أخبار عاجلة

المفكر الراحل عبدالله القصيمي أوحقيبة الانشقاق التي أفضت من منفى إلى منفى محاولة تمهيدية للبحث عن المنظومة المفقودة

في  مطلع السيتينات اقتحم الحياة الفكرية  العربية صوت جديد غير مألوف في نبرته التمردية الشاملة,يستخدم لغة احتجاج حارة لم يسبق للمعجم العربي  أن استولد لها هذا الموشور العريض والمتفجر من مفردات الانشقاق ,ويتكيء على طرائق في المحاججة  (العقلية والوجدانية التأملية المنسرحة على هواها والمنطقية المنحصرة في نطاق ملموس ومضيق  كخرم إبرة),تبدو كمن تحررت نهائيا من وطأة المحرم أيا كان,وكمن انفلتت من أي عقال- تقليدي  أو غير تقليدي – من النوع الذي لجم ويلجم قواعد التفكير العربي في المسائل الفلسفية أو السوسيو  – سياسية أو الأخلاق أو الفقهية.

  « يتكلم كالشهيد الحي »

وفي مطلع الستينات استهدف عبدالله القصيمي العقل العربي بكل ما كان يتعايش أو يتصارع في جنباته من تيارات وأفكار، سلفية كانت أم ثورية, يمينية أم يسارية, ملتزمة بهذا اليقين أو عدمية بصدد أي يقين. وكان لهيب نجد وجزيرة العرب يزيد من سخونة التأملات الحارقة التي بدت عل حافة التفكير العقلاني لكل وجدان, والتحصين الوجداني لكل عقل. ولم يكن بغير دلالة كبيرة أن الأوساط الثقافية التي أبدت ترحيبا خاصا بظاهرة القصيمي، مثلما أبدت بسالة وعنادا نزيهين في تقديمه والدفاع عنه في أوقات ضنكة. كانت هي ذاتها الأوساط التي تخوض معارك الريادة في الأدب والفن والفلسفة, وتجد في أفكار القصيمي حاضنة طبيعية لاجتهاداتها وصراعاتها.

وفي أواسط عام 1966، في زمن عربي مضطرم كانت فيه بعض الأقلام (المرموقة والناجزة !!) تعتبر قصيدة النشر مؤامرة استعمارية لتدمير اللغة العربية, لم يكن من المستغرب أن يذهب أنسي الحاج في حرارة دفاعه عن القصيمي الى حد القول:

«هذا الرجل القادم من الصحراء الرافض كل شي ء، الحر في وجه كل شي ء، يتكلم كالشهيد الحي. ماذا يريد؟ يريد أن يفرغ الدنيا العربية من نفسها ويؤلفها على الحرية, والعقل, والكرامة. كتبه فضيحة تاريخية فضيحة أن يكون العقل العربي قد ظل حتى الآن خاليا من عبدالله القصيمي (…) فضيحة, عبدالله القصيمي، تفضح ألوف ناسخي الكلمة العربية كل يوم من المحيط الى الخليج ه. «إقرأوا القصيمي. لا تقرأوا الآن إلا القصيمي. يا ما حلمنا أن نكتب بهذه الشجاعة ! يا ما هربنا من قول ما يقول ! يا ما روضنا أنفسنا على النفاق, وتكيفنا، وحطمنا في أنفسنا الحقيقة, لكي نتقي شر جزء مما لم يحاول القصيمي أن يتقي شر قوله في كتبه » (الحاج, 1987: 283).

وعن القصيمي كتب أدونيس:

«لا تستطيع أن تمسك به. فهو صراخ يقول كل شي ء ولا يقول شيئا. يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا. إنه الوجه والقفا: ثائر ومتلائم, ملتزم وغير ملتزم, بريء وفتاك. وأنت عاجز عن وصفه. فهو بركان يتفجر. والحمم كلمات تحرق, لكن فيما تزرع العشب. تهدر وتتآكل وتتفتت, لكن فيما تهدل وتتناسل وتتكاثر. فهو تيار جامح مهيب من المد والجزر، من الانقراض والانبعاث, من الجمود والحركة. مسكون بشحنة الاحتجاج, مسكون بشحنة القبول بعجز الاحتجاج, متناقض ومنطقي وعقلاني، معتم وصاف: كأنه الرمل وقطرة المطر (…) عبدالله القصيمي، في الفكر العربي، حدث ومجيء: حدث لأن هذا البدوي الآتي من تحت سماء المدينة ومكة, صوت هائل فريد. ومجيء، لأن في هذا الصوت غضب الرؤيا والنبوة » (أدونيس 1993: 236-237).

وكانت الصدمات تتوالى مع صدور كل كتاب جديد، مغفلا كالعادة من اسم دار النشر أو مكان الصدور. ومحتويا ~ ضمن ما يشبه العادة الاستفزازية المزمنة _على الالغام الناسفة الكبرى منذ الاستهلال الأول في الصفحة الخارجية. على غلاف كتابه "العالم ليس عقلا» يقول: «الثوار والقادة والفنانون والمفكرون قوم من المرضى والمتعبين, يعالجون آلامهم بتطبيب الآخرين »،فيبدأ من هجاء الجمهرة التي ينتمي اليها هو نفسه, شاء ذلك الانتماء أم أبده. وعلى غلاف "كبرياء التاريخ في مأزق » يتابع خط الهجاء ذاته بعد توسيعه لكي يشمل مفهوم الكلام والكتابة: «الكاتب والمعلم العظيمان هما أقسى عقاب يقلقاه الإنسان جزاء على اختراعه الكلام والكتابة والتعاليم. أما الكاتب والمعلم الرديئان فهما أقوى ثناء على الكائنات التي لا تستطيع أن تتعلم الكلام والكتابة والتعاليم ».

ولكي يعلن على الملأ امتداحه للعصيان وللعصاة صانعي الحضارات بفضيلة خروجهم على الإجماع المعمم, فإنه يصدر كتابه «الإنسان يعص.. لهذا يصنع الحضارات » بالعبارة التالية: «إنه لولا أفراد عباقرة عصاة قليلون يجيئون كولادة الشي ء من غير أبويه أو كولادة الشي ء بلا أبوين أو كولادة الشي ء نقيضا لأبويه. ليهبوا الحياة جميع قفزاتها الجديدة المتتابعة, ولكي يكونوا فيها العصاة الهدامين الأتقياء. لما كان الانسان فقط أردأ الكائنات حظا بل ولكان أكثر الكائنات بلادة وهوانا وتعاسة..» وأما كتابه «العرب ظاهرة صوتية »، وهو العمل الأشهر رغم أنه ليس الأبرز, فقد تصدرته الفقرة التالية: «إنه لا أضيع أو أخسر أو أردأ حظا ومجدا من كتاب عظيم أو جيد يتكلم اللغة العربية ويكتب بها مخاطبا الإنسان العربي.. إن اللغة العربية لنكون إلا كفنا غير مجيد أو نظيف لكل فكر أو معنى عظيم أو حر أو صادق أو شجاع أو مبدع يعب بها، أي لو كتب بها.. وهل يحدث أن كتب بها؟…».

متواليات االبصق واالبصق المضاد

المترادفات في العبارة الأخيرة (أضيع, أخسر، أردأ/عظيم,جيد/مجيد، نظيف / فكر، معنى / عظيم, حر, صادق, شجاع, مبدع ) ليست مجرد بصمة أسلوبية لكاتب يكثر من استخدام التكرار والعطف, بل هي علامة مركزية تؤشر على طبيعة هذا الفكر الذي لا يكف عن التقلب على أكثر من نار واحدة في الآن ذاته, ولا يكاد يطيق الاستقرار لبرهة خاطفة في دلالة بعينها لمفردة محددة, وهو بالتالي يتشك أبدا، ولا يشيد أية عمارة إلا لكي يسارع الى هدمها كأنما صب ملاط ما هو مؤقت في حجر الأساس ومنذ اللبنة الأولى, وكأنما تكمن علة تشييد العمارة في حقيقة أنها قابلة للتقويض والنقض.

وهذا الترادف سمة عضوية حتى حين يفضي في أقصى نماذجه الى الهتاف المثالي, المشبوب لأنه يحاول مقاربة الحقيقة البسيطة من موقع متسام على بشر تلك الحقيقة, والاتهامي لأنه لا يستطيع أن ينضوي سوي في خطاب فضاح للانضواء…. أي انضواء في الواقع, أو تسعة أعشار ما اعتاد البشر على الانضواء فيه.

"أتمنى بل وأطالب أن يكون فوق كل منبر عربي وعلى غلاف كل كتاب عربي وعلى الصفحة الأولى من كل صحيفة عربية وعلى كل قلم وفم عربي، هذا الهتاف أوالا نشاد أو التمجيد:

أيها الكذب البليد, أيها النفاق الفضاح المفضوح, أيها الغباء الجاهل, أيها الجهل الغبي، أيها الصهيل العقيم البذيء، أيها السقوط أيها العار الفكري والنفسي والأخلاقي والفني والتعبيري…إن كل المجد والسلطة لك…"(القصيمي 1977،5).

هنا أيضا لا يكون التكرار الكثيف لأحرف العطف والنداء عثرة أسلوبية أو انسياقا وراء لهفة مشحونة لوضع الجميع في السلة وسرد أكبر قدر متاح من لرائح الاتهام, بل هو أقرب الى استخدام مبضع واحد لتنفيذ تشريح شامل واحد بضربة معممة واحدة واللفة عدة خطابية في سياق ما يسميه القصيمي بـ "البصق في الرأس », استنادا. في واقع الأمر. الى حقيقة أن الإنسان "كائن لغوي, وكينونته اللغوية هي أشمل كينوناته الإنسانية " واللغة الإنسانية " جهازإنساني هائل وشامل للتغيير والتخطي والخلق والإبداع والرفض والرؤية المخترقة بلا حدود أو حواجز". هي بالتالي بيت القصيد عند رجل يهاجم ويستفز ويهدم, وهو يدرجها في عداد أسلحته الاستراتيجية لتحقيق قسطه, هو من البصق في الرأس.

" إنها (كينونة الإنسان اللغوية ) أشمل من كونه كائنا مفكرا أو متدينا أو أخلاقيا أو مذهبيا أو عاطفيا أو غير ذلك من مزايد الإنسان أو من خصائصه التي هي ليست مزايد وان كان قد تفرد بها دون سواه (…..) إنه باللغة رأى إلهه ونبيه وبطله وزعيمه وقديسه ودينه ومذهبه ونظامه وتاريخه ووطنه (…) أنت كائن لغوي، إذن أنت حتما مستفرغ وقاذف ملق في غيرك, وغيرك مستفرغ قاذف ملق فيك. أنت حتما مستفرغة فيك الآلهة والأنبياء والتاريخ والأديان والمذاهب, ومستفرغها على غيرك لأنك كائن لغوي". (القصيمي 1977- 75- 77).

وماذا عن عبدالله القصيمي نفسه في هذه السيرورة من البصق والبصق المضاد؟ من الواضح أن ضمير المخاطب في النص السابق, وفي جميع كتابات القصيمي دون استثناء، هو حامل التعميم ومحموله, الجسد العريض الذي يخضع للتشريح بقدر ما يحرض عليه, والهدف البعيد للتأمل الفلسفي في المعضلات مثلما هو الهدف القريب للتدليل على قرائن تلك المعضلات. وقاريء القصيمي ملزم بالوقوف في موقع ضمير المخاطبة ذاك, ويتحسس أغرار نفسه حتى حين يتصل الأمر بنفس تبدو"أخرى" أو" مطلقة " أو "معممة " لا لشيء إلا لأن القرائن تسبح في محيط بلا ضفاف, وتشير الى ملموس نفسي وشعوري وأخلاقي وسياسي دون أن تحصره في معطيات معينة (أيا كانت في الواقع ) ملموس واحد بعينه يتيح للقاريء فرصة الانفلات واقصاء ذاته عن تجربة التشريح.

والقاريء ذاته يتحمل الكثير من مشات قراءة مفتوحة على مصراعيها، لاسيما حين يدرك أن الكم الهائل من الصفحات التي سودها المفكر الراحل كانت أشبه بحلبة تتصارع فيها شتى المذاهب والأفكار والتيارات ويأخذ بعضها بتلابيب البعض, فيعيد العبث إنتاج بضاعة سبق أن سحبتها الأخلاق من التداول, ثم تجلب السياسة عضوا جديدا الى مبضع التشريح بعد أن أعمل فيه الموقف العدمي من الوجود تمزيقا، ويحاول علم النفس إضفاء شاعرية إنسانية بريئة على ركام كلامي عجزت تنظيرات علم الجمال عن تزويده بأي معنى، وتسعي"القيمة الميتافيزيقية " الى التعويض عن غياب "القيمة الحضارية" وهكذا… اللغة في ذلك كله, تواصل ألعابها طي نص يتدفق نقدا ويقطر مرارة, ولا يلتقط أنقاسه مرة واحدة بعيدا عن مثار نقع الاستفزاز الأقصى وصدمة الهتك المباغت.

بعض هذه الاستراتيجية وفي أمثلة عديدة سائر عنا هوها تتكرر على مدار كل صفحة تقريبا في أي فصل وأي كتاب وللمرء أن يضرب الأمثلة بطريقتين: استعراض فهارس الكتب (التي تتألف عادة من مقالات مستقلة, طويلة عموما وقصيرة في حالات نادرة ). والاستعراض التحليلي للخط البنائي (المتعدد، المتقلب, المتغاير، والمتنوع ) في المقالة الواحدة.

ماركس والمعتزلة… ساوتر والقوأمطة

كتاب "أيها العقل من رآك " يتألف من 477 صفحة من القطع الكبير، و11 مقالة, تسير عناوينها كما يلي: أنت لا تستطيع أن تكون ملحدا / أكبر التحديات لعبقرية الوجود/ خصاء دولي للإنسان / من الوحشية أن تكون أخلاقيا/منطق الكون ومنطق الإنسان / الله في أفواههم.. وفي أعضائهم الشيطان /كل وجودي.. تداو من وجودي / الغباء خبز عالمي/ أيها العقل من رآك.

هذه المطحنة الحرة تتضح أكثر مع عناوين كتاب"كبرياء التاريخ في مأزق " الذي يتألف من 530 صفحة و 18 مقالة: هذا الباب قتلني كل صباح مرتين / الى كل طغاة العالم / وأما الاشتراكية…/ رسالة من برغوث الى إنسان / بين فساد له نسب وفساد يبحث عن النسب بضراوة / العبقرية بلا ذكاء / عصر الصراصير الزعماء / المذهبية والدعاية والثورة وحوش عالمية تفترس الإنسان / هل الشرف ضد الحياة أم الحياة ضد الشرف / هل الصر صار اشتراكي؟/ الذباب على عيون الأطفال يؤكد أخلاقية الكون / الرضاعة العقلية من الأثداء الميتة / نحن نفكر لنعاقب ونشتم, لا لنعالج / خطاب مفتوح الى المادة / هل الحرية كسب للإنسان أم للصوص ؟/ لست حرا لأنك تحيا / البطل طفل يذل كبرياء التاريخ / هل نعاني لأننا نحيا أم لأننا لا نسكن القمر؟

و663صفحة من كتاب"فرعون يكتب سفر الخروج " تدور حول الموضوعات التالية:

الإيمان بحث عن متهم بكل الذنوب / إنهم لا يرون لأن لهم عيونا / لا تحدق في القمر/ كيف ابتكر الإنسان عقله ؟ / الفكر جهاز لا يمكن تصحيحه / لماذا الوهم أعظم مجدا من الحقيقة ؟ / وحينئذ ستظل عاقلا مهما أصبحت مجنونا / فرعون يكتب سفر الخروج / أيهما الوحش: أنيابه أم أمعاؤه ؟ / كل جواب يصبح سؤالا بلا جواب / إذا تقادمت المذاهب والأرباب / لماذا يا أنا؟ / سب الشيطان عزاء لأحزان القديسين / غباء الإنسان تعويض له عن قسوة الطبيعة عليه.

وكتاب "أيها العار إن المجد لك " وهو أكثر أعمال القصيمي تركيزا على المسائل السياسية وشؤون الساعة. يتألف من 597 صفحة وتحمل مقالاته العناوين التالية: أريد أن أتعلم الصدق / أتمنى له مزيدا من الحضارة ونقصانا في صهيل العروبة لم هذا الجنون أتمناه للإنسان العربي / بهذا السلاح نسب السحاب / لا تقرأ لئلا يصغر آباؤك / الطغيان لا يقتل الموهبة ولكن يفسد أخلاقها / ماذا يبقى لهم لولا أحقادهم ؟ /لئلا تصبح زعيما أو نبيا.

ومن الواضح أن موشور الموضوعات في هذه الكتب والمقالات عريض ومتباعد بسبب من طبيعة ما يتناوله وموسع الى درجة الإنفلات بفضيلة ميل القصيمي الموروث الى التكرار والمرادفة. ثمة تناول لمسائل فقهية ودينية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وفلسفية. و~ نزعات عدمية وعبثية ومنطقية ووجودية وايمانية والحادية وارادية. وعلى امتداد الصفحات لا يخطي، القاريء طريقه الى أفكار المعتزلة والمتصوفة والقرامطة, ثم ديكارت, نيتشة, فيفل, ماركس, هايدغر، سارتر… ذلك لأن فكر عبد الله القصيمي يسير على إيقاع متقطع نزق, هو ربما إيقاع "البصق والبصق المضاد” لكي نستخدم تعبيره الفريد, دون أن يعبأ بحدود ما يمارسه من تشريح وتطهير, ودون “أن يكون التبشير بالخروج والانشقاق مسقوفا بأية خطوط صارمة تفصل موضوعيا (لأنها أساسا تتجاوز التأمل المحض لكي تهبط الى قاع الواقع الفعلي المحض ) بين مادية كارل ماركس التاريخية التي تريد للفلسفة أن تتصدى لتغيير العالم بعد أن نامت طويلا على حرير تفسيره, ووجودية هايدغر الظاهراتية التي تقتفي خطي الكائن في دائرة ضيقة من اقتران الوجود بالزمن وعجز الكائن عن مغادرة الدائرة أو حتى المشاركة في أطوارها.

الطريقة الثانية لالتقاط القصيمي والإمساك ببعض المفاتيح المنتظمة في اضطرام أفكاره, هي محاولة البحث عن مخطط تحليلي ما لأي من مقالاته. وهذه, بدورها مهمة شاقة لأن الاستطراد.، والتكرار, وتدوير الفكرة الواحدة على أكثر من محور، والتحلل من أي ناظم منهجي في الصياغة وتطوير المادة, تظل سمات دائمة ؤ نصوصه. ذلك لا يمنع القاريء من الانشداد الى شبكات النص (إذ لا توجد شبكة واحدة من نوع يتضح نسيحه بعد القراءة الثانية أو الثالثة أو.. العاشرة ), سواء بتأثير الصدمات المتتالية التي تخلفها الأفكار ذاتها، أو تحت ضغط البحث عن الخيوط الناظمة ذاتها (وهي التي لا توجد إلا نادرا).

في مقالته الطويلة "الإنسان.. هل خدع خيال الآلهة " والتي تشغل 138 صفحة من "به "الإنسان يعصى.. لهذا يصنع الحضارات ء يتناول القصيمي منظومة الأفكار التالية:

– صفحات التاريخ تتعاقب لكي ترضى السجل التاريخي والأمجاد الشخصية للزعماء والمجانين. والتاريخ يظل بذلك "عميلا وقحا (….) وكأنه لا عبقرية له غير ذلك ».

– لو هبط "كائن فلكي"ما الى الأرض, فهل سيكون قادرا على فهم أهل الأرض ؟ (هنا يستطرد القصيمي في سلسلة أسئلة طويلة تبدأ بـ"هل » وتتواصل على امتداد خمس صفحات ).

سوف يحار ذلك الكائن في فهم نقائض الأرض: الإيمان الشبيه بالكفر، الحق والباطل الصدق والكذب, الذكاء, والغباء، الجمال والدمامة, النظافة والتلوث… (وهنا يخرج القصيمي عن هذا التفصيل ليستطرد مطولا حول نسبية الأحكام العقلية والأخلاقية والفلسفية و….).

_ سوف يحار أيضا في تفسير العلاقة بين البشر والقوى الروحية الخارقة, وكيف يبتكر الإنسان بنفسه التصورات المناسبة لأبطاله وقديسيه (وينتقل القصيمي فجأة الى ضمير المخاطب ليقول: «لقد مت, لقد مات ذكاؤك ورفضك وغضبك واحتجاجك ورؤيتك لأنك تغذيت طويلا طويلا بالخراب وبالفواجع وبالحشرات. لأنك تغذيت طويلا طويلا بعاهات (…) وذنوبها وبعا هات الطبيعة وذنوبها وبعاهات البشر وذنوبهم وبعا هات ذاتك وذنوبها").

ــ الكائن الفلكي سيجري حوارا قاسيا مع افتراضاته وتصوراته فيستغرب أن البشر "لم يفطنوا الى أنهم لم يزالوا يهجون أنفسهم ». وحين يقرأ ما يسميه البشر «آدابا وشعرا وفنونا ومنطقا وعقائد ومذاهب وصلوات ودعايات وتعاليم وعظات وخطبا وبيانات وصحافة وأبحاثا ومجادلات » يدافعون فيه عن «الحق والصدق والذكاء والعدالة والكرامة الإنسانية ». فإنه سيجد العبث الشامل في كل ما ينتج من إبداع (وعلى امتداد 15 صفحة يقدم القصيمي هجاء مريرا شبه تعميمي للشاعر والروائي والقصاص الذي يسعى الى «قول كلمة واحدة لا تحتاج الى أن تقال » ولكي يثبت أنه «سخيف وبليد وأناني, وأنه مسافر سفرا طويلا ومرهقا دون أية حاجة الى سفر، دون أية حاجة الى أقصر سفر". وهذه محاججة تستغرق سبع صفحات.

ــ والقصيمي يتناسى الكائن الفلكي لبعض الوقت, ويتفرغ تماما لتقريع ضمير المخاطب في علاقته القاصرة بالاسم والتسميات (المقتصرة على البشر دون سواهم !). لكنه يرتد من جديد الى الكائن والإنسان فيرثي لحال النوع الثاني ويحسد النوع الأول على نعمة العيش بعيدا عن المعنى، ولكنه يجبره على قراءة صحافة البشر والاستماع الى وسائل إعلامهم بعد تحذيره من أن هذه «ليست سوى أجهزة توصيل واطلاق وتفجير, لتفجر وتطلق في آذان وأعصاب وعقول ضمائر وأخلاق وتدين البشر، كل الوقت, بكل اللفات والأصوات والتوترات كل ما في الزعماء والقادة والطغاة والمعلمين, وكل ما في المفسرين لهم والمبشرين بهم, والمصلين لجبروتهم ورهبوتهم ورغبوتهم ». (القصيمي 1972_أ: 169_208).

شريد في الفلسفات والحغوافيا

المقالة بالطبع لا تنتهي هنا والعرض أعلاه هو محتوى زهاء 40 صفحة منها فقط لكنها تسير على المنوال ذاته,و مثلها في ذلك مثل معظم نصوص القصيمي باستثناء عدد محدود للغاية من المقالات القصيرة ذات الموضوع الواحد المتجانس. والرجل كان, على الدوام في الواقع ملتزما بتقديم العوالم التي تسكنه, وبالتصادم العقلي والعاطفي مع الظواهر، وبمواجهة الألم من أجل مقاومته كما صرح ذات يوم في الحوار الذي أجراه معه أدونيس:

أريد طرد الألم, كل الألم. وليس كل ما لحبته إلا احتجاجا على الألم والقبح. ولكن حوافزي ليست غيرية. إنها ذاتية فأنا أحارب الأشياء لأني أنكرها, لا لأن الآخرين ينكرونها فأنا أقاومها من داخلي لا من داخل الأخوين (…) مقاومة الألم ناتجة عن مواجهتي للألم, وأنا والألم.، أو أنا والحقيقة الصانعة للألم, كلانا عبث, فعبث يقاوم عبثا (..) إنها (الحياة ) ورطة يرفضها منطقي بلا حدود، لأنها تلوث وعجز وضعف وألم ولكنني لا أستطيع أن أتخلص منها بقدر ما تعجز الحشرة التي أذمها بكل لغاتي وبكل أشعاري عن أن ترفض وجودها غير النظيف وغير العظيم ». (أدونيس 1993:236ــ244).

ولعل مقالته «دفاع عن إيماني» الواردة في كتابه «العالم ليس عقلا» هي أبرز الأمثلة على الصنف النادر من النصوص التي يبدو فيها القصيمي أكثر ميلا الى التنظيم والتطوير المتصاعد للافكار. وهي من جانب آخر, تتسم باهمية خاصة لانها الوثيقة الأكثر وضوحا حول موقفه من الإيمان. وهذا ما يعلنه منذ السطور الأول حين يقول:

"إيماني بالله والأنبياء والأديان ليس موضوع خلاف بيني وبين نفسي أو بيني وبين تفكيري. ولا ينبغي أن يكون موضوع خلاف بيني وبين قرائي.. ولو أردت من نفسي وعقلي أن يشكا لما استطاعا، ولو أرادا مني أن أشك لما استطعت. ولو أني نفيت إيماني لما صدقت أقوالي. فشعوري أقوى من كل أفعالي ! (…) إن الحقائق الكبرى لا تسقطها الألفاظ, كذلك الإيمان بالله والأنبياء والأديان من الحقائق القوية التي لا يمكن أن تضعفها أو تشك فيها الكلمات التي قد تجيء غامضة أو عاجزة أو حادة لأن فورة من الحماس قد أطلقتها. إن إيماني يساوي: انا موجود، إذن أنا مؤمن. أنا أفكر, إذن أنا مؤمن. أنا إنسان إذن أنا مؤمن ». (القصيمي 1963ــ ب:5).

وهذه الديكارتية المعدلة هي واحدة من الرؤوس الفلسفية المتعددة التي تصنع هندسة ما للمنظومة الفكرية العريضة وراء مؤلفات عبدالله القصيمي وسيرته الحافلة منذ التتلمذ على أيد فقهية في الأزهر, مرورا بالأطوار الوسيطة حين ضاقت به أرض العرب على ما وسعت فطردته الصحراء الى القاهرة لتسلمه هذه الى بيروت فترده "عاصمة الديمقراطية العربية " على اعقابه الى القاهرة من جديد، وانتهاء برحيله الترابجيدي الصامت في زمن استبق هجاءه منذ الخمسينات وتنبأ بحلكة ليله وبذاءة وقائعه.

واذا كانت هذه طبعة خاصة من الديكارتية, فليس لأنها تخفي ضعف الكائن أمام سطوة شرطه الوجودي وبحثه المحموم عن تمثيل نفسه في الصورة القصوى للكمال, وضمن أعقد معادلات التكامل والتنازع مع قوى الطبيعة المحيطة به. والقصيمي كان نموذجا تراجيديا فذا للإنسان الباحث عن المعنى حتى في ذروة هجائه لكل وأي معنى، وحتى حين كانت دوائر الوجود تقوده من عبث الى عبث, ومن استلاب الى استلاب, وانصاف الرجل يقتضي أن يشقى قارئه طويلا، وأن يتحلى ببعض كثير من قلق وأسئلة وتوثب روح القصيمي, قبل أن تكون مشوبة القاريء أن يكسب هذا المزيج الانساني المدهش من امتزاج الرؤى والفلسفات, وهذا التجواب الاستثنائي في مجامل العقل والروح والجسد والمخيلة, وهذه الجرعة من التمرد: النزق بقدر انطوائه على السكينة والشجاع بقدر عجزه أمام ما هو خارق عصي على الثورة الإنسانية.

ويبقى أن بين أهم السمات المعيارية في هذه الصيغة القصيمية أنها لا تكتفي بنفسها البتة ولا تتنامى في أي حدود رسمتها لنفسها, لأنها _ في آن تركيبي واحد _ اعتزالية تصوفية قرمطية كانطية ماركسية, ديكارتية هيغلية نتشوية سارترية. وهنا, معيار جوهري لا يفسر عن وفها عن صياغة منظومة ختامية فحسب, بل عجزها الموروث عن القيام بذلك, ومهنا مقتلها كمنظومة فكرية غائبة, وبالتالي غير مؤهلة للانقلاب الى قوة مادية حينما تتبناها الجماعات ذات المصلحة في تحويل الفكر الى حاضنة لتفريخ الايديولوجيات في الحظائر الحزبية للفلسفات والطبقات والسلطات.

ولكن.. ههنا أيضا فضيلتها الانشقاقية الرفيعة, اللائقة بالميل الإنساني النبيل الى تجاوز الراكد وتطوير الحركة والتطلع العنيد الى ما هو كامن خلف الحلم وفي الباطن المحرم من تخوم التفكير. لكأن عبدالله القصيمي سطر أقداره بيديه, في كتاباته, ومواقفه التي قادته من منفى الى منفى, وليس بغير أسباب وجيهة وهو الذي اعتبر أن "الحضارة كلها ليست إلا نتاج الصراع بين الجماهير والمفكرين المصلحين, وعلى الأصح ليست إلا صراعا بنين قادة الجماهير المخادغين وبين المفكرين الذين لا يحسنون فن خداع الجماهير" (القصيمي 1963: 454) والحق أن الرجل لم يتقن قط ــ ولم يحاول أصلا أن يتعلم ـ فن خداع الجماهير, وكان على العكس بارعا للغاية في جرحها, وخدش ثوابتها, وهجاء ركودها إزاء ضرورة اجترار التجاوز, ومرا وحتها العقلية والوجدانية في مكان لم يكن في نظره مخصصا مرة واحدة لجسد الكائن الإنساني المتمرد. ولا لكينونته العبقرية.

وفي رسالة الى الصحفي السوري زهير مارديني مؤرخة في أواخر عام 1972، أعلن عبدالله القصيمي أنه قرر إحراق كتبه الثلاثة الأخيرة بسبب ه هزيمة أقسى وأكبر من جميع التفا سير والتحديات والتساؤلات ». وبعد عام, في رسالة أخرى، كتب يصف مراحل حياته الثلاث: «السلفية » التي انتهت بطرده هن الأزهر, " الثورية " التي بدأت مع محاكمة كتابه "هذي هي لأغلال » وتواصلت مع طرده من مصر, و"الراديكالية العدمية » التي احتضنتها مناخات بيروت الستينات وانتهت بطرد« من لبنان وعودته مجددا الى مصر.

وهذا الشريد في اللغات والفلسفات والجغرافيا يتشبث في أوج عذابا ته, بسخرية رواقية مريرة فيعب: «أخر رسالة منك وصلت الي بأسلوب ما قبل ابتكار جميع المواصلات البدوية والحضارية. لقد قطعت الطريق منك الي في خمسين يوما، في عصر الصعود الى القمر في ساعات وصلت الى, أي رسالتك الأخيرة مهتوكة العرض, ممزقة الثياب, متسخة الجلد، مشوهة الوجه والقفا, مهانة الطلعة والملامح والضمير" (القصيمي, 1988: 41) كما أنه لا يتنازل عن استرتيجيته العتيقة في التقلب عل أكثر من نار واحدة في الآن ذاته. ورفض الاستقرار لبرهة وجيزة على دلالة بعينها لمفردة محددة.

ومن أثار كل هذه الفضيحة التاريخية, على حد تعبير أنسي الحاج, كيف له أن يأمل بأزمنة لا تكيل له الصاع صاعين: هتكا وتمزيقا وتوسيخا وتشويها واهانة ؟

المراجع:

1-أدونيس (1993): «النظام والكلام »، دار الآداب _بيروت.

2- الحاج, أنسى (1987): «كلمات كلمات كلمات – الجزء الأول, دار النهار-بيروت.

3-1لقصيمي عبدالله: (1963- أ) «ايها العقل من وآك »_مكان الطبع غير مذكور.

4- ……………..: (1962- ب ) «العالم ليس عقلا» _غير مذكور.

5- ……………..: (1966) "كبرياء التاريخ في مأزق » ــ دار الكاتب العربي بيروت

 6-   ………..: (1972- أ) «الإنسان يعصي.. لهذا يصنع الحضارات » -غير مذكور.

7- ……………..: (1972- ب ) «أيها العار إن المجد لك » -غير مذكور.

8-……………..: (1972- ج ) «فرعون يكتب سفر الخروج « -غير مذكور.

9-……………..: (1977) «العرب ظاهرة صوتية » – مطابع شركة مونمارتر-باريس.

10 -……………..: (1988) " رسائل عبدالله القصيمي» – مجلة "الناقد" العدد السادس, كانون اول (ديسمبر).
 
 
صبحي حديدي (كاتب ومترجم سوري يقيم في باريس)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …