أخبار عاجلة

ايفو اندريتش اليوم الثاني لأعياد الميلاد

في هذه الليلة أيضا، استلقيا وغرقا في النوم، مثل كل ليلة.

ففي ساعة متأخرة من اليوم الثاني لأعياد الميلاد، وكان يوم صقيع حقيقي، عاد القنصل العام وزوجته الى البيت، بعد أن تناولا العشاء عند أخيها الجنرال، اسوة بكل سنة.

كان القنصل متجهم الوجه، وكان يثن أنينا متواصلا، وهو يفك أزرار معطف الفرو والصدرية الجلدية وينزع الكلوش* والحذاء والأربطة الصوفية التي يلف بها ساقيه.

وبعد أن ألقت الزوجة نظرة على ميزاني الحرارة في كلتا الغرفتين، أحضرت لزوجها دواءه مع كأس ماء، وعنفته للمرة الثانية، بسبب تناوله لحم الطرائد والحلوى، واحتسائه للنبيذ الحلو، رغم علمه بأن التحليل الأخير الذي أجراه، قد بين ارتفاع نسبة السكر في دمه، وبأن الروماتيزم قد عاوده مرة أخرى.

تصاعدت صيحات القنصل، لائما نفسه على ضعف ارادته، وأخذ يرتعد ويزداد غما، فقامت زوجته بمساعدته في ارتقاء سريره، كما تفعل كل ليلة، إذ لم يكن قادرا على ارتقاء علو درجة واحدة، دون مساعدة إنسان آخر، والا لهوى أرضا، كما حدث مرة، فانكسر عظم مرفقه وركبته،

بسبب ضخامة جسمه.

وبعد أن شكرها وتمنى لها ليلة سعيدة (باللغة الفرنسية كالمعتاد) غادرت الزوجة الى غرفتها.

إن الباب بين الغرفتين، مفتوح، دوما على مصراعيه، عادة قديمة هي كل ما تبقى من الحب الغابر ومن الليالي الأولى لحياتهما الزوجية، وما الى ذلك، لقد كان الأمر يجري على هذا النحو: الباب مفتوح، دوما، كما هو الآن. فإذا وجد، حينما يصل البيت أن زوجته قد أوت الى فراشها، يتوقف عند الباب المفتوح، وهو في نصف ملابسه ويصيح بصوت متغير النغم: "افتحي الباب !"

كانت الزوجة تتظاهر بالخوف والاستياء وتسأل من تحت اللحاف: من الداعي؟ فكان، وهو ما يزال واقفا عند عتبة الباب (أمر لا يكاد يصدقه الانسان في يومنا هذا) كان يتمتم كمطفل مدلل، قد عيل صبره:

– تحي باب !

أما هي فقد كانت تسل يدها من تحت الغطاء وتلوح بها، وتصيء بدلال وغنج، الا يدنو منها، وأن يطفيء النور على الأقل، وما الى ذلك.

كان ذلك يجري عند هذا الباب نفسه، ولكن منذ زمن بعيد، بعيد جدا، يوم كان القنصل العام، كاتبا في القنصلية، وكانت السيدة "القنصلة" إمرأة فتية، تذكر بأنها مازالت انثى.

وهكذا، فقد غفيا في هذه الليلة الميلادية أيضا، كالمعتاد.

وفي وقت ما أثناء الليل، رأى القنصل حلما مشوشا، مزعجا (غالبا ما كانت الأحلام تزعجه وتعكر صفوه) كمبيالات مزورة، مسؤولية كبيرة غير قادر على تحملها، قطار يغادر الرصيف ولا يستطيع اللحاق به لكن هذه الأحداث أخذت تزداد ترابطا ووضوحا، وأضحت واقعا حقيقيا.

فبعد خسارة فادحة توجع قلبه لها، وفرار ومطاردة وسوء تفاهم وظلم أنزل به، وجد نفسه في بلد غريب، بين الجمهور أمام القنصلية.

عدد غفير من المراجعين في رتل طويل، مثنى مثنى، أقدامهم تراوح في المكان حتى لا تتجمد، وفي أيديهم المقرورة المحمرة جوازات سفر ووثائق، والحاجب لا يسمح بدخول أكثر من واحد، حتى اذا خرج يدع الذي يليه، وكأن من يدخل، تبتلعه الأرض فلا يخرج، وهكذا كان الرتل يتناقص ببطء شديد.

كان هو في مؤخرة الرتل، وكانت يداه مقرورتين تقبضان على صرة، حاول أن يتشاطر، فاجتاز بعض الصفوف التي أمامه، فتعرف على الحاجب: انه نيقولا بعينه، حاجب قنصليته. أراد أن يناديه باسمه، لكن نيقولا صاح فجأة:

– اسمع يا هذا اسمع، أنت هناك ! لا تتشاطر ! والا سوف تكون أخر من يدخل.

عاد الى مكانه السابق في الرتل، وفكر باعطاء "بقشيش"، بحث في جيوبه، فلم يجد درهما واحدا، عظم الأمر في نظره: عليك أن تبقى في الرتل، وليس بوسعك تقديم "بطاقة الزيارة"، عليك أن تنتظر وأن تتحمل هذا الصقيع، إن الارتال لأمر كريه حقا!

ظل يراوح في مكانه ويفرك يديه، ويحصي عدد الذين أمامه بحسد، والذين وراءه بازدراء، الى أن حان دوره. أما نيقولا، الذي لم يشذ أن يميزه ويتعرف عليه، فقد أخذ يربت على كتفه حينما فتح له الباب، قائلا:

– ها أنت ذا قد وصلت يا متشاطر! هون عليك ! اذهب الى ذلك السيد، على اليمين ! دخل الغرفة الدافئة، وترك الصرة عند الباب، وقف مقابل ذلك السيد الذي على اليمين، وأخذ يعدد ما انتابه من مصائب: سرقة فرار، تزوير، قطار، امتعته في قطار لم يستطع اللحاق به…

– اعطني جوازك.

– ليس عندي… لقد…

– لقد فقدت جوازي، طبعا، سوية مع متاعي.

فبدأ الجالس الى الطاولة يصرخ بأعلى صوته:

– ليس "طبعا" بأية حال، أيها السفير المتجول. قل لي بربك، ماذا تبغي من القنصلية ؟

– أن تعيدني الى بلادي و…

– طيب. الديك قيد نفوس، دفتر خدمة ؟

زاغ نظره. لم يخطر بباله قط، أن هذه الأشياء ستكون ضرورية له أيضا. بدت له هذه المطالب صعبة وجائرة. شعر بعبثية الوضع، إذ لا يمكن لهذه الأمور أن تكون كما هي عليه.

فشحذ ذهنه لكي يتغلب على المأزق الذي هو فيه.

لكن الجالس الى الطاولة قطع حبل تفكيره:

– يا سيد! أمن هذه الوثائق أولا، ثم تعال ! دون ذلك، لا نستطيع شيئا.

ونهض في الحال.

أخذ يستعطفه بألا يدعه، هكذا دون عائل ومعين، في بلد غريب، مريضا، مصابا بداء السكري، وبعرق النسا، وو…

– كف عن تعداد أمراضك. أنا لست طبيبا.

من خلال هاتين العبارتين، اكتشف أمرا فظيعا: أن هذا الرجل الضبابي الذي لم يستطع رؤية وجهه، إنما هو بذاته. إن عباراته إنما هي عباراته هو، عباراته التي كان يكررها على مدى خمس عشرة سنة، هنا، في مكتبه، على مسمع كل متسكع ومتسول:

– "لماذا تعدد أمامي أمراضك ؟ أنا لست طبيبا" شعر بصداع في رأسه، حاول المستحيل كي يعرف حقيقة ما يجري: كيف وجد هنا، في هذا المكان، كمتسكع، دون وثائق ؟ ومن هذا الذي يحقق معه ؟ هم أن يقول بأنه قنصل، أو على الأقل، بأنه كان قنصلا. لكن الشعور بالعار قد لجم لسانه، فلم يقل الحقيقة.

– يا سيد ! لقد قلت لك أن تحضر الوثائق الضرورية، عندها نستطيع اعادتك الى الوطن.

أراد أن يقول إنه لا يملك شروى نقير، فأنى له أن يؤمن الوثائق المطلوبة وان ينتظر وصولها؟ أراد أن يقول إنه لم يكن في مسقط رأسه منذ طفولته، وأنه لا يعرف أحدا هناك، ولا يعرفه أحد. لكن ذلك الجالس الى الطاولة، لم يعطه فرصة للكلام.

– التالي، يا نيقولا.

بقي عند الباب انحنى والتقط الصرة، ونظر الى المراجع التالي كيف يدخل ويتقدم من الطاولة. سمع صوت القنصل، كان يسمع صوته هو:

– أعطني جواز السفر.

وجد نفسه مهملا، ضائعا، لم يبق أمامه إلا أمل أخير، فتجاسر وسأل:

– ما مصيري؟

– لا أدري، هذه قضيتك، أكتب الى دائرة النفوس !

تسلل الى بهو الانتظار، حيث كان ثمة مراجعون مازالوا ينتظرون. حدق بالبواب طويلا، بنظرة استعطاف وسؤال: الا تعرفني ؟ لكنه لم يتجرأ أن ينبس بكلمة. كان البواب طيب المزاج.

– أما قلت لكم بانكم ستدخلون جميعا؟

أراد أن يستغل المناسبة، فرجا البواب أن يسمح له بالجلوس في بهو الانتظار، ليتدفأ قليلا.

– القنصل لا يسمح للمراجعين بالجلوس. أمامك المدينة بأسرها. فاجلس حيثما تشاء!

وأشار بيده الى الجدار، حيث توجد لوحة، كتب عليها بلغات ثلاث: "لا يسمح للمراجعين بالبقاء في بهو الانتظار بعد انجاز معاملاتهم" وفي اسفل النص توقيعه: اسمه ولقبه وتوقيعه بخط يده. أراد أن يصرخ أن ينهال بالضرب على البواب، أن يفعل أي شيء، ليبرهن على أنه هو الذي أصدر هذا الأمر، وأن هذا الأمر لا يسري عليه. لكن ليس بوسعه فعل أي شيء من هذا القبيل.

وجد نفسه في الفناء، وكان الجليد يغشى البلاط، وكانت السماء تحتضن الأرض، مدينة لا يعرفها، غربة، زمهرير، جوع، وجع في الركبتين وفي الرأس. أسقط الصرة من يده، وتمنى لو تواتيه المنية في الحال، لينجو من هذا المأزق. خر على الأرض، فلم تكن صلبة ولا باردة.

استيقظ القنصل العام على أنينه، وكانت شفتاه جافتين، وأصابعه متشنجة، وشعر بضربات قلبه تدق في صدغيه. لم يستطع ان يتحكم بتنفسه ولا أن يثوب الى رشده.

تأوه مرات عديدة، ثم استنهض جسده بصعوبة، وأسند ظهره على الوسائد. أضاء النور، ومرر يده على لحافه الحريري البنفسجي الذي يعرفه جيدا، فغمرته طمأنينة لا حدود لها، إذ أدرك أنه هنا في فراشه، وأن ما تراءى له ليس حقيقة، وإنما الحقيقة ها هي هنا، حيث هو، بقي هذا الشعور يعتريه للحظات الى أن تخلت عنه الفرحة الكبرى، فعادت اليه الصور التي رآها في المنام، وتوجعت في أذنيه الكلمات واضحة:

– "لا أدري. هذه هي مشكلتك أنا لست طبيبا".

ومرة أخرى اعتراه ذلك الشعور بالضياع والرعب والزمهرير. فانسل من الفراش بمشقة، ببطء وحذر. وسرت في جوانحه قشعريرة، وأخذ فكه السفلي يرتجف. أضاء الثريا الكبيرة، فأنارت الخزانة والدمى الخزفية.

كل شيء هنا في مكانه. اذن،ما تراءى له في المنام ليس حقيقة ! رغم ذلك، لم تتخل عنه القشعريرة، ولم يفارقه الخوف. ارتدى "الروب دو شامبر"، وذهب الى غرفة العمل. حرر قفل المكتب، وأخرج ملف الوثائق. كل شيء موجود، بدءا بشهادته الثانوية، وانتهاء بمرسوم تعيينه قنصلا عاما من الدرجة الأولى. شهاداته، وصيته، أوسمته من ست دول. أخرج جميع هذه الأوراق وتصفحها. فعلى كل ورقة، اسمه بأحرف كبيرة. تلذذ في تردد اسمه في كل منها، ثمة ما يكفي لاثبات هويته لدى ثلاثين جهة رسمية ثم فكر: اذا كان كل ذلك مجرد حلم سخيف، وكل هذا حقيقة وواقع، فلم أشعر، اذن بضرورة أن أثبت هذه الحقيقة لنفسي، وفي هذا الوقت الذي هو ليس بوقت موات ؟ ربما ثمة خلل. سخر من نفسه مجددا: "تصرفاتي صبيانية !" كل شيء على ما يرام. طبعا. أكثرت من الطعام، واستلقيت، فحلمت، إن الحلم هو بهتان، أما الله فهو الحقيقة.

الله الآن ؟! اذن، ثمة خلل ما. فلو كان كل شيء على ما يرام، لكان، الآن، نائما، أو على الأقل، مستلقيا، ولكان يعرف بدقة، من هو وما هو؟ ولما كان مشوش التفكير، ولما جاب الغرف بثياب النوم، منفوش الشعر، حافي القدمين على الأرضية الباردة ولما دقق في الوثائق، ولما رأى نفسه، في المنام قنصلا يستجدي المساعدة، ولما وجد عزاءه في الأمثال وفي التفكير حتى بالاله، وما الى ذلك.

لملم كل وثائقه وجمعها بين يديه وضمها الى صدره وكان يرتعد. توجه الى سريره وتسلقه بعناء كبير، ثم استلقى حاضنا أوراقه. أبقى المصابيح مضاءة، واستسلم للنوم سويا مع وثائقه، وكانت "تفاحة آدم" ترتجف بين الفينة والفينة لما كان ينشج. بعد قليل انتظم نفسه وغفا.

ومع انقضاء الليل ودنو الصباح، كان وجهه يكتسب، تدريجيا ملامحه القديمة، وتعود اليه علائم الطمأنينة والوقار.

ـــــــــــــــ
* الكلوش: غطاء واق للحذاء من المطر والطين (المترجم).
 
 
ترجمة: زهير خوري (مترجم من سوريا يقيم في بلجراد)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …