أخبار عاجلة

المستوى الصوتي و المستوى الدلالي في مجموعة (قمر جرش كان حزينا) لعز الدين المناصرة

1- المستوي الصوتي

ظل الايقاع من زمن بعيد يشكل سمة من السمات التي نقوى بواس طتها على ادراج نص معين في خانة الشعر وفصله عن النثر.

فالعرب أول ما بدأوا بالانشاد لم يغيبوا الجانب الموسيقي اذ اهتموا به في انشاداتهم بغية تحقيق التخفيف من عبء العمل ومشاق الرحلة وسط الصحراء. ولعل هذه السمة التي تميز الشعر ظلت ملازمة له الى يومنا هذا.

ونسوق الآن شهادات تؤكد ذلك رغم انتمائها الى عصور مختلفة وتناولها للشعر من زوايا مختلفة أيضا أولاها تعريف حازم القرطاجني للشعر بكونه كلاما موزونا مخيلا مختصا في لسان العرب بزيادة التقفية(1) والحقيقة أن القافية لا تقتصر على الشعر العربي فحسب وانما نجدها أيضا في أشعارا لشعوب الأخرى، كون الشعر كلاما موزونا ومقفى فكرة بديهية في حضورها عند نقادنا القدماء.

واذا انتقلنا الى المحدثين فإننا نجد عز الدين اسماعيل يعترف بأهمية هذا الجانب قائلا "إن جزءا كبيرا من قيمة الشعر الجمالية يعزى مرجعه الى هذه الصورة الموسيقية"(2) وهذا ما نجده عند نازك الملائكة التي اعتبرت أن الشعر ليس عاطفة وحسب وانما عاطفة ووزنها وموسيقاها (3)، أما كوهن فيعتبر الشعر الكامل هو الشعر الذي يستغل كل أدواته في إشارة هنا الى الجانب الصوتي والدلالي، رغم كون هذا الدارس يرى أن الايقاع لم يعد يشكل سمة نستطيع بواسطتها فصل الشعر عن النثر ويعتبر أن الفارق بينهما، لا يكمن في المادة الصوتية ولا في المادة الايديولوجية بل يكمن في نمط من العلاقات التي يقيمها الشعر بين الدال والمدلول من جهة، وبين المدلولات من جهة أخرى(4) فالفارق إذن عنده يكمن في تأثير هذا الايقاع على المستوى التركيبي والدلالي ومن هنا نخلص الى أن الشعر من جهة لا يصبح شعرا إلا لأن الشاعر يدخل عنصرا غريبا على الكلام النثري وهو إدماج اللغة في وحدات ايقاعية يتنصل منها كلام التواصل بين الناس، ومعنى ذلك أنه يخرجه من دائرة النثر عندما يرتضي له وقعا ايقاعيا مضبوطا لا يمكن أن يشترك فيه مع الكلام العادي فينتقل بالنص من مدار الاستهلاك الى مدار ثان مشحون بتلوينات صوتية خاضع لنظام ايقاعي متميز مختلف عن ايقاع النثر الذي لا ينضبط وفق قواعد معينة. انطلاقا من هذا التصور الذي يرى في الايقاع دعامة أساسية ملائمة للشعر لا النثر سنقوم في دراستنا لهذا الجانب بتناول عدة عناصر لصيقة به وهي البيت الشعري كوحدة موسيقية مستقلة أو مرتبطة بغيرها من الأبيات من ناحية الموسيقى ثم عنصر القافية والوزن. هذا فيما يتعلق بالايقاع الخارجي، أما فيما يتعلق بالايقاع الداخلي فإننا سنتناول بعض العناصر التي تحقق ذلك كالتكرار مثلا وهذه جميعها يعتمدها المتن المدروس في تحقيق بنيته الموسيقية.
1- البيت الشعري

بتتبعنا لأبيات القصائد التي يضمها المتن (قمر جرش كان حزينا) تبين لنا أن الشاعر يوظف نوعين منه. النوع الأول هو الذي تسجل في نهايته وقفة عروضية سواء صاحبتها وقفة دلالية أم لا، وكون البيت بذلك مستقلا عما يليه من الأبيات من الناحية الموسيقية، أما النوع الثاني فهو ما يعرف بالبيت أو الشطر المدور حيث لا يتم احترام لا الوقفة العروضية ولا الدلالية أيضا، إذ ترتبط الأبيات فيما بينها لتشكل ما يعرف بالجملة الشعرية التي تعد مرحلة من مراحل تطور الشعر العربي الحديث. وقبل تناول هذين النوعين كل على حدة ينبغي أن نشير الى أنهما لا يأتيان منعزلين كل نوع في قصيدة بمفرده بل نجدهما مترابطين في قصيدة واحدة.

النوع الأول: يتضح لنا من خلال هذين النموذجين:

أ – سمعت رصاصتهم

فكان الحبر للريشة
وجارة جارتي تبكى

على طفل لها في الشارع الأصفر

وتلعن هذه "العيشة"

ب – أن يا منزلا عن باب الخليل

أن تطير اليمامة من أسرها فوق جسر الهوى

أن يعود الأحباء من سجنهم بعد طول النوى (5)

من خلال هذين النموذجين يتضح لنا أن الشاعر يحرص على استقلالية البيت الشعري بتسجيله لوقفة عروضية تفصله عما يليه من الأبيات عروضيا رغم كونه يرتبط بها من الناحية الدلالية. فلو نظرنا الى البيت الأول من النموذج " أ " فإننا نجده يتكون من أربع تفيعلات من المتقارب (فعولن) ومختلف صورها بحيث لا ترتبط التفعيلة

الأخيرة منه ببداية البيت الموالي وهكذا دواليك في بقية الابيات، إلا أن هذه الوقفة كما ذكرنا سابقا قد تصادف وقفة دلالية كما يتضح ذلك من خلال البيت الأول من النموذج " أ " إذ اكتمل البيت عروضيا ودلاليا، أما في النموذج الثاني فإن البيت الأول ظل مرتبطا من حيث المعنى ببقية الأبيات التي تليه رغم استقلاله من الناحية العروضية، وهذا النوع من الأبيات نجد حضوره في القصائد أقوى من النوع الآخر ويمكن القول أن الشاعر يخلص لنظام القصيدة العمودية التي يحرص فيها الشاعر على اتمام البيت موسيقيا سواء أتم المعنى أم لم يتم. ولعل ذلك يتضح لنا من خلال هذا النموذج وهي أبيات تنتمي الى القصيدة العمودية للشاعر الحارث بن مضاض.

وقائلة والدمع سكب مبادر
   

وقد شرقت بالماء منه المحاجر

وقد أبصرت حمان من بعد أنسها
   

بنا وهي منا موحشات دوائر

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا
   

أنيس ولم يسمر بمكة سامر (6)

   

   

من خلال هذا النموذج يتجل لنا وبوضوح أنه من النوع الذي ندرسه من حيث حرص الشاعر على استقلالية البيت من الناحية الموسيقية بفض النظر عن اكتمال المعنى، حيث ظل معنى البيتين الأول والثاني متوقفا على البيت الثالث. وهذا ما يعرف عند البلاغيين القدماء بالتضمين المدرج ضمن صور البديع عند التبريري أن يأتي البيت ولا يتم معناه إلا بالذي بعده (7).

النوع الثاني: هو نقيض الأول حيث تلفى الوقفة العروضية الشيء الذي ينتج عنه ارتباط الأشطر فيما بينها موسيقيا ودلاليا. وهذا ما يعرف بظاهرة التدوير وقد عابته نازك الملائكة ودعت شعراء القصيدة الحديثة الى التخلي عنه، تقول "يمتنع التدوير في الشعر الحر لأنه شعر حر أعني أن الشاعر فيه قادر على أن ينطلق من القيود ومن ثم فإن ذلك يجعله في غير حاجة الى التدوير" (8) غير أننا نجد من استحسنه في الشعر فهذا صالح أبو أصبع يرى فيه أنه مسألة مبررة نفسيا وفنيا علاوة على كونها ظاهرة موسيقية (9) كما نجد عز الدين اسماعيل في تناوله للجملة الشعرية يقول "فإذا كنا بسبب دفقة شعورية ممتدة فينبغى أن تكون الصورة ممتدة ومعبرة عن هذا التدفق".(10) والشاعر في متنه المدروس يلجأ الى هذا النوع بين الفينة والأخرى مع أنه لا يطغى عليه، ويمكن أن نتلمس مفتاح هذا النوع من خلال هذا النموذج.

"ويا ابتسامة على الصخور كان الموت صائدا وكنت…

يا صديقي… الحميم مركبا. وكان فيك الصدق كان المطعم الذي

في شاطيء الاسكندرية اللعوب" (11)

وهنا يتبين لنا النوع الثاني الذي نتحدث عنه حيث ترتبط الأبيات فيما بينهما لتشكل جملة شعرية واحدة – إذ لا يمكن أن نفصل بيتا عن بقية الأبيات لا من الناحية العروضية ولا التركيبية والدلالية أيضا – قد يبلغ عدد تفاعيلها خمس أو عشر تفاعيل كما يتضح لنا ذلك من خلال النموذج أعلاه، حيث نجد الأبيات تسير وفق النسق التالي:

– متفعلن / متفعلن / متفعلن / متفعلن / متفعلن / مستفعلن / متفعلن / م.

– ستعلن /متفعلن /مستفعلن /مستفعلن / مقفعلن /مستعل /مستفعلن / متفعلان.

ويلاحظ هنا ارتباط التفعيلة الأخيرة مع هذه الأبيات ببداية الأبيات الموالية فظلت الأبيات ناقصة من حيث العروض والمعنى وهو ما يناقض الجملة التي تحدد بالصوت والمعنى في آن معا.

2- القافية:

يحدد العروضيون القافية بكونها مكونة من الساكنين اللذين في أخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك الذي قبل الساكن الأول (12).

وهي من زاوية الوظيفة الايقاعية التي تقوم بها فيكاد الجميع يعتبرها عنصرا من عناصر الايقاع ولو أنها قد توكل لها وظائف أخرى كالإعلام على نهاية البيت أو مجرد صورة من الصور المحققة للانزياح إذ تحقق تجانسة صوتيا حيث لا يوجد تجانس معنوي وتقابل مدلولات يفترض أنها مختلفة لدوال تبدو متجانسة فهي كما يرى جون كوهن تقلب الموازاة الصوتية التي تقوم على سلامة الرسالة. فلها إذن عدة وظائف ولعل وظيفتها الايقاعية هي الوظيفة البارزة. فهذا ابراهيم أنيس يرى أن القافية ليست "إلا عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات وتكرارها هذا يكون جزءا من الموسيقي الشعرية فهي بمثابة الفواصل يتوقع السامع ترددها (13)" وقد قيل، أيضا بصددها أنها "ركن مهم في موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنينا وتثير في النفس أصداء وأنغاما" (14).

أما عز الدين اسماعيل فيؤكد على دورها في موسيقية القصيدة الحديثة قائلا: "الحقيقة أن الشعر الحر لم يهمل القافية إذا كنـا نقصد الدور الذي تلعبه في موسيقية القصيدة" (15) ويرى (اوستن ورين ورنيه ويليك) أن لها "وظيفتها في التطريب كإعادة او ما يشبه الاعادة" (16) فالقافية إذن عنصر من عناصر الايقاع وبهذه الصفة وجبت دراستها، إلا أنه ينبغي أن نشير الى أن القافية لم تستقر على نظام القصيدة العمودية، إذ سجل تاريخ القصيدة تنويع الشاعر لقوافيه وعدم الالتزام بروي واحد، كما نلمس ذلك من خلال الارجوزة والموشحات الاندلسية والقصائد الرومانسية الى أن وصل الشعراء الى حد ارسال قوافيهم، ولعلنا بدراستنا للقصائد التي يضمها هذا المثل نجد أن الشاعر يتعامل مع القافية بنوع من التحرر حيث يلجأ الى أنواع ثلاثة يمكن أن تتداخل فيما بينها داخل قصيدة واحدة وهذه الأنواع هي كالتالي:

1- القافية الموحدة.

2- القافية المتتالية والمتناوبة.

3- القافية المرسلة.

في النوع الأول نجد الشاعر يستعمل قافية واحدة كما كان الشأن في القصيدة العمودية التي كان الشاعر فيها يلتزم بقافية واحدة في القصيدة كلها ويمكن أن نكتشف ذلك من خلال هذا النموذج:

"لكني في وطني أنفيه وينفيني

يذبحني

يغتال الموعد في عيني

أعبده لكن يدميني" (17)

هذا النموذج يوضح لنا هذا النوع من القافية التي يلجأ اليها الشاعر موحدا في الأبيات حيث جاء الروي فيها هو النون ولعل هذا النوع هو ما تستحسنه نازك الملائكة في

إلحاحها على ضرورة ايراد تشكيلة واحدة في آخر الأبيات ويعني ذلك قافية موحدة أو مزدوجة ذات ضرب واحد.

ويتحرر الشاعر في القافية المتناوبة من سلطة القافية الموحدة فينوع النغم بتنويع القافية. وغالبا ما تقتصر على المقطع ولا تتعداه كما يوضح لنا ذلك هذا المقطع.

رأيت يارا في الصباح قرب بيتنا

يارا تفر كالتمثال من أمامنا

يارا تنكس الرأس وتمطر الأنهار

لكنها في نظرتها انكسار

حدقت في خلقتها كأنني أعرفها

وحدقت في سحنتي كأنها تعرفني (18)

ويوضح هذا المقطع أن القافية في الشطرين الاولين جاءت متتالية (بيتنا أمامنا)، بينما جاءت الثانية والثالثة والرابعة متناوبة، ويمكن اعتبار القافية الأولى والثالثة قافية واحدة مع تنويع حرف الروي لأن الضرب جاء فيها على صورة (فعو).

واذا انتقلنا الى القافية المرسلة فإننا نجدها ترتبط بالبيت الشعري غير التام موسيقيا كما يتضح ذلك من خلال هذا النموذج.

"عابرا نحو نبعك إني رحلت وطوفت كل..

البلاد، عن الوهج الساحلي بحثت وعدت أشيل

الاياب.." (19)

ولعل هذا النموذج يوضح لنا ذلك حيث لا ترتبط قوافي هذه الأشطر بقوافي أشطر أخرى إلا أن الشاعر يعرف ايقاع القافية بقافية داخلية تتجل في تكراره لصيغ صرفية واحدة مقفاة (التاء المبسوطة) وذات توازن صوتي وهي (بحثت، عدت، رحلت، طوفت) مما يمكن الأبيات ايقاعا معوضا للقافية.

وينبغي الاشارة في الأخير الى أن هاته الأنواع مرتبطة فيما يتعلق داخل القصيدة.

  3- الوزن:

في دراستنا لهذا العنصر الهام الذي يشكل الأساس الذي تقوم عليه موسيقية القصيدة وجدنا الشاعر ينتقل من نظام الشطرين ويتخذ من التفعيلة الواحدة المتكررة أساسا يبني موسيقى قصائده على منواله، وشكلت التفعيلة بذلك أساس الوزن، لذلك نجده تحرر من عدد التفاعيل التي كانت قواعد القصيدة العمودية تلزمه بها، فيستخدم العدد الذي يريده ويمكن أن نستشف ذلك من خلال النموذج التالي:

"أنا وجه هذي المدينة قلب المدينة عين المدينة

وبيروت في شفتي ودمشق الحزينة

وبغداد صارت لرأسي وسادا

أنا لست دا دا" (20)

فالشاعر هنا لا يلتزم بطول معين أو عدد محدد من التفعيلات فهو ينظم هذه الأشطر على النسق الآتي:

فعولن فعولن فعول، فعولن فعول فعولن

فعولن فعول فعولن فعولن

فعولن فعولن

يستخدم هنا سبع تفعيلات من المتقارب (فعولن) ومختلف صورها في الشطر الأول أما الثاني فيورد فيه خمسا، أما الثالث فأربع تفعيلات وأخيرا الرابع تفعيلتان، هكذا يسير في باقي الأشطر حتى نهاية القصيدة بعدد معين من التفعيلات.

نخلص إذن الى أن الشاعر لم يستبق من نظام القصيدة العمودية الى تلك الوحدة الصوتية والايقاعية – التفعيلية – وهي أساس النظام الصوتي الذي يقوم الشاعر بتكراره.

وسنقوم في دراستنا هذه بتناول أوزان الاضرب أو التشكيلات كما تدعوها نازك الملائكة ثم البحور التي يوظفها الشاعر وأخيرا أوزان التفعيلة.

أ- التشكيلات:

خلال دراستنا للبيت الشعري رأينا أن الشاعر يستعمل نوعين من الابيات التامة من الناحية العروضية وغير التامة، وهذا يؤثر ولا شك على الاضرب التي تأتي هي الأخرى تامة أو ناقصة.

فالتشكيلة التامة قد تكون موحدة كما نلمس ذلك من خلال هذا النموذج:

"أحفروا لي هناك

قرب دير الملاك

حفرة وأملأوها نبيذا وتمرا وقات

وادفنوا جثتي في طريق البنت

تحت زيتونة حزنها في العروق" (21).

فالشاعر في هذه الأشطر حرص على وحدة الاضرب حيث جاءت صورتها الموسيقية على وزن (فاعلان) وهذا النوع هو ما تدعو اليه نازك الملائكة بقولها "وانما ينبغي أن تستقل كل القصيدة بتشكيلة ما وأن تمني على ذلك لا تحيد عنه الى آخر شطر فيها" (22) ويعني ذلك أن على الشاعر أن يوحد بين أضرب الأبيات جميعها. ونجد أن الشاعر عز الدين المناصرة يخلص في قصائده لهذا النوع الا أنه لا يلتزم به في كامل القصيدة وقد ترد الاضرب تامة أيضا لكنها غير موحدة حيث يلجأ الشاعر الى

تنويعها كما يوضح ذلك المثال التالي:

"قلبي من بلد… وحبيبي من بلد آخر

لكنا نتقابل في بحر الأيام

شنقوني يا حبي… ما سألوني شيئا

قبل الأعدام" (23).

في هذا النموذج نجد أن الأضرب جاءت غير موحدة إذ نجد البيتين الأول والثالث يشتركان في ضرب واحد على وزن (فعلن) أما الثاني والرابع فيشتملان على ضرب واحد على وزن (فعلان) ونشير هنا الى أن التشكيلة التامة مرتبطة بالبيت التام من الناحية العروضية. أما التشكيلة غير التامة فترتبط بالأبيات المدورة كما نلمس ذلك من خلال هذا النموذج:

" أيا مدموزيل

رأيتك في الحلم صافية الذهن

طائشة الشعر كنت أسير وطيفك

يا حلوتي قد تراقص في أدمعي مثل قلة" (24)

حيث نجد التفعلية الأخيرة في البيتين الأول والثاني على وزن (ف) فكانت بذلك ناقصة لأن البيت بقي وقفة عروضية.

2- أما فيما يخص البحور التي يوظفها فإنها لا تخرج عن البحور الشعرية المعروفة في شعرنا القديم إلا أن الشاعر يختار منها البحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة المتكررة، ولعل بحر المتدارك يحتل الصدارة في نسبة توظيف البحور، يليه المتقارب ثم البحور الأخرى كالرجز مثلا، والبحور الصافية هي التي يعتمدها الشعر العربي الحديث أما الممزوجة فهي قليلة الاستعمال حيث لا يوجد من يغامر في توظيفها باستثناء شاكر السياب.

3- العنصر الأخير في دراستنا للوزن هو التفعيلة وقد تعامل الشاعر معها بنوع من التحرر حيث نجد في بعض الأحيان تفاعيل البيت جميعها غير تامة أو قد يأتي بعضها تاما والبعض الآخر غير تام. كما يتضح لنا ذلك من خلال هذا النموذج.

"أسد أنفي بدمي

وأطرد الذباب عن فمي

لكنه يعود للسرداب

من يمنع الذباب أن يمر في فمي

من يمنع الذباب؟" (25)

حيث نجد تفاعيل البيت الثاني جميعها مزاحفة جاءت على النسق التالي:

فعو فعو فعو فعو فعو.

فحذف سبب خفيف من (فعولن) في كافة تفاعيل هذا البيت وهو الأمر الذي لم يكن معروفا عند العروضيين القدماء، أما في البيت الأول فإن التفعيلة الأولى أتت ناقصة على وزن (فعو) أما الثانية فتامة على وزن (فعولن) وقد تأتي بعض الأحيان تامة التفاعيل. كما يوضح لنا ذلك هذا المقطع:

" أنا الشوق داد، أنا الحب دادا

أنا الحزن من يحتويني

أنا الصدق من يشتريني" (26)

حيث نجد الشطر الأول يتألف من أربع تفعيلات من المتقارب (فعولن) تامة ونفس الشيء بالنسبة للشطرين المواليين حيث يضمان ثلاث تفعيلات تامة.

4- الايقاع الداخلي:

تحدثنا عن عنصري الوزن والقافية ودورهما في تحقيق الايقاع في النص الشعري، إلا أن هذين العنصرين لا ينفردان بتحقيق ذلك إذ توجد عناصر أخرى تنبع من داخل القصيدة لا من خارجها فقط، توكل لها نفس الوظيفة بالاضافة الى العنصرين السابقين اللذين يشكلان ايقاعا جاهزا.

من هنا تأتي أهمية الايقاع الداخلي الذي يتحقق انطلاقا من عناصر أخرى مختلفة، يقول الياس خوري في هذا الصدد "إذا كان الايقاع صفة ملازمة لكل عمل شعري، إذ لا يستطيع الشعر أن يقدم نفسه دون ايقاعية لها ثوابتها، فإن الايقاع يتبع مبدئيا حركة القصيدة، يتشكل بوصفه أحد عناصرها الداخلية" ويضيف قائلا "لكل قصيدة ايقاعها أو لكل تجربة شعرية متكاملة ايقاعاتها" ويتضح لنا ذلك أن الايقاع لا ينبع من التفعيلة أو القافية فقط وإنما أيضا عبر أشكال أخرى. واذا عدنا الى المجموعة فإننا نجد الشاعر يستند الى مجموعة من هاته العنا هو أولها أسلوب التكرار وهذا الاسلوب بالاضافة الى كونه ظاهرة معنوية – إذ عن طريقه يتم التأكيد على بعض الالفاظ المكررة التي قد تكون مفتاحا لفهم القصيدة في بعض الأحيان – فإن له دلالة ايقاعية أيضا، يقول صالح أبو أصبع بأن التكرار (ظاهرة موسيقية عندما تتردد الكلمة أو البيت أو المقطع على شكل اللازمة الموسيقية، أو النغم الأساسي الذي يعاد ليخلق جوا نغميا ممتعا (27) وسنتناول التكرار من هذا الجانب ونبدأ ذلك بتكرار الحروف وهذا ما يتضح لنا من خلال هذا النموذج:

" أن يا منزلا عن باب الخليل

أن نقول الذي لا نقول

أن تدب البراءة فينا ونخخر ينبت…

من جذرنا عاصف فوق شط النخيل

أن يا منزلا عند باب النخيل" (28)

ويلاحظ هنا كيف لجأ الشاعر الى تكرار حرف النون الذي ورد أربع عشرة مرة دون الأخذ بعين الاعتبار التنوين في "منزلا" و "عاصف" ثم حرف اللام الذي تكرر أيضا أربع عشرة مرة، ويوظف الشاعر كذلك التكرار في هذا النموذج حيث يبرز بشكل ايقاعي:

"كانت مرارة قلبي تسيل.. ضحكت وكانت

مرارة قلبي تسيل، ضحكت وكانت مرارة

قلبي يسيل، ضحكت رقصت تعريت

في حانة ورقصت على ضفة النهر مثل السحالي

رقصت" (29)

وهنا يستخدم الشاعر الكثير من امكانيات الايقاع في الجملة الشعرية فهناك التكرار الذي يمد الشطر الأول في الأشطر الأخرى التي تليه (وكانت مرارة قلبي تسيل) كما يلجأ الى قواف تحدث ايقاعا داخليا فهناك توازن ترصيعي مقفى بين (ضحكت، رقصت، تعريت) حيث شكلت التاء القافية الداخلية.

والشاعر فوق ذلك كله يلجأ الى المتوازيات الصوتية نلمس ذلك من خلال هذا النموذج.

"أشرب حزني وحدي

أمنح فرحي غيري" (30)

وكما يقول محمد العمري فإن الشعر "لا يوجد في التوازن الخالص ولأن التوازن الخالص هو نفي للايقاع، كما أنه ليس موسيقى خالصة. ولا في التقابل الخالص لأنه رياضة ذهنية مجردة" ويضيف "فالتفاعل بين هذين العنصرين هو أحد فاعليات توليد الايقاع الشعري (31) وفي البيتين أعلاه نقف على توازن وزني بين (أشرب وامنح وبين حزني وفرحي ووحدي وغيري) وكتقابل دلالي بينهما (أشرب الحزن وأمنح الفرح) (وبين وحدي وغيري) كما يستعين الشاعر كذلك بمحسنات أخرى كالطباق في مثل قوله:

"كم ستكون المسافة بين الظلام وبين الشروق" (32)

وهنا يدعم التوازن الطرفين (الظلام) و (الشروق) وجود تقابل دلالي بينهما قائم في التضاد، فالطباق هنا الذي يؤدي دوره في ابراز التناقض يلعب أيضا دورا ايقاعيا.

او قد يلجأ الشاعر كذلك الى استخدام كلمات ايقاعية، نلمس ذلك من خلال قوله:

وحمحمت خيولنا والتمت العقبان

ونقنقت ضفاضع المياه في (بولاق) دقت

"ساعة عتيقة" "ومثلنا مسافرة" (33)

فجاءت كلمتا "حمحمت" و "نقنقت" لتؤديا دورا ايقاعيا نتج عن طبيعتهما.

وكخلاصة لدراسة للمستوى الصوتي نستطيع القول بأن الشاعر استغل أداة هامة من الأدوات التي يقوم الشعر على أساسها وهي الايقاع وهذا ما يجعلنا ننتقل الى المستوى الدلالي ملتمسين من خلال دراسته تناول أداة أخرى، إذ أن العملية الشعرية كما يقول جـون كوهن "تجري في مستويي اللغـة معا: المستوى الصوتي والمستوى الدلالي".(34)

2- المستوي الدلالي

تناولنا في دراستنا للجانب الصوتي عنصر الايقاع، باعتباره دعامة أساسية من دعائم الشعر. إلا أن هذا العنصر رغم أهميته، لا يمكنه بمفرده تحقيق الشعرية، والدليل على ذلك المنظومات النحوية والفلسفية لا يمكن ادراجها في خانة الشعر، إذ ليس لها إلا وجود موسيقي بمعزل عن المقومات الشعرية الأخرى التي تشكل جوهر الشعر.

من هنا فإن دراستنا للجانب الدلالي تهدف الى البحث عن الخصائص الأخرى التي تكسب النص سمته الشعرية، وسنتناول في هذا الاطار عنصر الصورة الشعرية وهذا لا يعني أن مهام الشعرية ووظائفها تعزى لها وحدها، إذ ليست الصورة إلا أداة من الأدوات الشعرية العديدة الأخرى، إلا أنها ظلت على مر العصور تحظى بالمكانة الأولى من لدن دارسي الشعر.

1- أهمية الصور

ظلت الصورة منذ القدم الى يومنا هذا تحظى بأهمية بالغة حيث يربط النقاد العرب بين الشعر والخيال، وعلى الرغم من أن مصطلح صورة لم يكن معروفا عندهم إلا أن التشبيه والاستعارة والمجاز -موضوع دراساتهم – هي عناصر يمكن أن ندرجها. تحت مصطلح صورة شعرية، واذا كانت الصورة أيضا تستخدم أحيانا للتزيين والزخرفة ويعني ذلك أنها مرتبطة بالصنعة فإن وجود الصورة لا يمكن اغفاله حتى في الشعر الجاهلي ودليلنا على ذلك قول امريء القيس:

وليل كموج البحر أرخى سددوله
   

علي بأنواع الهموم ليبتلي

أما عند المحدثين فإن الصورة حظيت باهتمام وتمجيد من طرف الدارسين على اختلاف مناهجهم فهذا "أندريه بريتون" يمجدها قائلا: "إن تشبيه شيئين متباعدين الى أقصى حد ممكن أو حسب طريقة أخرى، مقابلتهما بشكل مباغت وأخاذ يظل المهمة الأسمى التي يمكن للشعر أن ينشدها" (35) أما عز الدين اسماعيل فيرى أن الصورة الشعرية هى ميدان النشاط للشاعر تبرز فيه موهبته الشعرية (36) وذهب "إزرا باوند" الى أبعد من ذلك في تمجيده لها، فهو يرى أن ابتكار صورة واحدة طوال حياة

بكاملها هو أكثر أهميه من كتابة مؤلفات فخمة (37) ليست هذه إذن إلا شواهد قليلة من الشواهد التي ترى في الصورة مقوما أساسيا للشعر.

2- مصدر شعريتها:

إذا كان قد تأكد لنا فيما سبق أن الصورة الشعرية خاصية أساسية للشعر فإن التساؤل يبقى مطروحا حول مصدر شعريتها.

يرى "جان كوهن" بصدد حديثه عن الاستعارة أن مصدر شاعريتها لا يكمن في كونها علامة لهوس، بل مصدرها هو كونها استعارة أي طريقة للدلالة على محتوى كان بالامكان التعبير عنه بلغة مباشرة دون أن يفقده ذلك شيئا من ذاته (38).

ويتضح أن الباحث عن شعرية الصورة يجدها في أسلوبها البعيد عن التقريرية والمباشرة الذي تعتمده، وليس في الابعاد المضمونية التي تنعكس فيه على اعتبار أن جميع أشكال الكلام يمكن أن تعبر عن ذلك المضمون والطريقة التي يقصدها جون كوهن هنا في هي كون الاستعارة انزياحا استبداليا وهي بذلك تمثل ما يسميه بالتنافر، إلا أن هذا الانزياح لا يكون شعريا إلا إذا كان محكوما بقانون جعله مختلفا عن غير المعقول فإذا كان "ما يميز الكلام هو حرية التأليف" فإن اللغة أداة تواصل يستحيل أن نواصل شيئا عن طريقها اذا لم يكن الخطاب مفهوما، ويقدم "جون كوهن" الخطط التي تسير وفقها الصورة الشعرية كالتالي(39).

الدال

المدلول

المدلول 2 الوظيفة

فالمدلول الأول يحقق التنافر لأنه لا يؤدي وظيفته داخل السياق إذا أخذنا الكلمة بمعناها الحرفي إلا أن الاستعارة تنفي الانزياح القائم لتعيد للتركيب انسجامه حين يستبدل معنى المدلول الأول، من هنا فإن الاستعارة طريقة في التعبير تقوم بتقديم فكرة معينة شأنها في ذلك شأن جميع الأشكال التعبيرية الأخرى، ونلمس ذلك أيضا عند "فرانسوا مورو" حين يقول إن الصورة طريقة في الكلام "… وسعة الصورة هي بالضبط كونها استخداما سيئا لكلمة ما لكونها ملتصقة بشيء آخر غير ذلك الذي تدل عليه بالتعيين في العادة" (40) وهذا ما جعلنا ننتقل الى المحسنات التي يمكن أن ندرجها ضمن مصطلح صورة.
3- المحسنات التي يمكن أن ندرجها في مصطلح صورة

اذا كان دارسو الصورة قد رأوا في الاستعارة الأداة البارزة وميزوها عن باقي الصور الأخرى "لكونها" برهنت دون كل الصور البلاغية الأخرى القديمة عن كونها توفر عطاء لأجل ادراجها ضمن رؤية دينامية جديدة للغة الرؤية الخاصة بالشعر الحديث (41) فإننا لا يمكن أن ننكر وجود محسنات أخرى تسمى صورا كالتشبيه والكناية والمجاز المرسل، ويعدد "فرانسوا مورو" تلك المحسنات قائلا "ينبعي أن نعدد المحسنات التي يمكن تسميتها صورا. نستطيع أن نميز تلك التي تقوم على علاقة المشابهة بين الطرفين – التشبيه والاستعارة والتمثيل والرمز – وتلك التي تجمع بين الطرفين علاقة المجاورة، الكناية والمجاز المرسل"(42).

4 – الصور المبتكرة والصور الميتة

إذا كانت الصور تحقق انزياحا على مستوى السياق فإن ذلك لا يكفي لانتاج صورة الى الصورة الميتة مثلا لا يمكن أن تحقق ذلك لكونها عبارة بلغت حد الاندراج في المعجم بطريقة لم يعد التعرف عليها واردا وبطريقة أصبحت معها بمثابة لفظة حقيقية (43) وهذا يعني أن هاته الصور لم تعد تثيرنا من كثرة استعمالها ومفهوم الصورة الميتة كما يرى ذلك عبدالله راجع يدخل ضمن الاستعارة القريبة والبعيدة هو المجال الابتكاري الاستعمالي (44) فالاصالة والابتكار إذن من شروط خلق الصورة الشعرية إلا أن ستيفن أولمان يرى أنه إذا كانت قمة الصورة التعبيرية قد انهكت بكثرة التكرار أو إذا ما استحالت تعبيرا جامدا أو كليشيهيا، وجب تجديد شبابها لكي تصبح جديدة وحية وأحيانا يكفي السياق وحده لنفث قوة جديدة في صورة ذابلة (45) ولذا كانت الوردة الميتة لا تحظى كثيرا بأهمية من طرف دارسي الشعر فإنه لا ينبغي أن نختار للدراسة الصورة الفريدة فقط كما يرى ذلك فرانسوا مورو حين يقول "…. فإنه يكون أيضا مجانبا للصواب الوقوع في الخطأ الناتج عن الصرامة المفرطة التي لاتقبل من الصور إلا ما كان مطلق التفرد والجدة ويضيف قائلا إنه ينبغي ويكفي كما يقول ستيفن أولمان "للصورة أن تتوافر على نضارة معينة" (46).

5- وظيفة الصورة الشعرية

إذا كنا في كلامنا العادي نريد إيصال فكرة معينة دون أن نقصد إحداث تأثير ما فإن الصورة الشعرية على عكس ذلك طريقة في الكلام نسعى من خلالها للتعبير عن الافكار والانفعالات عن طريق الايحاء قصد التأثير. فالشعر إذن لا يعنى بـ "دلالة المطابقة" لأن المدلول الأول للكلمة الاستعارية مثلا لا يمكنه تحقيق ذلك لأنه انزياح من اللغة، وتبقى "الدلالة الايمائية" في المستوى الثاني، أي حين نستبدل معنى المدلول الأول وننفي الانزياح القائم، ويعبر جون كوهن عن ذلك قائلا: ينبغي أن يفهم بوضوح أن لدلالة المطابقة ولدلالة الايحاء نفس المرجع ولا تتعارضان إلا على المستوى النفسي فدلالة المطابقة تشير الى الاستجابة العقلية ودلالة الايحاء تشير الى الاستجابة العاطفية مصاغتين في عبارتين مختلفتين عن نفس الشيء (47) فالصورة إذن كباقي الاشكال التعبيرية الأخرى لها محتوى معين إلا أنها تسعي الى تحقيق أثر معين لدى المتلقي لا يمكن أن تحققها اللغة التقريرية المباشرة كاللغة العلمية مثلا.

6- الصورة والسياق:

إذا كانت الصورة جزءا من التجربة وبنيان القصيدة، فإن دراستنا بمعزل عن السياق الذي وردت فيه يبدو أمرا مستحيلا إذ ليست الصورة زخرفا زائدا بل تؤدي ما تؤديه الصور الأخرى في القصيدة، فالسياق اذن هو الذي يمكننا من معرفة ما إذا كانت الصورة أصلية أم لا، فإذا كان عدم الانسجام بين الطرفين لا تبرره مقتضيات السياق، فإننا سنحصل على صورة غير متناسبة (48) والسياق فوق هذا هو الذي يمكننا من ضبط الصفة المختارة بالقصد حين نواجه لكلمة استعارية ما، كما يمكنه أن يمهد لنا ما نفهمه من الصورة الشعرية، ومن ضبط الكلمة الغريبة عن السياق، وكما يقول ستيفن أولمان "أن الدور الذي تلعبه الصورة في بنية العمل الأدبي لا يمكن أن يتوضح إلا إذا درسنا الصور" في وظيفتها ضمن خطاطة المجموع يعني في سياق العمل في كليته" (49).

انطلاقا من هذا التقديم الذي حاولنا فيه إضاءة بعض الجوانب المتعلقة بالصورة الشعرية فإننا سنحاول تناول بعض النماذج بالتحليل محاولين الكشف عن المعاني التي تعبر عنها والأساليب التي بنيت على أساسها.

النموذج الاول:

"ومن أين في الصحراء سنأتي لكل الأحبة…

بالماء والرمل كل القبور هنا تطلب الماء والرمل…

كل القبور هنا تشتهي ذرة من تراب النخيل…

ويافا وتشتاق أن يرحل القبر من…

هذه المدن الساكنة" (50)

نقف في هذه الأبيات على مجموعة من الصور أولها (القبور هنا تشتهي) (والقبور هنا تطلب) (وتشتاق) وهي هنا استعارات في أفعال جاءت غريبة عن السياق، مما جعلنا أمام تنافر حيث إنها ـ أي الأفعال ـ تتطلب فاعلا يكنون انسانا وحيا، مما أكسب القبور صفة انسانية حيث شخصت ومثلت انزياحا عن الكلام العادي ينبغي نفيه لنعيد للتركيب انسجاما حتى لا يبقى كلاما لا معنى له وتفقد اللغة مصداقيتها باعتبارها أداة تواصل ومن هنا فإن من الأفعال المستعارة لا يمثل إلا أداة لمدلول أول يتطلب مدلولا ثانيا ويمكن عرض الصورة على الشكل التالي:

 
   

عرض الانزياح
   

نفي الانزياح

الدال
   

المدلول (1)
   

المدلول (2)

تطلب
   

تطلب
   

 

تشتهي
   

تشتهي
   

الافتقار الى الشيء

تشتاق
   

تشتاق
   

 

فإذا اكتفينا بالمدلول الأول فإن التركيب سيبدو متنافرا، ذلك أننا أمام تعبير منحرف يجعلنا لا نتصور أفعالا انسانية تصدر عما هو غير انساني أما حين ننتقل الى المستوى الثاني فإن التركيب يتغير إلا أن هذا التغير لا يتم إلا لأن بين المدلول الأول والثاني علاقة أساسية هي (نقص في شيء ما) فالقبور ينقصها الماء والرمل وتراب الخليل. ولا تدل هاته الأفعال فقط عن النقص بل يمكن أن تمدنا بمجموعة ايحاءات: يمكنها أن توحي بالغربة (تشتاق) أو الحزن (تشتهي) أو الضياع (تطلب الماء والرمل) وفي تشخيص الشاعر للقبور ايحاء باعتبار الشهداء أحياء وليسوا أصواتا كما أن الفعل المستعار هنا أتى في المرتبة الثانية بعد الفاعل مما أحدث انزياحا على المستوى التركيبي بحيث يكون الفعل في الجملة العربية صاحب الصدارة يأتي بعده الفاعل ثم المفعول يجعلنا نقول إن الشاعر أراد التركيز على القبور بدل الفعل الذي تقوم به، وإذا ما حاولنا أن نعيد الصورة الى كلام عادي فإن الشاعر أحس بالمرارة الناتجة عن ضياع الجثث وسط الصحاري بدون رعاية وتعلن لو أنها دفنت في الوطن بدلا من أرض النفي.

النموذج الثاني:

"فقد قتلوك أمام العيون وقالوا بأن الحريق

يذيب الحديد وتصفر منه العروق

لقد كذبوا أنما النار حزن وتوهج من وردة…

فانطفت في انتظار الشروق" (51)

في هذا النموذج نصادف من الصور منها ما ترتبط الكلمة بالشيء الذي تشير اليه بعلاقة المجاورة، أو بعلاقة المشابهة، الأولى تتمثل في كلمات "العيون" والعروق فهما كلمتان مجازيتان: المجاز المرسل حيث ذكر الشاعر الجزء وأراد به الكل ويمكن أن نمثل لذلك بالرسم التالي:

الدال
   

المدلول الأول
   

المدلول الثاني

"العيون"
   

"العيون"
   
الناس

"العروق"
   

"العروق"

فالصورتان هنا قائمتان على المجاز المرسل، حيث ذكر الشاعر جزءا من أجزاء الجسم وحقق بذلك التنافر اذ لا يمكن أن نتصور مثلا أن الأثر الذي يخلفه القتل تنعكس آثاره فقط على العروق، لكن هذا التنافر لم يكن سوى الطريق الوحيد الذي يؤدي الى الدلالة المقصودة بطريقة شعرية حقا إذ لا مجال لهذه الطريقة داخل الكتابة النثرية العادية التي تتميز بشفافيتها وقابليتها لتبليغ المعنى بعيدا عن أي انزياح عما هو غير منطقي إلا أن كلمة عيون "عروق" رغم كونها تدل على الانسان فإنها مع ذلك تظل مشحونة بعدة معان ايمائية كأن نقول إن العيون هي الحاسة الأولى التي نتلقى بها العالم الخارجي وتظهر عليها ملامح الحزن والخوف والفرح، أما العروق فهي العنصر الذي تظهر عليه حالة الخوف حين يخلو من الدم، وإذا كانت هاتان الصورتان قائمتين على المجاز المرسل فإن الصور التالية بناها الشاعر على أساس الاستعارة والكناية ويمكن تحليلها في الرسم التالي:

 
   

عرض الانزياح
   

نفي الانزياح

الدال
   

المدلول (1)
   

المدلول (2)

تصفر منه العروق
   

تصفر منه العروق
   

يثير الخوف

الحريق يذيب الحديد
   

الحريق يذيب الحديد
   

اضعاف الشيء القوي

فالصورة الأولى قائمة على الاستعارة الفعلية وهي استعارة غياب حيث لم يظهر سوى الشيء الدال (أو المدلول الأول) وغاب الثاني وهي بالتالي صورة لأنها غريبة عن السياق إذا أخذناها بمعناها المعجمي المتعارف عليه إلا أن الاستعارة هنا جاءت لنفي الانزياح حين عوضت الفعل (تصفر) باثارة الخوف. والخاصية التي تجمعها هي كون المدلول الأول ينتمي الى المدلول الثاني بحيث إن اصفرار العروق أثر من آثار الخوف، أما "يذيب الحديد" فهي عبارة عن كنائية جاءت كمنافرة هنا إذ أن الحريق من خصائصه أن يذيب الحديد لكن ما الحاجة الى ادراجه هنا؟ فهو يبدو غريبا اذن عن السياق وبذلك شكل انزياحا عن الكلام العادي الذي يحترم قواعد الكلام، إلا أننا بفضل المدلول الثاني نفك ذلك التنافر حين نعتبر عبارة "الحريق يذيب الحديد" كناية عن اضعاف الشيء القوي وهي الصفة المشتركة بين المدلولين الأول والثاني إذا اعتبرنا الحديد جسما صلبا وعنيدا فإن النار تضعفه كذلك فإن للحريق درجات القوة، فليس كل حريق بقادر على فعل (الاذابة) ويمكن انطلاقا من السياق أن توحي هاتان الصورتان بمجموعة من الايحاءات فالقتلى تم أمام الناس ومن خلاله أراد الاعداء قتل واثارة الخوف واليأس في النفوس لكي لا تواصل طريقها في سبيل التحرر والكرامة، أما إذا انتقلنا الى الصور الأخرى فإننا نجدها مترابطة فيما حيث شكلته مجموعة، الصورة الأولى هي (النار حزن) استعارة حضور إذ أن الطرفين حاضران، فأسند الحزن الى النار مما جعلنا أمام تطابق بين شيء مادي (النار) وشيء معنوي "الحزن"  جعل طرفي الصورة متباعدين، فما الخاصية التي يشتركان فيها؟ إننا نستطيع القول إن المدلول الثاني أثر من آثار المدلول الأول النار، فصور الشاعر الأثر الذي يحدثه الشيء بدل الشيء نفسه أي النار أو القتل. أما الثانية فهي مجسدة في استعارة اسمية هي (الوردة) بحيث إن هذه الكلمة لا تشير الى ذلك النبات الجميل الا في المستوى الأول أي حين نكتفي بالمعنى المعجمي للكلمة وكانت بالتالي غريبة عن السياق أي أنه لا يستدعيها، أما إذا انتقلنا الى المستوى الثاني أي الاستعارة فإن معادل الوردة المعجمي لا يعود قائما حين نستبدله بمعنى آخر ولكي يتضح ذلك نعرض الصورة على الشكل التالي:

الدال
   

المدلول الأول
   

المدلول الثاني

"فتاة"
   

الوردة بمعناها

(المعجمي)
   

"فتاة"

ونلاحظ كيف تم الانتقال من المدلول الأول الى الثاني، فنعيد للتركيب انسجامه، الا أن هذا الانتقال ليس مجانيا، إذ توجد بين الوردة والشابة خاصية مشتركة، فالعلاقة هنا هي المشابهة مما جعلنا نقف أمام الاستعارة، ويمكن القول أن تلك الخاصية هي الشباب والنضارة والجمال وغيرها من الخصائص على اعتبار أن الورود تزهر في فصل الربيع وهذا الفصل درج الناس على اعطائه دلالة الشباب فنقول: ربيع العمر ونعني بذلك الشباب كما نقول خريف العمر ونعني بذلك الشيخوخة، ويمكن أن توحي كذلك بالبراءة، إلا أننا لن نصل بعد الى ما يجمعها الا إذا أتممنا دراسة باقي الصور الجزئية في هذه الصورة المركبة فنقف على استعارة فعلية تمثلت في فعل (انطقت) الذي لا يدل على المعنى المعجمي أي الانطفاء فتم الجمع بين شيئين، أي شيء قابل للقيام بذلك الفعل (الوردة) وشيء يقوم به فعلا كالنار مثلا، ويمكن فك هذا الانزياح حين نعوض كلمة "انطفت" بكلمة تجمعت أو انكمشت، وهذه الكلمات تجمعها بكلمة انطقت خاصية مشتركة وهي التوقف عن الحركة والركون عن فعل ما، ومن هنا نضيف خاصية أخرى تشترك فيها الوردة مع الشابة الشهيدة هي التوقف عن الحركة الناتجة عن الحزن بالنسبة للشابة والليل بالنسبة للوردة، إلا أن هذا التوقف ليس أبديا إذ أن الشاعر يختم الصورة المركبة بصورة جزئية أخرى هي "الشروق" وهي استعارة اسمية غاب فيها طرف من طرفيها وأبقى الشاعر على طرف واحد هو الدال لمدلول أول هو تلك الظاهرة الطبيعية "الشروق" إلا إذا توقفنا عند هذا المدلول فإننا لن نقف إلا أمام تنافر ينبغي تحويله الى تلاؤم.

 

فنقول هو الفرح أو إعادة الحياة لحركتها، على اعتبار أن الشروق رمز الحركة في حين أن الليل واذا كان يدل احيانا على جوانب ايجابية إلا أنه هنا رمز الصمت وانعدام الحركة، ومن هنا نضيف خاصية أخرى يمكن أن تشترك فيها الوردة مع الشهيدة فإن كانت الأولى قد انعدمت فيها الحركة أثناء الليل والشابة كذلك حين استشهد فإن الشروق هو رمز اعادة الحركة لهما معا. ومن هنا أمكننا القول أن الشاعر يرفض أن يسند الموت والنهاية للشهداء حيث يعتبرهم أحياء، نخلص إذن من دراستنا لهذا النموذج الذي يشكل صورة مركبة أن الصور التي شكلته عبرت عن معان على طرفي نقيض، حيث استنتجنا من خلال الصور الأولى أنها تعبير عن رأي الأعداء الذين يعتبرون القتل بمثابة النهاية وحافز على الخوف واليأس وقتل العزيمة، أما الصور الأخرى فإننا انتظرنا منها عكس ذلك حين جاءت بعد عبارة "لقد كذبوا إنما" التي مهدت لما سنفهمه فيما بعد فجاءت الصور الأخرى لتقول إن القتل يثير الحزن لكنه أيضا حافز على الصمود (الشروق) أو النظرة الى المستقبل نظرة أمل إذ (لابد لليل أن ينجلي).

وبذلك صارت هاته الصورة جزءا من بنيان القصيدة ككل حين أدته وظيفة أسندت لها ولم تكن بالتالي مجردة زخرفية زائدة أو أنها سعت لتكون جميلة فحسب.

النموذج الثالث:

"يا نساء القبيلة أرضعن أطفالكن أناشيد

عن سالف العهد عن أنهر الذبح عن رمل

صحرائهم حين ذروا الرماد بتلك

العيون الجميلة (52)

فالصورة هنا متمثلة في التركيب التالي (يا نساء القبيلة أرضعن أطفالكن أناشيد) وأساس التنافر هنا هو كون فعل (أرضعن) لا يمكن أن يكون له مفعول به سوى الحليب وفاعل هو المرأة، أما هنا فالمفعول به هو أناشيد مما أحدث خطأ في الاسلوب إلا أن هذا الخطأ ممكن التصحيح حتى يبقى مختلفا عن غير المعقول، ومن هنا فإن الصورة في استعارة فعلية يمكن أن نعرضها على الشكل التالي:

 
   

عرض الانزياح
   

نفي الانزياح

دال
   

المدلول الأول
   

المدلول الثاني

ارضعن
   

ارضعن غير منسجمة

مع السياق
   

لقن

فالانتقال من فعل أرضعن الى فعل لقن تم انطلاقا من الخاصية المشتركة بينهما وهي: الامداد بالشيء وبفضله أمكننا أن نعيد للكلام انسجامه إلا أن كلمة ارضعن تظل مع ذلك مشحونة بظلال من المعاني والايحاءات جعلت الشاعر يفضل وضعها بدل فعل لقن فالرضاعة هي أول غذاء يتلقاه الطفل وبه يقوى على مواصلة الحياة فيه، من هنا يمكن القول أن الشاعر أراد بفعل أرضعن أن تقوم النساء بتلقين الأطفال للآلام التي مرت بآبائهم لمواصلة الطريق التحررية والثأر لذويهم ومما يزكي ذلك أن مصطلح القبيلة مصطلح "جاهلي" حيث الارتباط الوثيق بين أفرادها والثأر لمن يمس منها، ونشير هنا الى أن الشاعر يستعمل بالاضافة الى كلمة قبيلة "كلمات من التراث العربي" كالسيف والخيل والنوق والقوافل الخ، وبالاضافة الى الانزياح الذي تحقق على المستوى الدلالي فإنه أيضا تحقق على المستوى التركيبي حيث ترك فعل (أرضعن) الصدارة للفاعل النساء ولعل الشاعر بذلك أراد التركيز على النساء باعتبار المرأة أول مدرسة يمكن أن يتعلم الطفل منها الشيء الكثير، ويمكن في الأخير أن نخرج من هذه الصورة بمعان عديدة كالأمل في أطفال المستقبل وشبابه والرغبة في الثأر للشهداء.

النموذج الرابع:

"يا نساء الحنين

يا نساء التمزق قبل الوصول الى النهر

كان لنا فتية من كروم الخليل

حزنهم من حفيف الشجر

موتهم يزرع الأرض خصبا لجيل" (53)

فالصورة في البيت متمثلة في فعل "يزرع" الذي يبدو غريبا عن السياق إذ أنه يتطلب فاعلا كالفلاح مثلا أما هنا فإن الفاعل هو "موتهم" مما أحدث تنافرا في التركيب إلا أن الاستعارة تحوله الى تلاؤم حين نبحث عن مدلول ثان للمدلول الأول يزرع وإلا بقي الكلام منحرفا لا وظيفة له حيث لا يمكن قبول تشخيص الموت بإسناد أفعال انسانية اليه ومن هنا فإن فعل يزرع ما هو إلا مدلول أول لمدلول ثان هو – انطلاقا من السياق – تحفيز على مواصلة النضال من أجل العودة الى الوطن ومما يؤكد ذلك وجود كلمة حنين تمزق. والثأر للشهداء، ويمكن القول أن هاته الصورة مرتبطة بالصورة التي قدمنا في النموذج الثالث حين جاءت لتأكيد ما جاءت به الأولى وإضافة الى الخاصية التي يشترك فيها فعل يزرع ويحفز فإن الفعل الأول يوحي بالخصب والنماء والخضرة وهي كلها أشياء يمكن أن نقول عنها أنها نظرة أمل الى المستقبل.

فرغم ما يخلفه الأعداء من كلام فإن مصيرهم هو الزوال في النهاية وإذا كان الفعل قد حقق انزياحا على المستوى الدلالي فإنه أيضا حققا على المستوى التركيبي حيث قدم الفاعل وأخر الفعل ولعل في ذلك قصدا كأن يكون الشاعر أراد بذلك التركيز على عنصر الموت مثلا.
النموذج الخامس

"فانقلعي عني سأعود الى بلدي

فهناك الحب ثلوج بيضاء ونار طاهرة… وسماء زرقاء

وهناك الحب الاخضر أقوى من كل الأشياء" (54).

نقف في هذا النموذج على صور قائمة على التشبيه (الحب ثلوج بيضاء ونار طاهرة وسماء زرقاء) وهو تشبيه ضمني حيث اقترن الطرفان دون أن تدل على وجود التشبيه أية أداة، إننا إذا تأملنا المشبه به هنا المتمثل في الثلوج البيضاء والنار الطاهرة والسماء الزرقاء، نجد أن الخاصية المشتركة بينها هو الوضوح على اعتبار أن الثلج لونه أبيض ناصع وكذا الأمر بالنسبة لزرقة السماء أما عبارة نار طاهرة فإنها استعارة غياب حيث لم يتم التصريح بالشيء المدلول وبقي الشيء الدال وحده الحاضر وتم التصريح به بواسطة صفة هي (الطاهرة) التي اسندت الى النار وهذا ما حقق انزياحا عن اللغة التي تسند صفات لأشياء تختص بها، ومن هنا فإن صفات (الطاهرة) هي دال لمدلول أول يتطلب مدلولا ثانيا يمكن القول بأنه الصدق أو الوضوح والقوة وبذلك يدعم ما سبق، فالحب الذي يريده الشاعر هو الحب الصادق القوي والواضح وقد رأى في العود الى وطنه سبيلا لتحقيق ذلك، كما أن الصورة الأخيرة قائمة على الاستعارة جاءت في صفة فتم اسناد لون الى شيء غير ملون والأكثر من ذلك اسناده الى شيء غير محسوس وهو (الحب) وتلك الصفة لم تكن هي المقصودة في حد ذاتها بل أراد الشاعر أن يشير بها الى النماء مثلا فالحب عنده لن ينمو الا بالعودة الى وطنه، حيث نجد في القصيدة حديثا عن حب غير صادق يعيشه الشاعر في غربته ويمكن أن نستشف من خلال هذه الصورة حنين الشاعر الى وطنه وأحبابه وهما يؤكد ذلك أن الشاعر ختم قصيدته بهاته الصورة التي تصور تطلعاته وأحلامه.

نستطيع القول بعد دراستنا لهذه النماذج أن الصور اعتمدت على التشخيص والتجسيد واسناد ألوان لأشياء غير ملونة إلا أن الاسلوب الطاغي عليها هو أسلوب تشخيص باضفاء صفات وافعال انسانية على الجامد أو النباتي أو المجرد.

أما معاني الصور التي أفصحت عنها فقد تنوعت لتبليغ نفس المعاني حيث نجد الخيط الرابط بينها جميعا إنها تعبير عن واقع مر يعيشه الشاعر يتمثل في النفي والغربة والتعرض للقتل والاستشهاد والتشرد والحنين وغيرها من المعاني التي تصور ذلك الواقع، إلا أن الشاعر يتطلع مع ذلك الى المستقبل بنظرة أمل ومحاولة لتجاوز ذلك الواقع ويتجل باستدعاء معان كالصمود والايمان بالعودة الى أرض الوطن حيث لمسنا أن الصور موضوع دراستنا. تصور الشيء ونقيضه في نفس الانسان، أي الواقع كما هو والواقع الذي يريده الشاعر.
خلاصة

في ختام دراستنا هذه يمكن الخروج بمجموعة من الاستنتاجات العامة هي كالتالي:

1- إن الشعر الذي درسناه يبتعد عن التقريرية والمباشرة إلا أنه ليس مجرد زخرفة فنية وليس عملا جماليا مجردا ولا تحليقا في فضاء المجرد والمطلق على حساب الواقعي والتاريخي واليومي. فالشاعر ظل ملتصقا بواقع شعبه المشرد في المنافي والمخيمات وبنضالاته من أجل التحرر.

2- إذا انطلقنا من فكرة كون الشعر ابداعا يعتمد على مقومات تجعل منه شعرا هي التي حصرناها سابقا في الايقاع والصورة فإن هذا الشعر لم يغفل هذين المقومين ومن هنا حق لنا اعتباره (شعرا كاملا).

3- إنه نموذج لتطور الحركة الشعرية الحديثة إذ ينتقل الشاعر بالقصيدة من البيت ذي الشطرين المتساويين الى التفعيلة المتحررة ضمن أشطر متفاوتة الطول والقصر.

4- كما أن الشاعر تحرر من سلطة القافية الموحدة إذ لجأ الى أنواع عديدة منها، تتداخل فيما بينها في قصيدة واحدة مثل القوافي الموحدة والمتناوبة أو المقطعية أو المرسلة وهو بذلك نموذج للتحولات التي أصابت هذا العنصر لدى الشعراء المحدثين.

5- أما فيما يخص البحور الشعرية، فقد وظف الشاعر البحور الصافية التي تعتمد على تفعيلة واحدة متكررة تشكل أساس الوزن في القصيدة الحديثة، ولعل اكثر البحور استعمالا لدى الشاعر، المتقارب والمتدارك والرجز.

6- كما لجأ الشاعر كذلك الى تجريب أسلوب التدوير، حيث نعثر بين الفينة والأخرى على أبيات مدورة تشكل مجتمعة جملة شعرية بدل البيت الشعري الواحد.

7- وقيما يخص الصور الشعرية فقد لجأ اليها الشاعر ليبتعد عن الاسلوب التقريري المباشر بغية ايصال التأملات الشعرية عن طريق الايحاء وقد عدد الشاعر الأساليب التي بينت بما في تلك الصور مثل المجازات والاستعارات والكنايات والتشبيهات.

8- أما عن معجم الشاعر الخاص فيستقي عادته من التراث العربي القديم بصفة عامة وان كان يقحم بين الفينة والأخرى بعض المفردات الغربية.

9- لجأ الشاعر الى ا(المكانية) و (التاريخ) و(الاسطورة) بتحويل (اليومي) الى مادة شعرية. وبالتالي حقق (الحداثة والمقاومة الانسانية) دون أن يتورط في (شعارات) الحداثة (شعارات) المقاومة.

بيوغرافيا المصادر والمراجع
المصدر

– عز الدين المناصرة: قمر جرش كان حزينا (مجموعة شعرية دار ابن خلدون، بيروت طبعة أولى 1974 انظر كذلك: الأعمال الشعرية الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1994 وهى النسخة التي يعترف الشاعر بأنه أشرف على طباعتها.

المراجع:

– أبو اصبع صالح: الحركة الشعرية الفلسطينية المحتلة منذ 48 الى 75 دراسة نقدية المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى يناير 1979.

– انيس ابراهيم: موسيقى الشعر مكتبة الانجلو المصرية الطبعة الرابعة.

– اسماعيل عز الدين: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار العودة ودار الثقافة بيروت ط الثالثة 1987.

– بارون كزافييه (الفلسطينيون شعبا) ترجمة عبدالله اسكندر دار الكتاب بيروت ط 1 العربية الأولية 1987.

– خوري إلياس: (دراسات في الشعر) دار ابن رشد ط 1 الأول يناير (كانون الثاني) 1979.

– الدباغ محمد بن عبدالعزيز: تيسير علم العروض والقوافي مكتبة الفكر الرائد فاس ط 1 الأولى.

– راجع عبدالله: القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد منشورات عيون ط 1 الأولى 1987 البيضاء. انظر (ص 55-16).

– عصفور جابر: مفهوم الشعر (دراسة في التراث النقدي) درا التنوير للطباعة والنشر بيروت ط الثالثة 1983.

– كوهن جون: بنية اللفة الشعرية ترجمة محمد الولي ومحمد العمري دار توبقال للنشر البيضاء ط الأولى 1986.

– نازك الملائكة: (قضايا الشعر المعاصر) دار العلم للملايين -بيروت- ط6 ابريل 1983.

– فرانسوا مورو: البلاغة (المدخل لدراسة الصور البيانية) ترجمة محمد الولي ومحمد العمري دار توبقال للنشر البيضاء منشورات الحوار الأدبي والجامعي ط الأولى – فبراير 1989.

– ورين استن وويلك رونيه: (نظرية الأدب) ترجمة محيى الدين صبحي ط3،1985.

المجلات:

– ابراش ابراهيم: حقوق الشعب الفلسطيني بين قوة الحق وحق القوة: مجلة الوحدة الرباط العدد 64963 س 6(ديسمبر يناير) 1989/1990.

– أبو حلاوة كريم: دور المتلقي في العملية الابداعية: مجلة الوحدة الرباط عدد 82/83 س7 يوليو 1991.

– العمري محمد: بنية التوازن والتقابل قراءة في البلاغة العربية مجلة دراسات أدبية ولسانية فاس العدد 6 ربيع 1986.

– العمري محمد: تفاعل الصوت والدلالة في البنية الايقاعية للشعر التمفصل الدلالي والتقطيع النظمي مجلة "دراسات سمائية ادبية لسانية فاس العدد 4 شتاء 1990.

شاكر نوري: حوار مع عز الدين المناصرة، مجلة (كل العرب)، باريس، عدد 425 اكتوبر 1990.
الهوامش

1- جابر عصفور: مفهوم الشعر (دراسة في التراث النقدي) دار التنوير للطباعة والنشر بيروت الطبعة الثالثة ص 159.

2- عز الدين اسماعيل الشعر العربي المعاصر وقضاياه. وظواهره الفنية والمعنوية دار العودة بيروت الطبعة الثالثة 1987 ص 124.

3- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، مكتبة النهضة بغداد ط 2. 1965 ص 135.

4- جان كوهن: بنية اللغة الشعرية ترجمة محمد الولي ومحمد العمري دار توبقال للنشر البيضاء ط 1 ص 191.

5- عز الدين المناصرة: قمر جرش كان حزينا، طبعة أولى دار ابن خلدون، بيروت. 1974.

6- محمد العمري: تفاعل الصوت والدلالة في البنية الايقاعية للشعر: مجلة دراسات أدبية لسانية، فاس عدد 4 شتاء 1990ص 91.

7- محمد العمري: تفاعل الصوت والدلالة في البنية الايقاعية للشعر نفس المرجع السابق نفس الصفحة.

8- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر دار العلم للملايين بيروت ط7 ص 119.

9- صالح أبو أصبع: "الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة منذ عام 1948 حتى 1975 دراسة نقدية" المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 يناير 1979 من 282.

10- عز الدين اسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية مرجع سابق ص 109.

11- عز الدين المناصرة: قصيدة "جملة واحدة قالها البحر ثم استقال".

12- محمد بن عبدالعزيز الدباغ: تيسير علم العروض والقوافي في مكتبة الفكر الرائد فاس ط 1ص 195.

13- ابراهيم أنيس: موسيقى الشعر مكتبة الانجلو المصرية ط4 ص 247.

14- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، ص 195.

15- عز الدين اسماعيل: قضايا الشعر العربي المعاصر قضاياه ومظاهره الفنية والمعنوية مرجع سابق ص 113.

16- رونيه ويليك وأوستن ورين: نظرية الأدب ترجمة محيى الدين صبحي المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الثالثة 1985 ص 167.

17- عز الدين المناصرة: قصيدة كنعان صابر لن يستنكر.

18- عز الدين المناصرة: قصيدة توقيعات حفل التدشين.

19- نفسه: قصيدة قمر جرش كان حزينا.

20- عز الدين المناصرة: قصيدة دادا ترقص على ضفة النهر.

21- عز الدين المناصرة: قصيدة مزيدا من الأغاني.

22- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر نفس المرجع السابق ص 91.

23- عز الدين المعاصرة: قصيدة توقيعات الى السيدة ميجنا.

24- عز الدين المناصرة: قصيدة دادا ترقص على ضفة النهر.

25- عز الدين المناصرة: قصيدة توقيعات حفل التدشين

26- الياس خوري: دراسة في نقد الشعر دار ابن رشد الطبعة الأولى يناير (كانون الثاني) 1979 ص 101.

27- صالح أبو أصبع: الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة المرجع السابق ص 338.

28- عز الدين المناصرة: قصيدة قمر جرش كان حزينا.

29- عز الدين المناصرة: قصيدة دادا ترقص على ضفة النهر.

30- عز الدين المناصرة: قصيدة كنعان صابر لن يستنكر.

31- محمد العمري: بنية التوازن قراءة في البلاغة العربية، مجلة دراسات أدبية لسانية فاس. ربيع 1987 ص 5.

32- عز الدين المناصرة: قصيدة كم ستكون الساعة ؟!!

33- عز الدين المناصرة: قصيدة جملة واحدة قالها البحر.

34- كوهن جان: بنية اللغة الشعرية ترجمة محمد الوالي محمد العمري مرجع سابق ص 51.

35- أولمان ستيفن: الصورة الأدبية للأسئلة المنهجية ترجمة محمد اتقار محمد مشبال مجلة دراسات سميائية أدبية لسانية، فاس العدد 1990 ص 79.

36- عز الدين اسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية مرجع سابق ص 124.

37- عن اولمان ستيفن الصورة الأدبية بعض الأسئلة المنهجية مرجع سابق ص97.

38- كوهن جان بنية اللغة الشعرية مرجع سابق ص 40.

39- جان كوهن: بنية اللغة الشعرية مرجع سابق ص 110.

40- فراسوا مورو البلاغة المدخل لدراسة الصور البيانية ترجمة محمد الولي وعائشة جرير الحوار الاكاديمي والجامعي الطبعة الأولى فبراير 1989ص 11.

41- فرانسوا مورو: نفس المرجع السابق ص 8.

42- فرانسوا مورو: نفس المرجع السابق ص 11.

43- فرانسوا مورو: نفس المرجع السابق ص 58.

44- عبدالله راجع: القصيدة المغربية ودلالة الايحاء تشير الى الاستجابة العاطفية البيضاء الطبعة الأولى 1987 ص 16.

45- ستيفن أولمان: الصورة الأدبية بعض الأسئلة المنهجية مرجع سابق ص 101.

46- فرانسوا مورو: البلاغة المدخل لدراسة الصور البيانية مرجع سابق ص 60.

47- جون كوهن: بنية اللفة الشعرية، مرجع سابق ص 196.

48- أولمان ستيفن "الصورة الأدبية بعض الأسئلة المنهجية" مرجع سابق ص 109.

49- نفسه ص 109.

50- عز الدين المناصرة: قصيدة كم ستكون المسافة ؟!!

51- عز الدين المناصرة: قصيدة كم ستكون المسافة:::

52- عز الدين المناصرة: قصيدة قمر جرش كان حزينا.

53- عز الدين المناصرة: قصيدة قمر جرش كان حزينا.

54- عز الدين المناصرة: قصيدة الحب لونه أخضر.
 
 
مولا حفيظ بابوي (استاذ جامعي من المغرب)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …