اليمن السعيد أناشيد المياه أناشيد الحجر

في  المحيط الهندي, ونحو الجنوب, غير بعيد عن القرن الافريقي, ينفصل اليمن. وهو صقع قد اشتهر منذ أزمنة سحيقة باسم آرابيا فيليكس ARABIA FELIX  أي »بلاد العرب السعيدة«. يقع اليمن على امتداد البحر الأحمر. ويشك ل استمرارا لمساحات شاسعة متحجرة هي نفسها امتداد لصحراء لا تنتهي. وتعود شهرة اليمن في القديم على وجه الخصوص; إلى ماتنتجه من مر, ولبان.  ففي وقت مبكر من القرن الخامس قبل الميلاد ذكرها المؤرخ اليوناني الكبير هيرودوت, قال: »ومن ناحية الجنوب, فإن آخر الأصقاع المسكونة هي بلاد العرب: وهي البلاد الوحيدة في العالم التي ينبت فيها اللبان, والمر, والدارصيني, والكافور, واللاذن«.

وعلى امتداد بلاد العرب الجنوبية هذه تشكل الجبال مضانا. ومن بعيد أو من قريب يبدو الافق متحركا. وعلى صفحته ترتسم كتل كبيرة من الحجارة الد اكنة. ومن بين التلال الحجرية تلتقي فجأة هنا, أو هناك بوهاد أو أودية سحيقة; تعقبها مصاطب أو سهول مجوفة .

هذه المشاهد الفريدة شبيهة  بموسيقى نود  سماعها إلى ما لا نهاية. ويبدو الزمن هنا وكأنه قد توقف, لا أثر لبشر ,ورغم ذلك يصلنا  ضجيج الأزمنة السحيقة عبر الرياح. وتنتشر في هذه الوهاد حجارة منقوشة, عليها كتابات  تشهد أن البشر, ومنذ أحقاب طويلة استطاعوا السيطرة على تدفق المياه; وتوص لوا إلى تنظيم زراعة مستقرة.

بين التخييل وإستعادة الماضي:

الذاكرة الخصبة

منذ القديم, لا يكاد يوجد في الدنيا بلد فاق اليمن في إطلاق الخيال. لقد ظل  سحر اليمن ولزمن طويل مرتبطا جوهريا بأسطورة الطيوب الذائعة الانتشار; وخاصة في اليونان القديمة. وهكذا فمن بين الأشياء التي تخيلها الإغريق »أن طائر الفينيق(1), وهو طائر الشمس, عندما لا يعود قادرا على اقتفاء الشمس في مسارها, ولا على اللحاق بها في سمت السماء, فإنه يتجه لدى اقتراب أجله نحو بلاد العرب, وهناك يبني عشا من أغصان أشجار الأفاويه التي تأكله النار, ومن رماد أغصان اللبان والمر  هذه, يبعث طائر الفينيق حيا من جديد. «

في بلاد العرب هذه يضوع  –  كما جاء في خبر هيرودوت – عطر طيب إلهي, وقد نسجت خرافات مختلفة حول الطرق والأساليب المستعملة للحصول على اللبان, وعلى الأفاويه, وعلى العطور- وهي المواد  التي كانت تدر  على عرب الجنوب ثروات طائلة من خلال النفاذ بها في طرق القوافل.

وهذا ما نقله هيرودوت نفسه:

»…. ولجني الدارصيني فإن  العرب تغطي الجسد كله حتى الوجه بجلد ثور, أو جلد أي  حيوان آخر, ولا تبقي سوى على العينين. ثم تنطلق في البحث عن هذه الشجرة. فهي تنبت في بحيرات ضحضاحة غيرعميقة,  تعيش قربها حيوانات طائرة, شبيهة بخفافيشنا, لها صيحات مخيفة.

أما جني الكافور? فهو أيضا أكثر إثارة. في أي  الأصقاع ينبت ? لا أحد يعلم. والشرقيون يؤكدون أنه ينبت في البلاد الخرافية التي ترعرع فيها الإله ديونيزوس. وكل  مانعرفه عن الكافور أنه يحمل اسما فينيقيا. ويقال إن طيورا عملاقة تنقل قشر الكافور إلى قمم الجبال الوعرة, حيث تبني به أعشاشها, وتخلطه بالطين. وللحصول على الكافور فإن  العرب تأخذ قطعا كبيرة بقدر الإمكان من لحوم الثيران, أو الحمير, أو لحوم أي حيوان آخر. وتضعها على مقربة من أعشاش هذه الطيور; ثم تسرع بالاختباء. فتتهالك الطيور على هذه اللحوم, وتأخذها إلى أوكارها الهشة التي لا تتحمل ثقلها فتتصدع, وتتساقط قطعا. حينئذ يهرع إليها العرب لاستخلاص الكافور الذي يسوقونه فيما بعد إلى مختلف البلدان…

أما اللاذن ,وهو صمغ دبق. فهو أيضا يأتي من مواضع أكثر إدهاشا. وله رائحة عطرة جدا, والحال أنه يستخرج من موضع شديد النتونة: فهو يتعلق بلحا المعزى: فيؤخذ من شعرها الكث  الذي يلتصق به كالغراء(2). و يدخل اللاذن في تحضير كثير من العطور… «.

ومع هذه الذكرى السحيقة  لتجارة الطيوب في بلاد العرب. تنضاف النتائج التي تتوصل إليها بانتظام البحوث الجارية, والمطردة; والتي  تكشف عن المهارة الفائقة لمهندسي الري في اليمن القديم. والبحوث الأكثر بروزا  تتعلق بأحد الآثار الفنية الجليلة ألا وهو سد  مأرب ذائع الصيت. ذاك المعلم الفني  المهيب; الذي ظل  قائما حتى أواسط القرن التاسع عشر. وأول وصف له يعود إلى سنة 1843 كان قد قام به أحد المستكشفين الأوروبيين. هذا المعلم لم يأت ذكره إلا  في التراث العربي, المدين بدوره لما جاء من ذكر شهير لهذا السد  في القرآن الكريم. قال الله تعالى في الآيتين 15- 16 من سورة سبأ:

 لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور, فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .

هذا الذكر أعقبه حكم الله الذي انفذه فيهم; وهو جزاؤهم بما كفروا, اذ جعلهم ربهم عبرة للآخرين, كما جاء في سورة سبأ في الآية 19. قال تعالى:

 فقالوا ربنا باعد ما بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .

ولقد ثبت تاريخيا أن  السد, ورغم الترميمات المتعاقبة التي أجريت عليه لإعادة بناء مصارف مياهه; كان قد توقف بشكل نهائي أواخر القرن السادس, حوالي 580 ميلادية أي قبيل البعثة المحمدية. ونحن نعرف أيضا أن هذا السد, سد  مأرب, اشتمل على هوسين لسقاية أرضين. هوس يقع إلى الشمال; والآخرى إلى الجنوب. وتروي مياهه مساحة تربو على الخمسة آلاف هكتار من الأراضي: وهذا يتوافق مع ماجاء في القرآن الكريم:  لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال . 

ولكن, وانطلاقا مما أخبر به القرآن الكريم من قصص صارت مآثر; نسجت المخيلة الشعبية على منوالها خرافات كثيرة. وهكذا صارت حدائق ملكة سبأ من الاتساع حتى أن الفارس لا بد له من مسيرة أكثر من شهر ليقطعها من أقصاها إلى أقصاها(3). أما السيل العرم الذي هدم سد  مأرب. فقد كان كارثة: شكلت  بداية انحطاط الحضارة في بلاد العرب الجنوبية; ودفعت السكان في  حركة تنقل, وهجرة. وهي الهجرة الكبرى للقبائل العربية الجنوبية نحو الشمال.

وفي تلك الحقبة; قبل بدء انهيار مملكة سبأ مع مطالع القرن السادس – مملكة سبأ التي كانت تمتدة أراضيها على قسم كبير من اليمن الحالي – فان بلد المزارعين والتجار هذا كان قد بلغ رقيا كبيرا في فنون العمارة بشكل خاص. ولقد ظل  صدى هذه العمارة التي بلغت شأوا عظيما يتردد على امتداد قرون طويلة في الآداب التي كثيرا ما تلجأ إلى التصوير الغرائبي. وهكذا نجد عالم النحو اليوناني السكندري آغاترشيد, وهو أحد أعلام عصره – عاش في حدود 120-110 قبل الميلاد –  يورد في أحد نصوصه.

 قال: »لقد شيد السبئيون أساطين  كثيرة مذهبة ومن فضة, وسقوفا وأبوابا مزخرفة بأقداح  محلاة بالحجارة الكريمة, وكذلك أيضا فجوات الأعمدة التي لها منظر بديع«.

و في مأرب ذاتها  »مدينة سبأ« ظلت  حية ذكرى عظمة قصر سلحين القديم. وفيما بعد, ولما أصبحت مدينة صنعاء هي قاعدة الملك; بنوا فيها قصرا ملكيا منيفا آخر هو قصر غمدان, ولا يلبث هذا القصر أن تطبق شهرته الآفاق, ويتغنى به الشعراء كأحد عجائب الد نيا; وقصيدة العلامة والشاعر اليمني أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني من أعلام القرن العاشر أفضل شهادة على ذلك.

 يقول الشاعر في كتابه الذائع الموسوم بـ »الإكليل«.

من بعد  غمدان المنيف وأهله

                   وهو الشفاء لقلب من يتفكر

يسمو إلى  كبد  السماء  مصعدا

                  عشرين سقفا سمكها لا يقصر

ومن السحاب  معصب  بعمامة

                    ومن الرخام  منطق ومؤزر

متلابكا  بالقطر  منه   صخره

                 والجزع بين صروحه والمرمر

و بكل  ركن رأس نسر  طائر

                        أو رأس ليث من نحاس يزأر

            متضمنا في  صدره قطارة

                         لحساب أجزاء النهار تقطر

بيد أن  اليمن سيظل في الذاكرة الانسانية أولا وأخيرا هو بلد الملكة بلقيس,ملكة سبأ.

و ملكة سبأ كما نعلم  تحولت هي أيضا في الأدبيات الشرقية والغربية إلى شخصية خرافية. صارت ملكا للخرافة التي أضفت عليها سحرا, وغرابة, ونازعت ملكيتها التاريخ. وقد جرى في  النصوص المقدسة أن الملكة حقيقة واقعة, وأن تاريخها جزء من التاريخ العام.

لنقرأ المتن التوراتي: سفر الملوك الاول, الاصحاح العاشر.. الأخبار الإصحاح التاسع: »وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل. فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدا بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ماكان بقلبها فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمر مخفي  على الملك لم يخبرها به فلما رأت كمال حكمة سليمان والبيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقاته ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب  لم يبق فيها روح بعد. فقالت للملك صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن امورك وعن حكمتك ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عينايا فهوذا النصف لم أخبر به, زدت حكمة وصلاحا على الخبر الذي سمعته…. »انتهى: سفر الملوك«

وإثر ذلك, وبعد أن شهدت  لسليمان بالحكمة, يأتي موكب تبادل الهدايا بينهما قبل رحيل ملكة سبأ.

و قد جاء أيضا ذكرالملكة بلقيس, ملكة سبأ في الأناجيل باسم »ملكة الجنوب«. كما بدت كشاهدة منبئة باليوم الآخر. وقد جعلت  السنن المسيحية وخاصة في الغرب القروسطي من زيارة الملكة لسليمان بشارة بقدوم الملوك المجوس; ورمزا لظهور الكنيسة المبشرة بين الوثنيين. كما أوردت هذه النصوص المسيحية أن الملكة برئت من عاهة بعد لمسها للخشب الذي سيقد منه فيما بعد صليب السيد المسيح.

أما الرواية القرآنية للقاء سليمان بالملكة بلقيس فقد أبرزت حكمة وريث داود عليه السلام, وتسليمه لله الغفور الرحيم. كما أظهرت الملكة وهي في كل أبهتها: يحيط بها رؤساء مملكتها القوية, والمترفة. هؤلاء الر جال الذين تعود إليهم بالمشورة. وهم بدورهم يحترمون حكمها.كما بدت في لقائها بسليمان لبيبة حكيمة. وفي الأخير تسلم أمرها مع سليمان لله رب  العالمين.

و لنقرأ الآيات من 22 الى 44 من سورة النمل.

قال تعالى:  فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين, إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم, وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون, ألا  يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون, الله لا إله إلا  هو رب  العرش العظيم, قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين, اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم  تول  عنهم فانظر ماذا يرجعون, قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي  كتاب كريم, إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم, ألا  تعلوا علي  وأتوني مسلمين, قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون, قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين, قالت إن  الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون, وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون, فلما جاء سليمان قال أتمد ونن   بمال فما آتان الله خير مما ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون, ارجع إليهم فلنأتين هم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها  أذلة   وهم صاغرون, قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين, قال عفريت من الجن  أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه قوي  أمين, قال الذي عنده علم من الكتاب أناءاتيك به قبل أن يرتد  إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل رب ي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإن ما يشكر لنفسه ومن كفر فإن  ربي غني  كريم, قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون, فلما جاءت قيل أهكذا عرشك   قالت  كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين, وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين, قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب  إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب  العالمين .

وملكة سبأ هذه التي ورد ذكرها في التراث العربي الإسلامي باسم بلقيس. ستكون موضوعا خصبا في المخيال الشعبي لدى العرب. شأنها شأن بياتريسي حبيبة الشاعر الإيطالي دانتي الليجييري, ثم من بعدها أوريليا ملهمة الشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال. بل أكثر من ذلك ستكون الملكة بلقيس عند ابن عربي رمزا إلهيا, وملهمة صوفية, وقطبا روحيا, وحكميا.

 ولكن, ومع كل  ما سبق; فإنه لايوجد مكان في العالم على الاطلاق عرفت فيه قصة سليمان وبلقيس شأوا كبيرا  كالشأو الذي عرفته هذه القصة في الحبشة. لقد لعبت قصة سليمان وبلقيس دورا متميزا, وجوهريا في أساس القاعدة الشرعية التي يقوم عليها الحكم الملكي  في الحبشة. ذاك الملك الذي دام قرونا طويلة تناهز الثلاثة آلاف سنة.. إذ يبدأ تاريخ هذا الملك الطويل بولادة الطفل مينيليك مؤسس المملكة الحبشية; والذي كان ثمرة حب  سليمان لبلقيس. بلقيس التي تسمى في التراث الأثيوبي ماكيدة أوملكة الجنوب.

أخيرا فإن  الذاكرة الانسانية تشمل أيضا مجال الفن. لذا فقد احتفظت هي أيضا بصور ملكة سبأ وسليمان;  فنحن نجدها مرسومة في جداريات الفنان الايطالي بييرو دلا فرنشسكا التي وضعها لأجل سان فرانسسكو داريزو….. كما رسمها فنان عصر النهضة الشهير رفائيل من القرن السادس عشر في ديكورات مقاصير الفاتيكان.. وهناك مشهد لهذه القصة رسمه الفنان الإيطالي فيرونيز من القرن السادس عشر أيضا في البندقية, في اللوحة الكبيرة التي أوصى بإنجازها الملك شارل دي سافوا. ونجد في البندقية نفسها أربع لوحات: واحدة للرسام تانتوري أواسط القرن السادس عشر.. ولوحة تمثل إبحار الملكة بلقيس. رسمها لورين وهو فنان من القرن السابع عشر.

ملامح من تاريخ عريق

مقاربات لحقبة ما قبل التاريخ

مما هوثابت أنه لم يكتشف في اليمن أي أثر لإنسان ماقبل التاريخ. ولكن  البحوث المطردة لحقبة ما قبل التاريخ, و التي هي بوجه عام حديثة جدا – جعلتنا نتأكد من أهمية العصر الحجري القديم; في هذا البلد الشديد القرب من إفريقيا الشرقية. إفريقيا الشرقية التي اشتهرت بأنها مهد الإنسانية الأول. وكذلك فإن آثار الأسلحة وبخاصة السهام التي عثر عليها في اليمن; أكدت لدى المؤرخين  وجود عصر حجري حديث يتميز بتدجين الحيوانات, وببستنة المزروعات. وينفرد هذا العصر في اليمن بتواجد حجارة الأبسيديان, أو الأصداف البحرية.

منذ العصر الحجري الأول الذي يقع أساسا في الألفية السابعة قبل الميلاد, يبدأ تاريخ المعطيات الكبرى للتعرف على أماكن عبور وإقامة السكان القدامى لهذا الصقع, كما تصور ذلك النقوش واللوحات التي على الجوانب الداخلية للملاجئ تحت الصخر, حيث نجد في هذه النقوش صور مجموع الحيوانات من الجاموس القديم, والثيران الوحشية. وهي حيوانات من أصل افريقي. وفي آخر العصر الحجري الحديث صار الايبكس أي الوعل هو الحيوان السائد في هذه الرسوم. كما نجد مشاهد ذات خصائص ميثولوجية يتبين فيها الوجه البشري. وتتكاثر في العصر البرونزي; أي حوالي الألف الثالث قبل الميلاد; وقسما من الألفية الثانية الصور التي تمثل المحاربين, أو قطعان الثيران المدجنة. كما نجد أن  الزراعة المميزة لهذه الحقبة تتمركز في الهضاب خصوصا قرب صرواح في منطقة وادي حيراب شمالي الجوف; وفي الهضاب المتاخمة لمدينة صنعاء. مما يدل على وجود مجموعات بشرية مستقرة تعيش على الزراعة, وعلى تربية الماشية, كما تشهد بذلك أشكال الآنية الفخارية التي عثر عليها هناك; من صحاف, وجرار, وقدور, وكذلك آثار الحبوب التي لوحظت هناك من قمح, وشعير, وشوفان, ودقيق. كما تشهد بذلك أيضا التحاليل التي أجراها علماء الآثار أخيرا على بقايا عظام الحيوانات من ماعز, وأبقار. كما أن وجود الوحدات السكنية التي كشفت عنها أعمال الحفر مكنت من  ملاحظة أن ليس هناك بيوت لجماعات عائلية منفصلة, بل هناك أيضا مساكن  متصلة مما يسمح بقيام أنشطة جماعية.

فجر التاريخ

جرى القول إن تحديد التأريخ  في جنوب جزيرة العرب يبدأ مع ظهور النقوش الأثرية. ولكن وفي ضوء عمليات السبر لطبقات الأرض, وفي ضوء الحفريات,والكشوف التي قامت بها البعثة الأثرية الأميركية سنة 1985 في منطقة حجر التمرة – وهو موقع وادي يوبا الأثري جنوبي مأرب. وكذلك أعمال تنقيب البعثة الايطالية في  يعلة, بمنطقة خولان الشرقية في الجنوب الغربي لمدينة مأرب; سنوات 1985-1987 قلت في ضوء كل  أعمال التنقيب هذه دحض العلماء الفرضية القديمة التي كانت سائدة في الأوساط العلمية, والتي كانت تحدد بداية التاريخ حوالي سنة 500 قبل الميلاد. ويجمع العلماء على أن  البداية تقع في القرن الثامن قبل الميلاد على أقل  تقدير. وتشهد الرقم المكتشفة على دخول قبائل وافدة ذات لسان سامي وسط السكان الأصليين. قبائل لها كتابتها الخاصة, ولها ثقافتها المتميزة; وهذه القبائل هي التي شكلت أساس الحضارة القديمة لممالك جنوب جزيرة العرب. ولكن  الاكتشافات الاركيولوجية الحديثة اكدت أخيرا الصبغة المتقدمة للحضارة المادية للسكان الأصليين من قبل أن تطرأ عليهم التحولات المتعاقبة التي أحدثها هذا التوسع السامي.

وفي ضوء ما وصلت اليه البحوث الراهنة, فقد تم  استخلاص ثلاث حقائق تاريخية مهمة بالنسبة لجنوب جزيرة العرب:                                                                                                                   

 الحقيقة الأولى تهم  الشريط الممتد  على ساحل البحر الأحمر في اتجاه مضيق باب المندب: في المنطقة القائمة  بين موقع سيهي الساحلي غير بعيد عن الحدود السعودية الحالية; وبين واحة أبين شرقي  عدن; حيث نمت حضارة محلية ما قبل سامية سميت حضارة صبر. وقد عمت هذه الحضارة المنطقة الساحلية التي تسمى تهامة. وذلك في الحقبة الممتدة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد إلى منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. وقد مارست مجتمعات هذه الحضارة الفلاحة السقوية, وتربية الماشية, والصيد البحري, والإتجار مع البلاد البعيدة. وكانت متاجراتها – فيما يبدو – أكثر اتجاها إلى الساحل الافريقي للبحر الأحمر: أي أكثر اتجاها إلى الحبشة وإرتيريا, منها إلى مناطق اليمن الداخلية.

الحقيقة الثانية تتعلق بالمناطق الداخلية لليمن, بشرقي الصحراء, أي بمنطقة حضرموت. فمنذ أعمال التنقيب التي قامت بها البعثة الأثرية الفرنسية في شبوة بين سنتي 1976 و1981. ثبت لدينا أن نا هنا إزاء حقبة تاريخية مبكرة Protohistoire غير سبئية; تمتد  على وجه التقريب من القرن الثامن إلى القرن الثالث قبل الميلاد. والشاهد على ذلك قطع السيراميك الذي اكتشف هناك في طبقات الأرض الأعمق. وهي التي أكدت لنا  أن  حضارة هذا الإقليم الشرقي ذات أصول فلسطينية.

و الحقيقة الأخيرة التي وقع استخلاصها من هذه البحوث الر اهنة, وهي ليست قليلة الشأن; فتتمثل في وجود حضارة سبئية مبكرة تنتشر في التخوم الصحراوية الغربية: في ناحية الهضاب العليا لشمال اليمن. ومن بين الكشوف الأكثر أهمية في هذه المنطقة وجود آثار وأدلة  لكتابات تعود لمراحل قديمة: هي في أغلبها أسماء أشخاص منقوشة بخط عربي  جنوبي  على الجوانب الداخلية لآنية قد يعود أقدمها إلى القرن العاشر قبل الميلاد; بل حتى إلى ماقبله –  هكذا هناك اتجاه لتحديد تاريخ شقوف عليها بعض الكتابات إلى ما بين القرنين 12 و11 قبل الميلاد, شقوف كانت قد اكتشفتها البعثة الأثرية الايطالية في منطقة يعلة, على بعد ثلاثين كيلومترا الى الجنوب الغربي من مدينة مأرب.

العهود المجيدة لحضارة الكتابة

(من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد)

لقد لعبت الكتابة دورا أوليا في حضارة اليمن في العهود القديمة. والنصوص الأكثر اكتمالا, والتي صمدت على امتداد القرون الغابرة, ولم يطلها البلى; هي الكتابات التي في المواقع الأثرية, وعن طريقها تم  التعرف على اللغات القديمة في اليمن.

ورغم الغياب التام  لحروف العلة,مضافا إليها غياب الحركات. ورغم الصعوبات التي نواجهها في نطقها (لهذا السبب هناك اجماع على الرسم الاوروبي  للغات العربية الجنوبية متواضع عليه). أقول رغم كل هذا نتبين وجود أربع لغات رئيسية في بلاد العرب الجنوبية, وبالتالي وجود أربع مجموعات خطية.

أول هذه اللغات هي  اللغة السبئية. وهي اللغة  السائدة والأكثر انتشارا بسبب غزوات ملوك سبأ.  وهي كثيرة التواتر في النقوش الأثرية; اذ نجدها وفي نفس الوقت في النقوش الأكثر قدما: القرن الثامن قبل الميلاد. وفي النصوص الأكثر حداثة والتي تعود إلى  أواسط القرن الخامس ميلادي.

بعد السبئية تأتي اللغة المادبيانية Madhabien أقترح تسميتها عربيا باللغة المعينية الذبيانية) وتسمى أحيانا اللغة المعينية; وهي لسان تجار معين الذين نشروها عبر بلاد العرب الغربية حتى مصر. وقد انقرضت هذه اللغة حوالي القرن الاول قبل المسيح. وكان مركزها في منطقة الجوف شمالي صنعاء; ويليها في المقام الثالث اللسان القتباني وهي لغة عسيرة القراءة والتفكيك. وقد كانت منتشرة في الجنوب الغربي. وآخر الرقم المكتوبة بلغة قتبان تعود للقرن الثاني بعد الميلاد. ومركزها منطقة قتبان.

وآخر هذه اللغات هي اللغة الحضرمية وهي لغة شرقي  اليمن. ظهر منها إلى حد  الآن حوالي ثلاثمائة, أو أربعمائة نص  فقط. ويبدو أنها انقرضت في حدود المائة الثالثة بعد الميلاد.

هذه الألسن المختلفة كانت كلها تكتب بخط  موحد يسمى الخط  العربي الجنوبي. ومع ذلك نلاحظ اختلافات في الرسم بين الرقم السبئية, والمعينية, والقتبانية المتزامنة. هذه النصوص نجدها مكتوبة بخط  بارز, أو محفور فوق قواعد المذابح, وعلى المسلات, أو العتبات الحجرية, والمرمرية; أو فوق الألواح البرونزية. فالنقوش اليمنية هي أولا ذات صبغة نذرية: إنها تقديمات, ونذور مكرسة في المعابد لإله, أو لآلهة محددة. ورغم الصيغة المتكررة لنصوصها فهي – وفي قسم كبير منها – تشكل مصدرا لمعرفة  طبيعة آلهة بلاد العرب الجنوبية. ومصدرا لمعرفة التواريخ الحضارية,والشعائر الد ينية.

 مثلا, هناك مجموعة من النصوص تشير إلى طقوس الحج, وإلى مآدب شعائرية, وحتى إلى أدعية تكفيرية, وصلوات استسقائية.

ونحن نجد نقيشة نذرية محفوظة في متحف اللوفر تشير إلى أن  الاله الأكبر أثتار الذي يوصف بـ»الشارقان«. وقد كانت كل قبائل بلاد العرب الجنوبية تشترك في عبادة اثتار هذا الذي كان يحتل  المكانة الأولى من بين آلهتهم. ورغم العلاقة الاشتقاقية القائمة بين اسمه وبين اسم أشتار وعشتارت أي عشتروت الآلهة الفينيقية فمن المؤكد أنه كان إلها ذكرا. وكان هو الذي يأتي بالمطر, كان إله العواصف والزوابع, و كان هو الإله الحامي. وفي هذا الرقيم السالف الذ كر – الموجود بمتحف اللوفر- نرى صاحب التقدمة, وهو أحد المؤمنين, واسمه سعد السلمان  – يعلن أنه في حماية الإله اثتار, ويدعو هذا الإله بـ»الشارقان الذي ينهض مثل كوكب الزهرة في موضع نجمة الصبح«. أو يدعوه الشرقي, وهي نفس المناجاة الإلهية المنقوشة فوق شاهدة قبر محفوظة في متحف الشرق الأوسط ببرلين; والتي نقرأ فيها مايلي: »هذا قبر ربيات بن حي ليهلك الإله اثتار شارقان من يمسه أو يفسده«.. وصيغة اللعن النهائية هذه, والتي يدعي بها على العابثين بالمقابر تؤكد الصفة الحمائية للإله اثتار.

وتشهد أيضا هذه الكتابة التي على القبر,أن اله السبئيين الاساسي يسمى المقاه. وفي الواقع فإن  السبئيين يعتبرون أنفسهم من نسل المقاه. وقد نشروا عبادته بين الأقوام التي سيطروا عليها; وبين القبائل الحليفة لهم. وهناك أحرام أي هياكل كثيرة شيدت لعبادته. ومن أروعها تلك التي أقيمت حول مأرب نفسها. والغريب أن  هذه الحرم ماتزال تحتفظ بذكرى ملكة سبأ. فالمعبد الذي يسمى  في النقوش عوام (نذر إلى المقاه طاهوان سيد عوام) يحمل اليوم اسم محرم بلقيس أي معبد بلقيس; ويعني طبعا بلقيس ملكة سبأ.وساحة مدخل هذا المعبد طولها 24 مترا, وعرضها 19 مترا, ويحيطها رواق به 32 سارية تنتهي ببوابة مغطاة بالحجر; كانت قد كشفت عنها البعثة التنقيبية الأميركية سنتي 1951 – 1952. و قد عثرت هذه البعثة أيضا على مئات من القطع الحجرية التي عليها كتابات. كما عثرت على 24 تمثالا من البرونز; من بينها تمثال معد يكرب ابن عامين آناس الشهير. وهو موجود في المتحف الوطني بصنعاء. وهذا المعبد من أهم هياكل بلاد العرب الجنوبية. أما المعبد الثاني المكرس للإله المقاه, والقائم خارج مدينة مأرب في الواحة الجنوبية; فهو يشكل مجموعة معمارية مهيبة; اذ يمتد  على مساحة طولها 75 مترا, وعرضها 62 مترا; ويضم  بناء مركزيا يتكون من أربع تشكيلات متداخلة يتقدمها رواق ضخم يتكون من ستة عمد طول الواحد منها 30.8 مترا; وفناء برواق مساحته: 5.36 متر على 5.31; واطئ. هذا المركب المعماري  الرائع, والذي شغلوه مدة ثلاثة عشر قرنا على الأقل, والذي قامت بالتنقيب عنه البعثة الأركيولوجية الألمانية سنتي   1997- 1998 يسمونه اليوم في اليمن: عرش بلقيس, أي بلقيس ملكة سبأ.

من جهة أخرى, فإنه وإن لم تشر النقوش التي على القبور إلى أي  مظهر من مظاهر عبادة النجوم, فإن ها بالمقابل تثبت أن  لبعض المعبودات اليمنية صبغة كوكبية  أكيدة; مثل الإلهة شمس, والإله ربع وهو القمر غير المكتمل; وكذلك الإله سحر ويعني ساعة ما قبل الفجر… ونجد في المتحف القومي بصنعاء شاهدة قبر جميلة تتضمن التقدمة التالية: »لحي عطاط ذو النعس يقدم هذا النقش لشمس سيدة فنوات طبقا لما امرت به في بيانها الإلهي. لتمنحنا الشمس الألطاف والن عم«.

و نحن نعرف أيضا من خلال النقوش أن  لكل  مملكة من ممالك بلاد العرب الجنوبية إلهها الخاص بها. وقد سبق أن بينا أن  المقاه هو إله قوم سبأ. ولهذا يعتبر أهل سبأ أنفسهم من نسله, فهم أبناء المقاه وهو الإله الذي رمزوا إليه بالثور. ويقابله في مملكة معان الإله ود  أي الحب ويرمزون إليه بالحية. وهو أيضا إله حام يناجيه عبدته بصيغة تجلب الحظ واد آب Wadd Abb أي ود  الأب والتي كثيرا ما تنقش على القلائد.

هناك مذبح عليه نقوش بلغتين وقع اكتشافه في جزيرة ديلوس اليونانية ويعود هذا المذبح الى القرن الثاني قبل ميلاد المسيح, وتظهر هذه النقوش بوضوح ان تعلق قوم معين بود يعبرون عنه حتى في الغربة. وبالفعل فنحن نقرأ في الكتابة المنقوشة على هذا المذبح:

وباللغة اليونانية: »هذا ملك لأود إله المينيين«; وترجمته في اللسان الماذابياني (المعيني الذبياني) أو اللغة المعينية: »هاني وزيد شيدا مذبح الإله ود وإلهة معن في ديلوس«.

بعد اندثار مملكة معين; وزوال اللسان المعيني بقرون طويلة, نجد ذكرا للإله ود  هذا في القرآن الكريم, في سورة نوح  كواحد من الآلهة الممعنة في القدم قبل الاسلام.

قال الله تعالى:   ومكروا مكرا كبارا .  وقالوا لا تذرن  آلهتكم ولا تذرن  ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا .

وفضلا عن ذلك فان نسرا أيضا معبود متواتر ذكره في النقوش الأثرية السبئية. أما في اللغة القتبانية, فإن  الإله الذي يقابل الإلهين مقاه السبئي; وود  سيد معين هو الإله عم; بمعنى العم  في العربية الحديثة. ويعتبر القتباني ون أنفسهم الأبناء, والسلالة المتحد رة من الإله عم. أما في مملكة حضرموت فيسمى إله القوم سايين. ويدعى القوم نسل سايين. وفي شبوة – قاعدة الملك – فقد كانوا يحجون الى معبدها الرئيسي. وكان سدنة الهيكل يقدمون أيام الحج – حسبما أورد العلامة الروماني بلينوس القديم – ولائم شعائرية. ويضيف بيلينوس نفسه أنهم كانوا يفرضون رسوما على اللبان لحساب  الإله سايين المسمى باللغة اللاتينية سابين. وتعرفنا النقوش بنعوت كثيرة لهذا الإله, وخاصة نعته بـ»سايين ذو العلم«, و»سايين المآدب الشعائرية« كما يخبرنا بذلك ما ورد بالتقدمة المنقوشة فوق لوح برونزي يوجد في المتحف البريطاني: إن  صدق ذخار بران حارس خزائن ملك حضرموت  »ابن اشهراح يتقد م بهذا القربان الذي من البرونز إلى سايين ذي العلم ايفاء بوعده الذي أوحى له به كاملا بوزنه, وقيمته.

أخيرا, علاوة على الآلهة المحلية, أو آلهة السلالة الحاكمة; تضم  بلاد العرب الجنوبية آلهة عدة جهوية, ومحلي ة, وقروية, ومنزلية.

فمثلا هناك اللات  أو اللاتان,  والعزى الوارد ذكرهما في نصب قربانية: سبئية وقتبانية. وتظهر أسماؤهما بشكل خاص بدءا من القرن الثاني قبل المسيح, كعناصر أصلية في بنية أسماء الأعلام في بلاد العرب الجنوبية. من ذلك مثلا بنات ايل أي بنات الله اللاتي كرست لهن  هياكل للبان; ونصب أنثوية صغيرة. وهنا أيضا يمثل ذكر القرآن الكريم لبنات الله شهادة قيمة…

ورد في القرآن الكريم في سورة الإسراء 17 الاية 40.

 قال تعالى:  فاصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة اناثا انكم لتقولون قولا عظيما

وكصدى لهذا يقول الله تعالى في سورة الصافات سورة رقم 37 الآية 149:  فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون .

وخاصة في سورة النجم الآية 19 – 20 فقد خص  القرآن الكريم بالذكر آلهة العرب الجنوبية ألا وهي اللات والعزى.

قال الله تعالى:  أفرأيتم اللا ت والعزى, ومناة الثالثة الأخرى .

ثم يقول الله تعالى في سورة الزخرف  رقم   43   الآية 16:  أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين .

وفي الحقيقة فإن اليمن ثري  بالرقم وبالنقوش الدينية. بيد أن  محتوى الكتابات النصبية لا يقتصر على عالم الآلهة كالتقدمات, والقرابين للمعبودات, والإبتهالات الغفرانية, والاحتفالات بتشييد المعابد, والأوامر الإلهية لتنظيم إقامة الشعائر, وشروط الدخول في الدين… إلخ. ولكن تبرز لنا هذه النقوش بالإضافة إلى ذلك اهتمام البشر بإظهار حقوقهم. وبالخصوص ما يتعلق بالملكية الخاصة; وذلك في عدد كبير من النصوص التي تصف أعمال البناء, والترميم, وتسوية الأراضي الزراعية, وعمليات حفر القنوات… الخ.

كذلك هناك مسلة موجودة بمتحف بيحان, كان قد عثر عليها بوادي خير, في اليمن على تخوم الصحراء, غير بعيد عن مركز منطقة قتبان, وتمثل هذه المسلة احتفاء بحفر بئر: »ان وطر يرتا ابن معاهير وذو خولان قد حفر وشيد بئره الجديدة  نهار في اهير مستعمرة ردمان« وردمان هذه إمارة كانت قديما ضمن إقليم قتبان وعادت مستقلة, وقوية حوالي منتصف القرن الأول بعد الميلاد.

وتوجد مجموعة أخرى من النقوش تتميز بخصوصيتها تساعد على كشف تطور أساليب التفكير: وتتعلق هذه المجموعة من النقوش باعترافات العامة, وبمطالب غفران لخطايا اقترفت في حق الشعائر. وهاهو مثال نادر يقدمه لوح برونزي , موجود بالمتحف الوطني بصنعاء, ويعود تاريخه إلى القرن الثاني  بعد الميلاد.

جاء فيه: اليعازر ابن نهاياط يقر  بذنوبه ويطلب الغفران من ذي السماوي (رب السماوات) حاكم يغرو لأنه غفل عن القيام بالشعائر المفروضة أثناء سفر إلى بلد الأسد… هاهو قد تاب… «.

بيد أننا نجد مثلا آخر لنص  أكثر إدهاشا; حفر على لوح برونزي  عثر عليه في المنطقة التي تقع بين الجوف ونجران. وهذا اللوح يعود تاريخه إلى القرن الثاني  قبل الميلاد. و نقرأ في هذا اللوح المعروض في متحف التقاليد الشعبية بميونيخ, والذي يمثل صورة رجل وامرأة متحاضنين, نقرأ مايلي:  »علي ولد قيس منوات يقر  بذنبه إلى ذي السماوي حاكم يغرو لأنه  دخل على امرأة من يغرو«.

وقبل تناول النقوش ذات القيمة التاريخية; ولمجرد الاطلاع, نشير إلى وجود قربان تقدمت به امراة بغرض تيسير ولادة بنت صغيرة. ويتمثل هذا القربان في عمود من حجر موجود بالمتحف الوطني بصنعاء. ويعود تاريخه إلى القرن الأول أو الثاني بعد الميلاد.

على صعيد التاريخ; أولا هاهو لوح بالمتحف البريطاني يحمل أول ذكر صريح لحرب وقعت بين السبئيين والعرب في غضون القرن الأو ل قبل الميلاد. اذ نقرأ ما يلي:

»ربيب ياذام ابن اخرف تقدم للإله المقاه (كبير الآلهة حامي السبئيين) بهذه النقيشة لأن  المقاه قد نصره في التقتيل والنهب والأسر بطريقة مرضية… لأن المقاه قد أنقذ خادمه ربيب في الصراع الذي جمعه بالعرب في جهة مانهات«.

وورد في ناصية باب حجري  موجود بالمتحف الوطني بصنعاء, نقش باللغة الحميرية, يعود إلى الفترة التي تقع ما بين  240 – 230 قبل الميلاد; فيه ذكر لحرب نشبت بين سبأ وحمير;  قبل انتهاء الصراع بينهما بغلبة حمير; وتوحيد بلاد العرب الجنوبية تحت نفوذها. وذلك حوالي نهاية القرن الثالث بعد الميلاد.

إلا  أن  النقش الأكثر اثارة, فيظل  ذاك المحفور على مسلة من جهاتها الأربع. ويبلغ ارتفاع هذه المسلة مترين ونصف المتر.

وقد نصبت في مارس من سنة 549 ميلادية قرب أكبر مصرف في سد  مأرب. وفي سنة 658 حسب التقويم الحميري – بأمر من أبرهة ملك اليمن المسيحي; وهو قائد عسكري من أصل حبشي  اختار مدينة صنعاء قاعدة لملكه. وينقل لنا النقش المحفور على هذه المسلة  المصاعب التي اجتازها ابرهة لبسط نفوذه, والتمرد الذي نجح في اخماده. كما يصف أعمال الترميم الكبرى للمصرف الكبير  بسد مأرب.

كما شيد هذا العاهل كنيسة في مدينة مأرب, ونصب نفسه حاكما شرعيا على اليمن. وذلك باستقبال سفيرالنجاشي في بلاطه, وسفير الامبراطورالبيزنطي المعاصر جوستينيان, وسفير كسرى الأول أنوشروان ملك الفرس, وسفراء الأمراء العرب المتحالفين مع الروم البيزنطيين, وأولائك المتحالفين مع الفرس الساسانيين. وينتهي هذا النص  الطويل, والذي يبلغ 136 سطرا قبل الإشارة إلى تاريخه بذكر ضخامة المصاريف  التي انفقت على البناء:

»ومن يوم شرع في مهمته حتى اتمام بناء الكنيسة  وترميم  حائط الرسو والسد فقد أنفق 50806 صاعات من الدقيق  و26000 صاع من التمور بمكيال يادائيل  و3000 رأس من المواشي والبقر, و7000 رأس من الغنم, و300 حمولة عير من الخمر….., 11000 قربة من نبيذ التمور«.

و كما اتضح, فإن للنقوش والكتابات  الأثرية قيمة كبيرة, بل جوهرية لمعرفة ودراسة اليمن القديم.غير أنه, ومنذ ربع قرن, بدأت تعرف, و تدرس بأناة الوثائق ذات الخط  المتصل, أوالخط  الدقيق, المحزوز بواسطة أقلام حديدية, أو أقلام برونزية على ألواح خشبية, وفوق عروق سعف النخل. وهي أبجديات, وقائمات اسمية. ولا ندري إن كانت لأسماء عمال? أم هي جداول ضرائب وإتاوات? أم هي عقود, و كتب بيع وشراء القمح, والذرة, والشوفان, والدقيق, والتمر… إلخ وكذلك بيع وشراء الإبل, والضأن, والماعز. وهناك وثائق أخرى عن كيفية توزيع مياه الري … وغيرها… إلخ. كل  هذه النصوص التي يحد دها علماء النقوش الأثرية بالحقبة الطويلة الممتدة من القرن السابع قبل الميلاد, إلى القرن الرابع بعد الميلاد; تزودنا بمعلومات غزيرة حول مظاهر عدة من الحياة اليومية في اليمن القديم.

                        (انظر الجدول المرفق)

الحقب
   

الأحداث السياسية والحضرية

من 1200 الى 700 قبل الميلاد
   

بلاد العرب الجنوبية في الحقبة المبكرة
1.1 حوالي 1200 الى 1000 قبل الميلاد ظهور الكتابة.

2.1 حوالي 750 النقوش الاثرية الأولى

من القرن 8 الى 1 قبل الميلاد
   

بلاد العرب الجنوبية في العصر القديم

قمة ازدهار فنون بلاد العرب الجنوبية

1.2 القرن الثامن قبل الملاد: ممالك سبأ وقتبان وأوسان وحضرموت

2.2 من القرن 8 الى 4 قبل الميلاد : الامبراطورية السبأية

3.2 القرن 4 قبل الميلاد النفوذ القتباني

من القرن1 الى القرن 3 بعد الميلاد
   

بلاد العرب الجنوبية في العصلا المتوسط

مرحلة الممالك المحاربة

من القرن 3 بعد الميلاد الى القرن 6 (525 أو 529/30) بعد الميلاد
   

الأمبراطورية الحميرية

توحيد بلاد العرب الجنوبية تحت الحكم الحميري

من القرن 6 الى القرن 7 بعد الميلاد
   

بلاد العرب الجنوبية في العهد المتأخر

1.5 السيطرة الحبشية (من 525 أو 529/30 الى 570/71)

2.5 سيطرة الفرس الساسانيين (570/71 الى 632)

في عهود ممالك القوافل

يتفق مؤرخو بلاد العرب الجنوبية على أن الحقبة الممتدة بين القرن الثامن, و القرن الأول قبل الميلاد; قد سادها حكم الممالك التي عرفت بـ»لممالك القوافلية«. ولقد دانت هذه الممالك بازدهارها خاصة, إلى تجارة الطيوب والأفاويه. غير أن  التجار المعينيين هم الذين فيما يبدو قد تحكمونا في القسم الأكبر من التجارة المحلية. ولقد اكتشفت نقوش قبرية في منطقة معين (مدينة قرناو القديمة التي كانت حاضرة مملكة المعينيين فيما بين النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد, وحوالي 100 الى120 قبل الميلاد) وكذلك في مدينة براقش (التي كانت تعرف في العصور القديمة باسم ياثيل وهي القاعدة الثانية لهذه المملكة); ولقد دلت هذه النقوش على قيام بعثات تجارية إلى مصر, وإلى شمالي الشرق الاوسط. وإن المسلة المسماة بـ»شهر الهلال« والتي عثر عليها في موقع حجر كهلان الأثري حيث تقع تمنية حاضرة مملكة قتبان; قد نقش عليها نص  لقانون عربي جنوبي, مايزال سليما في جزء منه عنوانه »شرعة قتبان التجاري ة«. وقد أثبت في هذا النقش أسماء المعينيين من بين التجار الغرباء الذين لديهم ملكية في المدينة, ويدفعون ضرائب الأسواق. بيد أننا ومن خلال ما أورده بلين القديم وهو عالم بالطبيعيات, و كاتب لاتيني موسوعي من القرن الأول بعد الميلاد – نعلم أنه وفيما يتعلق بتجارة العطور, أن الصمغ كان يوسق على ظهور العير عبر بلاد الجبانيتا Gebbanitae  أي عبر مملكة قتبان إلى أن يصل إلى مدينة تمنية, ومن هناك تبدأ الطرق الكبرى التي تنتهي إلى البحر المتوسط. إن  قادة القوافل المعينيين المختصين بالاتجار, والقادرين على القيام – إذا ما لزم الأمر-  برحلات تجارية تقودهم إلى أماكن قصية; اذ نجد لهم ذكرا في أماكن مثل قرية الفاو على بعد 280 كم من مدينة معين, وفي غزة على الشاطئ الفلسطيني, وفي مدن صور, وفي صيدا بفينيقيا – هؤلاء القادة من الثابت  أنهم كانوا يتاجرون مع منطقة الفرات السوري ة, في أشور, وبابل. الخلاصة, هناك كتابة قبرية شاهدة على تواجدهم وراء البحار, في جزيرة ديلوس الإغريقية; كان حضورهم هناك نشيطا من بين كثير من التجار الشرقيين. إن حجم حركة القوافل, وانتشار الطيوب والأفاويه ثابت أيضا من خلال الوثائق الآشورية. وهكذا فإن  نصا يعود لملك من منطقة الفرات الأوسط  قد يكون حكما في حدود أواسط المائة الثامنة قبل الميلاد,  يورد أن قافلة مكونة من مائتي بعير يقودها »نفر من تيماء وسبأ,  ديارهم قصية«. وفي فترة أقرب نجد في لوحة منقوشة بمدينة آشور, بمناسبة بناء هيكل عيد السنة الجديدة; أهدى العاهل قربئيل صاحب مملكة سبأ مع الحجارة الثمينة, عطورا إلى الملك سنحريب الذي حكم من سنة 705 إلى 681 قبل الميلاد.

لقد تأكد بالنسبة لبلاد العرب الجنوبية, أن  التبادل التجاري استمر  – مع تحول  طرق التجارة البرية, وانطلاق النقل البحري مع بداية العهد المسيحي – عامل أساسي في الازدهار الاقتصادي. وقد كانت المدن في الأصل أسواقا, ومراكز انتقال للبضائع. بيد أنه من الثابت ايضا ان الثروات الفلاحية لابد ان تؤخذ اعتبارها – كما تشهد على ذلك آثار عثر عليها في مأرب, حاضرة مملكة سبأ التي  سميت في البدء مارياب, ثم تحول الاسم إلى مأرب في حدود المائة الثانية ميلادية. وتدل  هذه الآثار المادية على ان  الفلاحة كانت تدر  عليهم محاصيل كبيرة, وان كثافة الاستثمار هذه تعود إلى تقنية ري متقنة. وقد سمحت لنا البحوث الأثرية بالتأكد من ذلك: حتى وان كانت تلك المنشآت المائية مهدمة مثل السواقي, والفتحات والأقنية, ومصارف المياه, والحواجز, وقنوات توزيع المياه; فإنها تشهد جميعها بشكل بين على أنه قد تم باليمن في عصور ما قبل الإسلام  التحكم في المياه بشكل مستقر. والشاهد الذي طبقت  شهرته الآفاق  هو بطبيعة الحال  سد   واحة MARYAB  مارياب/ مأرب الذي تصله السيول من فيضان وادي ضنى. وهو الوادي الذي يحوي أكبر نسبة تهاطل في كل اودية اليمن يصل معدلها الى 100 مليون متر مكعب سنويا, وله حاجز ترابي يبلغ 680 مترا . كما أن هناك شواهد أخرى تؤكد لنا ذلك; وهكذا ففي مدينة براقش مثلا فإن بيانات تشكل التضاريس, أي الجيومرفولوجيا التي أخذت بالأقمار الصناعية بطريقة الاستشعار عن بعد. قد أظهرت تشكيلة مختلفة من منشآت الري: من حواجز, وسكور, ومجار أساسية, وشبكات توزيع مياه  – في الجهات العليا  من موقع مدينة ياثيل القديمة, وهي أهم مدن مملكة المعينيين بعد مدينة قرناو قاعدة ملكهم – وهذه التشكيلة تمتد  متبعة مجاري وادي مجزر المتتالية… كما أن نا  نجد نقوشا أثرية كثيرة تصف – بشكل بين أو مضمر- الأعمال الزراعية من حفر للآبار, وتهيئة للحواجز المائية, والقنوات أو المحابس, وتحديد الحقول, ومراسم ملكية نظام الري , وطرق تنصيب المستثمرين الفلاحيين, وسير الأسواق.. إلخ وكل هذه الشواهد تدل  على أن حضارة الطيوب والأفاويه في بلاد العرب السعيدة كانت هي أيضا  حضارة المياه.

توحيد بلاد العرب الجنوبية: من إمبراطورية

سبأ إلى مملكة حمير

في حدود المائة الثامنة قبل الميلاد, ظهر اسم سبأ من بين أقوام بلاد العرب. وكان عاهل هذا الشعب – الذي يتشكل من قواد القوافل, والذي استطاع بفضل تحكمه في أساليب الري  أن يضمن لنفسه منتجات الأرض –  يلقب بـ»مكرب MUKARRIB « وهو اسم صفة  يجمع علماء اللغات العربية القديمة, ومؤرخو جزيرة العرب على أنه يحوي – كما هو اليوم الجذرالثلاثي: قرب  –  معاني الوحدة, والتقريب, والجمع بين الاطراف ؛وهذا يحيل إلى نوع من مفهوم السلطة المركزية, إلى شيء شبيه بالنزوع إلى السيطرة السياسية على كامل المنطقة. ولقب مكرب(MUKARRIB  MKRB) هذا ظل ملوك سبأ يلقبون به مدة قرنين: من أواسط القرن الثامن إلى أواسط القرن السادس قبل الميلاد.

وكان قريبيل الأكبر Karibiil le grand أشهر ملوكهم, وهو الذي يعتبر الموحد الأول لليمن. وقد أثبتنا أنه هو نفسه الذي جاء ذكره في الحوليات الآشورية مدة حكم الملك الآشوري  سنحريب (705- 681 ق.م) تحت اسم قاريبيلو Karibilu صاحب الهدية من الطيوب, والحجارة الثمينة التي أرسلها على شرف هذا العاهل الآشوري. وهناك كتابتان وهما على التوالي: واحدة تحتوي على 20 سطرا. والثانية تحتوي على ثمانية أسطر خلدتا ذكره. وهذان النصان منقوشان على كتلتي حجر متراكبتين الواحدة فوق الأخرى; طولهما سبعة أمتار, وتزن حوالي أحد عشر طنا. موضوعة في وسط »صيرواح الكبير« على بعد أربعين كيلومترا من مدينة مأرب في اتجاه الهضاب. ويصف هذان النصان أعمال الملك قربيل الأكبر في اوقات السلم, وهو محتوى النص القصير; ويصف النص الثاني الطويل غزواته العسكرية المظفرة, التي بسطت نفوذ مملكة سبأ السياسي في بلاد العرب الجنوبية. أما قصة غزواته التي بلغت ثماني, فهي تشكل حوليات عسكرية حقيقية لحكم دام حوالي خمسين سنة. وسمح لمكرب ملك سبأ بأن يمد نفوذه على كل تخوم الصحراء, وأن يهيمن على طرق تجارة الطيوب ومن هناك يمارس سلطته على الممالك القوافلية.. وهكذا, فبعد أن عبر قرابيل الأكبر مظفرا سلاسل جبال اليمن جنوبي مدينة تعز, استولى على مملكة »أوسان« الواقعة جنوب شرقي مأرب في وسط وادي مرخى, والتي ازدهرت بفضل النمو الزراعي, ومنتجاتها من الطيوب والأفاويق وبخاصة المر, وأيضا بفضل تحكمها في طريق القوافل الرابط بين مدينتي شبوات (شبوة) ومارياب (مأرب). وقد كان الخراب الذي أحدثه هذا الغزو كبيرا: من حرق بيوت, وهدم مدن, واجتياح أراض, ونهب للمواشي. وأزال قرابيل أسوار قصر عاهل مملكة أوسان; مما أدى إلى اندثار نقوشه. وبلغ عدد القتلى من جانب الأوسانيين  1600 أما الأسرى فوصل عددهم إلى 40000. واستمر عاهل سبأ في اجتياحه إلى أن استكمل غزو أوسان بالسيطرة على حلفائها في الجنوب الشرقي, وفي الجنوب الغربي, وبالإستحواذ على ممتلكاتها التي من جهة الجبال السفلى المشرفة على خليج عدن الحالي.

وهذا ما جعل مملكة أوسان تختفي لعدة قرون من الساحة السياسية اليمنية: ويضم قرابيل الأكبر أراضيها إلى قتبان حليفة مملكة سبأ.

و كانت مملكة ناشان التي تسمى اليوم السوداء, هي المنافس القوي لسبأ بعد مملكة  أوسان. وتقع ناشان في الشمال الغربي. وقد بنت ازدهارها على استغلال سيول واديي مذاب  وخريد, ومدت نفوذها على إقليم الجوف, وهو منخفض شاسع بطول 100 كيلومتر كان يتيح لها مراقبة عبور القوافل بين مملكة سبأ في الجنوب, ومنطقة نجران في الشمال (وتقع اليوم في الاراضي السعودية) على طريق البتراء, وغزة. وبعد غزوه مدينة ياثيل  التي تسمى اليوم  براقش, استولى قرابيل على مدينة ناشان عنوة, بعد حصار شديد دام ثلاث سنوات: فهدم سورها, وخر ب معابدها, وأحرق قصرها الملكي  المسمى أفراو. وأقطع حلفاءه المقربين في القرى المجاورة أراضي ومنشآت للري; وفي الأخير, نصب على هذه المدينة المخربة حامية, ووط ن فيها مستعمرين من السبئيين. وفضلا عن ذلك, فإنه لا يستبعد أن الغزوة السابعة أي قبل الأخيرة لهذا الملك – كما ورد ذلك في تاريخ مناقب قرابيل الأكبر – حسبما جاء فى نقش صرواح الكبير تروي استيلاء السبئيين على السهل المتاخم للبحر الاحمر, وعلى تهامة, وحتى على الشاطئ الارتيري في القارة الافريقية. وفي الحقيقة فإن وجود السبئيين في اثيوبيا ثابت منذ أيام هذا الملك الغازي. وهكذ فقد أك دت أخيرا أعمال التنقيب الأولى التي قامت بها (في بداية سنة 1998) البعثة الأثرية الفرنسية في منطقة تغراي بالحبشة حول معبد ياها الكبير, وهي مدينة تبعد 580 كم عن أديس بابا إلى أقصى الشمال الأثيوبي, وعلى بعد 30 كم عن مدينة أكسوم  Aksum  أو Axoum  – قلت أثبتت هذه البعثة بما لا يقبل الشك التأثير السبئي في فترة من المؤكد أنها سابقة على القرن الخامس قبل الميلاد. وبغض النظر عن بعض النقوش الثابت مصدرها  السبئي, فإن نصب ياها القبري يشير إلى وجود أقوام تشبه بشكل قوي  السبئيين في اليمن القديم; في اللغة وفي العبادات. وقد بينت الكشوف الأثرية من ناحيتها – في هذه المدينة التي ورد ذكرها في النقوش باسم دعمات – أن الأدوات المادية المستعملة  مرجعها هي أيضا مملكة سبأ. كما نجد كذلك  في معبد ياها الذي تم  اكتشافه اخيرا  أن كل خصائصه: شكله المعماري وتقنية بنائه, (وبالأخص نحت حجارته) مذابح بخوره, زخارف المعبد, الأواني الطقوسية, وكل شئ شاهد على حضور سبئي, وعلى صلات وثيقة ومنتظمة قامت بين ضفتي البحر الأحمر: بين بلاد العرب الجنوبية, وبين القرن الإفريقي.

نستطيع الجزم إذن أن مكرب قاريبيل الأكبر   Karibil le grand  Mukkarib  تمكن في آخر مدة حكمه من توحيد بلاد العرب الجنوبية تحت نفوذ سبأ. وقد امتدت هذه الأمبراطورية من مدينة نجران في الشمال حتى خليج عدن في الجنوب الغربي, متجهة بعدها حتى هضاب الجنوب الشرقي.

ويجب أن ننتظر أكثر من ألف سنة لتظهر قوة ضاربة أخرى. إنها قوة الملوك الحميريين التي تمكنت من اعادة بناء وحدة بلاد العرب الجنوبية هذه.

لقد تكونت الدولة الجديدة أساسا في منطقة الهضاب, وبعد أن خاضت صراعا طويلا مع ممالك الصحراء, انتهت بأن فرضت تفوقها في جنوب الجزيرة. وانتهى الأمر  بالنسبة لمملكة سبأ آخر القرن الثالث ميلادي.

وضمت سبأ إلى مملكة حمير, واستولى ملك حمير على العرش السبئي. وهناك نقش يشير إلى هذا الملك الحميري باسم ياسر ذو النعم. Yasir Yuhan i وهناك منافس كبير آخر لحمير,هو مملكة حضرة موت, التي لم تلبث أكثر من عشرين سنة حتى سقطت بدورها  تحت السيطرة  الحميرية. بيد أنه لابد من انتظار سنوات 380- 340, وأواخر حكم أبي مكرب أسعد  أبي قريب أسعد  Abikarib Asad  ليستتب الامر لسلطة مركزية قوية, وليوجد استقرار يساعد على قيام وحدة أكثر قوة, ونوع  التوزيع لمهام الدولة عبر الولايات.

هذا الملك الطموح صاحب الغزوات, يلقب في التراث العربي باسم أسعد الكامل. ويقولون إنه وصل في مغامراته إلى العراق والصين. لقد نجح في فرض حماية حقيقية على وسط جزيرة العرب. وذلك حوالي نهاية النصف الأول من القرن الخامس ميلادي, كما نجح في مد سلطته على أراضي Maad معد أو معاد, التي تضم مجموعة قبائل وسط جزيرة العرب الرحل. ومد  هيمنته نحو الشمال إلى مابعد مدينة الرياض اليوم, ونحو الشمال الغربي حتى تخوم المدينة التي كانت تسمى »يثرب«.  ومن ذلك التاريخ أطلق على عاهل حمير لقب يعبر عن حدود مملكته وهو ملك سبأ, وأطلق عليه لقب »ذو ريدان«, ويشير هذا اللقب إلى مجموع القبائل المرتبطة بحمير, وسمي صاحب حضرموت ويمناة, ويبدو ان هذا التعبير الأخير يحدد المناطق الواقعة بين المضائق وحضرموت, ويضاف على هذا اللقب ملك العرب الرحل; عرب الطود. ولا شك أنهم يقصدون بالطود سلسلة جبال الحجاز, وملك تهامة  ويعني السهل الساحلي بظاهر مكة.

وإضافة إلى توطيده لوحدة بلاد العرب الجنوبية, فإن  العاهل الحميري أبي مكرب  أبي قريب أسعد   Abbikarib As ad  هو الذي كما يبدو كفل التحول من عبادة الآلهة المتعددة إلى التوحيد, فكانت أغلبية القوم تهجر هياكلها الوثنية, وآلهتها الحامية القديمة لتعبد الإله » الواحد الأحد « وذلك باعتناق اليهودية, أو باعتناق نوع من التوحيد شبه اليهودي(4). ففي هذه البلاد المترامية الأطراف, والمتشكلة من قبائل متباينة فإن تبني التوحيد ساهم في تقوية العصبية الاجتماعية. على كل, فإن  هذا العاهل الحميري نفسه أبي مكرب هو كما جاء في كتب التراث العربي الذي اختار طريق التوحيد باعتناقه لليهودية, ومن المهم أن نذكر أن وجود اليهود في اليمن يعود إلى العام 70 بعد الميلاد, على اثر الشتات الذي تعرضوا له بعد تخريب بيت المقدس, وهدم الهيكل الثاني من طرف الامبراطور الروماني تيتوس.

بيد أنه, ورغم وجود أسباب للوفاق, والتوافق فإن  صراعات نشبت في المناطق الحميرية بين اليهود والنصارى. ولأن هذه المنطقة كانت في القرن السادس للميلاد مثيرة للأطماع الاقتصادية: فهي على طريق تجارة الهند,فقد  صارت محل رهان خطير في المنافسة بين الأمبراطوري تين الفارسية والبيزنطية, وهكذا انتهت حمير بأن استسلمت للتدخل الأجنبي الذي وجد ذريعة قوية في الصدامات الدينية التي قامت بين اليهود والنصارى.

وهكذا فإن أحد حلفاء بيزنطة وهو النجاشي عاهل ملك الحبشة المسيحية دعم ملكا مسيحيا لتولي عرش حمير هو معد يكرب يعفر. وقد وجه هذ الأخير حملة عسكرية سنة 521 ميلادية لغزو أواسط جزيرة العرب, وبالضبط لمحاربة أحد حلفاء فارس وهو المنذر الأمير اللخمي.

ولكن وبعد موت الملك الحميري الذي يدين بالمسيحية تولى من بعده ملك يدين باليهودية هو يوسف أشعر يثار, هكذا يسمى في اللغة السبئية, وهو المعروف في كتب التراث العربي بيوسف ذونواس الذي اغتصب العرش, ونكل  بكل المسيحيين الذين يشتبه في ولائهم للأحباش.

وقد احتفظ التراث العربي بذكر الصراع الذي قام في اليمن بين اليهود والنصارى في قصة أصحاب الأخدود, التي ورد ذكرها في القرآن الكريم, في سورة البروج, قال الله تعالى:

 قتل أصحاب الأخدود, النار ذات الوقود, اذ هم عليها قعود, وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود, وما نقموا منهم إلا  ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد, الذي له ملك السموات والأرض والله على كل  شئ شهيد .

وأثناء التنكيل بالحميريين مات القديس آريثاس Arethas ويسمى باللغة العربية الحرث أو الحارث. لقد قدم هذا التنكيل مبررا في نظر البيزنطيين لتدخل النجاشي حليفهم وذلك سنة 525(أو529- 530) النجاشي الذي بعد أن هزم يوسف ملك حمير وقطع رأسه, قام بدوره بالتنكيل باليهود, وأعاد الملك للمسيحيين.

لقد وقع تنصير بلد حمير بقوة تحت حكم أبرهة, وهو قائد عسكري حبشي نصب نفسه ملكا على اليمن, واتخذ صنعاء قاعدة لملكه. وبنى كنيسة  أشادت كتب التراث والتاريخ العربي بعظمتها, (مثال ذلك على وجه الخصوص  الازرقي وهو مؤرخ من القرن التاسع ميلادي), وزين أبرهة هذه الكنيسة بالرخام, وبالفسيفساء التي استجلبها من بيزنطة; وقد حصل على هذا الرخام بفضل مساعدة الامبراطور الروماني جوستينيان الذي حكم  ما بين 527 و565  كما روى ذلك المؤرخ العربي الكبير  ابن جرير الطبري.

وأبرهة هذا هو الذي حسبما جاء في كتب التراث الإسلامي قام بحملة لغزو مكة عام 570. وهي نفس السنة التي ولد فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تجهز كما يروى  لهذه الحملة على رأس جيش يمتطي فيلة حبشية. وهي حيوانات كانت مجهولة لدى العرب, وقد أرعب مرآها أهل مكة. ورسخت هذه الواقعة في الذاكرة الجماعية, حتى أنهم سموا  السنة التي وقعت فيها هذه الحملة بـ»عام الفيل«.

وفي سورة الفيل من القرآن الكريم إشارة إلى هذه الحملة الحميرية على الحرم المكي.

قال تعالى:  ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل, ألم يجعل كيدهم في تضليل, وأرسل عليهم طيرا أبابيل, ترميهم بحجارة من سجيل, فجعلهم كعصف مأكول .

على كل  ففي بداية السنوات 570, وبدعم الملك الفارسي كسرى أنو شروان طرد الحميريون الأحباش من اليمن, مع الخليفة الثاني لإبرهة, وهو ابنه مسروق.

ونصب على عرش اليمن رجل من محتد شريف, يدين بالعقيدة اليهودية هو سيف ابن ذي يزن ذائع الصيت, تحت حماية دولة الفرس الساسانيين. وظل البلد تحت الوصاية الحقيقية للساسانيين إلى حوالي 632 وهو تاريخ دخول آخر ولاة الفرس في الإسلام. وكان هذا التاريخ هو الحد  النهائي للعصور القديمة في جنوب جزيرة العرب.

نظرة شاملة على مملكة  حضرموت في العصور القديمة

هي أرض الطيوب بامتياز, في جنوب بلاد العرب, حضرموت (أو حضرموت); تضم  الأقاليم التي تمتد  إلى شمالي وإلى جنوبي سهل وادي حضر موت, وامتداده هو سهل وادي المسيلة الموازي لساحل المحيط الهندي. وهكذا يكون لديه واجهتان واحدة بحرية والأخرى برية.

في الجوانب شديدة الانحدار لهذين الواديين من المكان الذي نرقى منه نحو هضبة الجول التي هي اليوم  منطقة جافة وشبه  صحراوية, عملت في هذه المنطقة, ثلاث بعثات أركيولوجية (واحدة أميركية عملت هناك منذ 1961, والأخرى فرنسية  منذ نهاية السبعينيات, وبعثة روسية شرعت بالتنقيب من سنة 1983) وقد تعرفت هذه البعثات, وأحصت آلاف المواقع الأثرية التي تعود إلى ما قبل التاريخ. وتتراوح حقبها ما بين العصر الحجري القديم, والعصر البرونزي (الذي تقع نهايته بالنسبة لليمن  حوالي 1200 ق م)  كما ضبطوا صورة شاملة لمواقع أثرية من  العصر الحجري. ومن ناحية أخرى, فإن  أعمال التنقيب التي قام بها المعهد الألماني للآثار في الناحية الجنوبية لهضبة الجول, كشفت عن كثير من المنشآت السكنية; كما كشفت خاصة على تنويعة كبيرة من المقابر من الممكن نسبتها إلى مجموعة المناضد الصوانية الميغاليثية لحضرموت التي من الممكن تحديد تاريخها فيما بين الألفية الرابعة, والألفية الثانية ماقبل الميلاد, وهي الإلفية  التي بدأت فيها بعض الأودية تكتسب أهمية بفضل نوع من الزراعة الكثيفة التي تعتمد مياه الفيضانات الموسمية.

إن تاريخ بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد, لاتزال غامضة إلى حد ما, وقد بدأ الآن علماء الآثار اكتشاف علامات حضارة حضرمية قديمة, تعود إلى ماقبل العصر العربي الجنوبي. وقد كان لهذه الأقوام  لسان خاص بهم هو اللسان الحضرمي. وكانت شبوات  (أي شبوة) دار ملكهم تتمتع بموقع جيد. فهي تقع في تقاطع طرق عديدة, مما يسمح لها بالوصول إلى شمال جزيرة العرب, أو الن زول حتى المحيط الهندي.

ولديها أيضا كثير من مناجم الملح اليسيرة الاستغلال. وفي الأخيرو باستغلال موقعها المحمي طبيعيا بهضاب حادة الجوانب تكون المدينة قد حصنت نفسها بخطين من الأسوار تقيها الفيضانات.

إن شبوة تشكل المثال الوحيد الذي نعرفه إلى يومنا هذا عن عمران اليمن القديم. اذ لاتزال فيها أكثر من مائة وعشرين أساس حجري تتراوح جوانبها ما بين 10 و12 مترا على ارتفاع يختلف من 1 إلى 3 امتار; وإن مظهرها الضخم يدل على ان المنشآت التي كانت قائمة فوقها, ذات اشكال مستطيلة,ولابد أنها كانت ذات طوابق عدة شبيهة بالابراج. ومن المحتمل ان تكون بعض هذه البنايات معابد. وقد تحدث بلين القديم عن 60 معبدا, بيد أن أكثرها كانت بيوتا, ومساكن مترفهة تمتلكها شخصيات متنفذة. فطوابقها المشيدة بالخشب  كانت تستعمل للسكن او فضاءات للاستقبال. ومدينة شيبام حاضرة حضرموت. و التي سجلت وبطلب من الجمهورية اليمنية في قائمة التراث الثقافي العالمي تعطي صورة عما كانت عليه المدن في اليمن في العصور القديمة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن لدينا شهادة  اسطرابون الجغرافي اليوناني الروماني الذي قدم في النصف الثاني من القرن الأول هذه الملاحظة القيمة عن بلاد العرب الجنوبية:

يقول اسطرابون: وفي شرقي  (بلاد العرب الجنوبية), تقيم بالأساس أقوام الشارموطيط (Charmotite) في الحضرميون أو الحضارمة وحاضرتهم شابوطا Sabota (شبوات). ولكل مدينة من مدنهم قائد خاص بها, وهي مدن مزدهرة, غنية بالأحرام وبالقصور الملكية. وبيوتهم شبيهة ببيوت مصر في طراز تجميع قطعها الخشبية«.

وفعلا فإن  المؤلفين الاغريق واللاتينيين كانوا يعرفون أن هذه العاصمة تقع غير بعيد عن المناطق التي تأتي منها الطيوب; وبخاصة اللبان. لقد كانت شبوة هي الحاضرة, وسرير الملك. وقد مال منقبو البعثة الأثرية الفرنسية التي بدأت بالعمل سنة 70 إلى اعتبار صرح شاكير ذائع الصيت قصرا ملكيا. وهو بناء هائل بل أكبر بناء, اذ يحتل  مساحة طولها 57 مترا وعرضها 39 مترا, وله باحة وملحقات. وبعد اعادة بنائه على صورته الأولى, عقب الهدم الذي تعرض له أوائل القرن الثالث بعد الميلاد, عرف لاحقا  جملة من الترميمات التي زادته عظمة وجمالا.

وما تزال أساساته الحجرية قائمة إلى اليوم. وكذلك بقايا من حوائط الطابق الأرضي المبنية  بالآجر. ويحتفظ في المتحف القومي بعدن خاصة بقطعة من اسطوانة هي جزء من المكونات المعمارية للرواق الأساسي الذي بطابق الجناح الشمالي للقصر; وهذه القطعة هي تاج اسطوانة محلى بنقوش تمثل رأس أسد وزخارف توريقية.

وما يخص بيوت السكن فكثيرا ما نجد انفسنا ازاء بيوت على شكل أبراج. وفعلا  فان الحوائط المتبقية لا يتجاوز ارتفاعها المتران. بيد ان النقوش  وهي اللوحات التذكارية لهذه الصروح تشير الى وجود »ثلاثة طوابق« او »اربعة طوابق« او تشير ايضا »الى ستة مستويات مع ستة أدوار, يحتوي أعلاها على طابقين«, وجدران هذه البيوت مشيدة بالخشب. وكذالك فاننا نجد اللحمة التي تربط بين جدران الطوابق هي أطر من عوارض  خشبية موزعة بانتظام, مملوءة بالتراب او بالطوب. ويقتضي تشييدها مصاريف كبيرة فهى تتطلب اللجوء الى مواد بناء مختلفة: من حجارة, وخشب, وطوب, والى عدة  حرفيين: من مبلطين, ونقاشي حجارة, ونجارين, وبطبيعة الحال  بناءين.

وكقاعدة للملك, فان مدينة شبوة تحتوي على احرام كثيرة, اهمها مسخر للإله سايين,  كبير آلهة هيكل حضرموت الأعظم وكانوا ينعتونه في الدعاء بـ»ذو عليم«. ومن طقوس عبادته أنهم يحجون إليه, وقد أورد بلين القديم أنهم يقدمون ولائم طقسية أثناء الحج. وهناك آلهة أخرى اكتشفت في شبوة منها الإله شمس; ولكننا نجد أيضا الإله المقاه مما يجعلنا نفترض وجودا سبئيا منذ القرن السابع قبل الميلاد. وهناك الإله أثتار ذم القب مما يدل على أن للمعينيين دورا في هذه الحاضرة الحضرمية.

وإن أعمال التنقيب التي تمت في مكان آخر مهم من واحة ريبون سمحت بالكشف عن عدد كبير من المعابد, إن كان في مدينة هذه الواحة أم في ضواحيها. وتقدم هذه الهياكل صورة دقيقة عن النظام المعماري, وعن التنظيم الداخلي لهذه الحرم من أقواس المداخل, إلى قاعات الأعمدة, و المحاريب, والمذابح, والمسلات النذرية… وتعرفنا أكثر  بكيفية تطور فنون العمارة الدينية في بلاد العرب الجنوبية.

في بلاد العرب الجنوبية  كانت حضرموت تحتل على المستوى  الاقتصادي موقعا مركزيا  مادامت تجارة الطيوب مزدهرة. فقد كانت هذه الدولة تمتلك كل الأراضي المنتجة للطيوب وهي مناطق سعكلان (Sa kalan اقليم ظفار بسلطنة عمان), ومهرات (Mahrat تسمى اليوم مهرة), وسكراد Sakrad  وهي جزيرة سقطرة المواجهة للشاطئ الصومالي.

وحوالي أواخر القرن الأول قبل الميلاد صارت حضرموت بوصفها المنتج الاول للطيوب اكبر قوة في بلاد العرب الجنوبية. ونحن نرى عاهلها يشهريل yashhuril ولد آبياسا    Abiyasa  يتخذ لنفسه لقب مقرب mukarrib  الذي تخلى عنه ملك قتبان. وعندما اضمحلت مملكة قتبان هذه فيما بين سنتي  160 و200, استولت حضرموت على قسم كبير من اراضيها.

وحوالي سنة 218 تصل حضرموت  على عهد ملكها اليعز ياهوت ابن المذخر أوج ازدهارها, بأراض تمتد  حتى منطقة رادا Rada  من ناحية مملكة قتبان, وحتى ظفار في عمان شرقا. وقد حافظ دورها الاقتصادي على أهميتها, حتى بعد ان تراجعت طرق تجارة الطيب القوافلية, واحلال المسالك البحرية محلها, والصعود القوي لدور الموانئ المحيط الهندي, وخاصة ميناء أوديمون أرابيا Eudimon Arabia, أي عدن, وميناء قاني Qane  أو كاني المسمى اليوم بئر علي, وذلك بدءا من القرن الأول مسيحي.

ولكن وفي العقود الأولى للقرن الثالث نرى الملك السبئي يتدخل في الشؤون الداخلية لمملكة حضرموت. وينتهي به الأمر بأن يستولي عنوة على قاعدة ملكها شبوة, وعلى قصر شاكير Shakir الملكي الذي يضرم فيه النيران. و ميناء قاني يخرب ويحطم  أسطوله التجاري. ومن ذلك التاريخ لم يعد لمدينة حضرموت سوى دور قليل الأهمية.

و مع بداية القرن الرابع للميلاد يلحق صاحب حمير الأراضي الحضرمية بمملكته.

                        (انظر الجدول المرفق)

(من 10 الى 954 هجري = ومن 632 الى 1538 ميلادي)

الحكم السياسي
   

الحقبة

عصر الولاه في صنعاء
   

التواريخ الهجرية
   

التواريخ الميلادية

الدولة الزيادية: بنوزياد (الأمير الأول: محمد بن زياد)
   

10-232
   

632-847

الدولة النجاحية: بنو نجاح (أول حاكم من زبيد: الرقيق الحبشي نجاح)
   

203-409
   

808-1018

الدولة الصيلحية وهي على مذهب الشيعة الفاطمية أسسها علي بن محمد الصيلحي
   

412-551
   

1021-1156

الدولة السليمانية وهي تابعة للدولة النجاحية شمال تهامة
   

439-532
   

1047-1138

دولة الأزارقة وهي على مذهب الفواطم وقاعدتها عدن، ونسبتها الى زريق بن العباس
   

462-569
   

1069-1173

السلاطين الحمدانيون

(3 دول حكمت من صنعاء، وأمتد جكمها الى مجيء الأيوبيين
   

473-569
   

1080-1173

سيطرة الأيوبيين
   

492-569
   

1099-1173

دولة السلاطين الرسوليين كان لها اشعاع وقد حكمت تهامة وجنوب اليمن
   

569-628
   

1173-1228

السلاطين الطاهريون
   

626-858
   

1228-1454

دخول اليمن تحت الدولة العثمانية.
   

858-923
   

1454-1517

 
   

945
   

1538

 

البلاد القصيدة

إنه البلاد القصيدة هكذا كتب يوما الشاعر اللبناني الكبير صلاح ستيتية عن اليمن. فبلاد أحلام اليقظة هذا, بلاد الحجارة الخالصة »يشع في عزلة الشعر في مكان تلاقي البحار, والقارات«.

بيد أن اليمن أيضا هو بـلاد الشعراء بامتياز. منذ العهود القديمة  التي كانت العصر الذهبي لليمن. وعلى امتداد عهود الإسلام المجيدة, ظل اليمن موشى بالشعر وبالأساطير. وكثيرا ما كان يختلط التاريخ بالقصص الخرافي للممالك سبأ, وحضرموت, وحمير. وإننا لنصغى إلى أصداء هذا التاريخ في القصيدة الدامغة التي للشاعر والعلامة اليمني ابومحمد الحسن الهمداني صاحب كتاب الاكليل (القرن الرابع هجري والعاشرميلادي )

وإننا لنجد هذا المؤرخ ينسب أشعارا كثيرة للملك الحميري أسعد تبع Asaad Tubba  المعروف بأسعد الكامل ذائع الصيت. والذي حكم حوالي 380- 440 بعد الميلاد. وبالنسبة للشعر العربي القديم يقدم لنا نموذجا للحساسية والفن الشعري الرفيع من قصائد الشاعر علقمة   (alqama) مات في حدود 603 وهو الذي بكى مجد اليمن التليد بلغة بليغة وشعر جزل بكى أطلال حضارة عرب الجنوب. وكان في مطارحاته الشعرية التي ظلت خالدة كجزء من الارث الشعري الجاهلي يتشبه بامرئ القيس الذي ينتمي الى قبيلة كندة التي كانت مضاربها في منطقة حضرموت الغربية وبهذا المعنى فامرئ القيس يمني.

إن التحسر على أزمنة اليمن الذهبية التي ولت نجدها أيضا في القصيدة الحميرية التي للشاعر اليمني من العصر الوسيط نشوان بن سعيد الحميري  (مات حوالي 573 هجرية و 1117 ميلادية.

واليمن بلد الحلم, والبحث عن البطولة, والأسرار. لقد جذب اليمن من ناحية أخرى  شعراء جاءوه من آفاق, وأماكن قصية. أذكر من أهمهم الشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال. وإضافة إلى الصحائف التي كتبها عن بلقيس »ملكة الصبـاح«, كتب أوبريت ملكة سبأ في أربعة فصول وقد وضع موسيقاها المؤلف الفرنسي شارل غونو. وعرضت على المسرح سنة 1826. وأيضا الشاعر رامبو الذي وصل إلى اليمن »بحذاء من ريح« سنة 1881 وقد صدر أخيرا ألبوم صور للشاعر في مدينة عدن حيث عاش حياة عادية »دون اغراق في الضحك ودون صراخ أليم«.

ومالرو كان مسكونا بأرض اليمن الخرافية, ولابد أن ذكرى رامبو كانت حاضرة لديه. عندما قام في تلك  الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 1934 التي قضاها في اليمن بمغامرة ذات أبعاد شعرية استثنائية: مغامرة جغرافية كما سم اها هو.. اذ ركب الطائرة واتجه إلى صحاري العرب بحثا عن مدينة ملكة سبأ التي كان يريد أن يعبرها من السماء.

وفي نصه الذي بعنوان ملكة سبأ والصادر في 1993 بباريس; يستعيد مالرو نصوصه التي كان قد نشرها في المجلة الفرنسية لانترونزيجون في 1934 –  وهو يأخذ القارئ ليعايشه لحظة اكتشافه, ويصف »المشهد الجليل لتلك المدينة الميتة«.

وأخيرا فالأمر جلي  : إن اليمن  أرض الوحي الشعري بامتياز.

وليس غريبا اذن أن تأسر تلك الوجوه, وتلك المشاهد اليمنية الملحمية شاعرا يتهجأ العالم بالصورة الفوتوغرافية, هذا الشاعر هو هومبرتو دا سيفايرا.

الهوامش

1- طائر الفينيق: يسمى في التراث العربي السمندل  وقد ذكره كمال الدين الدميري في كتابه العتيد »حياة الحيوان الكبرى«.

2- اللاذن   UN PAYS ENGLOUTI

و اللاذن:  الغريب أن المعاجم العربية تورد قصة استخراج اللاذن كما وردت بالضبط  عند شيخ مؤرخي الاغريق هيرودوت. فقد جاء في ترتيب القاموس المحيط للزاوي, وهو قاموس معاصر; اعتمد القواميس العربية السابقة: فإضافة إلى انه أساسا ترتيب للقاموس المحيط للفيروزبادي, الذي أفاد بدوره من  صحاح الجوهري المتقدم عليه; فقد استقى الطاهر أحمد الز اوي ماد ته اللغوية الغزيرة من المعاجم العربية السابقة مثل: تاج العروس للزبيدي, وأساس البلاغة للزمخشري, والمصباح المنير. وهكذا جاء جامعا للإرث اللغوي العربي. يقول صاحب الترتيب, وكأنه ينقل كلام هيرودوت:

»اللاذن: رطوبة تتعلق بشعر المعزى ولحاها إذا رعت نباتا يعرف بقلسوس, أو قستوس. وما علق بشعرها جيد; مسخن, ملين, مفتح للسدد, وأفواه العروق, مدر  نافع للنزلات والسعال, ووجع الأذن. وما علق بأظلافها ردئ«.           

3- حدائق ملكة: يقول المسعودي في كتابه العتيد مروج الذهب ومعادن الجوهر: »… وذكر اصحاب التاريخ ان أرض سبأ كانت من أخصب أراض اليمن واثراها واكثرها جنانا وغياضا وافسحها مروجا مع بنيان حسن وشجر مصفوف ومساكب للماء متكاثفة وانهار متفرقة وكانت مسيرة اكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحالة وفي العرض مثل ذلك… «.

4- التوحيد شبه اليهودي: لقد عرف العرب قبل الإسلام  شكلا من التوحيد دعوة الحنيفية  ويسمى أتباعه بالحنفاء.

                                                 المترجم
 
عزالدين باش شاوش
مؤرخ واكاديمي تونسي ومستشار الأمين العام لليونسكو حاليا
ترجمة: خالد النجار
شاعر ومترجم من تونس

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …