برتقال مستعمرة الجذام

محمود الرحبي


كان الشاعر زاهر يقود سيارته الـ”هيونداي” السوداء رباعيّة الدفع، مرتديا “تي شيرت” أبيض، وبنطالا خاكيا، ومعتمرًا قبعة مكسيكية مبسوطةَ الحوافّ، يشقّ طريقه إلى حيث تقيم الفتاة العاشقة.
استعدّ لهذه الرحلة منذ الصباح، قلّم أظافر يديه، عدا ظفر خنصر الكفّ اليسرى، الذي يتعمد نسيانه. “الطريقة الوحيدة لكي تقترب الإصبع الصغرى من أختها البنصر لتتحادثا”! وحمل معه، في كيس أسودَ، وضعه عن يمينه، قربة نبيذ أو ما تبقى منها. لكنّ الأهم أنه لم ينسَ كيس البرتقال، بناء على طلب خاص من الفتاة:
– المرّة الجاية هات معك برتغال.
لم تقل برتغالا للثغة في اللسان، إنما يستوجب الأمر بعض الشرح: حين جاء أول صندوق برتقال إلى عُمان، عبر ميناء مسقط، متجها إلى عرصة السوق في مطرح، التي تظللها الطرابيل وأشجار الشريش، استيقظت فجأة ذاكرةُ التاريخ؛ والذين كانوا في السوق لحظتئذ، بدل أن تلتقط آذانهم حرف القاف، الحرف الرابع في الكلمة، التقطت حرفا غريبا، الغين؛ وكان ذلك بمثابة استيقاظ مؤقت لأذن ذاكرة الشعب، في حربه التاريخية الطويلة مع البرتغاليين، بكل ما تحمله من بشاعات؛ كأنما الذاكرة استفاقت لحظة لتلتقط ذلك الحرف، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته وسكونه في اللحظة الموالية. وظللنا، إثر ذلك، لا ننطق البرتقال إلا برتغالا، نقشره بأيدينا حين تتعذر السكاكين، ونطلبه سيدًا لموائد الضيوف، لا ينافسه في السيادة سوى التمر العماني، بأنواعه وأسمائه التي لا تقف عند حد.
حين زارها الشاعر أول مرة لم يجد سوى وكر متهالك، أشبه بغار معروض من اللحاء وأعواد الشجر وسقف صفيحي. كان قائما قبل وصولها، ربما يعود لآخر المجذومين. وسط فناء مسور تتخلله شواهد قبور متناثرة وصخور من كل حجم، وأشجار ماتت واقفة من شدة العطش، بعد أن أسلمت آخر ورقة فيها للريح.
وصار في كل زيارة يجلب معه شيئا. بدأ بخيمة متكاملة اشتراها من “كارفور” وفرشة نوم. ثم زوّدها بقوارير الماء الكبيرة. أحضر لها، أيضا، مصباحًا وحجارة كثيرة لتشغيله. ثم جلب صحونا، ودرءًا لأدنى تفكير بالانتحار، سكينًا بلاستيكيّة صغيرة لا تصلح إلا لتقشير الفاكهة. ثم مسجلة وأقراصًا. وكان، بين زيارة وأخرى، يأتي لها بملابس وأدوات تجميل، وكل ما من شأنه أن يُشعرها بأنها كائن حيّ وبأنها، فوق ذلك فتاة لا تقل جمالًا عن أحد.
أرخى زاهر زجاجة النافذة التي عن يمينه قليلا، وسرح عبر أدخنة غليونه. كان يقود ببطء، مطلقا العنان لمخيلته المسترخية لتأخذه حيث تشاء.
أرض قفر بين ولايتي الرستاق وبهلاء، بُنيت ذات عام من أزمنة غابرة. ساحة مسوّرة بالحجارة وبلا باب. حُفرت فيها ثلاث طويان(1). غُرس في طينها أنواع من الأشجار. الداخل إليها مقذوف، لا يخرج منها. ولا يُعرف شيء عما يدور وراء الأسوار. كان مرضى الجذام يُقذفون إلى هناك. يجب أن يُعزَلوا، بأمر من الدولة. يعتلي المجذوم ظهر جمل ومعه طعام كثير له ولمن بقي حيا من أقرانه. ولكنّ أصواتهم تُسمع في الليل من القرى المجاورة.
والآن، لم يبق فيها أحد من المجذومين، سوى تلك الفتاة الغريبة. لم تكن تعاني من الجذام، وإنما من هزال ونحافة يجعلان عظام جسدها أشبهَ بهيكل عظمي تنبض فيه بقايا حياة. لا شك في أن مجموعة من الأبطال الحقيقيين عاشوا هنا. ظلوا ينتظرون الموت بشجاعة وهدوء، كما تفعل الآن هذه الفتاة.
وكان الشاعر – في دخيلته- يسمي هذا المكان بمستعمرة الجذام.
أوقف سيارته أمام فتحة السور. وقبل أن يترجّل منها، التفت إلى قربة النبيذ وحلب من ضرعها ليملأ كأسه الفارغ “لا بد من جرعتين قبل مقابلة الفتاة العاشقة في مستعمرة الجذام، التي يحتلها الصمت والخوف والحجارة القديمة. ما زال الوقت ظهرا. سأبقى معها حتى العصر. ويمكنني أن أزيد قليلا، ولكنْ يجب ألا أتأخر. مسافة العودة ستكون طويلة والطريق موحشا”.
لا يمكننا القول بأنه لم يكن حذرا، عليه أن يعود دائما قبل انسحاب الشمس من عرشها السماوي. كما أن التوجس لم يفارق شعوره، رغم تكرار الزيارات، وبذلك تتجدد نظرته للمكان، فكان في كل زيارة يبدو وكأنه يكتشف تفاصيله لأول مرة. أجال بعينيه في المحيط. لا أثر لأي شيء، حتى لطائر صغير أو حشرة.
اكتشف زاهر مستعمرة الجذام حين شدّه الحنين مرة لزيارة هذه الأرض، التي كان يعرفها جيدًا في طفولته. كانوا حين يمرون – والده ومن معه- في طريقهم على ذلك السور، يوقف الوجل قلوبهم لحظة وهم يتمتمون بأدعية غامضة. وكانت شفتا الطفل حينئذ لا تتوقفان عن طرح الأسئلة. وذات يوم، درءًا لفراغ قاتل وضجر مستحكم، أو بصورة أدق، هروبا من ليالي السهر المغلقة بمسقط، التي أحس بأنها تدخله في دائرة مفرغة، مع أصدقاء يفدون هاربين إليه دون وقت أو موعد، و يمكثون أنّى شاءوا من وقت. كما أنه لم يعد في قلبه من أثر لشقته الأنيقة في المرتفعات المطلة على هدير المحيط، فالعادة تمسح كل شغف، كما غدت حياته السابقة منسية، حيث عاش في أكثر من بلد وعاصمة في العالم وتزوج. والآن ها هو الكنز المسمى بجاذبية الحياة وجده مدفونا في مستعمرة الجذام، وتلك الفتاة العاشقة كأنما أصبحت الواقع الوحيد الذي يعرفه ويشعر به، وعليه بالتالي أن يعيشه دون أن يشغل فكره بمآلات هذه العلاقة وإلى أي أفق ستنتهي. عليه كذلك أن يزورها مرتين أو ثلاثا كل أسبوع، وأن يعود أدراجه قبل أن تسلم الشمس(2).
وقد راودته فكرة الذهاب إلى هناك، رغم اطمئنانه إلى أنه لم يعد للمستعمرة وجود فعلي في هذا الزمن، ولكن ربما وجد شيئا من آثار طفولته باقيا، هكذا أباح له خياله أول مرة. وحين وصل دخل من الباب المتهدم بحذر شديد. وكان بين الخطوة والأخرى فاصل زمني وسرحان وذكرى. كل شيء ساكن، تأمل تفاصيل المكان كمن يتجول في متحف حجري، توقف الزمن عن تحريك محتوياته. وحين رمق ذلك المأوى المتهالك، تجمّد لحظات أمامه قبل أن يتقدم إليه. هاله مشهد الفتاة الواجمة وسط خربة تستخدمها للنوم. فعاد أدراجه خائفا من حيث أتى. ولكن نداء ما فتئ يلح عليه، مدعوما بروح اللامبالاة التي يجب أن يتمتع بها كل شاعر؛ فاستجمع شجاعته وقرر أن يذهب لزيارتها مرة أخرى.
تقدم، بعد أن ملأ جوفه بجرعات من النبيذ، الذي بفضل واحد من أسراره الكثيرة، تمكن من أن يطرد من قلبه كل وجل. وعلى بعد خطوات قليلة منها بادرها بالحديث. كان الأمر في غاية السهولة، حين بادلته رد السلام، وهي تعود من شرودها، كمن يخرج من عمق بئر مظلمة:
-ماذا تفعلين هنا؟
-أنتظر.
-تنتظرين؟
-نعم، أنتظر.
“طردوها لأنها قبيحة. لم يروا جمالها الذي يشرق من قلبها. هؤلاء القبيحون لا يحتملون الجمال. لا يمكنهم أن يعيشوا إلا مع القبح.. لو لم آتِ إليها كل مرة لأحادثها لماتت كما مات قبلها مئات المجذومين دون أن يتذكرهم أحد”.
تأكد من إغلاق نوافذ السيارة. حمل معه كيس البرتقال وقربة النبيذ والكأس الممتلئ. اجتاز فتحة الدخول، التي نحتها الزمن والرياح بعشوائية، مثل فم عملاق بلا أسنان، يرسل كل شيء إلى جوفه. اقترب من خيمتها، التي نصبتها قرب فتحة بئر بلا ماء. كانت تسحج شعرها، ووجهُها مطلي بماكياج صارخ.
أخفى ضحكة بدأت تتدافع من جوفه لمرآها بهذا الشكل الجديد. ارتعش جسدها كاملا لمرآه. بادرها بالحديث:
-لا شك في أنك تحتفلين.. ما سر هذا الطلاء الذي يشرق من وجهك؟
-جْلس، جْلس زاهر، باغية أخبّرك عن شي.
-أحضرت لك البرتقال الذي طلبتِ.
-ما قصّرتْ. أحسنت. قشر لي كمين شنخول.
جلس على صخرة اعتاد الجلوس عليها في كل زيارة. ومن صحن أمامه تناول سكينا وقطع برتقالة إلى أربع قطع وتركها في الصحن، في متناولها.
-سأتزوج هذه الليلة!
صمت زاهر، ذاهلا من الصدمة. أرجع الكأس، الذي كان في طريقه إلى فمه، إلى مكانه على الأرض. تلفت حوله، لعله يرمق أحدا. لا شيء في المستعمرة، غير الوحشة والصّمت، وفي الأمداء تلوح قبور بلا شواهد وكتل رملية مكدسة عشوائيا وأشجار شوكية وأخرى تنتصب بأغصانها الميتة، ونخيلات بلا رؤوس ” هنا طريق طويلة للجنازات”. تمعن في خيمة المرأة علّ حياة تتحرك من داخلها. لم تكن هناك سوى قطع كرتون مغطاة بصفيحة وبقايا أسمال ومقذوفات في كل مكان.
-لا شك في أنك تمزحين؟
-ما أمزح. سيأتي العريس بحلول الظلام، هو وأهله، ويأخذونني من هنا.
-إلى أين يأخذونك؟
-ما أعرف.
أشعل فوهة غليونه. وراح، من خلال الدخان، يتأمّل، بعينين شبه مغمضتين، المرأة المنشغلة بسحج شعر رأسها، الذي يظهر منه المشط ويختفي. رمق آثار الحناء وفكّر “يا قلب الطفلة كيف رموك في قعر الجحيم هذا، وحيدة إلا من الأحلام؟ لم تكوني تريدين من الحياة سوى حبيب، سوى حياة مثل بقية البشر. ولكنهم دحرجوك للرياح الحارقة ولغبار النسيان”.
كانت مريم فتاة تعيش في “موجب” القرية الساحلية. لأبيها كذلك ثلاث زوجات، وبذلك راحت العائلة تتكاثر بلا حساب. وقد فطنت مريم للحياة ولديها عشيرة من الإخوة والأخوات في بيت واحد كبير، بساحة رملية بلا أشجار وغرفة موزعة على ثلاث جهات. لقد بنى والدها في كل زاوية من تلك الأرض المسورة ما يشبه بيتا مستقلا مكونا من مطبخ وحمام و ثلاث غرف، واحدة له وأخرى للبنات وثالثة للبنين. ولكنهم ما إن يستيقظوا حتى يلتقوا جميعا وسط الساحة. كل زوجة تُحضر ما طبخت وتضعه وسط الفناء. كان هناك أيضا مجلس كبير للنساء، يجمع الضيوف، ومجلس في الجهة المقابلة للضيوف من الرجال. ولكن هذا الفصل مؤقت فقط، فالضيوف وأطفالهم ما يلبثون أن يندمجوا، في وسط الساحة، الواسعة كملعب كبير. ولم يكن الأب يسمح لبناته بالذهاب إلى المدرسة. وحين جاء عزان، ذات يوم، برفقة والديه للزيارة، تعلقت به مريم. لعبا ساعات، ولكن اللعب تحول، بمرور الوقت، إلى مشاعر جادة. كبرت الفكرة في رأسي الصبيين. ثم شرعا يتغازلان من بعيد. وتبادلا اللقاءات السرية في ظلام البحر. لكنْ كان هناك من رصد قصتهما وبثّ الخبر في الأرجاء. ولم يكن ذلك الواشي سوى إحدى عماتها. فما كان من الأب إلا أن بادلها بزوجة أخرى. قرر أن يجلب زوجة رابعة إلى البيت، مقابل منح مريم مقايضة لصديق له في السوق. كان الأب يملك ثلث ساحل قرية “موجب”، وهكذا بدت المبادلة في ظاهرها ناجزة. ولكن مريم، منذ أن سمعت بقرار والدها، شرعت في الامتناع عن الأكل تماما، فذبلت في غضون شهرين. وحين زُفّت إلى زوجها، الذي زفّ بدوره ابنته إلى أبيها، فوجئ بذلك النحول الحاد لمريم، فخاف منها. ظنّ أن السل ألمّ بها، فقرر إرجاعها إلى أبيها. حبسها والدها في غرفة تستخدم خزينا للمؤن. وهناك كان يؤتى إليها بالطعام، الذي ظلت على رفضها له. ثم هربت عند الفجر إلى بيت أهل حبيبها، الذي طردها وهو يضربها.
غطت رأسها ووجهها وسارت أميالا، شاردة الذهن لا تدري إلى أين، حتى وصلت إلى مستعمرة الجذام. وبما وجدت من بقايا حياة، شرعت في انتظار الموت دون أن تزعج أحدا.
ظلت لا تأكل الطعام الذي كان يحضره لها الشاعر في البداية، بل ترفض أن تمد إليه يدها. وحين يرجعه معه كان يلقي به في الطريق أو يعطيه لأي عابر أو عامل يرى فيه سيماء البؤس. ولكنها كانت، أحيانا، تطلب فاكهة. طلبت فراولة وتفاحا، وكمثرى ومانجا، وموزا. كانت لا تطلب إلا نوعا واحدا منها. وزاهر يدأب على تلبية طلبها بفرح عارم. لم يكن يعرف شيئا عن قصة الفاكهة التي تطلب. ولم يسألها يوما، ليس لمعرفته الأكيدة أنها لن تجيبه، ولكنه لا يريد أن يشغل نفسه بالماضي. سيكتفي بما يتوهّم أنه صحيح أو أنه الحقيقة الوحيدة لقصة هذه المرأة. وهو أنهم طردوها لأنهم لم يتحملوا جمالها الذي كانوا يرونه قبحا. فالقبح الذي يغلّف أفئدتهم وحياتهم لن يمكّنهم من رؤية جمالها يوما.
أكمل تسريح عينيه في المكان. الطوي التي تجلس بجانبها، طمرتها أغلفة أودية الماء المتعاقبة، ولكنْ بقي فيها ما يشي بأن ماء جاريا كان يموج في جوفها ذات يوم. والآن هي مغلقة ومطمورة، بل يعلو منها ما يشبه الهرم الرملي، إذا استثنينا ذلك السوار الصخري، الذي يبرق كشاهدة حياة ثم موت، فإن أحدا لن يعرف بأنها كانت خزانا للماء الجاري ذات سنوات. “أريد أن أشرب الحياة من جوف بئر”.
-إذن، لا تريدين أن تخبريني شيئا عن الزوج المنتظر..
-لا يمكنك أن تعرفه.
نزع زاهر القبعة من على رأسه وترك الغليون والولاعة بجانب قربة النبيذ وقام من مكانه، حاملا كأسه. بدا ظله طويلا وهزيلا وهو يمسح الصخور الساقطة من السور والأشجار التي شققها الزمن ويعتلي، بخفة، الأشجار اليابسة ويتسلق الجدران. بدا الشاعر في تلك اللحظة وكأنه ينظر بدهشة إلى مغامرات ظله في أرجاء المكان، وقد انعكس شعره الأبيض داكنا على الأرض. بعض القبور كانت مفتوحة مُلئ جوفها بالطين اليابس. كما تفرقت الشواهد عشوائيا، وكأن الموتى خرجوا من لحودهم وطوّحوا بها بأرجلهم وهم يتقدمون. وما بقي من الأشجار بدا كأعواد خرجت عارية من الأرض. وقف أمام نخلة مقطوعة الرأس وشرد حالما. سطع في رأسه مقطع شعري لرامبو:
لا يمكنكم أبدا أن تتصوروا هذا المكان
لا توجد أية شجرة هنا
ولو يابسة
ولا حتى عود قشّ..
تحسس رأسه، شيء ما وقع عليه. كانت الفتاة من الخلف تمسح رأسه بعود صغير. وحين انتبه التفت إليها، فشرعت تضحك، ثم ركضت إلى حيث نصبت خيمتها.
رفع قربة النبيذ فوق الكأس وملأه من حنفيتها.
-ماذا أحضر لك في الزيارة المقبلة؟
-لا تتذاكَ عليّ. قلت لك إنني سأتزوج هذه الليلة وأرحل من هذا المكان.
قطع لها برتقالة أخرى. كان التقطيع هذه المرة سطحيًّا. لم تتعمق السكين في أحشاء البرتقالة. ثم أزال القشرة وأكمل تقشيرها بيديه، فبدت وكأن عدد فصوصها قد زاد. دفع فصّا إلى فمه ومد لها آخر وترك الباقي في الصحن، أمامها.
-معنى هذا أني لن أراك ثانية؟
-لا أعرف أين سيُسكنني زوجي، لا أعرف أي مكان.
ثم انشغلت بشعرها ثانية.
ملأ زاهر رأس غليونه بالتبغ وأدار رأسه ناحية فتحة السور. ومن خلال الدخان، رمق مقدمة سيارته.
-سأتركك الآن، ينتظرني طريق طويل حتى مسقط.
رفع القبعة إلى رأسه وأدخل الغليون والولاعة والكأس في الكيس الأسود وحمل قربة النبيذ وقام واقفا. ألقى نظرة أخيرة على المرأة وأدار ظهره منسحبا.
-سأتزوج بجنيّ.
كانت الكلمة كافية لأن يدير الشاعر ظهره ناحيتها ويهتف:
-جني؟!
-نعم، جني.
أطلق زاهر ضحكة وترك ما في يده على الأرض ورفع يديه وأخذ يصفق وهو لا يتوقف عن الضحك.
يهتزّ جوف السيارة بضحكاته. كانت الشهقات تهدأ ثم تثيره الذكرى، فيتحول رأسه كاملا إلى ضحكة.. تبرز أسنان الفكين والعينين وهما تدمعان بغزارة. وبين هذا وذاك تشرق في رأسه بوادر قصيدة ” برتقال مستعمرة الجذام”.

شاهد أيضاً

جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن …