أخبار عاجلة

بيوت الموتى

تمهيد غير ضروري، لا بد منه

يستحوذ المشهد السينمائي بقوة على مجمل أعمال الشاعر الدانماركي ينز فنك ينسن (ولد عام 1956)، فهو مؤلف موسيقي ومهندس معماري إضافة الى كونه شاعرا وقاصا ومصورا فوتوغرافيا.

هذه العناصر الفنية التي نادرا ما اجتمعت على يد أحد، تشكل الهيكل الأساس لقصيدة "ينز" الحداثية ذات البناء المدروس والمعمار الصوري الذي يتناغم فيه الايقاع الداخلي مع الموسيقى الخارجية للقصيدة، بأناقة بالغة تجعله صوتا ذا رنين خاص وقاربا شعريا متفردا لا يعوم في موجة الابتذال اليومية التي يطفو فيها الشعر الدانماركي الحديث.

أصدر ينز فنك-ينسن" عدة مجموعات شعرية كانت أولاها "عالم في عين – 1981" وآخرها هي "بحر التحولات – 1995"، اضافة الى مجموعة قصصية واحدة وكتاب صغير للاطفال.

قام بعمل عدة معارض فوتوغرافية، منها "وجه بكين"، تعكس انطباعاته الفوتوغرافية عن الصين، دفعه أسلوبه الكتابي – الصوري – الموسيقي الى ابتكار قراءات احتفالية لشخص واحد، يحييها هو، بأداء مسرحي تصحبه موسيقى حية وصر سينمائية في احتفالات ضخمة اقيمت خصيصا له.

قصائده المختارة هذه التي استلت من ديوانه "قرب المسافة" صدر في عام 1988، أشبه بعارضة صور فوتوغرافية متلاحقة تحاول أن تهيىء المشهد قبل أن يضيع، دون أن توقفها فواصل ولا نقاط توقف، مشاهد خاطفة تشوبها مرارة فقدان لا بد منه للمضي الى المجهول، حيث يقيم الشعر دائما.
 

بدون إلقاء نظرت

خلف الأشجار

ظهرت الأهداف

رام

من عالم آخر

نسيت كاميرتي

وأهرقت القهوة أنت تنظرين بعيدا

غيمة تعبر أمام الشمس

وفي هبة هواء

يختفي كل شيء

اسمك

صوت إطلاقة

طيور تحلق

في سماء لا تمس

بعيدا في عمق السماء

كنت أسهر كل ليلة

لأفهم نجومها

لقد كافحت

ضد يوم لا نهاية له

محاولا تذكر اسمك .
الهروب

أحد ما يقذف بنفسه من مكان شاهق

شرخ جبلي أو لربما قلعة

سيد آخر على أحلامه

الى أن تقترب الأقراش منه ،
       

السماء تختفي خلف مرآة الماء

والبحر يتراجع

كأن شيئا.لم يكن.

طوال حياتي

آلاف الكيلومترات قطعت

على سكة من حديد وضجيج

علي أعثر على إيقاع

يؤالف قلبين غريبين

طوال حياتي فتشت

مسافرا عبر مدن مهجورة

علي أصل فجأة

بنفس الوقت والمكان مثلك .

الغرف الألف

سأدعوك

الى بلاد بألف مدينة

في إحدى المدن سنلتقي

في بيت بألف غرفة

سنقف وجها لوجه

محاطين بألف مرآة

من أبراج المدينة الألف

سيقرع الف جرس

وسنرقص عبر الشارع

كما كنا نحلم دائما

دعينا نمتع أنفسنا

دعينا نمتع أنفسنا بهذه اللعبة

أحد منا سيخسر في النهاية على كل حال

وتماما حينما أرى عيني

تتمرأيان في عينيك

دعينا نمتع أنفسنا بهذه اللعبة

طالما نتناوب الكرة بيننا آونة وأخرى

طالما ظلت رمية نرد غامضة

في أيدينا

سيخسر واحد منا أخيرا، على كل حال

أمام المقبرة

أمام المقبرة

الغبار

 

لطيف جدا

مثل رماد

 

لطيف جدا

هو الغبار

 

مثل رماد

أمام المقبرة

 

حيث الجسد

سيمضي

 

ويصير

الى غبار

 

لطيف جدا

مثل رماد .

 
قاطفو الشاي

أسراب من الأزرق الذهبي فوق حقول الشاي

الصوت الناعم للورقة التي تقطف

بلا صوت تماما هي السماء فوق قاطفي الشاي

وفي الليل أياديهم

هادئة مثل نجوم .

خارج السينما

أحد ما يقهقه في شارع أسود

أحد يصمت في لحظة غير مرئية

أحيانا من الصعب التصديق

أن ذلك كان فيلما فقط
       

خارج السينما يتذبذب النيون

مثل حسرة، استراحة من هواء

 

لكن بعيدا باتجاه الشارع هناك ظلام

وأنا أسمع أحدا يقهقه في بيت محترق .

 
احتفال من أجل قديس

ثياب مغسولة في هذا الصباح

في ضوء القبو البارد

بينما تحمم الشمس المدينة فوق الوادي

جوقة أبواق تعزف فالسا

متجهة للكنيسة

والمدافع ترعد

في زمن آخر تماما

 

ثياب معلقة للتجفيف

فوق السطح الذي في مهب الريح

بمشابك بحجم السنونوات

والضباب يزحف منحدرا من الجبل

رأيته بنفسي

كجيش رمادي صامت

ينحدر ليحتل المدينة في الوادي

 

والثياب ظلت معلقة

بينما الليل هبط

ألعاب نارية تفرقع في الهواء

ببريق نجومي ودخان مضيء

والحملة الصليبية تنسحب عبر الجادات

فما سمع أحد ولا رأى

الأجنحة التي طارت بعيدا بثيابي .

 
بيوت الموتى

(1)

أصور بيوت الموتى

الموتور يئز في سباق مع الزيزان

وصمت الجدران البيض

يشابه الانتظار في جلدي

لو كنت أعرف

ما الذي يخبيء نفسه خلف هذا الكلس

انعكاس من هذا الذي أراه

على الزجاج الذي لمع قبل قليل

 

أية أياد تلك التي مست

كل هذه الهجرانات

أية أفكار حلقت

عبر كل هذه المتلاشيات

 

أية صور تلك التي

أقتنصها بآلتي هذه

بهذه الهواجس الخائفة

بهذا المشهد للمستقبل
       

(2)

أصور بيوت الموتى

على قميصي القصير الأكمام تتراقص الأشباح

مثل أثر عموم مشع

بلا وجوه خلف زجاج الصور

 

رجال ينقلون الطمي بالعربات

مصفرين على امتداد ظلال الجدران

هذا الطين المكرر الأحمر

كما كان من قبل وكما ظل وكما سيصير

 

بينما الأشباح تتراقص

في فانتازيا آخر الليل

يتسلل وثني ببنطال قصير

متجولا في هذه الممرات المقدسة

 

من أجل كل أثر على الفيلم

كل ضربة خلل الدم

ما من هناك ميت أكثر موتا

من الأصوات التي تطن في كل مكان .
شعر : ينز فنك ينسن
ترجمة : جمال جمعة (شاعر من العراق يقيم في الدانمارك)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …