورفع ساعديه تمجيدا»(51)
وهكذا يكون العالم /الخصب «أدونيس» إذ يتمزق الوجود الى شظايا، لأن هذه الشظايا هي اساس الخصب والنمو، والتكوين، فينشغل الوجود بأسئلة واسعة، لاتقف عند حدَ في الوجود كله، والقلق كله، إلا أنه يصل الى قناعة يقينية، فهو النبي الذي ينبغي الايمان به، لانه يطرح تاريخه من خلال زمنه الخاص وكما يقول نيتشه، ان القوة في نسيان الماضي، فالانسان جاء صدفة، وسمي صدفة، وعاش في تجربة تقترح الصحيح، وترتكب الخطأ، ولكي يحسب موقفه اليقيني إزاء الحياة/الوجود
« يعطي وقتا لما يجيء قبل الوقت
لما لا وقت له/يجرهو العارض/ويغسل الماء»(52)
ووعيا لماهية القصيدة يلجأ الشاعر الى اللحظة أو البنية الصراعية بين/الانا/ الانا/…/الانا/الوجود/الوجود/هناك/.. فهو لا ينتظر من الآخر الانتماء اليه ولكنه يعي أنه يحاول معرفة نفسه والآخر؛ لذلك تبدو هذه اليقينية، صراعية بين الانا/الانا التي يشكلها (الانا الآخرى)بالوجود المقابل له لهذا يختزن كل الزمن العام من خلال التاريخ والزمن/ خاصتي/ومن خلال معرفة التجربة التاريخية والمذاهب التي ولدت في هذه التجربة. ومعرفة منشقيه مثل (الشلمغاني) ومن ثم أختزان هذه التجربة واختزالها في وعيه لتشكيل كينونته في الكائن المنشق/الهامشي الذي يطرح رؤيته التي تسعى الى تشكيل عالم جديد. ان هذه الكينونة والقلق عند أدونيس. تجعله شاعرا آخر يسعى الىمعرفة وعي كينونة الموجود من خلال معاينة شظايا تاريخه لعلها تعينه على ادراك زمنه المتكرر /زمن الكائن الانساني كله «رجل يتسلى بما جمعت يده من شظايا تواريخه، /ثم يلقي بها في أتون .«رجل يتجمع في رجل كان يحبو هنا قبل سبعة آلاف عام، ولم يبق منه سوى قوله : من اكون؟ «رجل يتسلى به زمن دائري،» يدور به حيثما دار، «يورثه الشك في نفسه»…والجنون»(53)ولهذا يبدو الوجود كأنه لعبة تتكررفيها التجارب التي يعمل الموجود كل عمره وهو يبحث فيها من اجل ادراكهاومعرفة أسرارهاومعرفةنفسه وكينونته من خلالها، فيظل التساءل مستمرا ولكنها لعبة وتظل كذلك، فالشاعر سامي مهدي يكشف الصراع مع نصفه الآخرالذي يلاحقه ويظل يسأله:
«في طريقي الى البيت أحسست أن هناك من يتابعني في الظلام وتقفو خطاه خطاي/فتعثرت من فزع، /وتلفت، لكنني لم أجدْ أحدا في الطريق سوايْ/منْ يكون سواك؟منْ له مثل هذا الحضور المراوغ، /هذا الفضول المريبْ؟منْ يكون سواك»؟!
أنت تعرفني فوق ما أنا أعرف نفسي، /ففيم تمثل دورالرقيبْ/وتلاحقني حيثما سرت،/ تزحمني في الطريق.. وفي البيت../في حجرتي..في سريري../وتؤرقني/وتقاسمني أرقي كضميري/وتسابقني، حين أغفو، الى حلمي/وتطاردفيه رؤى كلّ طيف جميل ؟/أنت لست شريكا يطالبني بنصيب له في فضاء حياتي/ولا شبها لي ينازعني في خصائص ذاتي../فلتدعني وما أنا أختاره من سبيلْ/تنتهي بي إليك وتدخلني، راغبا، في حماك.»(54) فتبدو البنية الصراعية في القصيدة واضحة بالانقسام بين ذات ووجود شاخص/مجسد وذات كلية تبحث عن حقيقتها ولكنها غير مشخصة ولكنها باحثة ..فتبدو لي ان هذه الذات تكشف سوءات الكائن الشاخص ولكن مع كل هذه السوءات فان «الدازاين» أو الذات الحقيقة هي التي تفرض وجودها (تنتهي بي إليك وتدخلني راغبا في حماك) لانها هي المتسائلة ومن ثم هي التي تدرك كينونتها اوتحاول ذلك.وتتطور الذات الكلية الى ذات كليةميتافيزيقية متعالية من هنا تكون القصيدة (امتحان) الصراعية
«لا تكلني لسواك/أنا ما جئتك إلا لأراك/أنت.. كي تسمع مني، وترى كم هدّني الحزن/وترى خيب ظني/فيك عمالك /حتى لم أعدْ أعرف ما يرضيك عني.»(55)
ولكن الموجود سرعان ما يمل ويدرك أن الوجود ما هو الا لعبة مضجرة أما لماذا هذا الضجر فلان الموجود يتعب من الأسئلة، ولايجد بدا الا في الحوار مع الذات المتعالية
«أنت وحيد/ في وسعك أن تتسلى بي حقبا أخرى، /لكنك ما عدت تريد./فاللعبة باتتْ مضجرة، /والمدة طالت، /تتمنى أن تتحرر مني /لكنّك مشدود/بي، /وبقيدي، ولأنك موجود/بوجودي، /تتهيب انهاء اللعبة، /وتحاذر أن ينفرط العنقود»(56)
اما الشاعر قاسم حداد فان له يقينيه من الخارج في قصيدته الطويلة (القيامة)
بدءا بالزمن التاريخي الاول للانسان؛ ذلك الانسان الذي وحده يتحاسب مع الماضي والحاضر والمستقبل لادراك كينونته.
( فدخلت /دخلت وصرت جميع الاوقات معا/ وشعرت باني بدء لم يبدأ /صرت جنينا طفلا/ والرجل الكهل الشائخ صرت /وكأني لم اولد بعد/وليس الموتى وعد»(57)
فيحاول معرفة نفسه والآخر لتبدو اليقينية صراعية بين الأنا/الأنا التي يشكلها /الأنا الأخرى/ فيلجأ الشاعر الى الحذف والتلخيص الزمني لانه يدرك اثر الازمنةفي تكوينه وانها متسلطةعليه، ولكنه يحاول ان يجعلها معينة له، تساعده على معرفة تكوينه من خلال العرف والميثولوجيا، فضلا عن وعي العلم فهو نطفة ثم جنين وطفل  ويدرك ان الموت وعد عليه وهكذا تتشكل الكينونة بجعل الانسان باحثا عن يومياته لتسجيلها لعلها تسهم في شغل المكان الذي يعيشه وباضاءة فردية فيوسف الصائغ يتابع زمنه الخاص المرتبط بالآخر فهذا الزمن يختلف عن زمن أية شخصية اخرى فهو ثنائي // كوني– فردي//
«نافذة في الشرفة المفتوحة/تتطلع عبر الشارع/للشباك المغلق  في بيت الجيران/يمضي يومان.. في اليوم الثالث/ينتبه الشباك المغلق/يخرج من جيبه زورق../يرميه للنافذة المفتوحة في بيت الجيران/لكن الزورق/يسقط في النهر ويغرق.. تأكله الاسماك/…/في اليوم الرابع /يخترع الشباك../طيارة يبعثها للنافذة المفتوحة عبر الاسلاك../لكن ..صبيان الحارة/يصطادون الطيارة../ فتموت.. وتبقى جثتها في الشارع../دون حراك/…/في اليوم الخامس عند الفجر../تتعلق بين النافذةالمفتوحة»(58)
فنلحظ خصوصية زمنه ووعيه الداخلي الذي يجعله جزءا من الشباك بتاريخه وزمنه فالاسبوع كله انتظار عبثي؛ فعلى الرغم من الحركة الصراعية المفاجأة التي جعلت الاستعاره تتكرر في «انتباه الشباك/واختراع الشباك/» فان ثمة ا نكسارا مأساويا قد حدث لاسيما ان عبث الاطفال قتل البشارة /الطيارة ولكن المأساة الأكبر هو ما جرى خلف الشباك اذ تحولت/زهرة الزنبق/الى شوك .ويترك الراوي التأمل قائما فهل ان سيطرة السلطة الابوية اخذت دورها في تحويل زهرة الزنبق الى شوك أسود؟ وانتزعت الزهرة، ووضع الشوك بدلا عنها دلالة الانتقام، وهل الجانب الآخر ترك هذه اللعبة الكبرى في علاقة الرجل بالمرأة ؟ اذ من غير الممكن ان يؤول الآخر «خلف الشباك» ذكرا . هذه الثنائية تشكل بعدا تأمليا عميقا. اذ ان القارىء والشاعر يذهب الى دراك كينونة الصدفة وماهيتها فهذا تحول من الامل الى العدم ولكنه يظل يبحث عن المسمى الجديد الذي يسمح للانسان بلملمة أجزائه او لنقل محاولة التعرف علىمفردات وجوده فالشاعر يوسف الخال يقول:
« في هذا الجو الخانق ماذا تفعل؟ تلوي عنقك كالوردة الذابلة/ تتسقط الاخبار من هذه الاذاعة وتلك/ تتامل في الصحف وتقرأ كأََنك لا تقرأ شئيا/ تنام لتصحو على حرير الابواب وحفيف الهواء «على الجدران» تأكل وتشرب على طرف لسانك طعم
الرماد/ تحامق وكأنك لاتسمع»(59)
فتنثال الحكمة المأساوية التي تعلن استقالة الانسان وتمنعه عن السؤال بمعنى تاريخي كما كان الحال عند ادونيس يقول يوسف الخال:  «فمن اصول اللعبة ان تقول نعم اولا. فتبقى كالحاجز المتنقل لا تعرف بوصفه الا اذا شئت وانت طبعا لا تشاء لأن المشيئة عبء وانت بطل لا كالابطال فلا تريد ان تحمله بالعرض ولا بالطول»(60)هذا الالغاء من جهة والطاعة من جهة اخرى اعلان على رفض هذا الاسلوب الحياتي والاملاء لفضاءات المكان فهو يرفض الكينونة التي تفرض وجودها لانه يريد ان يعيش السيرورة والتشكل، وفي هذا الاطار تتشكل سمة وجدناها عند ادونيس ايضا وهي اليقينية التي تشبه الحكمة، ولانها يقينية خاصة فانها تنفتح على الآخر عند يوسف الخال المهتم بالقصيدة الوظيفة /الاطروحة، ومن ثم هي صراعية بين الأنا/الأنا عند ادونيس والأنا /الآخر عند الخال برؤيته الوظيفية.
 أما خليل حاوي فانه يكتشف كينونته في التاريخ والرحلة على النحو يمثل التفرد الذي يقوم على الابداع الشعري الذي يدرك ابعاد الماساة الكبرى للفرد. ففي قصيدته/في جوف الحوت/ يجد الشاعر نفسه بين الجلاد والسوط.يرويها بقصة قصيرة جدا/ميكرو حكاية/ولكنها تستوعب جدل الوجود كله، الاذعان والتمرد فقصة نبي الله يونس /ع/ تعد جزءا من تجربة الانسان وكينونته امام اليقين من جهة، والشك والتمرد من جهة أخرى ازاء القدرة العليا «ان التمرد الذي يبدو سلبيا في الظاهر لأنه لا يخلق شيئا هو في الحقيقة ايجابي جدا لانه يكشف القسم الذي يستحق ان ندافع عنه في الانسان»(61) وهذا الأمر نجده في هذه القصيدة، فهي وان انتهت الى السلبية، ولكنها اكدت التمرد لادراك كينونة الانسان المتمرد ولذلك وجدت القصيدة نفسها تعيش صراع الرفض والنفي والعدم من خلال حادثة التاريخ والقصص الديني والاندماج مع فرادة الأنبياء «متى يمهلنا الجلاد والسوط المدمى؟» هذا السؤال الازلي سؤال البحث عن الكينونة على الرغم من سلطة الجلاد، سؤال البحث عن ماهية التاريخ. ويظل السؤال محيرا في فضاء مغلق:
«ومتى يخجل مصباح الخفير/ من مخازي العار /  ومتى يحتضر الضوء المقيت/ ويموت/»(62)
ولكن الذي يموت هو الانسان/ ا لموجود المعذب  وفي هذا الموت لا نجد حياة جديدة « كل ماأعرفه اني اموت /مضغة تافهة في جوف حوت»(63) لأن القوة والجبروت والمعرفة لها القدرة على الا قصاء ومع ذلك فان الاقصاء سمح للشاعر أن يغور في أعماق ذاته
 « متى يحتضر الضوء المقيت  لأنه ليس ضوءا متقدا قادرا على تبديد الظلمة الشاملة فهو يعلم يقينا انه في جوف الحوت  في جو جحيمي السعير»(64)
ويضيف د.احسان عباس « انه مهما يبلغ الانسان من تطور  فلابد ان يظل الصراع مستمرا بين زمن تاريخي واقعي وزمن لا نهائي يسمى الخلود».(65)
ويبدو لي ان خلق دائرة الامل في هذه القصيدة يعتمد على التمرد ازاء العدم بوصفه –هنا- فعلا سلبياوتعود هذه الرؤية عند خليل حاوي الى رؤية دينية يقينية، وحينما يريد ان تستمر دائرة الضوء ينطلق من رؤية دينية ايضا ليقف عند لعازرالذي يظل خالدا وهو خلود ديني(66)
ان الجدل وتجربة العدم عند حاوي تنهض على التاريخ والاسطورة كونهما مصدرا لحقيقية النور ومتطلباته الاساسية لرؤية ينابيع التكوين واذا كان إسقاط التاريخ وتهميشه من سمات الحداثة على نحو عام وابعاده عن تشميل رؤية الحاضر والمستقبل فان أدونيس والخال وحاوي وهم يستوعبون نور التاريخ وإيجابياته وسلبياته انما يعملون على تشتيت الصورة والحدث التاريخي الى مفردات وجدانية وشخصية لتكون تمثيلا للوجود من جهة، وللوجود الفردي من جهة أخرى؛ وهذا ما يتناوله سامي مهدي الذي يقول:
« كلّ شيء له حين نصغي رنين
 هذه الباب
 هذا الجدار
 ذلك الرجل المتعثر في خطوه
 والدم المتقطر من منكبيه
 وما في رأسه من دوار
 وصباه..
 وتلك التي انتظرته طويلا
 ثم تلك
اقتطفته على غفلة منه
واستأثرت بشذاه
 وبمن أنجبت من بنين.
 كل شيء له حين نصغي رنين
 وهو الآن بعد انقضاء السنين
 مثل كلب عجوز
 ينحّونه عن مجالسهم فيولي بعيدا
ويقعي على معزل في الطوار..
 ..وهوالخطأ الاول المتكرر في كل حين
 والرنين الذي حين أصغي إليه
 بدا كالأنين.»(67)
واجد ان هناك مفردات عند شعراء الحداثة العرب تشحن بكل صور الفرادة لتعبر عن الكينونةوالوجود كله وكأنها تلخص هذا الوجود ولهذا تأخذ الكلمة في القصيدة الحداثية استقلالهاالوجودي، فكانت مفردة /المعلم/ في قصيدة يوسف الصائغ قد عبرت عن هذا الوجود..
« كان صوت المعلم يسبقنا.
-وطني لو شغلت ..
ونحن نردد
-بالخلد عنه..
فيصغي الينا ..
 ويمسح دمعته، بارتباك،
 فنضحك..
الله…
يبكي…ونضحك..
حتى يضيق بنا ..فيهمس
-ما بالكم تضحكون ..
أيها الاشقياء الصغار..
سيأتي زمان..
واشغل عنه..
 وانتم ستبكون..»(68)
هذه الكلمة /المعلم/تأخذ مساحة الزمن/ خاصتي/ كله فهي التي أنبتت الجراح والامل والقلق والتأمل لتشكل كينونة الموجود الذي يندمج مع الآخر من خلال مفهوم /التجاوز / للانطلاق الى عهد جديد في التكوين.
« اوقفني عند (عقد النصارى) المحقق..
كنت اقول له.
-وطني …
فيشتمني..
فاصرخ.
-بالخلد عنه..
ويضربني…
فاهتف.
-بالسجن..
صاح –خذوه الى السجن»(69)
فهذا التلميذ الذي تحول بفعل المعلم الى سجين، يواصل حضوره ليشكل ذاتا لتجاوز نفسه الى حب الآخرين ويربط مصيره مع الآخرين باختيار حر
« حين قال المعلم (قم)
ربت الارض
وانتزعت من عراها الوثاق.
حين قال المعلم ( قم)
قام الطفل
وخط على اللوح (عاش العراق»)(70)
فكانت القوة والمعرفة جزءا مهما من تكوين الموجود بفرادته والتفاعل مع الوجود من خلال الكلمة التي تمثل الوجود كله لهذا كانت الكلمتان /رفضت وانفصلت / عند ادونيس استمرارا لاثر المعلم في تكوين الذات وطريقة للتمرد فكلمة /المعلم—التلميذ/ادت الى ان تكون رحلة كشف للذات من خلال الخروج والتفاعل مع مسميات جديدة وعالم جديد وشامل /مثل الماء والهواء/.
« ودعني جبريل وقال ( حدَ ث بما رايت)
واختفى البراق»(71)
ثم يقول ..« رفضت وانفصلت
لانني اريد وصلا آخر وقبولا آخرمثل-الماء والهواء/يبتكر الانسان والسماء/يغير اللحمة والسداه والتلوين/كأنه يدخل من جديد/في سفر النشأة والتكوين»(72)
هذا الرفض والتمرد من صفات الاقوياء التي تشكل سمات الموجود الاصيل الذي لا يقبل السيطرة والتهميش والإقصاء.فهناك دائما الأقوياء والضعفاء واذا رضي الانسان بضعفه اصبح سلعة للأقوياء والأشرار يقول نيتشه:
«هناك اقوياء وضعفاء مسيطرون ومسيطر عليهم طيور كاسرة وحملان بينهم صلات مادية غاب عنها كلَ عنصر أخلاقي وهي صلات الحياة ذاتها وهناك صلات بين الأنواع»(73) وقد وصف سركون بولص سيرورة الفعل الذي يؤرخ تأريخ الأقوياء والضعفاء وليصور من خلاله تأريخ الكينونة في قصيدته /في تلك الايام/
«في تلك الايام وهم يحملون العاريات على المحفات/كانوا يجرفون العبيد بالشباك من الانهار ليلا وتحت/غطاء من الاسرار /…/الطاعة تحت يد لا تقسط منها/كأس الرمل إلا غصبا. وهي مبتورة»(74)
لاشك في ان الرفض والتمرد على المألوف لا تكون رغبة وانما لذة تتحقق من خلال الارادة لتحقيق الكينونة؛ ولهذا رفض يوسف الخال الإذعان للعالم بل وبدت دعوته انعزالا في جبروته وقوته..
«أيها الشعراء ابتعدوا عني لا ترثوا احدا غلبه الموت /فماذا ينفع الرثاء؟ الرثاء للصعاليك ونحن جبابرة. والرثاء للبشر ونحن آلهة/ فابتعدوا عني ايها الشعراء واحنوا رقابكم.لا تنطقوا في حضرة الموت الجاثم/للملك صولجانه وللراعي عصاه ولنا نحن/الجبابرة قوس قزح عبر الفضاء الغائم…/فابتعدوا عني وارحلوا الى بلاد لا قمر فيها/ نكسوا أعلامكم في القواميس واغلقوا ابواب كلماتكم»(75)
اما خليل حاوي فيأخذ تاريخ الفن لا التاريخ السياسي الرسمي ليتعرف على شخصية السندباد في رحلته الثامنة ولكي يخوض في ذاته، وكينونته-وهو يقول: «كان في نيته الا ينزعج عن مجلسه في بغداد بعد رحلته السابقة غير انه سمع ذات يوم عن بحارة غامروا في دنيا لم يعرفها من قبل فكان ان عصف به الحنين الى الابحار مرة ثامنة .ومما يحكي عن السندباد في رحلته هذه انه راح يبحر في دنيا ذاته فكان يقع هنا وهناك على اكداس من الامتعة العتيقة والمفاهيم الرثة . رمى بها جميعا في البحر ولم يأسف على خسارة .تعرى حتى بلغ بالعري الى جوهرفطرته. ثم عاد يحمل الينا كنزا لا شبيه له الكنوز التي اقتضتها في رحلاته السالفة .والقصيدة رصيد لما عاناه عبر الزمن في نهوضه من دهاليز ذاته الى ان عاين اشراقة الانبعاث وتم له اليقين»(76) ومابين وصفه لرحلته، وتوصيفه لظواهرها، والاماكن التي مرَبها وما موجود فيها وعلاقتها بالوجود والطبيعة فانه يتعرى ويبحث عن التجاوز الذي يهدف الى رسم حدود الوجود..
«وفوََرت من عتمتي مناره/ أعاين الوباء التي تصرعني حينا/فابكي /كيف لا اقوى على البشارة ؟/شهران طال الصمت /جَفت شفتي/متى متى تسعفني العبارة؟»(77)
ثم يرفض معرفته السابقة من خلال رفض كل الرحلات السابقة على الرغم من تلك الرحلات شكلت/اختبارا ترشيحيا/وصل من خلالها الى المعرفة والقوة في رفض الوجود القديم والبحث عن سيرورة جديدة فيدرك هذه السيرورة بالبشارة التي يعلن عن تمكنه من معرفة تباشريهاالاولى..
«عدت اليكم شاعرا في فمه البشارة/يقول ما يقول/بفطرة تحس مافي رحم الفصل/ تراه قبل ان يولد في الفصول»(78)وهكذا يبحث نامق عبد ذيب عن هذه البشارة لا لكي يهيمن على العالم الموجود من خلال المعرفة، ولكن لكي يعرف عالمه الذي يعيشه ولهذا يعمل على/ تفريد/ وبعثرة/ العالم لكي يعرف نفسه فنجد القصيدة عنده تتحاور مع مفردات محيطه الذي يراها هو وربما لا يراها الآخرون..
«لاصقا بالحدائق /اخضرها يعتريني../اخضرها الاسود باحتمالاته/ربما ينزف الورد في شفتي ضبابه/ربما ادخن امراة لا تراني/ربما يقفز فرس النبِي بالنبي /ويتركني اعد شعرأصابعي/وربما احمِل عربتي بالقصائد../هكذا اغني له../هكذا لا يراني»(79)
6ـ.تستمر تجربة إدراك الكينونة عند الشاعر العربي من خلال وعي العدم بوصفه فرصة الانسان الوحيدة بعد ان تدحرج من مركز الفعل والقرار الى الهامش في عالم الالة والتكنولوجيا؛ وبدا الانسان في هذا العالم محاصرا بالعبث من الخارج، مما جعله يبحث عن الخلاص في ذاته ولذاته بانعزال عجيب فحاول ان يعرف مفردات الوجود التي كان يؤمن بها؛ و شكلت كينونته المهزومة، ولما كانت الهزيمة الانسانية /ازمة الخط الانساني/ كبيرة. بدأ الانسان يشكك بمفردات الوجود تلك وبالقيم الميتافزيقية العليا التي قادته الى الهزيمة من خلال رمز الدرويش..
«وبكوخي يستريح التؤامان../الرب والدهر السحيق/…وارى ماذا ارى؟/موتا رمادا وحريق…!(80) فالدرويش يرمز الى «مافي ذاته من عراقة وثبات وحكمة فطرية»(81) وفي اطار هذا الرفض والتخلي عن المثل الاعلى تنتصر صورة العدمي المكتمل الذي يعي انَ العدم فرصته الوحيدة امام محاصرة الجبروت يقول الشاعر جان دمو:
«مهما أمعنت في التأمل/فلن يواجهك سوى فراغ /لا هو بالمخيف ولا بالجميل/انه العماء الذي نتج منه الكون /ودونما ان تعلم /قد يقودك الى جنات او جحائم/لم تخطر ببالك يوما /الاحرى التسليم بالامر /حتى لا نذهب ضحايا للديناصورات/ المحيط بنا ليل نهار /او الذين يجعلونك تجفل صباحا/وانت امام قهوة الصباح/طارحين امامك مفاتيح
العالم الصدئة كلها»(82)
من هنا يسعى الموجود/الكائن الى تأثيث ذاته بوصفها لغزا يحاول ان يكتشفه ويصوره امام القارىء لكي يشارك الآخر في ادراك الكينونة من خلال /الاهتمام-والانشغال/بالآخر .وهذا الاهتمام لايعني ان الآخر /هناك/خارج عنا ولا «هو وسيلة لاشباع ما يجاوز ذاته»(83) انما هو اندماج، واسقاط. ولاتكون هذه الحالة الا في قضية حميمية لاكتشاف مناصفة الروح والذات مع الآخر فلكي يشكل، ويبني على هذا الاكتشاف؛ تنهال عليه الاريحية في سؤال المشاركة
«تعالي انا رائح حيث رأس الابرة/احفر فيه مكانا يسع غابة/والغابة تسع كوكبا والكوكب لا يسع راسي/هناك حيث لا احد يتكلم الا الورد معلنا زمن الاريج../أخذتك/أخذتك مني لاوصل دمي الى قلبي…»(84)
ان العدمية ترتبط بالانسان الاعلى؛ المتفوق الذي يحاول الشاعر ان يتمّثله فهذا الانسان /الموجود / -السوبرمان- يمركز ذاته ويظهر في وعيه بؤرة للثقافة؛ ونشاطه النوعي  ومن ابرز تجلياته   العراف ممثل العدمية السلبية (نبي آخر العالمين) وهو يبحث عن بحر يشرب منه؛ والساحر وهو الإحساس بالخطأ «مزورالعملة وماحي الذنوب» «شيطان الكآبة» ثم اقبح العالمين الذي يمثل العدمية الارتكاسية اما الملكان فهما التقاليد؛ واخلاقية هذه التقاليد   و«البابا الاخير» و«المتسول» الذي اجتاز كل النوع البشري من الاغنياء الى الفقراء.واخيرا ( الظل)(85)
من هنا أجد ان الشاعر الذي يتلبس هذه التجليات لـ«للانسان الاعلى» لا يعني انه توقف عن البحث؛ انما يعي ان هذه التجليات تفرض عليه البحث عن الكينونة وإدراك ازمة الوجود الانساني امام هذا الجبروت العالمي الذي يبدو وكأنه يمثل المتعالي وفيه سمات الميتافيزيقيا المعاصرة ولهذا يجد الشاعر نفسه مطالبا بردم نواقص الكينونة غير المكتملة في التجربة الوجودية لعلاقتهابالعودة الدائمة او الابدية اذ تؤكد هذه العودة ان أي فعل انساني إنما هو تكرار الا ان هذا التكرار انما هو انتقاء «ان كسلا يريد عودته الدائمة لا يعود الكسل نفسه؛ إن حماقة، حقارة، جبانة، خباثة تريد عودتها الدائمة، لا تعود الحماقة نفسها، الحقارة نفسها .. فلنر بشكل افضل كيف تقوم العودة الدائمة هنا بالانتقاء .إن فكر العودة الدائمة هو الذي ينتقي يجعل من الارادة شيئا ما كاملا.إن فكرة العودة الدائمة يزيل من الارادة كل ما يسقط خارج العودة الدائمة، يجعل من الارادة إبداعا، يحقق المعادلة إرادة = ابداع»(86)
ومن ثم فان العودة الدائمة، هي تدمير للنقص والقوى الارتكاسية الضعيفة، وتدمير للعدم كذلك، فهي سيرورة انبناء جديدة ومستمرة اذ لا يتوقف الكمال والانبناء عند حدّ، لذلك يبدو الموت ماثلا في التدمير الكامل وهذا التدمير يحمل بعدا ايجابيا فاعلا.
ان النفي الفاعل والتدمير الفاعل؛ هو وضع الارواح القوية التي تدمر الارتكاسي في ذاتها؛ مخضعة اياهالامتحان العودة الدائمة ومخضعة ذاتها لهذا الامتحان مع احتمال ان يراد افولها ..«ان وضع الارواح القوية والارادات القوية لا يمكنها ان تكتفي بحكم ناف فالنفي الفاعل يرتبط بطبيعتها العميقة …هذه هي الطريقة الوحيدة التي تصبح بها القوى الارتكاسية قوى فاعلة»(87)
وهنا تظهر المعرفة لردم ثغرة النقص في الوجود والموجود ولا يقوم هذا الامر الا على اساس النفي والاثبات  وبهذه الاشكالية مثلت قصيدة خليل حاوي الرؤية العدمية  فقصيدته «في جوف الحوت» جسدت المعاناة في مواجهة العزلة، فهو يحاول ان يتجاوز عتمة المجهول.. فهو «خيال يتحدى /عتمة المجهول والسر الكبير»(88) ولكنه يظل خيالا، وتوهما مع وجود الرغبة للانطلاق، ولكن الجبروت والقوة-كما قلنا سابقا- تجعله «مضغة تافهة» وهكذا تتصارع قوى التحدي ( الانا) والقوى العليا (الآخر)
« اترى هل جن حسي فانطوى الرعب /ترى عاد الصدى عاد الدوار؟من ترى زحزح
ليل السجن عن صدري /وكابوس الجدار؟»(89)
فهذه الصور التي تشكل الوجود الصناعي / الالي شغلت الموجود والوجود برمته ودمرته بالسجن والتصنيع والاحباط ومن خلال استيعاب جدل الوجود المحيط به، ولاظهار مركزية الذات يحاول ان يقرأ ذاته؛ قراءة حنينية-ترميمية بيانا للإرادة، والتجربة وربطها بالوعي المتكرر، ولادراك حكاية الانسان مع تجربته منذ وجوده الاول.وفي هذا يتجه الشاعر العربي في اتجاهين  الاول ايجابي والآخر سلبي الاول بحث في سيرورة الاكتمال والانطلاق من جديد؛ والآخر بحث في سيرورة التكوين ولكن تنتهي الى العبث ومنها الى الحكمة، فالانسان لايتشبث بالتذكر وانما يلجأ الى النسيان .ففي قصيدة فاضل العزاوي(ضياع) نجد الذات مركزا لا يقبل المهادنة «ماذا تفعل في هذا الليل المظلم ياعبدالله؟/-أشعل كبريتا/-هل تبحث عن شيء؟/-ابحث عن نفسي/ سقطت مني في الظلمة حيث تراني/ -هيا انهض يا عبدالله /كل ثقاب العالم لا يكفي / لتضيء ظلام الليل الى نفسك»(90)
إزاء هذه الرغبة يبدأ الموجود البحث عن مفردات الوجود التي تتمثل في الحرية والانعتاق هذه المفردات تتصارع بين /الانا-الانا/ و/الانا- الآخر/ او /انا-هو/ و/انا-انت/ وفي اطار البحث عن المفردات التي تشكل الذات و التذكر يحاول الشاعر معرفة الحقيقة عبر الوجود والموجود كله بما تمثله من ماسآة هائلة في قصيدة سامي مهدي (الاباء والبنون) فهي مرثية الانسان ازاء وجوده كله .
«لم تعد في البيوت لنا غرف او متاع.
ولا صور في جدار .
وروائحنا بدلت بسواها
وأطيافنا زجرت
واستخف الصغار
بنا، وبأشكالنا
ثم القوا بأشيائنا في القمامة
قبل انقضاء النهار .
وها نحن في الحفر السود صرعى
وأرواحنا تتخبط في ظلمات الشوارع
لا مستقر لها في مكان
وليس لها وجهة للفرار.
اترانا فعلنا كما يفعلون ؟
اترانا قتلنا كما يقتلون ؟
منذ سبعة الاف عام ودائرة القتل دوارة
والبنون
يفتكون بآبائهم مرة بعد اخرى 
وآباؤهم يمحون
أهو إرث فيورث؟
أم لعبة ؟
أم جنون؟»(91)
فاذا كان ابليس علم الكينونة الوجودية التمرد فان سامي مهدي علم وعرف الكينونة ماسآة البديهيات؛ وعرفها بأشكال هذه البديهيات وصور المآسي فيها، فلم تعد الذاكرة في الابناء، ولا الخلود فيهم ولا في الصور فالبديهيات عدمية لا جدوى منها ولكنها تدعو الى ايجاد كينونة الانسان- الموجود المفرد لاشغال حياته بكل رغباته. فهذا الشعر العظيم لا يتفرد في ادراك الكينونة بالعام وانما يدركها عبر مفردات بديهية نراها يوميا، ولا نلتفت اليهاوان التفتنا اليها فلا نضع وعينا عليها فهو /الشاعر/ يسمح أو يرفع لا وعيه بإرادته ليترك لها حرية هائلة في الاتساع، لتقول كل شيء من المقدس الى المحرمات من الخطأ الاول الذي ارتكبه الانسان الى الرغبة التي احتكرها العابثون؛ وترك العقلاء ليعقلونها بركام العرف والمثل العليا؛ والقوانين فرادة سامي مهدي لا تدرك في شعره فحسب وانما في مأسآة الوجود كله صراع الوعي الحر العظيم مع القيد المقيت الذي يقتل الانبياء والشرفاء
«خطأ كلَ هذا الطراد
خطأ كل هذا العناد
خطأ
خطأ
كلُ تلك الرقي
خطأ كل تلك المهاد
خطأ عمره نحو سبعة آلاف عام من الانقياد
خطأ كل بيني وبيني
وقنعته بالرماد»(92)
ولهذا يفحص كل التجربة الانسانية يفحص التكوين الاول يكتشف مأسآته بطريقة جديدة لا تمتثل للعرف، ولا للسائد، ولا لميتافيزيقيا الرؤى والافكار وانما تتمثل هذه التجربة الانسانية في ذات الشاعر وروحه، لهذا جاء فحصه لتجربة التكوين عجيبة عبر مفردات بسيطة وعميقة في الان عينه.
« ذلك الفتق لو لم يكن لاستقام السبيل
ولا كان ثمة صدع ورجع 
ولا قاتل وقتيل
ولا بلبلت الالسن في البلاد
ولا انتشر الخلق في كل فج
وضل العباد
وذلك الفتق كان البداية في كل خطب جليل
أهو الخطأ الاول الازلي،
أم الخطر العبقري الجميل؟!»(93)
إن الخطأ الاول هو الذي حول التجربة الوجودية الى المأسآة تتعلم فيها البشرية حجة الوعي وحجة القوة ازاء الاخطاء التي تقود الى فعل الكينونة، لان هذا الخطأ الاول /في المثيولوجيا/هو الذي جعل الموجود يعيش تجربته على الارض؛ وشكل علاقته بالوجود لتبدأ سيرورة التكوين .وهذا الخطأ هو الذي قاد الى الحزن والخوف من الخطأ ولكنه هو الذي سيَر الوجود الى الاكتمال
« اخائف انت ؟
اذن تعال
نحول الخوف الى السؤال
ونبدأ البحث عن الجواب

ونترك الكتاب
لقارىء آخر لا يرتاب
لباحث عن نفسه في لجة الضباب
فلا يرى ظلا على التراب
اخائف انت؟
اذن تعال
نفك لغز الخطأ الاول في تعاقب الاجيال
ونبدأ الجولة من خلية تسبح في العماء
من نقطة تسبق ما نعرف من اسماء
فقد نرى ثمة ما لم تروه الاخبار
ولم ترد في كتب الاسمار
حكاية عنه،
ولاأسطورة في رقم الاثار .»»94»
وسرعان ما يجد الانسان نفسه في لجةالمشكلة يضيع الحب الاول ويتحول الى زيف تحكمه المصالح  والانسان الصالح يبحث عن حقيقة وجوده دون جدوى
« قلت .فليكن الحب في الارض لكنه لم يكن! /قلت فليذهب النهر في البحر والبحر في السحب والسحب في الجدب والجدب في الخصب ينبت خبزا ليسند قلب الجياع وعشبا لماشية الارض ظلا لمن يتغرب في صحراء الشجن.
قلت فليكن الحب في الارض لكنه لم يكن ./اصبح الحب ملكا لمن يملكون الثمن.
ورأى الرب ذلك غير حسن!»»95»
ازاء هذه السيرورة التي تسعى الى تركيب كينونة كونية لا تدرك الناقص الا وهي تحاول ان تكمله لعلها تجد سعادة الموجود بمفردات يومية
« يبدو لي
احيانا
اني جد بعيد عني
جد بعيد
نفسي هي ليست نفسي
وكأني طيف
من اطياف حياة اخرى
في كون غير الكون المعهود
فاحس باني جد سعيد
اتداول اسراري وحدي
وأراقب ما يجري حولي
من دون قيود
فارى ما ليس يرى احد غيري
ارى نفسي
شفافا كالدمعة
نفاذا كالماء
 رهيف العود
وارى ما اخفته الناس عن الناس
فاضحك
اضحك
حتى ينفرط العنقود»»96»
ولكي يواصل سيرورة الكينونة لا يدعو الوجود الى العمل معه ولكنه يصارع اناه في أنا الآخر ولمواصلة مسيرة ترميم الذات يسعى الى العود الابدي للبراءة وترك القوانين والاعراف إذ «ينبغي للشعراء ايضا ان يكونوا الروحانيين في العالم»»97».
« أواه لونمضي معا ثملين
لا تسعت رحاب الارض 
واتخذت من الصبوات زخرفها،
ولا ستعصى على المتطفلين اللغز،
فهو بداية اخرى لمن لم يتبع الا هواه
ولم يكبل بالثواب الروح
هل تأتي؟
اذن فلتلبس الطرقات زينتها،
فهذا يومنا،
ولنتخذ من دكة في السوق مجلسنا
نغيظ العابرين،
نريبهم في ما نريد  
وحين يأتي الليل نختلس المزيد من النبيذ،
ولا نكف عن الغناء،
ونحصب المتذمرين ولا نكفُُ
فان شكينا قلت( هذا يومنا )
وليهرع العسس المؤلب
ولنبت كل الليالي، بعدها في السجن ..
هل تأتي؟»»98»
فهو يغوص في اعماق الروح لاخراج درة الوجود وكينونتها لكي تنداح على الارض/ الوجود دون قيود ولكي يلجم هذه القيود ويصل بطموحه لتحقيق رغبته الى اقصى وجودها وذلك بالتصريح بالغناء والجلوس على دكة الشارع وشرب النبيذ ولا يهمه ان يقوده العسس الطغاة الى السجن ام الى الموت هذا العسس هو الذي يخرب الحياة هو الذي يعيق الحرية لذلك لا يترك هذا القيد حرا يعيق حريته إذ لابد من هزيمته من خلال الايمان بالحرية القصوى التي تمثل البراءة والبدائية، الحرية المطلقة هي التي تشكل الذات التي يبحث عنها الانسان منذ الازل (ولنبت كل الليالي بعدها في السجن )
فدرة الوجود الحرية؛ ولتحقيق لحظة الانتصار على العدم /على الموت يدعو محمود درويش احباءه للعيش معه لحظة الانتصار بالوجود واستمرار السعادة وهي مفردة الحياة اليومية التي تشكل الكينونة يقول فرويد في كتابه:  (الحرب والحضارة والحب والموت)
«يدعي الفلاسفة ان صورة الموت حيرت الانسان البدائي وان لغزه دفعه دفعاالى التفكير وان تفكيره كان نقطة البداية لكل تفكير فلسفي على الاطلاق ولا اظن الفلاسفة على صواب فيما يزعمون    فلم يكن الانسان البدائي وهو يرمق جثة عدوه المطروح في الجوار يرهق ذهنه بالتفكير في لغز الموت والحياة لكنه كان يزهو بماحقق من انتصار وكان يرفض تقبل موت العزيز  وتتضارب ازاءه مشاعره فهو من جهة يحبه ويعتبره جزءا من نفسه ومن جهة اخرى كان انسانامغايرا ليس جزءا فيه وهو ما يكرهه فيه وهذا التقارب في المشاعر هو الذي كان يطلق طاقة البحث فيه»
ويواصل القول إن الانسان « تحايل على فكرة الموت واقنع نفسه بموقف متوسط فقد تقبل الموت كحقيقة واقر بحقيقة موته هو نفسه لكنه رفض ان يعترف بان الموت نهاية الحياة»»99»
ولهذا يدعو الشاعر اصدقاءه للاستمرار في الحياة والانتصارعلى الموت ويعدمون فكرة الزوال ومن اجل هذا الانتصار يرجو منهم ان يعيشوا معا سنة اخرى يضحكون ويعبثون ويناضلون ويشكلون كينونتهم
« انتظروني سنة اخرى/سنة/ سنة اخرى فقط لا تموتوا الان لا تنصرفوا عني/احبوني لكي نشرب هذي الكأس كي نعلم ان الموجة البيضاء ليست أ مرأة /اوجزيرة /ما الذي افعله من بعدكم ؟ ما الذي افعله بعد الجنازات الاخيرة؟    
من يفتح قلبي للقطط/ولمن امدح هذا القمر الحامض فوق المتوسط/ولمن احمل اشياء النساء العابرات الفاتنات/ولمن ترك هذا الضمير اليومي/مامعنى حياتي»»100 »
لهذا لايجد الشاعر العربي بدا من اجل تحقيق كينونته الا في ان يترك القيود المحيطة به، ويعمل على ازاحة الطغاة، والظالمين، والجلادين
«أيها الجلاد
عد الى قريتك الصغيرة
لقد طردناك اليوم والغينا هذه الوظيفة»»101»
أما سامي مهدي فانه يجد في السلطة لوحة لتغيب الحقيقة وأعلان زيف العالم وضياع الماهية، وهو يستذكر في وعيه صورة ذلك الطاغية الذي طوى كتاب الله حين سمع انه صار اميرا على الكوفة ومن ثم يجد الشاعر أن السلطة ابشع مرحلة تتزيف فيها صورة الوجود، واعلى مرحلة كونية يتحول فيها الموجود الى حيوان قاتل تتمثل فيه روح الانانية في ابشع صورها.
 « طوى الكتاب
واستبدلتْ سنن بأخرى
والرغابهي الرغاب.
ها أنت تشهدكيف جاءتني الآمارة
دون سعي او طلاب
ومع الامارة جاءني الحجاب والكتاب
والندماء والشعراء
حتى لم أعد أخلوالى أنفسي
وأقروا ما يضيء القلب من سور الكتاب
يتقاطرون علي حتى لا أكاد أرى سواي
فيهم، ولا أدري ضلالي من هداي
حتى صلاتي لم تعد تلك الصلاة
حتى حياتي لم تعد تلك الحياة
أهو الفقيه جنى علي ام الأمير؟
أم أنه الخطأ الكبير
وما يقال عن الجريمة والعقاب
وطوى الكتاب
واستبدلتْ سنن بأخرى
والعذاب هو العذاب» 102
 ضاعت الذات لتتحول الى الة تعذيب تمارس الزيف وتفقد كينونتها.فلا وجود للكينونة مع القيود الصناعية الالية، فلابد من تحطيمها؛ وان بالرغبة فقط فهذه الرغبة تمثل سيرورة الوجود التي تنفعل بكل مفردات التاريخ العاطفي الكوني للموجود الاصيل؛ وتتشكل باليومي الذي لا يترك زاوية من الوجود الفرداني عرضة للنسيان؛ فهذا الوجود يحطم قيود الاشياء؛ ويعريها ولايجد الموجود الاصيل الا ان يتعرى هو الآخر لكي يسكنها لتركيب كيانه الوجودي.
ولذلك لا يكشف الشاعر عباس بيضون اسرار وجوده للاخرين؛ لا لانه لايرغب ولكنه هو لا يعرفها ولهذا فهو يحاول ان يكتشفها لعلها تعينه في سيرورة التكوين
« من انا لادلكم على الاحجار التي ولدنا عليها كالسحالي»»103»
فيظل الانسان بعيدا عن السر لضياع ادلة الوجود؛ فيبقى يبحث عن هذا السر ولكن النهاية/ السيزيفية/ تنهمر بتواصل عنيف والانسان لايركن ويظل يتابع بحثه
« وجدت المفتاح وضاعت يداي» 104
« وجدت المفتاح ويدي وفقدت عيني»105
« وجدت المفتاح ويدي وعيني /والباب-ضاع»106
ازاء هذا العبث الوجودي؛ ينطلق الموت الى الحياة، فتهتف الحياة . ان الموت هو المهيمن؛ وان العدم هو المصير النهائي؛ فهو الوحيد الذي يجعل الموت يطل دون عائق ليحاصر الحياة بالموت وتتصارع الانا مع انا الموت.
« الليلة  
في الاحلام 
مرَ على وجهي صوت تنفسها
فافقت 
رأيت الجثة
فوق سريري
 نائمة 
قمت
واشعلت الضوء
ففتحت الجثة عينها  
سألتني
ان كان الليل في أوله 
قلت :  اجل 
قالت :  ما تأتي لتنام؟!»107
هذا الحصار يربك الوعي، ويترك الكينونة في اتون التشكل من خلال انعدام اليقين، والقلق، وعدم معرفة السَر، ولكن الكينونة تسير في ظل تجربة الانسان/الموجود الاصيل اليومية التي تستلهم كلَ شيء لادراك المعرفة، ولكن الاسرار كبيرة، ولذلك يصر في البحث لمعرفة سَرالوجود
« مبتهجا كنت اسير، يعذبني حبي للعالم
طرق تأخذني للامصار، واخرى تطردني للفلوات.
صيف يحرقني وشتاء يدخلني
ويمر ربيع اسكبه في اعراقي
وخريف اسلكه في الامطار
فارى وجهي يزهو بين الاعشاب
– ما الانسان سوى بهلول
يبحث عن نفسه في حضرة نفسه
بين دهاليز الايام
وانا أ لهث بين اللحظة واللحظة
بين خريف وشتاء
بين ممات وقيامة
امسكت يد الانسان ولكنه أفلت مني
أغرق نفسه في نهر الايام وضاع
_ هو ذا الانسان هناك ينام
فليذهب من شاء اليه» 108
ولهذا يغرق الانسان نفسه في وهم الايام لعله يجد نفسه، ويكمل وعيه، ولكن ضياع التجربة الاولى، وتكرار التجارب لا تتركه يتأمل، وينتهي من ادراك الحياة، وانما تدفعه الى اكمال نواقص الحياة، وملء كينونته من انهار مختلفة تنبثق من روحه، فهو يتعرى لادراك وجوده كما يقول خليل حاوي .ولهذا يحاول ان يقذف بنفسه في آتون عذابات الآخرين، لعله يتخلص من الخطأ الاول الذي ارتكبه الوجود عندما قذف به الى هذه الحياة دون ارادته، وفي اطار محاولته هذه، / يتعارك/مع السلطات، ويختلف مع القيود، ولايترك شاردة ولا واردة الا وتفاعل معها وان اسهمت في اكمال كينونته المتشعبة في مسارب الوجود، فانها لا تعيق اساهمه في ترميم نفسه، فمن السياسة الى
المرأة، ومن المرأة الى الجنس، ومن وجه المرأة الى أناملها، والى صدرها ومواطن اسرارها، واخيرا ممارسة الحب معها الذي يعده اكتشافه الاول والاخير، فلا يجد بدا من الارتزاق من اعاناتها/المرأة/الى ما بين فخذيها، فلا يرتوي  فإذا شبع انهالت عليه اسرار الوجود، وإذا حرم منها تأمل اسرارالوجود ايضا وتأمل كينونته وبحث عنها.
« في هذا المكان /يقذف الرجل دروبه الطويلة في المرأة/ يملائها باكيا بالملح /في هذا المكان /تحلم المرأة باجنة مفقودة/توقظها بالبكاء الخافت في الكهوف/تحلب قلب الرجل من حروبه الطويلة/وعلى فتحاتها حيث النشوة تتجمد/ كنغمة مستحيلة تطفو بصمتها على ثقوب ناي/تسيل لذتها المريرة النكهة /من وقت /على يديَ الحجريتن/عريها صارية من الصرخات الضعيفة/استيقظ عليها مربوطا بالسلاسل/وليس الا العالم الذي خاطته يدان من الهواء/يرقص كالدمية على الامواج من حولي/مؤشرا الي، مؤشرا   / انه يقول / بلغة الاشارات التي يفهمها الصم: لماذا اختلفت مواعيدي؟» 109
اذن فان الجنس جزء من كينونة الوجود والموجود، وهوفي المفهوم الوجودي هم كبير إذ ان الموجود يجد نفسه في حالة سيرورة لتكوين وجود آخر ويقذف بموجود آخر وجديد الى قيود الحياة/الوجود دون ارادة المخلوق الجديد.لذلك ينشغلالموجود»المولود» في ادراك كينونته ومعرفة الخلق والتكوين؛ ويرى ان هذا الخلق لا يختلف عن انتاج القصيدة لانها تحقق وجوده وهو في هذه الحالة يخضع الى استحقاقات العرف والمألوف الذي سبق ان رفضها، ولهذا تطل الاشكالية او المأساة؛ لذلك كان الحب هو الاندماج في الآخر(انا –انت) إلا ان الجنس هو تحقق مأساوي شديد (الانوية) لذلك يطل علينا الاب /الخلق العبثي لارتباطه بالرغبة –واللذة التي تفرغ سيرورة الوجود اليومي في قصيدة سامي مهدي (يوم قصيرة) إذ تبدو الرغبة الجنسية تفريغا لاورام اليوم وأ تعابه،
« وأخيرا نهجس أننا أخذنا كل ما يمكن أن يؤخذ
 وأن الساعات الآتية ليست لنا.
 نرى ذلك في عيون الآباء الملتمعة
 وابتسامات الأمهات المحرجة .
 وقد يغرينا هذا الغموض بالمشاركة،
 ولكننا نفهم قبل كل شيء،
 أن علينا أن نحمل أقدامنا الى مضاجعنا،
 وننصت من هناك
 الى تلك الحمحمة اللاهثة،
 وذلك الأنين الثمل المكتوم،
 فنتوتر..ونتوتر
 حتى يغلبنا النوم
 ليوقظنا، مرة أخرى، شغب العصافير.
  أووووه..ماكان أقصره من يوم !» 110
فلقد قسم اليوم بفعل الجنس على قسمين، و هما قسمان وجوديان على نحو واضح بين براءة بدأت تتوتر من اصوات الحمحمة، ولكن هذا الادراك ما كان الا براءة بدت تعرف جزءا من بشارة الوجود والانشغال بالآخر، وبين رغبة اكمال الوجد والنشوة التي تحققها الممارسة الجنسية، فهذه الممارسة تعد من اكثر العلاقات والممارسات عمقا «والاشد قوة من بين سائر أنواع العلاقات التي يرتبط بها الجسد مع الآخرين»»111» لانها تحقق النشوة والوجد و تعطي للجسد الدورالوجودي الرئيس، لان الوجد« بمعنى الانجذاب الى الآخر هو الوجود البشري الذي يعني الخروج عن الذات وتجاوزها الى الآخر، فالفرد في العلاقة الجنسية يخرج عن ذاته الى الآخر ليكون وحده الوجود –مع- الآخر .وليس الفعل الجنسي وجدا ونشوة، بل هو أيضا فعل كلي»»112» وهذا الوجد والنشوة تبين الوجود الاصيل، فهناك تعبيران تتميزان بهما «العلاقة مع الآخرين هما الطواعية او المرونة والاخلاص او الامانة  فيجب ان يكون لدي الاستعداد والرغبة لان أضع نفسي تحت تصرف الآخر .لكن الحقيقة المحزنة ان الناس الى حد بعيد غير طيعين بعضهم لبعض، والشخص غيرالطيع هو شخص منشغل بنفسه»»113»لان اللحظة الجنسية تبدو قمة انشغال انا –انت والتفاعل بين الانا والآخر، واذا كانت ثمة حميمية تخرج درة الوجود الى العلن فانهاهي اللحظة الجنسية، وان الامر الآخر الذي يطفو على سطح الوجود ويعبرعن قمة الانشغال الكوني، هوحين يجد الموجود/الكائن نفسه منعزلا مع الآخر الحميم الذي يمارس معه الجنس اذ يقفز كلالهما نحو الآخر، هذه القفزة تعد من السمات المتطرفة في الاهتمام –والانشغال بالآخر عند فاضل العزاوي وفوزي كريم الا ان هذه السمة عند العزاوي تحاول ان تجعل ثمة اتحاد بين الانا-الانت على شمولية الصورة الشعرية اذ تتحول من الرغبة والنشوة الى حب الوجود كله. فمثلا يقول العزاوي في قصيدته «الفجر ينبثق من الكوخ»
أمسك عصفورا/اطلقه في الريحْ /فيصير رمادا./أمنح حبي/إمراة /فتموت./أعلن نفسي ملكا/بين الناس، /فمن يخلعني؟/ أدخل نفسي /فأرى أجيالا/تسكنني./ ولهذا أمنحكم هذا الحبَ/حتى ينبثق الفجر من الكوةْ/ويعود العصفور الى الغابةْ.»»114»
إذ تتحول القصيدة في بحثها عن الفوضى الكونية الى منحة وجودية تقودها المرأة او حب المرأة التي تمثل مركز التشكل الوجودي في قصيدة النثر لتصوير هذه الفوضى للسيطرة أو لاستيعاب الكينونة. وهكذا تبرز سمة اخرى في الاهتمام بالآخر وهي /القفزة الى الامام/أي الى الامام الآخر لا لكي يسلبه العناية وانما لكي يعيدها اليه بطريقة اصيلة تجعل الآخر /نصفه الحميمي –هنا-/ شفافا امام نفسه وكذلك «يفتح امامه امكانات وجوده»»115 ويتفرغ لها بحرية شاملة.«انا الجسد المنيع الراهب المتعفف/منْ حرك فيَ القوانين وبدلها»»116» كمايقول فاضل العزاوي.
 ان الجنس يبرز ليشكل وحدة الوجود . ولادراك الكينوته ولاستيعاب الفوضى الكونية المقدسة، التي تكون بوصلتها المرأة واللذة الجنسية الفاعلة
«غنين ياحور الفراديس البعيدة فالغناء
 وعد بميلاد سعيدْ
 وتاريخ جديدْ
غنين فالنسيان آخر ما تبقى من دواء»»117»
الهوامش:
1-ينظر:  كامو، البير: الانسان المتمرد: 8
2-حاوي، خليل :  المجموعة الكاملة: 309
3-ينظر:  العروي، عبدالله:  مفهوم العقل:  مقالات في المفارقات: 26-27-28
4-أدونيس:  النص القرآني، وآفاق الكتابة: 62ينظر:  الصفدي، مطاع:  استراتجية التسمية: 21
5-غصين، امينة:  هوية أدونيس السرية: 193 :  مجلة فصول، خريف 1997
6- ينظر:  أدونيس: المصدر نفسه
7- :  بياتريكيس، أسماء العريف: الآخر أوالجانب الملعون 92-ضمن كتاب (صورة الآخر . العربي ناظرا ومنظورا إليه)
 8- بياتريكيس:  المصدر نفسه: 98
 9 -ينظر:  ادونيس:  المصدرالسابق: 102
1 -د.حنفي، حسن: موقفنا الحضاري: 15-16-ضمن كتاب(بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الاول الذي نظمته الجامعة الاردنية)1997
 11-الشيخ، محمد، والطائري، ياسر: مقاربات الحداثة ومابعد الحداثة: 75 13-
 12 – كورك، جاكوب:  اللغة في الادب الحديث: 16
13-صفدي:  مطاع:  المصدر نفسه: 21
14- ينظر: يفوت، سالم: الفلسفة والفكر العلمي:  ضمن كتاب(الفلسفة العربية المعاصرة: 127
15-هيدغر: إنشاد المنادي: 22
16-بيكون، غايتان:   آفاق الفكر المعاصر: 881
17-توفيق، سعيد: الخبرة الجمالية: 88 وينظر: تاريخ الفلسفة الحديثة: 452
18-دولوز، جيل:  نيتشه والفلسفة: 13
19-ينظر: الشيخ، والطائري: المصدرنفسه: 48
20 -نفسه
21-ينظر: سامسون، جفري:  مدارس اللسانيات,التسابق والتطور: 37
22-داستوز، فرانسواز: هيدغر والسؤال عن الزمان: 25
23- صفدي، مطاع: المصدر نفسه: 75 وينظر: فاتيمو، جياني: نهاية الحداثة: 48
24- ينظر:  رافع، سماح محمد: الفينومينولوجياعند هوسرل: 38
25-ماكوري، جون: الوجودية: 224
26-ينظر: فاتيمو، جيافي : المصدر نفسه: 47-48
27-دولوز: جيل: المصدر نفسه: 13 
28-ينظر: داستوز، فرانسواز: المصدر نفسه: 24
29-فروم، أريك: الانسان بين الجوهر والمظهر: 44
30 -توفيق، سعيد: الخبرة الجمالية: 88
31-ماكوري، جون : الوجودية: 277
32-المصدر نفسه: 114
33- ينظر:  تورين، الان : نقد الحداثة: ج1:  133
34-ينظر: ماكوري، جون : المصدر السابق نفسه: 188
35-المصدر نفسه
36-ينظر : داستوز، فرانسواز: المصدر السابق: 66
37-صفدي، مطاع: المصدر نفسه: 76
38-ينظر : أفاية، محمد نور الدين: الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: 147
39-ينظر: فاتيمو، جياني : المصدر نفسه
40 – ينظر:  دولوز، جيل: نيتشه والفلسفة: 13
41: المصدر نفسه: 131
42-توفيق، سعيد: المصدر السابق نفسه
43-تورين، الان:  المصدر السابق نفسه: 77
44-أدونيس: النص القراني: 75
45-أدونيس: المجموعة الكاملة: 497
46-المصدر نفسه: 51
47-المصدر نفسه : 547
48-المصدر نفسه: 527
49-المصدر نفسه: 563
50 -المصدر نفسه: 489
51-المصدر نفسه: 453
52-المصدر نفسه
53- مهدي، سامي: مراثي الاف السابع: 12
54-مهدي، سامي: الخطأالاول: 2  -21
55-المصدر نفسه: 27
56-المصدر نفسه: 31
57-حداد، قاسم: قصيدة: القيامة: 7
58-نوري، شاكر: لا تطلق النار  انها قلعة أور: 301
59-الخال، يوسف: رسائل دون كيشوت: 13
60 -العكش، منير: اسئلة الشعر: 153
61-كامو، البير: المصدر السابق: 26
62-حاوي، خليل: المجموعة الكاملة: 63
63-المصدر نفسه: 68
64-د. عباس، أحسان: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: 85
65-نفسه
66-ينظر: حاوي، خليل: قصيدة لعازر1962 المجموعة الكاملة: 307
67-مهدي، سامي: الخطأالاول: 52-53
68-الصائغ، يوسف: المعلم: 74
69- المصدرنفسه : 8 -81
70 – مهدي، سامي: الاعمال الشعرية: 208
71-أدونيس: المسرح والمرايا: 188
72-المصدر نفسه: 191
73-دولوز: المصدر السابق نفسه: 136
74-بولص، سركون: الوصول الى مدينةأين: 15
75-الخال، يوسف: المصدر السابق نفسه: 9
76-حاوي، خليل : المجموعة الكاملة: 225
77-المصدر نفسه: 26
78-المصدر نفسه: 271
79-عبد ذيب، نامق: أريد توضيحي: 16-17
80 -حاوي، خليل : المصدر السابق نفسه: 15
81-البالاني، رمضان محمود كريم: التناص (تداخل النصوص) في شعر خليل حاوي: 77
82-دمو، جان: أسمال: 71
83-ماكوري، جون: المصدر السبق نفسه:
84-عبد ذيب: المصدر السابق نفسه: 8-9
85-ينظر: دولوز، جيل :  المصدر نفسه: 19
86-المصدر نفسه: 89-9
87-دولوز: المصدر نفسه: 91
88-حاوي  : المصدر نفسه: 66-67
89-المصدر نفسه: 71
90 -العزاوي، فاضل: الشجرة الشرقية: 55
91-مهدي، سامي: مراثي الاف السابع: 16-17
92-المصدر نفسه: 24
93-مهدي، سامي: الخطأالاول: 7
94-المصدر نفسه : 63
95-دنقل، أمل: العهد الآتي: 4
96-مهدي، سامي: سعادة خاصة: 9-1
97-هيدغر، إنشاد المنادي: 78
98-مهدي، سامي: المجموعة الكاملة: 157-158
99-فرويد، سجموند: 42
100  -درويش، محمود: حصار لمدائح البحر: 80 –81
1 1-بولص، سركون: المصدر السابق: 94
1 2-مهدي، سامي: الخطأالاول: 55-56
1 3-بيضون، عباس: قصيدة: صور: 11
1 4-عبد القادر، مؤيد: أوبرا الاميرة الضائعة: 19
1 5-المصدر نفسه: 22
1 6-المصدر نفسه: 28
1 7-الصائغ، يوسف: سيدة التفاحات الاربع: 47-48
1 8-العزاوي، فاضل: المصدر السابق: 35-36
1 9-سركون، بولص: المصدر السابق: 43
110 -مهدي، سامي: الخطأ الاول: 72
111-ماكوري، جون: المصدر السابق: 167
112-المصدر نفسه: 169
113-المصدر نفسه: 161
114: العزاوي، فاضل: المصدر نفسه: 97-98
115-ماكوري  : المصدر نفسه: 161
116-العزاوي  : المصدر نفسه: 104
117-مهدي، سامي: مراثي الاف السابع: 29
المصادر: 
1- أدونيس:  الاعمال الشعرية الكاملة: المجلد الثاني: ديوان: مفرد بصيغة الجمع: دار العودة بيروت: د، ت  المسرح والمرايا: دار الاداب: بيروت ط1:  1968
2- أفاية، محمد نورالدين: الحداثةوالتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس: افريقيا الشرق ط2 :  86 19
3- البالاني: رمضان محمودكريم: التناص (تداخل النصوص)في شعر خليل حاوي، رسالة الماجستير كلية التربية للبنات : جامعة الانبار: 1998
4- بولص، سركون: الوصول الى مدينة أين: منشورات سارق النار: 1985
5- بياتريكس، أسماء العريف: صورة الآخر: العربي ناظرا ومنظورا إليه : تحرير: الطاهر لبيب: مركز دراسات الوحدة العربية : بيروت-ط1 : 1999
6- بيضون، عباس: قصيدة صور: مؤسسة الابحاث العربية: بيروت: 1985
7- تورين، الان : نقد الحداثة : القسم الاول: ترجمة : صباح الجهم –وزارة الثقافة –دمشق-1998
8- توفيق، سعيد:  الخبرة الجمالية –دراسة في فلسفة الجمال الظاهراتية –دار ابن رشد –بيروت –د.ت
9- الجابري، محمد عابد: العقل السياسي العربي -محدداته وتجلياته: مركز دراسات الوحدة العربية: ط3:  1995
10 – حاوي، خليل: ديوان خليل حاوي: دار العودة-بيروت: ط2:  1982
11- حداد، قاسم: ديوان القيامة-دار الكلمة للنشر: 198
12- د.حنفي، حسن: موقفنا الحضاري: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر : مجموعة باحثين-مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت: ط2:  1987
13- الخال، يوسف: رسائل الى دون كيشوت: دار النهار للنشر: 1979
14- داستور، فرانستواز: هيدغر والسؤال عن الزمن: ترجمة د.سامي ادهم: المؤسسة الجامعية-بيروت-ط1:  1993
15- درويش، محمود: حصار لمدائح البحر-دار العودة-بيروت: ط2:  1985
16- دمو، جان: أسمال-دار الامد –بغداد: ط1 :  1993
17- دنقل، امل: العهد الاتي: دار العودة: بيروت: ط1 :  1975
18- دولوز، جيل: نيتشه والفلسفة: ترجمة أسامة الحاج-المؤسسة الجامعية: ط1 : 1993
19- رافع، سماح محمد: هوسرل والفلسفة الظاهراتية: دار الشؤون الثقافية العامة بغداد-ط1:  1992
20 – سامسون، جفري: مدارس اللسانيات : التسابق والتطور: ترجمة : د.محمد زياد كبه: جامعة الملك سعود: 1994
21- الصائغ، يوسف: –سيدة التفاحات الاربع: مطبعة الاجيب البغدادية: 1976
 –المعلم: وزارة الثقافة والاعلام: ط1:  1986
22-صفدي، مطاع: ستراتجية التسمية: دار الشؤون الثقافية العامة-بغداد: ط2:  1986
23-د.عباس، احسان: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: عالم المعرفة: الكويت: 1978
24-عبدالقادر، مؤيد: أوبرا الاميرة الضائعة: دار الشؤون الثقافية العلمة –بغداد-ط1 : 2  
25-عبد ذيب، نامق: أريد توضيحي: دار الشؤون الثقافية العامة-بغداد: 1993
26-العروي، عبدالله: مفهوم العقل، مقالة في المفارقات: المركز الثقافي العربي: ط2 : 1997
27-العزاوي، فاضل: الشجرة الشرقية: وزارة الاعلام –بغداد-1976
28-العكش، منير: اسئلة الشعر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت: ط1:  1979
29-غادامير: تجلي الجميل: ترجمة : د.سعيد توفيق: المجلس الاعلى للثقافة-القاهرة: 1997
30 -فاتيمو، جياني: نهاية الحداثة: ترجمة: فاطمة الجيوشي: وزارة الثقافة –دمشق-1998
31-فروم، إريك: الانسان بين الجوهر والمظهر: ترجمة د: عبدالمنعم حنفي-مكتبة مدبولي-القاهرة: د ت
32-كامو، البير: الانسان المتمرد: ترجمة : نهاد رضا_منشورات عويدات: بيروت-ط2-198
33-ماكوري، جون: الوجودية: ترجمة: د.أمام عبد الفتاح أمام: عالم المعرفة: الكويت: 1982
34-مهدي، سامي: 
الاعمال الشعرية الكاملة-1965-1985: دار الشؤون الثقافية العامة-بغداد : ط1:  1997
الخطأالاول: دار الشؤون الثقافية العامة-بغداد: ط1 : 19999
سعادة خاصة: دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد: ط1:  2001- مراثي الاف السابع وقصائد اخرى: دار الشؤون الثقفية العامة –بغداد: ط1:  1997
35-نوري، شاكر: لا تطلق النار  إنها قلعة أور: منشورات لرمتان-باريس: د ت
36-هيدغر: أنشاد المنادي: ترجمة: بسام حجار: المركز الثقافي العربي –بيروت-ط1:  1994
37-يفوت، سالم: الفلسفة العربية المعاصرة(مواقف ودراسات) مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت-ط1:  1988

حسين حمزة الجبوري
باحث وأكاديمي من العراق     

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …