أخبار عاجلة

الهـاتف

مرات عدة يحسب أن الليل يهدر في أذنيه كرصاص يصب بعنف.. "هذا الليل.. ذاك الليل ".. يبدأ عادة بعيد صحوه من نوم الظهيرة، كلما تمكن من قبضه بعد جهد مفاصله المنقبضة منذ الصباح الباكر، على طاولة المستقبل المضبب الذي يبعد يوما عن آخر. ها هو مساء آخر قد يكون من أكثرها توجعا..وحيدا يحن لأزمنة غابرة، تلك التي رحلت ولم تخلف سوى الدخان وعبث الأقدار.. جاثما على ركبتيه ككلب المنزل.. يحملق في اللاشيء. غرفته خاوية من صورة محفورة على الأفق أو محفز على التأمل.. تشكل "الاباجورة" سندا وتخفيفا من فزح الظلام وهواجس الوحدة، ويرمي برأسه الهرم محاولا الاغفاء.. يطل هذه اللحظة "جبل الدريز" برأسه.. انه يقترب.. يقترب أكثر الجبل الذي تطلق عليه شهاب الصحراء "ذي المهابة والاجلال" .. ذلك المسكون بأساطير البدايات وخرافات الأجداد.. الجبل الممتد حتى اللانهاية.. الآن.. على مرمى البصر تنحدر منه سلالات المغايبة لتؤم القرى المجاورة له بعد هدأة الدبيب وموت الأجساد.. سلالات المغايبة تؤم المكان. والجبل المدبب من أعلى كفوهة بركان يقترب.. يقترب.. ي..ح..ط..ر..ح.

يحمل أسما له قاصدا باب الغرفة لكن صرير الريح يعود به للخلف ما تبقى عروقه من عنف، غير قادر على تحمل مغامرات هذه الليلة.. "ما الذي سيكون خلف الباب سوى الهاوية.. حصار الغرفة أرحم "..يقع في فراشه حاشرا عينيه في سفر قديم ربما يطغيه اشتعالا أوقد الليل جذوته كما كان يردد عليه منذ زمن خلى.. "وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى الى كتابها".

هو الآخر جاث يضحك.. يضحك.. ثم ينتحب كأم.. ينتظر غفران أبيه.. أبوه الذي كان يحفر بئر المزرعة.. تلك المزرعة التي تبعد الآن كما الشمس.. قبر سنيه الأولى يذكرها بتفاصيلها الدقيقة.. النخل من جهة الغرب..الليمون على الجانب المحاذي للماء.. البرسيم في الأطراف حتى لا يعكر عليه ظل النخل.. كان أبوه يردد على مسمعه. "الظل خصم للبرسيم ".. يذكر تماما لحية والده وهي تعانق الماء في قاع البئر.. كان الوقت "ظهيرة "..

هو جاثم عند عتبة البئر كمن ينتظر فريسة.. يغريه امتلاء الدلو بالحجر وعفونة الأرض.. ودون ترتيب مسبق داهمته فكرة ترك الدلو وما فيه ينزل على الرأس المدفون في القاع.. تلفت كثيرا.. لا أحد.. المكان خواء إلا من زقزقة عصافير حبورة بحريتها وحفيف شجر يسابق السماء ها هو يشد الحبل ويعد: واحد.. اثنان.. ث.. ل.. ا.

لن يشفع هذا الليل بنهاية ولو كابوسية.. زئير الريح يتصاعد ويعصف بالباب محدثا دويا مفزعا.. (ربما تكون هذه الليلة الأخيرة.. إن السماء منذ الظهر تنذر بصاعقة.. قد تتحقق إذن المقولة التي كانت تردد عليه "القيامة لابد أن تسبقها ريح شيطانية لخلخلة القلوب المتحجرة..!)

لكنه يضحك.. يضحك ثم يمسح رطوبة بللت خديه، يسند رأسه مرة أخرى للمخدة مطفئا أباجورته.. وجبل الأريز يشد رحاله على هودجه.. بشر عديدون بألوان شتى وأجساد كالخيزران بوجوه تثير الشفقة.

– الى أين أيها الجبل ؟!

– سأسلم البشر الذين نئت بحملهم الى ذويهم!

– ذويهم… ذويهم.

– هناك صوب البعيد.. هناك بامتداد الهاوية.

– أه، كانت هناك صفوف متراصة كمن ينتظر الحساب.. انهم يهتفون "الجبل قادم.." الأريز قادم بأولادنا.. ذي المهابة والاجلال قادم…".

كانت عربات ضخمة من النوع القديم مصطفة كطابور حرس على شرفات الوادي الواسع، في ناحية أخرى حمير وجمال كثيرة ربطت بعناية لكنها صامتة على غير عادتها بخلاف الأعداد الأخرى المتراصة والمفتونة بالجبل.. والجبل يسير الهوينا.. يتحرك ببطء شديد.. والأصوات تتعالى وتهدر محدثة جلبة هيا أعلن القائمة.. هيا… هيا.

وهو يسأل الجبل:

هل صحيح أنهم سيعودون بعد الموت ؟!

ثم يضحك.. يضحك.. ذارفا ما تبقى من دموع الليلة مودعا غرفته بعد أن امتطى مقود سيارته مجترحا سكون الليل حيث لا يعرف الى أين !
 
 
مرهون العزري(قاص من سلطنة عمان)  

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …