أخبار عاجلة

بابا دادي

الثانية بعد الزوال، في الغالب لا يكون عنده الآن أكفر من زبونين أو ثلاثة وربما واحد أو لا أحد. يستمتع بقنينة نبيذه إذا كان وحيدا. يفخر اليوم بأن أحد زبائن مطعمه وحانته في بوردو كان طالبا في الحقوق وصار فيما بعد وزيرا مرموقا في أحدى الحكومات المغربية. سمى محله "حانة طنجة ". لكي تكون مدينته حاضرة معا دائما في المغترب. العمال والطلبة صاروا يعتبرون حانة طنجة سفارتهم ودادي سفيرهم وكل أوراق اعتماده حبهم له ولطفه معهم. حتى طبخ أمهاتهم كان يطبخا لهم. كل واحد وحنين شهيته لما كانت تطهوه له أمه.

حينما زار الوزير اللامع طنجة استضاف بابا دادي للعشاء معه في فندق فخم، لكن بابا دادي تعجرف كعادته لأنه لم يكن قد تناول بعد كمية كؤوسه التي تلينه وتجعله حميميا وفكاهيا وأحيانا مهرجا لطيفا بين زبائنه المداومين. أعلن للرسول الذي جاء بصفة رسمية فخمة ليشرفه بالدعوة المرجوة: "فليأت هو بنفسه الى محلي ويشرب معي نخبا هنا كما كنا نفعل في بوردو حالمين بالاستقلال والرجوع الى الوطن ". تكلم بابا دادي باحتفال ضخ فيه ما يعتقد أنه يستحقه من الاعتبار أحس في بوردو واليوم في طنجة رغم أنه لا أحد أهانه.. أثارت الذكرى انفعاله وهيجته حتى أوشك أن يلقي خطبة لولا أن أوقفته زوجته دومينيك بحزمها المعهود: "دادي، إن السيد ينتظر".

أعاد عليه الرسول، بوجهه البشوش المندهش، ساعة الحضور واسم الفندق ثم مد له مبتسما مظروف الدعوة. هدأ بابا دادي ووافق شاكرا. عرض على الرسول باحتفاء أن يشرب شيئا، لكنه اعتذر بعمله الرسمي مشيرا الى التاكسي وسائقه الذي يصحبه أمام سيار ته الفخمة لإرشاده في المدينة.

– انني من الرباط ولا أكاد أعرف إلا قليلا هذه المدينة الجيلة.

– عد الينا متى تشاء. إننا هنا نمزح ونمزح مثل عائلة كما ترى.

شرح له زبائنا العقلاء المداومون الحاضرون منهم تلك اللحظة التاريخية في حياة بابا دادي والغائبون منهم الذين لم يحصل لهم شرف بأن يشرفه بزيارته في حانته الشعبية – رغم سمعتها الوقور- كما كان طالبا في بوردو. إن تنازله معقول إذا لبى دعوته. مثل هذا الحدث لا يمكن أن يخفيه بابا دادي عن أحد حتى يعلم الجميع من هو دادي في الحاضر ومن هو دادي في الماضي. وما كانوا ليصدقوا لولا حجة الشاهدين الحاضرين. الدعوة محددة في اليوم التالي.

بابا دادي يحتفظ بثلاث بدلات لم يلبس أية منها منذ أن اشترى في نهاية الخمسينات مطعمه الكبير وحانته الصغيرة التي تتصدر مدخله من أنطوان الذي هيجه حنين العودة الى موطنه بوردو مثل حنين دادي الى طنجة. لم تكن هناك أية مناسبة خلال أكثر من ربع قرن تستحق أن يلبس واحدة من مدلاته الثلاث كما كان يفعل  في بوردو. انطوان ماتت زوجته وأولاده الثلاثة أنهوا دراستهم وبقوا في مدينتهم منتظرين أن ينضم اليهم. أما دادي فلا أولاد له وزوجته متماسكة فيصحتها لولا سمنتها التي تفاقمت بعد استقرارهما في طنجة . تخليدا للذكرى التي أصبحت مشتركة بينه وبين انطوان ترك دادي للمحل اسمه الذي عمد به:"مطعم – حان بوردو". انسهل الأمر، لم يكن الفرق الذي دفعه دادي كبيرا بعد أن أعجب انطوان بمطعم. حان طنجة في بوردو. استخدما المقايضة في صفقتهما مثل أخوين يتقاسمان الميراث تبادلا بالتراضي. كانا قد سافرا معا وشربا في حانة طنجة أنخابا على شرف طنجة وبوردو. دومينيك تتولى تسيير المحل أحسن من دادي في غيبته بشهادة الزبائن الدائمين. ولكي يبرهن انطوان على أريحيته لم يغير هو أيضا اسم "مطعم – حانة طنجة ". أعجبه الاسم كثيرا دون أن يفكر فيه أو يتمناه.

اكتفت دومينيك بكي البدلة الرمادية وضمختها بعطرها لتخفف عنها رائحة الكافور ( 1) القوية المنبعثة منها. علقتها في مشجب المطعم وفتحت بابه الرئيسي المقفل – منذ موجة الكساد – لعل الهواء يطير عن البدلة، التي لم تعد صالحة للبين حتى في سوق الخردة، مزيج رائحتها الغريبة المغثية. لم يعد هناك وقت كاف لتنظيفها في المصبغة لأن مثل هذه الخدمة المستعجلة لم تستورد بعد من أوروبا.

وهما في علية الحانة، التي اتخذاها غرفة للنوم، عاتبته على مسرحيته ودوره الذي مثله فيها بتهريج أما رسول الوزير والزبائن يصفقون بطيش واستهتار. لم يكن من عادة دومينيك أن تتكلم كثيرا فختمت لوعتها: إنني أيضا أهتر مادمت أعرف أنك لن تتغير في شيء.

المطعم كبير. مؤثث ببعض التحف الخشبية والخزفية التي جلبها معه من بوردو. ليس في القاعة من زينة تذكارية رياضية. لقد علقها موزعة على جدران الحانة لأنها تذكارات تخصه هو وحده دون زوجته التي لا تهتم بالرياضة من أي نوع، ثم هي تليق بالحانة أكفر من المطعم الذي تشرف هي عليه. زوجان من القفازات: واحد ظل يحمله معه الى مجهول مغامرة هجرته من طنجة دون انتصار يذكر، والآخر ذكرى انتصاره على خصمه بالضربة القاضية في بوردو – اذا صدقته – لأنه، بين الصدق والكذب، هو مسكون بتضخيم ومضاعفة أقل ما يغنمه، الزوج الأول من القفازات أحاطه بصورتين: واحدة لاسماعيل السطيطو الذي انسحب في الوقت المناسب دون هزيمة فكراء ليصير صاحب مطعم ليلى صغير معظم رواده من رواد الحانات الليلية والمشبوهين والأخرى لعبدالسلام بن بوبكر الذي كان أقل حظا ومازال ينتظر في تطران مباراة الثأر من خصمه كيد جابيلان Kid Gabellan  الذي انتصر عليه في كوبا منذ تسعة وأربعين عاما في بطولة العالم التي لم يكن مؤهلا لها، لكن لأسباب تجارية دفع بعبدالسلام الى خوضها فكانت هزيمته النهائية عائدا منها الى بلده ليجتر اضطرابه العصبي، والزوج الثاني أحاطه بصورتين: جو لويس Joe Luis  الذي خاض 84 مباراة انتصر في 50 منها و43ربحها بالضربة القاضية K.O.  والأخرى لمحمد علي (كاسيوس كلاي قبل اسلامه). وفي ركن عند مدخل الباب أحدى صوره كمن ينتصب وسط الحلبة في الشوط الأول. تبين خلفية الصورة انها أخذت له في أحد استوديوهات التصوير، ثم صور أخرى أقدمها في العشرينات من عمره وأحدثها بعد أن تجاوز السبعين رغم أنه مازال متشبثا بالسابعة والستين منذ سنوات كما لو أنه يعلن عن سنه لغريب جاءت به الصدفة الى حانته.

لم يعد بابا دادي يستغل المطعم إلا نادرا. وكل طلب للأكل ينبغي أن يكون مسبوقا بيوم على الأقل. المدينة أصيبت بنكبتها السياحية الأولى منذ حرب 67. وجاءت حرب الخليج لتجهز على ما تبقى من أمل في اعادة تنشيطها الاقتصادي الملعون.

لا يسمح بابا دادي لأحد بأن يشرب خمرا في مطعمه إلا مصحوبا بوجبة ولو خفيفة حتى تبقى لمطعمه هالته التي عرف بها، ولا يسمح لامرأة مغربية بأن تدخل محله إلا إذا صحبها رجل وبادية عليهما الرزانة والاحتشام في لباسهما وسلوكهما حتى تبقى هالته التي عرف بها.

زوجة بابا دادي هي التي تشرف على إدارة حسابات المحل. تجلس الى مكتبها في مدخل المطعم ولا تتدخل أبدا في شؤون الحانة. لها وقارها بين الزبائن. حتى بابا دادي نفسه لا يكلمها إلا باقتضاب وبصوت خفيض إذا اقترب من مكتبها. الرواد الذين تتبادل معهم التحية وبعض الكلمات قليلون. كأس شرابها من النبيذ تضعا تحت مكتبها. تجد دائما عذرا مناسبا لكي تؤجل دعوة من يريد أن يعرض عليها كأسا. يأتيها دادي بكاسها ويأخذ الفارغة في صمت. لا يسمح للنادل، الذي يساعده في المشرب، إلا نادرا بأن يخدمها. قال زبون: ما يطيل العشرة بين رجل وامرأة هو أقل الكلام بينهما.

مارس دادي الملاكمة في الثلاثينات أيام كان يبيع الجرائد وهو دون العشرين من عمره. يفخر أيضا بأنه أول شيوعي "طنجوي" وعندما استول فرانكو على الحكم انضم دادي الى الجمهوريين. سموا هنا أيضا فرانكو باكيطو Paquito   (2)الاعتقالات التي بدأت في المنطقة الشمالية قلما كان يعود ضحاياها في هذه المدينة أو تلك. وضع طنجة الدولي كان يحمي – نوعا ما – الجمهوريين المقيمين فيها، لكن الرعب الذي أشاعه باكيطو في المدن الأخرى امتد الى طنجة وتفاقم مع وفود أنصاره وجو اسيسه الذين خلفهم نظامه هنا فتقلصت مناهضته علانية. شعاره السرطاني هو: الفاشية هي أيضا ديموقراطية. مع أنه كان أكثر ديكتاتورية من مكر وستالين. ماذا كان ينتظر ما باكيطو الذي لم يكن فقط يرتاب في المثقفين بل كان يحتقرهم ويعدمهم ؟ وفي أفضل الأحوال يسجنون في :El hacho  سجن سبتة الرهيب الذي لا يقل فظاعة عن سجن الكاطراث. Alcatraz  (3).(4) بين فترة وأخرى يحدث تبادل طلقات نارية بين الروخوس والفاشيستيين. أحيانا يتبادلون الشتائم بين مقهى فوينطيس والسنترال ( 5). أحيانا تنتهي الشتائم واللعنات الى طلقات نارية في نفس ساحة المقاهي. خلاص: إن نداء مغامرة الهجرة بدا لدادي الشاب أقوى من استمرار الصراع هنا مع أنصار با كيطو.

هاجر دادي الى بوردو عبر وجدة والجزائر. رفاقه الروخوس افتقدوا فيه أهم عضو في خليتهم. لقد نجا بجلده لأنه غادر طنجة في بداية مايو عام 40 واحتلتها اسبانيا في 14 يونيو من نفس السنة.

في عام 53 كنت أعمل في مقهى الرقاصة (6) نادلا في النهار وبائع سجائر مهربة في الليل عندما ينسحب بائعوها النهاريون من السوق الداخلي. يأتي دادي كل عام مرة على الأقل في سيارته الشيفورلي Chevrolet  أو الدوفين Dauphine  لاحياء صلة الرحم مع أهله والمدينة أم المدن المغربية في عز شبابها ومجدها. هندامه دائما أنيق براق بقمصانه وسراويله الفاخرة التي يغيرها أكثر من مرة في اليوم. كانت معروفة هنا. لكن دادي يتقن اختيار ألوانها المنسجمة مع فصل السنة التي يجيء فيها وقامته السامقة وشقرته الفيكينغية. كأن أحد زبائني الدائمين في النهار. في الليل يتيه ليحيي صلة رحمه مع المواخير متفقدا من عرفهن قبل أن يهاجر الى الخارج في ملابس الهارب من المدينة، مستكشفا من طرحت بهن الحرب الأهلية الاسبانية، مفضلا بغايا أوروبا الشرقية اليهوديات، مستقبلات زبائنهن في حومة واد أحرضان، في بيوتهن الصغيرة المفتوحة أبوابها دائما الى آخر الليل، ذات ستائر كالحة، الباقيات هنا رغم اندحار النازية، والاندلسيات. لأنه لم يزر باكيطو اللعين. الفرنسيات لا يهفو اليهن هنا إلا بوردو حاملا لهن معه هداياهن المفضلة , شرابيل مزركشة،(7) وقفاطين، وأساور فضية، وقلائد، في رأس السنة حيث تسبقه الهدايا في البريد، غرامياته البطولية معهن غالبا ما يحسمها بعراك دام مع غرمائه المشاكسين فرنسيين وجزائريين وسلاحه ضرباته القاضية حتى وان كان خصمه يحمل سكينا أو مطواة، حتى وان كان إثنان أو ثلاثة تصوروا ملاكما يستعين بسلاح. يا للعار! هكذا يقول. أما المغربيات فيخصص لمعشوقته ليلة كاملة في فندق لندن العتيق المفضل لديه بأرضية غرفه الخشبية. يطلب أن يؤتى له بأعتق نبيذ اسباني، وطاجين لحم بقر مع اللوز والبرقوق والبيض المسلوق أو ضان مع البطاطا البلدية بالزيتون على مجمر ناره خفيفة مع مطعم الريحاني أو حمادي القريبين (8) من فندقه لأنهما أشهر مطعمين في المدينة في الطبخ المغربي وغيرهما باطل.

في إحدى جولاتي الليلية، شاربا على قدر ما في جيبي كأسا عند خاكوبيطو وكأسا في بارخينيرال، التقيت دادي قدام الجامع الجديد هائجا منهزما كأنه تعارك مع ثلاثة أو أربعة. سكران، وجهه مخموش يهدر،واعدا إياها بالخنق والقتل، خابطا بلكمات قاضية في الهواء. فامة البيضاوية، لا يمكن أن تكون إلا هي. دادي من يستطيع أن يرفعها باليمنى أو اليسرى الى أعلى من مستوى قامته الفارعة، لكنها هي أيضا تستطيع بقامتها القصيرة الضئيلة أن تستخضعه راكعا قدامها بنزواتها المغوية وزوغانها الغجري.

– هل رأيتها؟

– فامة ؟

– نعم.

– مرت منذ لحظة في اتجاه زنقة الناصرية.

– مع من ؟

أجبته بخبث حتى أتسلى بهيجانه.

 – مع شاب.

 – بنت الحرام،. هذه الليلة سأقتلها. وليست هذه أول مرة يقتلها.

زهور الموتى

جالس في استرخاء، قرب المطبخ على مقعده ذي المسندين، الذي اشتراه. منذ فترة، خصيصا لقيلولة شيخوخته التي بدأ يعترف بوطئها الغلاب على كبريائه وان كتمه، لكنه ظاهر للعيان.

إنه الآن في شبه اغفاءته. تطلع الى، عيناه الصغيرتان الزرقاوان اخبتهما الثمانون عاما. السنوات التي يحتفظ بها لنفسه لم يعد أحد يلح عليه بالبوح بها. ما عاد يستجيب للمزاح. ماذا يهمكم من معرفة سني الحقيقية ؟ فضوليون مشاكسون. ندمت على معرفة بعضكم.

جئت مرحبا جلست قبالته في الركن، قرب المدخل تحت صورته في عز شبابه التي أخذت له بملابس الملاكمة في هيئة متحفزة. التورم غزا مفاصل يديه وقدميه. منذ سنوات وهو يعاني من النقرس وان كانت نوباته تغزوه على فترات متباعدة. أو ربما أجهد نفسه بعناد في أحد تدريباته التي يمارسها أحيانا مع أحد تلاميذه القدامى في الملاكمة حتى يقنع المزاح أنه مازال يقاوم. امتيازه أنه يئن لكنه لا يبالغ في الشكوى والتذمر. ربما يعتبر أن الحزن شيء حميم شخص. أنفه تجمعت وتجعدت فيه حصيلة ستين عاما من الشراب أكثره نبيذ وجعة وطنية وأقله كحول قوي مثل الماحيا (9)، والتيكيلا والابسنت Absinthe   (10)  لم يحلق منذ أيام. ربما لا يعرف كيف يحلق أو يعرف ولم يعد يقدر. يداه ترتعشان في بداية الكؤوس الصباحية. جنبه على طاولة صغيرة بيرة دون كأس، كعادته. أنا لا أرعش بعد. مازلت أتلذذ بالفطور مصحوبا ببيرة باردة وطعم السيجارة الأولى. سعال خفيف فقط لكن لا تحمر به عيناي دامعتين. بابا دادي يتناول الأدوية ويعترف بمفعولها لكنها لا تثنيه أبدا عن الشراب. كل شيء له مكانه في الجسم: الأدوية تذهب الى مكانها والأطعمة والأشربة تفعلان مثلها والباقي خرافات كما يقول.

خرج كريم من المطبخ حاملا مزهرية الزنابق التي كانت تحبها المرحومة دومينيك. وضعها فوق مكتبها ولثم الباقة. لم تنجب فتبنته رضيعا. لم يزر قبرها أبدا منذ أن بنيناه. قال له بصوته المبحوح الواهن: أدخل الى المشرب وكفى من النفاق. إنها ليست مدفونة هناك.

ظل المكتب خاليا حتى من بابا دادي. لن أكون أفضل منها عندما يجيء أجلي لكن هذا لا يؤلمني مادمت لا أنتظر أي عزاء. رفعت سبابتي ووسطاي فوافق بهزة من رأسه على طلبي. ايه نعم شكرا. أكثر الله من خيرك. في السنوات الأخيرة، كثيرا ما يكلم نفسه غير أنه مازال يقاوم خرف الشيخوخة. وضع لنا كريم البيرتين. تبنته ماما دومينيك في نفس الفترة التي شجعت فيها بابا دادي على الزواج من فتاة مغربية يكبرها اليوم بأكثر من أر بعين عاما، حتى يتخلص من نزوات عشقه وفسقه ولعله ينجب منها أولادا وكذلك كان. أنجب منها – كما تمنت له – ولدا وبنتا. يتابعان اليوم دراستهما. البنت أكثر اجتهادا من أخويها. كريم تخلف في دراسته. استغني بابا دادي عن البار- مات فاحتل كريم مكانه. الأزمة الاقتصادية أيأست كل التجار الصغار. الحياة مازالت تدب في المدينة. لكن مجدها الذهبي ضاع. طنجة غادرتها ثروتها الذهبية لكن روحها باقية. هكذا يعزي المفلسون أنفسهم في حكايات الشتاء التي لم يعد فيها من غنيمة الصيف إلا القليل. لا أحد يساءل عن كيف يمكن انقاذها. أسطورتها تغذي الصمت الذي يلفها في انتظار ما سيحدث امتيازها أنها لم تفقد كل روحها رغم صدام الحضارات فيها، وأن كل واحد يمارس فيها موسويته، وعيسويته ومحمد يته بتسامح، لكن يبقى أنه راها من راها ولا يراها اليوم من يراها إلا من خلال غابرها. أسطروها حتى ميعوا ما تبقى لها من صلابة أصلها.

فهم بابا دادي من حركة يدي اليمنى حول عيني واشارتي باليسرى نحو كريم أنه ينتحب. لقد تنحى جالسا في أقصى قاعة المطعم. فاداه دون أن يتحرك من مقعده. جاءه ماسحا عينيه. مد له خمسين درهما. أشتري زهورها وزهور الموتى (11). نسيت اسمها. بائعو الزهور يعرفونها. زرها غدا أو متى تشاء إن كنت مازلت تتذكر قبرها. ربما ذهبت معك.

1- يعادل النفتالين.

2- تصغير باكو Paco الصيغة هنا للاستصغار والاستهزاء، وليس للتحبب كما هو معروف بين اصدقائه الفاشيستيين.

3- 4 جزيرة مغيرة للولايات المتحدة. في جون سان فرانسيسكو. ألفى – السجن – عام 1963.

5- المقهيان يوجدان في ساحة السوق الداخلي.

6- الرقاص، بالدارجة المغربية المحلية في طنجة، هو مبلغ الرسائل من مدينة الى أخرى يجمر على رقاصة.

7- نوع من الاخفاف المغربية.

8- الأول كان يوجد قبالة "الجامع الجديدة » (ينطق هنا هذا الجامع مؤنثا) والثاني في زنقة الناصرية.

9- شراب يصنعه اليهود من التين. وهو شبيه بالاكمى التونسي المستقطر من جذع النخلة.

10- شراب مسكر مر وقوي يستخرج من الافسنتين. سمي في القرن التاسع عشر شراب الملاعين. من بين الذين أدمنوا عليه فرلين. صدر في فرنسا قانون بمنعه رسميا لكنه مازال يباع خفية.

11 – يقصد زهور الققحان Crisantemos  وهي عادة يزار بها مقابر المسيحيين يوم الأول من نوفمبر..
 
 
محمد شكري (روائي من المغرب)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …