المينا.. بهجة الصياغة الإسلامية

إنّ ماكتب عن استخدام المينا في توشية المصاغ الإسلامي نادر وقليل؛ اذ لم يحظ هذا الفن الرفيع، الذي يدعم وينوّع القوّة التعبيريّة للمصاغ بدراسات توازي ألقه وجمالياته.
لقد وجد منذ القدم أنّ المصاغ من المعادن النفيسة يكتسب جاذبية متميزة ان زخرف أو طعم بالأحجار الثمينة أو وشح بالمينا. فالمينا زينة الصياغة وبهجتها؛ وكان ابتكارا شيّقا وتقنية فذّة عوّضت المصاغ عن ألوان الأحجار الكريمة والثمينة وثقلها وأسعارها؛ اذ تشع المينا الملونة على خلفية المعدن النفيس كأنها جواهر حقيقية لكنها من صنع الانسان.

ويظهر تاريخيا ان طلاء المصاغ بالمينا جاء عوضا عن تطعيمه بالاحجار؛ ففي الثقافات القديمة، كالمصرية واليونانية والفارسية، كانت المينا تستخدم في زينة الحلي أحيانا دون صقلها لكي يكتسب مظهرها وقع الاحجار الثمينة كاللازورد والفيروز؛ ثم أصبح هذا الفن جميلا يجسد ذاته خاصة وانه يمكن إعداد تشكيلة متنوعة من ألوان المينا و نشرها على سطح التحفة. كما انّ مايميّز المينا عن التطعيم بالاحجار هو تنوّع الالوان المستخدمة وثباتها على المعدن؛ وكذلك الفرق الكبير في السعر: فثمن المينا أقل بكثير من ثمن الاحجار الكريمة وشبه الكريمة. وعلى خلاف المينا التي تلتصق عضويا بالمصوغة، فان الحجر معرّض دائما للسقوط ؛ الى جانب اغراء الصاغة لنزع الاحجار عن المصوغة عند إذابة معدنها النفيس لشتى الغايات. كما ترفع المينا قيمة المصوغة وتنوّع صورتها الفنية وتركيبها اللوني؛ وذلك حتى بالنسبة للمينا السوداء التي تعكس براعة الصاغة في الحصول على  فعل التضاد بين اللونين الفضي والاسود والعلاقة المتبادلة بين الملء والفراغ.
انّ من أقدم نماذج وقع المينا هي الحلي المصرية التي ترجع الى الاسرتين الثانية عشرة والثالثة عشرة (2000- 1660 ق.م.)، ومنها صدرية أمينمحت الثالث ( 1840-1792  ق.م.) المحفوظة في المتحف المصري في القاهرة، حيث استخدم الصائغ المينا بالبارد، أي على شكل شرائح من الزجاج أو الاحجار الثمينة مثل العقيق الاحمر واللازورد والفيروز طعّم بها المصوغة بمستوى سطحها فتظهر وكأنها مزينة بالمينا الملونة.
 أما بالنسبة لاستخدام المينا في زينة المصاغ فلا يزال موطن اختراعها غير مؤكد. وقد أشار باحثون الى أصول ومواقع مختلفة، لكنهم لم يتفقوا على مكان الابتكار بالتحديد، فتركّزت الاقتراحات على مصر أو اليونان أو الصين أو الهند أو الشام أو القفقاس أو ايران، وفي أوربا ذكرت ارلندة. ومن المؤرخين من قال باحتمال وجود عدّة مراكز منفصلة ومتباعدة استخدمت المينا بشكل متواز دون ان يتأثر أحدها بالاخر. و باعتبار ان المينا مادة زجاجية لذا فان الثقافات القديمة التي عرفت المعادن وصناعة الزجاج ربما تعلمت تزيين سطوح المصوغات بالمينا الملونة والمينا السوداء.
وبالنسبة للفنون الاسلامية فانه لم تدرس بعد أصول وبداية  وتطور استخدام المينا في توشيح المصاغ، لكن المسلمين خلّفوا تحفا صياغية مزينة بالمينا تعود لمختلف الفترات التاريخية والاقاليم الجغرافية. وترجع فرادة وندرة التحف الصياغية المطعمة بالمينا الى اندثار المصاغ الاسلامي نتيجة عمليات الإذابة الدورية للمنتجات الصياغية.
ربما تكون كلمة المينا العربية مقتبسة من الفارسية أو الهندية اللتين تستخدمان نفس الكلمة. وفي التراث الاسلامي هناك المينا أو التزجيج أو معادن مزينة بالزجاج… كتعابير تعني المينا انطلاقا من المادة الاساسية التي تكوّنها: فقد ذكرها الجاحظ والهمداني باسم المينا، ووصفها الوشّاء بالفصوص، كما جاءت عند الوشّاء والقاضي الرشيد والجزنائي باسم الزجاج أو التزجيج؛ وأشار ابو الحسن علي بن يوسف الحكيم الى المينا السوداء باسم «المنيّل».
واذا كانت المينا متوفرة بيسر في الوقت الحاضر وأسعارها ليست باهظة فان الحال لم يكن كذلك في الماضي، اذ كانت المينا من المواد النادرة وكان الصاغة يحضّرون مساحيقها بأنفسهم وكان ذلك من الاسرار المهمة للصنعة.
ويكاد يقتصر فن المينا في بعض الاقاليم كالعراق والقفقاز على المينا السوداء؛ بينما توشّح فضة القبائل في الجزائر بالمينا الملونة دون السوداء؛ في حين يستخدم صاغة ايران والمغرب المينا الملونة والسوداء.
ان أقدم اشارة معروفة لاستخدام المينا في فنون المسلمين ذكرها زكي محمد حسن (فنون الاسلام، 1948، ص .(508-510)، عن ابريق في دار الآثار العربية (المتحف الاسلامي في القاهرة حاليا) ينسب الى الخليفة الاموي مروان الثاني (حكم بين 744-749 للميلاد) ويحمل زخارف نباتية وحيوانية ربما كان بعضها مزينا بالمينا.
وفي مقالة الجاحظ (160- 255 للهجرة)، (بين أنصار الكتب وأنصار الشعر، كتاب الحيوان)، ذكر لمواد متنوعة منها الزجاج والفسيفساء والمينا.
وعن الوشّاء (246 – 325 للهجرة / 860 –  939 للميلاد) في كتابه (الموشّى، أو الظرف والظرفاء، ص(187) انه لم يكن مستحسنا لمتظرّفات النساء في المجتمع العباسي التختم بالمينا والعقيق والفضة… لان ذلك كان من لبس الرجال والاماء.
ويشير الهمداني (280- 360 للهجرة) في (كتاب الجوهرتين، باب قسوم الكواكب..، ص. 67)، بان للمريخ المينا الاخضر.
ويذكر القاضي الرشيد بن الزبير من القرن الخامس للهجرة في كتابه (الذخائر والتحف، ص. 38)، انّ قطر الندى بنت أبي الجيش خمارويه أهدت الى المعتضد بالله في يوم نيروز من سنة 282 للهجرة هدية ثمينة كان بينها عشرون صينية فضة وعشرون صينية ذهبا « مجري بزجاج».
  وفي كتاب (Rachel Ward, Islamic Metalwork, 1993, p. 27-28 and p. 54-55 ) عرض للقى فضية متنوعة ترجع الى الفترة بين القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد، بعضها مذهّب ومزيّن بالمينا السوداء، أهمها مجموعة من الاواني تحمل اسم صاحبها الامير أبو العباس والكين بن هارون.
ويذكر ناصر خسرو (394 – 453  / 1003- 1061) في كتابه (سفرنامة) وجود ستة محاريب في الكعبة مصنوعة من الفضة ومزينة بثراء بالذهب والمينا السوداء.
  وفي مكتشفات الكنز الذي عثر عليه عام 1900 في موقع  Chimkent قرب نهر  Sayram-Su  في جنوب كازاخستان والذي نشر عنه  Spitsin   باللغة الروسية عام 1906 مجموعة من الحلي الفضية وجدت مع سبائك من الفضة ومسكوكات بويهية وسامانية وغزنوية مؤرخة في الفترة بين 949- 1040 للميلاد يضم معلّقات و قطع لزينة الاحزمة وأقراط  وأساور وخواتم وعلبا حرزيّة، وبعض هذه اللقى مذهب ومزين بنصوص كتابية وأشكال حيوانية ومطعم بالمينا السوداء.
James Allan, Islamic Jewellery and Archaeology, Spink & Son, 1986, P.7 – 8).
وعن أبي الريحان البيروني (توفي سنة 430 للهجرة) في (كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، ص. 224- 225) باب « في ذكر المينا»، استعرض فيه المواد المكونة للمينا وخواصها وألوانها واستخداماتها.
وفي متحفي المتروبوليتان في نيويورك وماير في القدس حلي ايرانية منها أساور وحروز وخواتم وعناصر لقلائد وأحزمة ترجع الى الفترة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر للميلاد بعضها مزيّن بالمينا السوداء.
ولنفس الفترة يعرض كتاب (Seven Thousand Years of Jewellery, 1989, p. 215) ثلاث حلي ايرانية منها علبتان حرزيّتان منفذتان بالفضة المذهبة ومعلّقة من الذهب وكلها مزين بالمينا السوداء.
ومن نفس التاريخ تعود جرّة ايرانية من الفضة المذهبة والمزينة بالمينا السوداء محفوظة في متحف الفن الاسلامي ببرلين.
ويعرض كتاب (Rachel Hasson, Early Islamic Jewellery, 1989, P.95) حزاما سوريا من الذهب يرجع الى نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر للميلاد مزخرف بوحدات نباتية ونصوص كتابية نسخية وعليه آثار توشية بالمينا السوداء.
وقد أبدع الصفويون (1501- 1722م) بالمينا المرسومة على المصاغ والتي كانت أحيانا تنافس المنمنمات المرسومة على العاج. وعرف بلاط شاه عباس الصفوي (1587 – 1629م) بزينته بالمصاغ من المعادن النفيسة وأثاثه المحلّى بالمينا، كما وشحت بالمينا الادوات الشخصية مثل قبضات و أغمدة السيوف والخناجر، بالاضافة الى العلب.
وتواصلت فنون المينا في ظل الاسرة القجاريّة (1796- 1925م)، حيث وشحت بالمينا الحلي والصحاف والاسلحة البيضاء بدعمها بزخارف كتابية ووحدات نباتية وهندسية وأشكال الحيوانات والطيور، اضافة الى الشخوص الادمية، ومن ذلك التأكيد على جمال النساء الذي ينعكس بجاذبية الوجه والعيون السود الكحيلة والافواه الصغيرة، حتى أضحت هذه المصوغات وثائق ماديّة عن أذواق الناس وموضات أزيائهم وحليهم، خاصّة وان المينا القجارية المرسومة عكست قدرات أبرز الرسامين آنذاك.
ويذكر Leo Bronstein في بحثه عن المينا في الفنون الفارسية ضمن كتاب ( Survey of Persian Art.Pope A.U) بأن ألوان المينا التي استخدمها الصاغة الفرس متعددة ضمّت أطيافا ورديّة تتدرّج برقّة ولا تكون صافية بل لها ظلال زرقاء، اضافة الى الازرق الملكي والازرق الفيروزي بعدة أطياف، وكذلك الاخضر الزمردي الشفّاف والابيض المعتم الذي يستخدم بفعالية قويّة كخلفية لبقية الألوان. فيما زيّنت بعض المصوغات بالازرق اللازوردي فقط . وقد مارس الفرس تقنيّات المينا المفصّصة والمحفورة والمرسومة والمينا السوداء (1). وأجود تحف المينا نفّذها صاغة أصفهان وبهبهان بالقرب من شيراز.
ازدهرت فنون الصياغة في العهد الفاطمي (297- 567هـ/ 909- 1171م)، وقد وصف المؤرخون، وخاصة المقريزي في خططه، عن شيوع استخدام الفضة المطعمة بالمينا في زمانه وانتشار تقنيتها في مصر. وعن ما أخرج من خزائن قصر المستنصر بالله في سنتي 460 – 461  للهجرة، عندما استبيحت دولته، نفائس كثيرة منها مصوغات موشحة بالمينا «المنقوشة بغرائب النقوش والصنعة «، ومنها « طاووس ذهب مرصع بنفيس الجوهر، عيناه من ياقوت أحمر، وريشه من الزجاج المينا المجري بالذهب على ألوان ريش الطاووس».
وفي متاحف: الاسلامي في القاهرة والمتروبوليتان في نيويورك وماير في القدس وبناكي في أثينا مجموعة حلي فاطمية من مصر وسورية منها أساور وخلاخل ودبابيس شعر وعلب حرزية ومعلّقات وأقراط مزخرفة بالمينا  الملونة؛ ومن أبرزها معلّقة من الذهب على شكل هلال يتوسطه طيران متناظران منفذين بالمينا المفصّصة ذات الالوان الاحمر والبنّي والازرق على خلفيّة سوداء.
(Marilyn Jenkins and Manuel Keene, Islamic Jewellery In The
 Metropolitan Museum Of Art, 1982, p. 81).
وتواصلت فنون المينا لدى المماليك، ومن تحفهم وعاء محفوظ في المتحف الاسلامي في القاهرة يعود الى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (709- 741هـ/ 1310 – 1341م) مصنوع من البرونز المزين بالمينا السوداء والمزخرف بنصوص كتابية وفروع نباتية وحلزونية. ويورد أحمد تيمور باشا في كتابه (المهندسون في العصر الاسلامي، 1979، ص. 68) اسم: أبو تجزأة جواد بن سليمان بن غالب اللخمي (توفي سنة 756 للهجرة) الذي « بلغ الغاية في نقش الخواتم واجراء المينا عليها».
وبالنسبة للمينا العثمانية يذكر انه عقب انتصار العثمانيين على الصفويين عام 1514م، وكما فعل العثمانيون في مصر وسورية، فقد أسروا الفنانين ومهرة الصناع وأرسلوهم الى الاستانة، فطعّم القادمون فنون العثمانيين بالطراز الصفوي. وكان يخدم في مشاغل بلاط العثمانيين في القرن السادس عشر أكثر من مائة فنان صائغ اختصّ بعضهم بالتوشية بالمينا الملونة والمينا السوداء.
ويذكر Yanni Petsopoulos في كتابه (Tulips, Arabesque and Turban, p. 44) طاسة من الفضة المذهبة والمزيّنة بالمينا السوداء تحمل تاريخ 985 (1577 للميلاد).
ويستعرض كتاب (Garo Kurkman, Ottoman Silver Markks, 1966, P. 226 and P. 238 – 251) نماذج متنوعة من تراث المينا السوداء العثمانية في فترة ازدهارها ابان القرن التاسع عشر مما كان يصنع في عدد من المواقع الصياغية مثل « وان».
وشهد القرن التالي تعاظم استخدام المينا وتنوع تقنياتها، من ذلك صندوق أقلام من القرن السابع عشر محفوظ بمتحف طوبقبوسراي باسطنبول مزين بالمينا البيضاء ومطعم بالياقوت والزمرد. كما يذكر أرنست كونل في كتابه (الفن الاسلامي، 1966، ص. 179)  انه في القرن السابع عشر كانت أغماد وقبضات الخناجر التركية تزخرف بالمينا الشفّافة.
 وهناك معلّقة و قفل حزام من الفضة العثمانية المزينة بالمينا الملونة في كتاب (سعد الجادر، زخرفة الفضة والمخطوطات عند المسلمين، 1988 – 1989، ص. 204 و ص. 211). وتمثل المعلّقة المشار اليها مثالا نادرا في مصاغ المينا الاسلامية، فهي حلية على شكل وردة مطرّزة بالاسلاك الفضية الرقيقة وموشاة بالمينا الملونة  Plique- a- jour وترجمتها الحرفيّة: ضوء النهار؛ اذ لا تستند المينا في هذه التقنية على خلفيّة المعدن بل بطريقة تشدّها حواجز أسلاك التطريز،  فتهب الحلية وقعها الجمالي عند تعريضها للضوء، وذلك من خلال التضاد الحاصل بين الفضة وألوان المينا الشفافة.  
وشهد القرن التالي تعاظم استخدام المينا وتنوع تقنياتها، من ذلك صندوق أقلام من القرن السابع عشر محفوظ بمتحف طوبقبوسراي باسطنبول مزين بالمينا البيضاء ومطعم بالياقوت والزمرد. كما يذكر أرنست كونل في كتابه (الفن الاسلامي، 1966، ص 179)  انه في القرن السابع عشر كانت أغماد وقبضات الخناجر التركية تزخرف بالمينا الشفّافة.
وقد تأثرت بلدان البلقان، كما في هنغاريا والبوسنة، بالاساليب الفنية العثمانية ومنها التوشية بالمينا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
  (Geza Feher, Craftsmanship in Turkish – Ruled Hungary, 1975, p. 26
and  (Saad AL-Jadir, Arab and Islamic Silver, 1981, P. 23) and
 (Saad AL-Jadir, KUNUZ, Islamic Silver Treasures, 1995, P.149).
ومن أروع نماذج المينا الاسلامية تلك التي كانت تزين بلاط تيمور لنك (1336- 1405 للميلاد) ، ومنها مكتبه الذهبي الموشى بالمينا الزرقاء والخضراء.
وقد زينت الزخارف النباتية في حلي أوزبكستان بالمينا الملونة وبالمينا السوداء. ومن أهم مراكز صياغة المينا  الاوزبكية مدينتي بخارى وخيوة. وكانت ألوان المينا المستخدمة في بخارى قليلة، وتكون عادة بلون أخضر أو أزرق،  كما استخدم الصاغة أحيانا ألوانا أخرى كالبنّي والاحمر والاصفر.
(Johannes Kalter and Margarita Pavoli, Uzbekistan, 1977, p. 294 – 310).
أمّا في الهند فقد برّزت فنونها الصياغيّة باستخدام المينا «ميناكاري». ورغم وجود هذه التقنية في المصنوعات الهندية السابقة للاسلام كما في بعض تحف المركز البوذي في تاكسيلا، غير ان انتشار المينا في ظل حكم المغول المسلمين شجّع الصاغة وطوّر مهاراتهم الى الحد الذي كان بمقدورهم رسم منمنمة أو صورة كاملة بالمينا على قطعة صغيرة من الفضة أو الذهب تظهر الطيور والازهار والاشجار وأوراقها بألوانها الطبيعية. وكانت التفاصيل دقيقة ومتقنة حتى ليتصوّر المشاهد بانها صور زيتية.
 لقد قدّم المغول لقاموس صياغة المينا العالمية تحفا ساحرة تهب المتلقي لذّة بصريّة فريدة ناجمة عن تجليات ايقاعات وكتل الالوان وتجاورها وأطيافها وبرّاقيتها، مما أضاف الى مصاغ المينا بهجة اللوحة الملونة الساطعة والمدهشة. ومن أهم مراكز إنتاج المصاغ المغولي الموشح بالمينا دلهي وآغرا وجيبور وملتان ولكنو ورامبور وكشمير وبناريس.
(Mark Zebrowski, Gold, Silver & Bronze from Mughal India, 1997, p. 54 – 93).
وكان لايران تأثيرا مباشرا في تطوير صياغة المينا الهندية، اذ قضى الامبراطور المغولي همايون فترة ابعاد في بلاط الفرس، ولدى عودته الى البنجاب عام 1560 اصطحب معه فنانين وصنّاعا مهرة في مختلف الفنون الزخرفية بينهم صاغة المينا، فأصبحت البنجاب أول مركز صياغي تتطوّر فيه أساليب المينا المغولية وتنتشر الى مختلف أنحاء الهند منذ منتصف القرن السادس عشر. ومن سمات صياغة المينا عند المغول هو تزيين مختلف سطوح المصوغة وأحيانا من الوجهين. وأغلب المينا الهنديّة وأوسعها انتشارا هي المينا المحفورة التي استخدم الصاغة فيها الالوان الاحمر والاخضر والازرق والاصفر اضافة الى الابيض والشذري. وقد ضاعف الصاغة جاذبية المينا وتنويع جمالياتها بتقنيات صياغية أخرى في زينة نفس التحفة، اضافة الى تطعيمها بالاحجار النفيسة والعاج والمنمنمات. وربما تكون أكبر تحف المينا الهندية تلك المهداة الى العراق، وهي المقصورة الفضيّة الموشحة بالمينا الملونة والتي أقيمت في ضريح المرتضى علي في النجف:  ففي سنة 1356 للهجرة أمر امام البهرة سيف الدين بصنع مقصورة جديدة لضريح الامام علي، وقد استمرّ العمل لإنجازها في الهند مدّة تزيد على خمس سنوات، وبلغ مقدار ماتحتويه من الذهب الخالص عشرة آلاف وخمسمائة مثقال اضافة الى مليوني مثقال من الفضة الموشحة بالمينا الملونة، وقد وضعت مكان المقصورة القديمة سنة 1361 للهجرة في احتفال ديني ومدني كبير.
وقد ضعف فن المينا بأفول نجم المغول، ولا تضاهي المصوغات الحديثة التي أنتجت في بعض المراكز القديمة مثل ملتان ما كان يصاغ في عصر الاباطرة المغول المسلمين.
أما بالنسبة للمينا السوداء فقد استخدمها الصاغة المسلمون على نطاق واسع شملت مختلف بقاعهم: العالم الملايوي والهند وأواسط آسيا وايران واليمن والشام والعراق والقفقاس والبلقان والمغرب.
 ويدعى شغل المينا في فلسطين « المحبّر « نسبة الى الحبر  ومؤشرا الى اللون الاسود للمينا.
 وكانت الحلي الفلسطينية المزينة بالمينا السوداء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ذات شعبية ورواج، وكان من جملة الصاغة شركس وأرمن ممن توافد على بلاد الشام منذ نهاية القرن التاسع عشر، حتى ان الاساور المزيّنة بالمينا السوداء في جنوب الاردن كانت تدعى «أساور شركس».
وكانت الفضة الموشحة بالمينا السوداء في مصر تدعى « الفضة المسكوفي» نسبة الى موسكو وبالتالي الى تقنية المينا القفقاسية والمدن الروسية الرائدة في هذا المجال مثل تولا.
وأبدع صاغة داغستان بتزيين الفضة بالمينا الملونة والسوداء؛ ومن مراكز صياغتها قريتي كوباتشي وكوموخ.
 Iskusstvo Dagestana / The Art of Dagestan, 1981, p. 44, 70, 79).
واذا كان فن المينا السوداء قد ازدهر في الفضة القفقاسية، كما في زينة الحلي والصحاف والخناجر:
 (Saad AL-Jadir, Arab and Islamic Silver, 1981, P. 146) and
 Saad AL-Jadir, KUNUZ, Islamic Silver Treasures, 1995, P. 179 and P. 247) 
 فقد أبدع الصابئة العراقيون بتطعيم الفضة بالمينا السوداء واشتهر بينهم زهرون وعنيسي وآخرون واصلوا ابداعهم الصياغي حتى خمسينات القرن العشرين.
وفي التراث الصياغي الملايوي تحف موشحة بالمينا، لكن أشد مايميّزها هو التوشيح الكثيف لاقفال الاحزمة بالمينا السوداء.
أما في الغرب الاسلامي فقد تطوّرت فنون صياغة المينا في قرطبة وغرناطة. وبلغ هذا الفن أوجه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر للميلاد، حتى ان بعض مهرة صاغة غرناطة كانوا يعملون في بلاطات الملوك المسيحيين. ومن أبرز التحف الاندلسية المزينة بالمينا السوداء كان منبر جامع قرطبة الذي صنع عام 365 للهجرة والذي ضاع أثره لكنه ظلّ خالدا في كتب التاريخ، كما لدى الادريسي والحميري، بأنه صنع من الصندل الاحمر والاصفر والابنوس والعود الرطب والمرجان، وأوصاله وحشواته التي بلغت ستا وثلاثين ألف حشوة سمّرت بمسامير الذهب والفضة المثبتة و«المنيّلة».
 وكثيرا ماتشير المصادر الفنية الى «تحفة عظيمة»، وهو الصندوق الخشبي المصفح بالفضة المطروقة والمذهبة والمزخرف بوحدات مورقة ونصوص كتابية والمعشّق بالمينا السوداء، والذي أمر الحكم المستنصر بصنعه لابنه ووريثه هشام المؤيد عام 366 / 976؛ ومن النصوص الكتابية التي تزينه : « عمل بدر وطريف « (مانويل جوميث مورينو، الفن الاسلامي في اسبانيا، 1977، ص. 396 و ص. 402). وكذلك: 
(Al- Andalus, The Art of Islamic Spain, 1992, p. 208- 209 and p. 214)
اضافة الى عدّة علب، منها ما ذكر في المصدرين أعلاه، مثل علبتين محفوظتين في كنيسة  San Isidro بليون شمال غرب اسبانيا، وأخرى في المتحف الاثري الوطني بمدريد؛  وكلّها تنسب الى عصر الخلافة أو ملوك الطوائف (القرن الرابع أو الخامس الهجري / العاشر أو الحادي عشر للميلاد).
 وفي دار الآثار الاسلامية في الكويت زوج من الاقراط الذهبية ترجع الى العصر الموحدي (القرن السادس للهجرة / الثاني عشر للميلاد) مزينة بالمينا.
ويتمثل معظم ما سلم من حلي أندلسية من عصر الخلافة بما ضمّته الكنوز المكتشفة في الاندلس مثل كنز لوشة في غرناطة وكنز جروشة في العامريّة وكنز مدينة الزهراء. وقد توزعت لقى هذه الكنوز بين المتاحف الاسبانية مثل  (Linstitute Valencia de Don Juan de Madrid) ومتاحف العالم، مثل فكتوريا وألبرت في لندن وفرير غالري في بالتيمور، وقد صنعت هذه الحلي من الذهب والفضة والنحاس، منها الاساور  والتيجان والمشابك والقلائد والمعلّقات المتنوعة بعضها على شكل السمك أو الهلال أو ذات تكوينات نجميّة متوالدة من تركيب مثلثين بالنسبة للنجمة السداسية ومربعين بالنسبة للنجمة الثمانية،  وقد نفّذت بتقنيات متنوعة منها التطريز والتحبيب والطرق والتخريم والتطعيم بالاحجار والتوشية بالمينا.
تابع الغرناطيون تراث الصياغة الاندلسية، وقد سلم عدد من تحفهم الصياغية أهمها تلك المحفوظة في متاحف اسبانيا التي يظهر منها تركيز الصاغة على تقنيتي التطريز والتوشية بالمينا؛ حتى ان بعض العلب العاجية الاندلسية الشهيرة زينت بأشرطة من الفضة الموشحة بالمينا.
واذا كانت حلي الاندلسيات تزين بالمينا فان حلي رجالهم من خناجر وسيوف وسروج الخيل وزينتها وشحت كذلك بالمينا. ومن أشهر أمثلة حلي النساء القلادة الغرناطية التي تعود الى نهاية القرن التاسع للهجرة / الخامس عشر للميلاد، والمحفوظة في متحف المتروبوليتان، وهي مصنوعة من الذهب المزخرف بالتخريم والتطريز والتحبيب والموشح بالمينا ذات الالوان الابيض والاخضر والاحمر الشفاف. ومن أروع السيوف الغرناطية ودلاّياتها المحفوظة نماذج منها في المكتبة الوطنية في باريس والمتحف الوطني في مدينة كاسل الالمانية وفي متحف فكتوريا وألبرت في لندن… هو السيف الذي غنمه المسيحيون بعد أسرهم لمحمد الثاني عشر (أبو عبد الله الصغير)، آخر ملوك بني نصر، في معركة اللسانة عام 888 / 1483م والمحفوظ  في المتحف الحربي  بمدريد؛ وهو من جمال صنعته وزينته بالفضة والذهب والعاج والمينا السوداء والمينا المفصّصة ذات الالوان الابيض والاحمر الياقوتي، كألوان أساسية، والاسود والاخضر الزمردي الشفاف كخلفية لونية، تقدّم هذا السيف كتحفة مجوهرات فريدة في زخارفها بالتطريز والتطعيم والتخريم والوحدات الهندسية والفروع النباتية والنصوص الكوفية وتقنيات الاخراج والوقع الفني. كما يحتفظ متحف المتروبوليتان بخوذة غرناطية فريدة من نهاية القرن التاسع للهجرة مصنوعة من الحديد والذهب والفضة والمينا المفصّصة ذات الالوان الاحمر والابيض والاخضر والازرق والاسود.
ويذكر أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم الذي عاش في أيام السلطان أبي فارس عبد العزيز المريني خلال النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد في كتابه (الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة ، ص. 89) حليا مطعمة بالمينا: ففي معرض كلامه عن تذويب الحلي لسك النقود يقول: « ووجه العمل في الحلي على أي حال كان مطبوعا كالدنانير وبعض الخلاخل و (ما) يشبهها أو كان غير مطبوع، فما كان منه منيّلا أو مزجّجا أو كثير اللصاق فلينزع ذلك منه لئلا يتخلّق به ويعسر خلاصه، فاذا نزع ذلك جعل على حدة الى أن يشحّر…ويحمى سائره بالنار حميا بليغا ويختبر…».
تواصلت فنون المينا في الصياغة المغاربية، ففي العصر الحديث تركزت صياغة المينا في ثلاث مناطق أساسية لايزال بعضها فعّالا حتى الوقت الحاضر، اضافة الى ممارسة بعض الصاغة لفنون المينا في مواقع أخرى متفرقة؛ وفيما يلي نظرة على الخصائص العامّة للتطعيم بالمينا في المناطق الجغرافيّة الرئيسيّة الثلاث:
– تتركّز صياغة المينا الجزائرية في قرى هضاب منطقة القبائل الكبرى، مثل بني ينّي ووادياس وتكموت خرّوش وآيت الاربعاء وذراع الميزان؛ ولايزال بعض صاغة هذه القرى يوشحون مصاغهم بالمينا، ومعظم الانتاج يستهلك في السياحة؛
– أما المينا التونسية فقد مارسها صاغة مدينة تونس؛ لكن الاكثر شهرة هما موقعا موكنين، المدينة الساحلية الصغيرة جنوب سوسة، وجزيرة جربة؛
– وفي المغرب تتوزع صياغة المينا في قرى جبال سوس، وفي جنوب الاطلس الصغير بين تزنيت و اغرم، وتتجه نحو الجنوب حتى جبل باني. وأهم المراكز هي تزنيت و تهالة عند قبائل أملن، وفي منطقة تفراوت ولدى قبائل آيت ووازغيت في سفح جبل سيروا؛ اضافة الى مواقع أخرى في الشمال والوسط مثل مكناس وخنيفرة ووزّان وفاس والصويرة ومرّاكش. كما ازدهرت صياغة المينا المفصّصة والمحفورة منذ نهاية القرن السابع عشر وبالذات في مكناس بتشجيع السلطان اسماعيل (1672- 1727) عندما اتخذها عاصمة لملكه وشجع العمارة والفنون التي استلهمت تراث الاندلس ومرّاّكش وفاس. وتتواصل فنون المينا المفصّصة والمينا السوداء في تزنيت ،كما يمارسها بعض صاغة الرباط وسلا والدار البيضاء ومرّاكش، وذلك لسد الاحتياجات السياحية بالدرجة الرئيسية.
 ويلاحظ وجود عوامل مشتركة وأخرى مختلفة تميز تحف المينا في المواقع المغاربية الثلاثة: فرغم اختلاف أشكال ونماذج المصوغات بين هذه المناطق والبعد الجغرافي وتباين أنماط العيش واللهجات والاذواق فيما بينها، الّا ان فنونها الصياغية تشترك عامّة  بظاهرة استخدام المينا المفصّصة؛ كما انّ  الالوان المستخدمة في مصاغ المينا المغاربية موحدة وهي الازرق الغامق والاخضر الفاتح والاصفر.
وتجدر الإشارة الى توشية بعض نماذج الفضة المغربية بالمينا الملونة والسوداء المصاحبة لتطعيم المصاغ بالاحجار الثمينة والفصوص الزجاجية في آن واحد، مما يكسب المصوغة وقعا أخّاذا نتيجة تضاعف المفعول الجمالي للمينا والاحجار والزجاج.
كما يلاحظ ندرة استخدام كتل من المينا السوداء في مصاغ المغرب، بل غالبا ماتكون زينة المينا السوداء على شكل خطوط صارمة تشكل نقوشا هندسية ورمزية ونباتية خالية من الزخارف الادمية والحيوانية.
وبذلك فان الصورة الفنية للمينا المغاربية متغايرة في جمالياتها؛ لكن أشدّها جاذبية وإبهارا ووحدة هي المصوغات القبائليّة التي تعكس أحد السمات البارزة للزخرفة الاسلامية، وهي تقسيم المصوغة الى حقول متناظرة ومكرّرة وتغطية كل سطوحها بالنقوش الملوّنة:  فالظهور الجليّ والصورة الفنية النافذة والوحدة الصياغية الرصينة للفضّة القبائلية تقدّمها كواحدة من أهم الواجهات الاسلامية المتميزة لفنون الصياغة الاصيلة والمتفردة:  فالحلي القبائلية ضخمة الحجم وثقيلة الوزن، الّا ان النقوش المنّفذة بالمينا الاصفر الليموني والازرق البنفسجي والاخضر الشذري التي تتكامل مع وقع فصوص المرجان الاحمر القاني المتراص و غير المصقول والكريّات الفضيّة الصلدة مختلفة الاحجام، وتزيينها بمعلّقات متنوعة الاشكال مثل الكف والنجمة وورقة البلّوط، والتنفيذ الدقيق والمتقن وجمال التجاور اللوني يكسب فضة القبائل قوّة وتاثيرا وانطباعا بالخفّة والالق، إضافة الى مسحة فسيفسائية لونية  مستمرة تضفي على المصوغة روحا شرقية أخّاذة.
و في الوقت الحاضر، تتراجع الفنون التقليدية بفعل هجوم العولمة التي تحاصر تواصل التراث الفني للمسلمين،  وإهمال دول المسلمين بتطوير الفنون، والوهن العام للوضع الثقافي، إضافة الى منافسة الانتاج الالي  للعمل اليدوي الذي يتطلب انجازه صبرا  ووقتا طويلا. ولا تشجع هذه الظروف الصاغة للاستمرار في حرفهم فيتركونها الى مهن أخرى للحصول على أرزاقهم.
وهناك الآن طريقان: الاول اندثار الفنون التراثية وبقائها في صفحات التاريخ وأركان المتاحف؛ والثانية أحياؤها وبعثها على أسس معاصرة كجزء من التطور الاقتصادي والثقافي لبلاد المسلمين بابتكار صيغ تحافظ على خصوصية هذه المنتجات وصورتها الفنية الاسلامية من ناحية، كما توفر منتجات الفنون التراثية مردودا اقتصاديا جيدا من ناحية ثانية.
فماذا نجد في فنون المينا الاسلامية المعاصرة؟
– ضعف الإنتاج الصياغي الاسلامي الموشى بالمينا، ومن ذلك تكرار الصاغة للنماذج القديمة، وتدهور المهارات التقنية لدى الصاغة المحدثين، وضعف روح الابتكار والتجديد؛ اضافة الى تغيّر أذواق المستهلكين الذين لايجدون أمامهم سوى المصاغ الحداثوي العالمي، خاصة وان الفنانين المسلمين المعاصرين غير قادرين على شدّ الناس الى منتجاتهم الصياغية؛ الى جانب دخول المكننة بشكل واسع في الصياغة، وتحوّل من تبقّى من المعلمين / الاسطوات الى مهن أخرى؛ وكذلك تفكك العلاقة التاريخية التقليدية بين الفنان المعلم وبين تلامذته، والتي كانت أحد الاركان الاساسية لتطوير  الفنون الحرفيّة ومنها الصياغة. كما أدى مسح الغربيين لأسواقنا وجمعهم لآثارنا وتحفنا كمواد للتجارة المربحة في الغرب الى افراغ المجال الاسلامي  من المصاغ القديم للمينا الذي ألهم الصاغة والحرفيين التقليديين وشجعهم على التواصل والابداع والتجديد والابتكار.
–  وعالميا هناك عدد من البلدان مثل روسيا والصين وتايلند ممن يواصل فنانوه أشغال المينا بصورتها الفنية التقليدية لكل من تلك البلدان، والتي يصدّر بعض منتجاتها الى الخارج. وفي الغرب الاوروبي والامريكي هناك شركات متخصصة يسود منتجاتها طابعا حداثويا عالميا صار ينتشر في مختلف بلدان العالم.
وفي بلدان المسلمين صدى متنوعا لهاتين الظاهرتين، مثل إغراق أسواق بعض البلدان الاسلامية كأقطار الخليج بمصوغات مينا حديثة غربية وهندية وصينية وروسية وتايلندية. أما المثال الاخر فهو عن تأثر المصاغ الاسلامي بما يرده من الخارج، مثل انتاج ميداليات وأوسمة ماهي إلّا صدى للنماذج الغربية، كالأوسمة المغربية مثل «الوسام العلوي الشريف» و«وسام الاستحقاق العسكري الشريفي»، وكلاهما مزين بالمينا. وكذلك الحال بالنسبة لمعظم الاوسمة والنياشين في عدد من الدول العربية والاسلامية:
 Saad AL-Jadir, KUNUZ, Islamic Silver Treasures, 1995, P. 189)
ولحسن الحظ فان انتاج المينا الاسلامية المعاصرة لم يتوقف رغم الضعف الذي آل اليه، اذ تتواصل أعمال المينا في عدة مواقع اسلامية مثل الهند وباكستان وايران ومصر والجزائر والمغرب وتتزايد شعبيتها. غير ان اقتصار أشغال المينا المعاصرة في العالم الاسلامي على المينا المفصّصة والمينا السوداء والميناالمرسومة غالبا والمينا المحفورة نادرا يعني انّ الصاغة المسلمين لم يتعرّفوا و / أو يوظفوا تنوّع تقنيات المينا الغربية الحديثة والتي ساهم التطور العلمي والتقني بازدهارها: وهي تقنيات عديدة أخرى لامجال هنا لشرح كل منها ومما لا أعرف  مقابلا لاسمائها بالعربية؛ ولكل من هذه التقنيات طريقة خاصة لتنفيذها تفرز فاعليّة مختلفة لوقع ألوانها ولصورتها الفنية. ومنها:
 Basse- taille, Camaieu, Decal application, Foils, Grisaille, Impasto, Plique-a-jour, Racu enamelling, Sgraffito, Stencils, Silkscreen enamels, Torch- fired enamels etc…(Glenice Lesley Matthews, Enamels Enameling Enamelists, 1984, p. 141 – 171)
(ويلاحظ أن عددا من هذه التقنيات معروفه بأسمائها الفرنسية، اذ كانت فرنسا، ولوقت طويل مركزا أساسيا لصياغة المينا، وفيها تمّ ابتكار تقنيات متنوعة لفنونها)؛ اضافة الى المواد والمعدات وغنى «باليت» الالوان المعتمة واللماعة للمينا،  وفكرة إنتاج وحدات جاهزة من الفضة المطلية بالمينا كالورود والفراشات والطيور والاسماك؛ وكذلك استخدام أفران كهربائية تسهل العمل الى حد بعيد لانها أخف وزنا وأصغر حجما من الافران التقليدية، اذ انّ فرنا تبلغ حرارته 780 درجة مئوية لايستغرق أكثر من دقيقتين ونصف (تبعا لحجم النموذج) لاذابة المينا على سطح المعدن؛ حيث يمكن تخصيص غرفة صغيرة في الدار لممارسة فنون المينا. وكل هذه المنجزات الحديثة من شأنها فتح آفاق واسعة لاجراء نقلة نوعية في تطوّر فنون المينا المعاصرة في العالم الاسلامي توسّع وتنوّع وتجدّد الانتاج مع الحفاظ على فرادة الصورة الفنية المتميزة لمصاغ المينا الاسلامي.    
الهوامش:
1- تقنيات المينا: المينا الملونة نوع من الزجاج الشفاف مسحوق بدقة.
 وهناك تقنيات متعددة لاستخدام المينا، لكن أوسعها انتشارا في المصاغ الاسلامي أربعة أنواع:
– المينا المفصّصة Cloisonné ، وهي أهم تقنية مينا استخدمها الصاغة الفاطميون والايوبيون والاندلسيون والمغاربة. ولانجاز هذه التقنية يؤخذ سلك معدني يشكّل بواسطته الزخرف المراد تزيينه بالمينا بواسطة لحمه عموديا على سطح المصوغة، فتكوّن هذه الاسلاك الشبكة الزخرفية التي تظهر على شكل خلايا فارغة يملاهاالصائغ بمساحيق المينا بحيث يبقى كل لون مستقلا في «سجنه» ومعزولا بشكل محكم عن باقي الالوان، ثمّ توضع القطعة في الفرن لتسخينها واذابة المينا، بعدها يسحب النموذج من الفرن ويترك ليبرد وتتصلّب ألوانه، ثمّ تصقل لانتزاع الشوائب والحصول على الفاعليّة الزجاجية للمينا وعلى وقع تجاورها اللوني الزاهي.
– المينا المحفورة   Champleve  ، التي شاع استخدامها في المصاغ المغولي الاسلامي في الهند. وهذه التقنية أيسر من سابقتها، كما انها معاكسة لها: فعوضا عن رسم الزخرف المراد تلوينه بأسلاك بارزة  تثبّت على سطح المعدن، فان الزخرف في هذه الحالة يتكون بطريقة الحفر الذي يكوّن شبكة من القنوات الرقيقة مفصولة عن بعضها بحافات دقيقة تنشر عليها مساحيق المينا لتملا الاخاديد الزخرفية، بعدها يوضع النموذج في الفرن ليسخن ويبرد ويصقل بنفس الطريقة السابقة.
– المينا المرسومة   Painted  ، التي جوّد بها الصاغة الايرانيون؛ وهي تقنية  مختلفة عن سابقتيها، حيث لاتفصل ألوان المينا عن  بعضها بواسطة الاسلاك أو الحفر، وانما تتجاور ألوانها فوق سطح المصوغة.  لذلك تعتمد المينا المرسومة على مهارة الصائغ في السيطرة على درجات الحرارة المختلفة اللازمة لاذابة الالوان المتنوعة للمينا كي لاتسيل فيختلط بعضها ببعضها الاخر؛ وعادة مايجمع المعلّم / الاسطة الذي ينفّذ هذه التقنية بين موهبتي الصياغة والرسم.
– المينا السوداء  Niello  ، التي تتميّز بدورها عن أنواع المينا المتقدمة، اذ يطعم الذهب أو الفضة ليس بمسحوق زجاجي كما في المينا الملونة، بل بمسحوق معدني هو خليط من الفضة والنحاس والرصاص والكبريت التي تمزج وتصهر ثم تبرّد وتسحن مكوّنة مادّة على شكل مسحوق أسود يشبه الكحل يتم استخدامه بنفس تقنية المينا المحفورة. وتزيّن بالمينا السوداء غالبا الفضة البرّاقة عالية العيار كالفضة الاسترلينية.
2- هذا المقال مستلّ من مخطوطة (سعد الجادر، فنون المينا في المصاغ الاسلامي،  الرباط 1994). ويضم العمل  478 صفحة تشمل أكثر من أربعمائة تحفة من الفضة الاسلامية الموشحة بالمينا، مما أبدعه مئات الصاغة المسلمين وغيرهم؛ وجلّها لم ينشر سابقا؛ وجميعها من مجموعتي الخاصّة.
وفي المخطوطة ثروة من المعلومات المستقاة من مئات المصادر بعدّة لغات؛ كما أن الموضوع يقدّم لاول مرّة. وهو ذو أهمية تاريخية وثقافية وفنية وصياغية وزخرفية ولونية وتقنية وجمالية: حيث يلقي الضوء على تاريخ المينا العالمية السابقة والموازية للاسلام، كالمصرية والفارسية والاشورية والاغريقية والاسكيثية والرومانية، اضافة الى الصينية واليابانية، والبيزنطية والاوربية والروسية. ثمّ يستعرض العمل مجاله الرئيسي في العالم الاسلامي، فيتعرّض الى الصور الجمالية المتنوعة لمجاميع مصاغ المينا في مختلف مواقعه، و يركّزعلى صياغة المينا في الاندلس و بلاد المغرب، وعن أصولها ومؤثراتها، مثل تأثير صياغة المينا الاندلسية والفاطمية على فنون المينا الاوربية. كما يشمل العمل تنوع تقنيات صياغة المينا و»باليت» ألوانها وخلفيته. اضافة الى دراسات مقاربة ومقارنة لوقع جماليات المينا، مثل الزجاج المموّه بالمينا والخزف ذو البريق المعدني والتذهيب والدمشقة والتطعيم بالاحجار الثمينة وبالزجاج ….
 وكان الغرض من وضع هذه المخطوطة توثيق هذا الجانب الجميل من ثقافة المسلمين، واشراك الناس بمصادرها ومعارفها، واثارة البهجة والسرور في نفوسهم، وتصحيح آراء باحثين غربيين عن فنون المسلمين، والدعوة للحفاظ على التراث الاسلامي، والتحفيز على احياء بهاء وابهار الصورة الفنية للمينا الاسلامية على أسس معاصرة، مما يوفّر فرص عمل جديدة، ويوسّع مجالات الصناعات الفنيّة ويطوّر تجارة منتجاتها محليّا واقليميّا وعالميّا.
3- جميع الصور المنشورة في هذه المقالة من نفس المجموعة:
www.al-jadir-collect.org.uk                           jadir959@yahoo.co.uk
   

                    
سعـــد الجـــادر
كاتب وباحث من العراق

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …