تجارة حرة

أحكي لكم قصة عجيبة غريبة تشبه الخيال لكنها وقعت قولا وفعلا وتقريرا. ما حصل لمحدثكم يلامس التقاليد ويجلس متربعا على العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين الابن وأبيه؛ أحداث مسرحها سوق مطرح الشهير في طرف مسقط العاصمة العمانية.
تخرجت من كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس . كان حفل التخرج رائعا ملابس فضفاضة زاهية الألوان، وحضر كبار المسؤولين في الدولة وأساتذة الجامعة وجاء رجال التلفزيون والصحافة. لا عجب، فجامعة السلطان قابوس هي أم الجامعات في سلطنة عمان . أصدقكم القول، كاد فرحي بانضمامي لكوكبة خريجي تلك الجامعة أن يصل إلى درجة الغرور، شعرت أنني مهم وأن لي دورا كبيرا أنجزه لبلدي وأسرتي ونفسي. نجحت نجاحا باهرا وأحرزت معدلا عاليا؛ لذا لم يكن الحصول على وظيفة أحد همومي.
تقدمت مباشرة بعد التخرج بطلب للعمل في شركة مختصة بمجال المواد الكيماوية، ولم أنتظر كثيرا حتى تم قبول طلبي. تم توظيفي براتب شهري يفوق الرواتب المعتادة للخريجين بقليل، وبحمد الله تتالت النجاحات والانجازات في مجال المهنة والعمل الإداري والتعامل مع زملائي الموظفين وزبائن الشركة والمستفيدين من خدماتها. صرت موضع ثقة من قبل كبار المهندسين والمديرين ومجلس الإدارة؛ حتى صاحب الشركة يناديني لمكتبه ويثني على الأداء والكفاءة التي عندي، ولم يكن يتوانى في تكليفي بمهمات كبيرة تحتاج لسرعة في الإنجاز وقدرة على التدبير وحسن التصرف المهني والإداري.
إلا إنني لم أحقق النجاحات بقدراتي الذاتية؛ الفضل الكبير يعود من بعد الله لوالدي؛ بدون ذلك الأسد الشجاع الهصور لما قامت لي قائمة ولكنت نسيا منسيا وكما يقولون صفرا على الشمال. رعانا الأسد أشبالا متكبدا الصعاب ومضحيا بالكثير من أجل أسرته؛ صارع الحياة المرة لننعم نحن بالتعليم الجيد والعيش الكريم والوظيفة المجزية. كان أبي رجلا مستور الحال متواضع التعليم؛ حفظ الجزء الأول من المصحف على يد معلمه وشيخه في إحدى مدارس القرآن الكريم والتي تسمى بالكتاتيب.
وبعد أن غادر مدرسة القرآن، كرس والدي نفسه لجهاد الحياة وبدأ العمل من أجل كسب لقمة العيش وتلبية متطلبات الأسرة. إنها رحلة طويلة كما السير في صحارى الربع الخالي أو مصارعة الأمواج العاتية وسط المحيط الهندي. انخرط أبي في مختلف الأعمال اليدوية، بعضها شاق وكان أغلبها قليل الأجر. وحينما ضاقت الحلقات واستحكم القيد، فكر في السفر إلى احدى الدول المجاورة والتي كانت آنذاك رائدة في مجال البترول ليرى إلى أين يؤول به الحال. هذا ما فعله كثير من العمانيين آنذاك، كانوا يهاجرون تاركين أرض بلادهم آملين أن تتحسن أوضاعهم المادية بوجود مرتبات عالية في بلاد المهجر، مقارنة بما كان متاحا لهم في بلادهم.
وبالفعل ذهب إلى هناك وعمل إلى أن وصل سن الزواج فرجع إلى بلده ليتزوج ويكّون أسرة. أصر أبي أن يتزوج امرأة عمانية الأصل والفصل، بالرغم من الإغراءات التي قدمها له من كان يعمل عندهم، أرادوا أن يزوجوه امرأة من بينهم حتى يظل في خدمتهم لأطول مدة ممكنة. لم يرد، على حد قوله لنا أنا وأختي وأخوتي، أن يرتكب خطأ تغريب نسله بالزواج من بلد بعيد. بهذه العبارة لم يقصد أن العرب غرباء بالنسبة للعمانيين، المسألة وما فيها عند والدي أن الزواج من غير بنت عمانية الأصل سيغير نسله ويبعده عن مسقط رأسه ومرتع صباه. وفي الحقيقة، يرى أبي أن العمانيين جزء أصيل من الأمة العربية ويشعرون بإلفة ومحبة وسط اخوانهم العرب بداية من الخليج ونهاية بالمحيط.
تزوج أبي امرأة ذات حسب ونسب، امرأة فاضلة من بلدته بلدة الحوقين. أنجبت أمي الطفل تلو الآخر حتى امتلأ بيتنا الصغير بعشرة أطفال؛ سبعة أولاد وثلاث بنات. رعانا أبي وأحسن تربيتنا وأوفانا حقنا ويزيد، ربانا على الأخلاق الفاضلة والمبادئ النبيلة، وغرس فينا شتلة نمت فروعها على تعاليم الدين وحب الوطن واحترام العادات والتقاليد. علمنا الصلاة والصوم والصبر عند الشدائد والشهامة، حتى اشتد عودنا ونحن له شاكرون. كان أبي دائما ما يردد القول «على الرجل أن يتمسك برجولته وصلابته، فما الفائدة من رجل قد ذهبت شجاعته ومروءته فخاف من ظله: من ذهبت رجولته هلك ومات».
تجدني وإخواني منذ صغرنا نبتعد عن كل ما يخص النساء من عطور وحلي وبخور ودهان للوجه والبشرة وأي منتج من هذا القبيل. ننظر لهذه الأشياء من بعيد ولا نقربها أبدا وكأنها شخص مصاب بمرض الجرب المعدي أو حامل لفيروس السل المميت. عودنا أبي على احترام النساء وخصوصياتهن وعدم الاختلاط بشكل مناف للعادات والتقاليد، كما عودنا على عدم التشبه بالنساء بأي شكل من الأشكال إذ أنه أرادنا رجالا أقوياء لا أشباه رجال. نال أبي مراده بعون الله وها نحن سبعة أسود أقوياء نحمي العرين ونرد كيد الأعداء والمتربصين.
وأكملنا مراحل التعليم وأحرزنا فيها نجاحات كبيرة، وكانت تحيط بنا هالة من تقدير الأهل والجيران وسكان الحوقين على بكرة أبيهم. فقد نال أخي منصور شهادة الدكتوراه في القانون، ونال أخي سالم شهادة الدكتوراه في علوم الدين. أما أختي فضيلة فتخرجت من كلية الطب وتعمل أخصائية في طب أمراض القلب، بينما مريم معيدة بكلية الآداب في جامعة السلطان قابوس. والآخرون يحملون شهادات عليا ويعملون في شركات مرموقة ودوائر حكومية محترمة، أوضاعهم المهنية مستقرة، فهم مضرب المثل للنجاح والعصامية في بلدة الحوقين وما جاورها من البلدات.
  وكما ذكرت لكم، انخرطت في الوظيفة فور تخرجي من الجامعة، وهذا النجاح العملي المرموق صاحبه نجاح مادي كبير للغاية. بدأت أستلم راتبي الشهري وأنفق على مستلزمات المنزل وأشتري البضائع والمواد التموينية، كما أنني أصبحت أساهم في دفع فواتير الكهرباء والماء وكل ما يخص المنزل. ومع مرور الزمن تراكم المال في حسابي البنكي فازددت فرحا وسرورا برؤية أهل بيتي مسرورين من رغد العيش؛ إنها حقا لفرحة، أحمد الله على توفيقه وسداده. تحسنت أوضاعي المادية وحدثت نقلة نوعية في حياتي التي عشتها منذ الصغر، وصارت الريالات تجري في يدي مثل ما تجري مياه السيل من جبل عال، أنفق بسخاء لأرد الجميل لوالدي.
وفكرت في الانتقال من بيت الأسرة والعيش بمفردي حتى أخفف عن أسرتي المكونة من اثني عشر فردا المعاناة من ضيق المساحة. نشأت في بيت مكون من ثلاث غرف، سيظل أجمل بيت في عيني لأنه المكان الذي ترعرعت في كنفه وتعلمت أسرار الحياة وخبرتها ومهاراتها. لكن واقع الحال يفرض علي الاستقلال بنفسي لأنها سنة الحياة، خصوصا وأني سأتزوج ذات يوم وأنجب أطفالا.
لذلك، بدأت أبحث عن قطعة أرض لأبني عليها بيتي، وفي بعض الأحيان راودتني فكرة شراء بيت جاهز. نادرا ما يفكر الناس في شراء بيت جاهز على الرغم من أنه قد يكون أقل تكلفة من البناء؛ ظنا منهم بأن البيت الجاهز لن يكون مصمما لراحتهم ومستجيبا لمتطلباتهم. بالفعل البيت الذي تبنيه بنفسك يكون مريحا وغرفه حسب حاجتك؛ غرفة للضيوف وغرفة لغسيل الملابس وغرفة للخادمة وغرفة للسائق. يمكنك أيضا تصميم فناء للزراعة وموقف للسيارات؛ وإن كنت مقتدرا، تصمم نافورة صغيرة أو حوض سباحة ومرافق أخرى تفتقر لها البيوت الجاهزة.
تقدمت بطلب للحصول على قرض من البنك كي أتمم مشروع بيتي الخاص بسهولة ويسر. لم يتردد مدير البنك في منحي القرض؛ تمت المسألة دون مماطلة، ربما لأن راتبي الشهري يمكنني من رد أصل القرض ودفع ربح القرض وخدماته. كانوا مسرورين وكانوا على عجلة من أمرهم. بعد إمضائي على ورقة التعهد بقبول شروط القرض تحول المبلغ كاملا إلى حسابي وبدأت بذلك رحلة البحث عن البيت في أحياء مسقط العريقة وما حولها من الامتدادات العمرانية الجديدة.
تجدني أتصفح الجرائد اليومية لعلي أجد صفقة رابحة، قرأت الدعايات الكثيرة للأراضي والبيوت المعروضة للبيع. هنالك مئات الإعلانات والدعايات المرفق معها أرقام الهواتف، لكن دائما ما أركز على الإعلانات ذات الأسعار المناسبة وفقا لقدرتي المادية. كل يوم بعد انتهاء العمل أعود للبيت وأتناول وجبة الغداء، وبعد قسط قليل من الراحة أهرع لتتبع الأراضي والبيوت من مكان لمكان. أتصل هاتفيا بالأشخاص وأقابلهم وجها لوجه لأجادلهم في الأسعار، وبذلت جهدا جهيدا. أحيانا كنت أغضب للغاية عندما أجد عرضا مغريا للغاية فأتصل بصاحبه فأجد هاتفه مغلقا، أو يرد ليخبرني بأن القطعة قد بيعت؛ إنه عمل متعب للغاية ويحتاج لصبر أيوب، لكنني كنت في عجلة من أمري كأنما ستقوم القيامة في غضون أيام. المشقة لم تنجح وبدأت أتعب خصوصا وأني لا أملك سيارة.
وتقطعت أنفاسي والهدف بعيد وأنا ظمآن في وسط الصحراء أمد يدي للماء ولا قطرة تنزل من السماء ولا نبع يجري على الأرض. هل من معين يأخذ بيدي؟
وطلبت من أصدقائي المقربين أن يقلوني بسياراتهم للقيام بمهمة الحصول على البيت، باركهم الله، لم يبخلوا على صديقهم الصدوق وطالت رحلة البحث لدرجة مللت أنا وأصدقائي وبدأ بعضهم يتذمر ويغضب. لا ألومهم لأن أماكن البيوت معقولة الأسعار بعيدة من العمران وتقع في شوارع غير مطروقة ولا معبدة. لم أرد أن أثقل عليهم، لذا لم أجد حلا سوى طلب قرض آخر من البنك لشراء سيارة. وبالفعل اشتريت سيارة وبدأت أبحث بنفسي وسهلت العملية وأصبَحَت أقلّ تعبا من ذي قبل. وكما يقول الفيزيائيون لكل فعل رد فعل مضاد له في الاتجاه، السيارة بقدر ما قدمته لي من راحة وسرعة في البحث، أخذت مني الكثير من المال والوقت. لم أحسب حسابا لمصاريف التأمين والوقود والصيانة؛ أضف إلى ذلك أخذت مني الكثير من الوقت الذي أخسره أثناء عمليات الصيانة. قبل شرائي السيارة كنت أوفر بعض المال الذي يبقى في آخر الشهر، كنت أجد ريالات محترمة. أما الآن لا أجد شيئا سوى بعض البيسات تقبع في قعر جيب جلبابي. أخرجها في نهاية الشهر لأعدها ولا أجدها تتجاوز نصف الريال: ما الذي أفعله بنصف ريال؟ عادة أنفقه في شراء الشاي أو شطيرة جبن من المطاعم الصغيرة المنتشرة على طول الطريق.
وبدأ الضعف المادي المفاجئ يرعبني بحق وحقيقة؛ فلجأت للأصدقاء أطلب منهم القروض. كانت قروض الأصدقاء حلاً مؤقتا للوضع؛ إذ أني لم أعد أقدر على تحمل مصاريف البيت وأقساط البنك. بالرغم من كرم أصدقائي وصبرهم إلا أنني بدأت أفكر في وسيلة تخرجني من المستنقع الذي وجدت نفسي غارقا فيه.
وبعد أن بحثت لقرابة الأسبوع لم أجد أمامي حلا سوى تأسيس «تجارة حرة». جميع من حولي مستهم حمى التجارة أو بالأحرى السمسرة، بغض النظر عن خلفياتهم العلمية والاجتماعية والمادية. أصبح الجميع مهووسا بالسمسرة خصوصا أولئك الذين ينقصهم رأس المال لتأسيس مشروع ذي كلفة عالية وتعقيدات في الإدارة والتسويق، بعضهم يريد تأسيس شركة صناعية ومكاتب مقاولات أو عيادات طبية خاصة. بالطبع لن يجدوا طريقة أسرع من السمسرة ليجمعوا رأس المال؛ الناس في عجلة من أمرهم، يجرون خلف السراب عند خط الأفق أعلى الصحراء وحينما يقتربون للحصول على شربة ماء يهرب منهم السراب كما تهرب الغزال الخائفة من النمر المفترس.
وتجد صغار السماسرة في كل مكان: في الشوارع، خلف البيوت وحواري المناطق وفي السيارات الخاصة وسيارات الأجرة وفي المحطات والأسواق وأي مكان يمكنك تخيله. تدور بينهم مناقشات مكثفة حول صفقات تجارية، أكثرها وهمية، يتم فيها التعاقد هاتفيا. لا تجد أمرا ملموسا ولا شخصيات حقيقة كأنك تنظر إلى رهط من الجن يعقد مجلسه السنوي كي يلحق الضرر البليغ بعدوه من بني البشر. أما كبار السماسرة فهم عصبة تدير شبكات العمل من مكاتب رسمية تقع في شوارع المدن الكبيرة؛ شبكاتهم تتعدى النطاق المحلي وتمتد لتشمل العالم كله. يتعاملون في سلع أكبر وأغلى من تلك التي يتعامل فيها صغار السماسرة؛ يعقدون صفقات لبيع القمح بين الدول، ويقومون بصفقات بيع البترول والغاز عن طريق الأنابيب والمضخات، ويعملون في مجالات الطائرات والمعدات الطبية وغيرها من السلع مرتفعة الثمن. ولم أفكر أن أصبح واحدا منهم، كل ما أردته هو أن أكون أحد السماسرة الصغار لأجمع مالا يخرجني من الورطة التي تحيط بنفسي وتكبل قدراتي وتشل حركتي.
نظرت فوجدت المجتمع محاطا بحلقة مسعورة من البيع والشراء، سببها التدهور المادي الذي أحدثته متطلبات الحياة الحديثة. فهنالك صيانة الأدوات المنزلية من مكيفات ومراوح وثلاجات وسيارات ووقود وفواتير المنزل والأكل والشرب والترفيه وغيرها من متطلبات العصر. كل هذا يكلف الناس الكثير من المال، كما أن هناك بعض المتطلبات التي تمليها الطقوس الاجتماعية كالزواج الذي تصرف فيه أموال كثيرة تتمثل في مهر العروس والذهب والملابس والاحتفالات وشهر العسل.
وفي نهاية الأمر لم أستطع أن أكمل تجارة السمسرة لأنه ليس لدي البال الطويل ناهيك عن القدرة على المفاوضة والكلام الكثير. تجادل هذا وتتناقش مع الآخر لبيع سيارة أو مزرعة أو أي شيء مقابل نسبة من سعر البيع. وفي بعض الأحيان تذهب وتتفق مع الشخص المعني بعد جهد جهيد، وفجأة يتصل بك ويخبرك أنه وجد صفقة أفضل ويشكرك. لا أملك القدرة على الإقناع لذا لم أٌجِد نفسي في السمسرة ولم أحب أن أكون جزءا من مجتمعاتها الغامضة الملتوية. هذا النوع من التجارة له أناس مستعدون للثرثرة والمماطلة، وهذا لست أنا. أنا إنسان أكاديمي بحت، لذا تجدني قليل الكلام كثير النظر والتحليل حالي حال جميع الأكاديميين. تجارتي لا بد أن تكون من نوع آخر، ولكن ما هي يا ترى هذه التجارة؟ وكيف لي أن أقوم بتأسيس تجارة وأنا لا أملك ما يكفي من المال؟ بالطبع لم تكن لدي أدنى فكرة عن الكيفية التي ستتم بها. كل ما أعرفه هو أنه لا بد من وجود تجارة تضاعف لي الدخل لأتخلص من الضائقة المالية بأسرع وقت وباقل كلفة مالية.
لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي كان نقطة تحول في حياتي. يوم لن يمحى من الذاكرة، عندما كنت على موعد مع صديقي عيسى. اتفقت معه أن نتقابل أمام مدخل سوق مطرح، وبالطبع لم أجد مالا كافيا يغطي نفقات الوقود لذا ذهبت بالحافلة. كدت أنسى كيفية استعمال المواصلات العامة وكأني شخص غريب عن البلد؛ لأنني لم أركب حافلة لمدة طويلة. كان أمرا غريبا بالنسبة لي أن أترك سيارتي عاطلة بالبيت وأذهب بالمواصلات العامة، ولكنه الواقع المرير. وصلت إلى مدخل السوق وقد انقبض صدري وكدت أختنق من الاكتئاب والحزن. وقفت على حاجز الكورنيش أنظر إلى أمواج البحر تتلاطم في صخب والأسماك تلهو غير مكترثة لما يدور حولها في البحر والبر. وأنا غارق في همي وكربي تمنيت لوهلة أن أكون أحد هذه الأسماك ألهو غير مهموم بالدنيا ومشاكلها التي لا تنتهي. بعد أن تنشقت نسيم البحر العليل قلّ اختناقي ومشيت على رصيف الكورنيش حتى وصلت إلى قبة سوق مطرح الزجاجية الملونة.
ومكثت هناك لقرابة نصف الساعة في انتظار وصول عيسى، ما أطولها من دقائق امتلأت كلها بالأفكار السلبية التي لا تنفع حالي بشيء. جل ما أراه أمامي هو صورة سيارتي فارغة الوقود، أو منظر جيبي والبيسات القديمة الممزقة. بل ذهبت بعيدا وتصورت أنني سأسجن أن لم أستطع رد القرض من البنك. أثناء الوقفة نظرت نظرة يائسة إلى سوق مطرح فلم يلفت انتباهي إلا عدد الأطفال الذين يشترون الألعاب والملابس. وكأنها إشارة ربانية، فورا جال بخاطري الاتجار في ما يحتاجه الأطفال؛ كل هؤلاء الأطفال يلحون على آبائهم أن يشتروا لهم الألعاب ونادرا ما يرفض الآباء تلبية مطالب الصغار. قلت لنفسي: الأطفال أكثر المستهلكين في العالم، انها لتجارة مضمونة تجلب لصاحبها أرباحا مجزية. وجدتها، قلت محدثا نفسي وأنا أراقب الأطفال ومشترياتهم وأهلهم وأصحاب المحلات التجارية وسط السوق.
ولم يظهر عيسى، لذا عزمت أن أدخل السوق لألقي نظرة عن كثب، أركز على ما يريده الأطفال. أقترب من كل أماكن لعب الأطفال وأسأل عن الأسعار كما أسأل الباعة عن تجار الجملة؛ أطرح الأسئلة التي من شأنها أن توسع فكرة التجارة التي أنوي تأسيسها. مررت بساقي القهوة الحاج صالح واقتربت من المتاجر التي يتطلع إليها الأطفال وقد علت أصواتهم والضوضاء في أوجها وحركة البيع والشراء تجري على قدم وساق. لا أدري لماذا، لسبب أو لآخر انتبهت إلى سلعة مفقودة في السوق، سلعة يتهافت عليها الأطفال في جميع أنحاء العالم خصوصا في الأجواء الحارة: إنه «الآيسكريم». لا يوجد متجر لبيع الآيسكريم داخل سوق مطرح، وإن وجد فانه الوحيد من نوعه. وفكرت: لم لا أبدأ بمتجر للآيسكريم. في الواقع لاحظت أن النساء في معظم أحياء عمان يقمن بصنع الآيسكريم ضعيف الجودة ويبعنه للأطفال. غالبا ما ينفذ منهن الآيسكريم بسرعة وذلك لتهافت الأطفال عليه، فهم غالبا ما يشترونه من مصروفهم المدرسي ويفضلونه على كثير من الأشياء، وهذا دليل على نجاح هذه التجارة. كما نعلم في البلدان الأخرى خصصت مصانع ومحلات كبيرة لعمل الآيسكريم وبيعه، فهو محبب إلى نفوس الصغار والكبار.
وظلت الفكرة في ذهني وبدأت تنضج شيئا فشيئا بينما واصلت التجوال في أنحاء السوق ألقي نظرة على شتى البضائع والتجار والمشترين. تجد حلي الفضة العمانية والذهب والأسلحة القديمة والعطور والأقمشة والخرز، كما تجد نوعا من التطريز يسمى الزري يستعمل لتزيين ملابس النساء. وبينما تتجول تشتم رائحة البخور العماني واللبان الظفاري المشهور. هناك أماكن مخصصة للأعشاب الطبيعية مثل المحلب والمر والصبر والصندل والغسل والزعفران والشبة، كلها أعشاب تستعمل كأدوية لكثير من الأمراض وهناك عطور غير متوفرة في المتاجر الحديثة، تجدها في سوق مطرح. إنه لسوق جميل، يجب على أي زائر أن يلقي نظرة عليه وينهل من بضائعه الراقية ويتجول على كورنيش البحر أسفل محلات السوق للتمتع بالبحر ونسيمه ومخلوقاته وأسماكه.
وبعد التفكير مليا في الكيفية التي أجعل بها حلم تجارتي الجديدة حقيقة، سرعان ما أصبت بخيبة أمل إذ أن المشروع لم يكن بالسهولة التي تصورت. إنه مكلف للغاية إذ أنه يحتاج لشاحنات كبيرة وثلاجات باهظة الثمن وغيرها من التكاليف، وفي ذلك مجازفة غير محسوبة العواقب. ثم أنني بالتأكيد لست الوحيد الذي فكّر في ذلك النوع من التجارة، لسبب أو لآخر متجر الآيسكريم في سوق مطرح غير مربح؛ بدليل أنه لا وجود لمثله في طول السوق وعرضه. على أي حال، أحبطت إحباطا شديدا ورأيت الطريق يضيق أمامي، وقلت لنفسي: جيد أنني درست الموضوع قبل تنفيذه. وعدت إلى مدخل السوق وطفقت أراقب نفس المناظر المتكررة؛ الأطفال يلحون والآباء يشترون، لكن تجارة الآيسكريم غير مناسبة ويجب التخلي عنها بأسرع فرصة ممكنة.
ولم أكف عن التفكير وبدأت أبحث عن فكرة أخرى لتجارتي الحرة. نعم وجدتها، كل هؤلاء النساء يرتدين زيا واحدا ألا وهو العباءة السوداء. كل النساء العمانيات يلبسن العباءة، حتى المتحررات منهن يلبسنها في بعض المناسبات الاجتماعية كالعزاء وغيرها. أضف إلى ذلك أن هناك عددا هائلا من النساء يلبسنها فقط لمجاراة الموضة، إذن هي تجارة رابحة بالتأكيد. كما كانت تقول معظم نساء عمان، كل امرأة عمانية لا بد لها وأن تمتلك عباءتين أو ثلاثا على الأقل. وتعمقت في حسابات النوع الجديد من التجارة قائلا لنفسي: حسب آخر احصائية فإن نسبة النساء العمانيات ستة وأربعون في المائة من عدد السكان، يا للهول إنها فعلا أموال طائلة. وظللت أردد: لقد وجدتها.
على أي حال لم يأت عيسى، والأمر الذي حيرني أنه لم يتصل بالهاتف ليوضح سبب تأخره عن المواعيد المضروبة بيني وبينه. عدت إلى المنزل وحاولت الاتصال لأسأله عن سبب عدم مجيئه، لكن وبكل أسف لم أجد مالا أشتري بطاقة رصيد الهاتف. لذا استلقيت على فراشي وبدأت أفكر في مشروعي الجديد. لم أتردد إزاء هذا المشروع إلا عندما تذكرت شخصا مهما ألا وهو أبي. كما تعرفون، أبي رجل بسيط ولن يستوعب أمرا كهذا، ولدي يبيع ملابس نسائية؟ ربّانا أبي على ألا نتعامل مع الأغراض النسائية البتة، ظنا منه أن هذا يمس رجولتنا وكرامتنا وشهامتنا. حتى أن بيتنا وعلى صغره وضيقه كان كل شيء يخص أمي وأخواتي معزولا عزلا تاما عنا، خصوصا الملابس والعطور، ولم نكن ندخل المطبخ إلا ما ندر. وها أنا أفكر في تجارة تتعلق بالنساء والتعامل معهن من غير حجاب ولا ستر. من دون شك سيصاب أبي بصدمة قوية إن علم بالأمر وسيقول لي: هل جننت يا ابني؟ ما الذي دهاك؟ دعوني أقرب لكم الصورة لما يمكن أن يحدث، مستلهما قصة حدثت في الماضي عندما كنت على أعتاب مرحلة المراهقة.
وما زلت أذكر اليوم الذي غضب فيه أبي غضبا شديدا بسبب محاولة مني لأن أجاري الموضة. كنت ذاهبا مع صديقي عيسى إلى السينما لمشاهدة فيلم أجنبي، حينما عزمت على ألا أظهر بمظهر أقل جاذبية وحداثة من أقراني من الشباب. كنت مهووسا بالموضة ولا بد لمظهري أن يتماشى مع الموضة الجديدة وكان أيامها التنزه برأس مكشوف وشعر طويل ولامع. سرقت دهن «البرل كريم» من غرفة أمي وأخواتي وأخذت بأصابعي الخمس كمية كبيرة وخضبت شعري، الدهن العجيب جعل شعري جميلا ومنسابا كما تمنيت. وبعد أن تأكدت من بريق شعري ذهبت إلى السينما وقضينا وقتا ممتعا وتجولنا في محلات بيع الملابس وسوق الذهب. عدت في الوقت الذي لا يتواجد فيه أبي بالبيت، حيث يتأخر بعد صلاة العشاء يتجاذب أطراف الحديث مع أصدقائه ويتلو القرآن. ولكن جرى القدر مجراه وعاد أبي مبكرا ليستقبلني أمام الباب ورأسي مكشوف وشعري يلمع. صعق أبي وارتسمت علامات الحزن على وجهه وكأنه فقد عزيزا أو سمع خبرا مفزعا. نظر في صمت مرعب، نظرت إليه وأنا لا أدري ما سيفعله؛ غضب غضبا شديدا وذرف الدموع فنزلت على خديه وتجاعيد وجهه.
ما الذي حل بك وكيف تفضحني أمام الله وخلقه بهذه الطريقة؟ قال أبي: أين ضاعت تعاليم الرجولة التي اجتهدت في تلقينك إياها أنت واخوتك منذ الصغر؟ ولم يزد على قوله بكلمة أخرى؛ ملأ الأسى صوته ووجهه فاستدار وسار إلى الغرفة. قبل أن يصل وأثناء سيره هرعت إليه وأمسكت بطرف جلبابه، رفعت يده وقبلتها وطلبت منه السماح على ما فعلت، ثم أسرعت إلى الحمام لأغسل الدهان قبل أن تنتبه أمي أو احدى أخواتي لما جرى بيني وبين أبي. إنه أكثر المواقف إحراجا بالنسبة لي؛ لم أخرق قانون الشعر فحسب بل خرقت أيضا قانون الزي العماني؛ لا بد لنا من لبس الطاقية العمانية المعروفة بالكمة، نغطي بها الشعر، إنه الزي الأصيل الذي يسير عليه العمانيون جيلا بعد جيل.
كان لدي هوس عميق أيام مراهقتي بأن أجاري الموضة التي عليها مجتمع الشباب المراهق: موضة «التجول برأس مكشوف وشعر طويل». وكما نعلم الشعر الطويل عند الأولاد يمثل أسوأ الكوابيس التي تهاجم الآباء والأمهات. أحببت من صميم قلبي أن يطول شعري وأن أجعله يبدو جميلا لامعا باستعمال إحدى الكريمات أو الدهانات. ألمس رأسي المحلوق فأكذب على المدرسين وأمثّل أن لدي صداعا ناتج من الشمس، وأشتكي من ألم وهمي بالرأس وأعود إلى البيت مبكرا. خافت الأم على ولدها من الشمس المباشرة على الرأس المحلوق فقامت بمحاولة كي أتفادي شفرة حلاق القرية، الذي يسمونه «المحسن». تطلب منه أن يسمح لي أن أطيل شعري ولا أحلقه خوفا من الصداع الوهمي؛ تنجح الخطة المرة بعد الأخرى وهكذا أحصل على شعر طويل يمكنني من أن أتبختر أمام أصحابي كما أتمنى.
وما زلت أحن لتلك الأيام المليئة بالمغامرات والعبث. قبل أن أكتشف تمثيلية التهرب من حلاق القرية لم أستطع إظهار شعري الطويل بصورة علنية. أخبئه تحت الكمة لأن والدي لا يطيق الشعر الطويل؛ حيث نجبر على حلق شعرنا مرة كل شهر حتى لا يطول ونبدو كالنساء. أتفحص طول شعري سرا، وكلما مررت بشلة بنات أنا وأصدقائي أضع النظارة السوداء وبزهو شديد أرفع الكمة من الأمام إلى أعلى ومن ثم أنزلها إلى أسفل، أعود وأرفعها مرة أخرى كليا من رأسي. بالطبع تلك الحركات لم تكن عشوائية بل كنا نتدرب عليها في حمام المدرسة حتى تكون متقنة وجاذبة للبنات في عمرنا.
هل تصورتم معي هول المنظر؟ نعم، هذا أبي صامد في مواقفه ولن تتزعزع قناعاته يوما ولن يوافقني على فتح دكان لبيع العباءات النسائية. سيقول أنني جننت وربما يبحث لي عن مصحة عقلية، هذا إن لم يجن هو نفسه. على أي حال كنت أتوق للقاء عيسى لأخبره بالفكرة. أصابني نوع من الأرق وأنا أفكر لذا استيقظت في وقت متأخر من صباح اليوم التالي. استيقظت ونظرت إلى سيارتي بحسرة وذهبت للعمل بالمواصلات العامة، الأمر الذي جعلني أكثر تصميما على إنجاز المهمة. جلست في الحافلة وكان هناك عدد من النساء وكلهن يرتدين العباءة، إلا النساء الهنديات والفيلبينيات. ولشدة هوسي فكرت لوهلة أن أداهم هؤلاء السيدات بالأسئلة: ما هو نوع العباءات المفضل لكم، ومن أين تشترونها وغيرها من الأسئلة التي جالت بخاطري وقد بدت منطقية في تلك اللحظة. لكن سرعان ما عدت إلى رشدي وقلت لنفسي: ليس هكذا يا حمود. طوال الطريق إلى العمل وأنا أفكر في الكيفية التي سأقنع بها أسرتي ليساندوني في تجارتي الجديدة، وفي كيفية حل مشكلتي العويصة؟
وبعد التفكير مليا، وبعد أن تلاطمت الأفكار وأصبحت لا أستطيع التفكير، قررت أن أجعلها تجارة سرية. لا أحد من أفراد أسرتي سيعلم بالمشروع ولن يكشف أمري وسيظل الموضوع في طي الكتمان حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
في مساء ذلك اليوم قابلت عيسى وحدثته عن عزمي الدخول في تجارة العباءات النسائية العمانية، فرحب بالفكرة ترحيبا حارا: كيف خطرت ببالك هذه الفكرة الجهنمية؟ كيف يا حمود؟ أضعنا الكثير من الوقت ويجب ألا نضيع المزيد منه، فلنضع حجر الأساس لمشروعنا ونبدأ في التنفيذ دون تأخير؛ هيا يا حمود يجب ألا ندع حماسنا يفتر ولو لوهلة.
لم يفتر حماسنا للمشروع وبدأنا في تنفيذه بالبحث عن دكان. أردنا موقعا مميزا وسعراً رخيصا، لذا توجهنا إلى أم عيسى التي تملك دكاكين بجانب سوق مطرح. هذه الدكاكين ورثتها من أبيها، لذا لم تهتم بالربح كثيرا فأعطتها لنا دون مقابل مادي. فقط طلبت منا أن نرممها وننظفها ونجعل منها مكانا حديثاً، لم نخذلها وجعلنا من الدكاكين أماكن جميلة للغاية. بعد ذلك جلبنا خياطين من باكستان واختبرناهم لنرى مهاراتهم، بعضهم كان جيدا والآخر متميز، لكن لم نر منهم رجلا ضعيف الهمة قليل المهارات. هكذا بدأ مشروعنا يتكون شيئا فشيئا ونحن نعطيه من مالنا ووقتنا وجهدنا.
ولم أجد صعوبة في التعامل مع تجارة مختصة بملابس النساء؛ لأن الدكان مازال فارغا من الملابس. يجب علينا أن نملأه بالأقمشة ومستلزمات الزخرفة الأخرى كالخرز والكريستال والشرائط، وهذه كانت أصعب مرحلة بالنسبة لي ولا عجب. اقترح عيسى أن نذهب إلى دبي لهذه المهمة، اقتنعت برأيه وذهبنا مباشرة إلى دبي. فور وصولنا ذهبنا إلى متجر كبير يعرفه عيسى يختص ببيع الأقمشة. واندفع عيسى إلى الداخل بكل جرأة وحماس، أما أنا فترددت ووقفت بالخارج ولم أستطع الدخول: كلما وطأت إحدى قدماي الباب، جذبتني الأخرى إلى الخارج، ومع كل خطوة أتذكر ذلك الموقف الذي حدث لي مع أبي ومواقف أخرى كثيرة. لا أدري لماذا، لكن انتابني شعور وهمي بأن هناك عينا خفية تراقبني لتخبر أبي بما أفعل. على كل حال لم أستطع ترك عيسى لوحده يبحث في أنواع الأقمشة وأنا شريك مهم في المشروع التجاري. أغمضت عيني ووثبت إلى الداخل، حال شخص لا يعرف السباحة يرمي بنفسه من جبل عال إلى لجة البحر. استغربت عندما رأيت عيسى مسرورا للغاية، كان يصول ويجول في داخل المتجر والغبطة تعلو وجهه كطفل في متجر للألعاب. لسخرية القدر ذكرني عيسى بفرحته هذه بمنظر الأطفال في سوق مطرح في ذلك اليوم العظيم الذي حدثتكم عن تفاصيله.
كان عيسى يجر لفات القماش الطويلة ويعرضها علي، ويتفحص أنواع الخرز وأشكاله المتباينة والكرستال الملون. زاوج بين القماش وألوان الفصوص ونسق ألوانها، كان يسرح ويمرح وينتقي. أما أنا فظل جسدي متجمداً دون حراك ولم أستطع أن أمد يدي تجاه الأقمشة النسائية ولم أستطع التعامل مع «ما يخص النساء» التعبير الذي يردده أبي على مسامعنا ليل نهار. طلب مني عيسى مساعدته في حمل لفة ثقيلة من القماش ولكنني خذلته فسقطت، أحسست بشعور أشبه بمزيج من الخوف والإحراج لذا سرت نحو الباب ووقفت هناك متظاهراً أنني أتلقى محادثة على الهاتف.
ضحك عيسى وقال لي: ما بك؟ من هذا الذي تتحدث معه على الهاتف؟ لم أرد عليه، اكتفيت بالنظر إليه. قال لي: تعال وساعدني في اختيار الأقمشة يا حمود، فنحن شريكان في تجارة لا تقبل الخوف والتردد، دع عنك الحياء يا حمود. نعم نطق عيسى بالكلمة التي تصف حالي وكنت أبحث عنها، الحياء الذي يمنعني من ملامسة كل ما يخص النساء؛ ضعف جسدي رهبة وهزيمة نفسية مروعة وتضعضع همة لا مثيل له. مكثت على هذه الحالة إلى أن انتهى عيسى من شراء الأقمشة، وعندما خرجنا تنفست الصعداء وذهبنا لتناول الغداء وأخذنا قسطا من الراحة استعدادا لرحلة العودة. عند اقترابنا من نقطة التفتيش على الحدود بين عمان ودولة الإمارات، عادت نوبة الخوف تهاجمني من جديد. أخذت أفكر في أوضاع من نسج خيالي، ربما يعرف الشرطي أبي وعندما يرى ما معي سيخبره، حتى وإن لم يخبره فماذا سيقول عنا؟ لحسن حظي لم يفتشنا الشرطي، فقط نظر إلى جوازاتنا وسمح لنا بالعبور لنصل مسقط وسوق مطرح حيث تنتظرنا تجارتنا الحرة.
ووصلنا مطرح بحمولتنا حيث اتجهنا مباشرة إلى الدكان. أنزلت الأقمشة بحذر بالغ، أنزل جزءاً وأراقب المكان كالغزال الذي يترقب هجوم الأسد. هكذا ظل الحال في أول أيام بداية التجارة، عيسى هو من قام بكل شيء تقريبا. ما ساعده في ذلك أن أمه كانت بائعة أقمشة نسائية وكماليات وكان يساعدها في بيع بضاعتها.
ومع مرور الزمن تعودت على الأمر وسافرت عدة مرات إلى دبي بمفردي لجلب الأقمشة والكماليات. توالت الأيام ونجحت التجارة وبدأ المحل في الاشتهار وأصبحت النساء تأتيه من كل صوب وحدب، من مسقط العاصمة والباطنة والداخلة ومن بقية محافظات السلطنة وولاياتها. تميزنا بأنواع الأقمشة الجميلة والأسعار المعقولة والخياطين الذين يصنعون أجمل العباءات ويزخرفونها بأجمل أنساق التطريز. وانتقلنا من الدكان القديم إلى بوتيك حديث بواجهة زجاجية نظيفة في حي حديث. حققنا أرباحا كبيرة وبدأنا نساعد أسرنا ونصرف عليها، فتلاشت الضائقة المالية التي كنت أعاني منها. تمكنت من نقل أسرتي إلى بيت كبير في حي حديث، منطقة الموالح العامرة في حي الدوار الكبير. بالبيت حديقة صغيرة، هدية مني لأبي فهو مولع بما يسميه بالخضرة والأمكنة المشجرة. هذه الحديقة عادت بأبي إلى أيام طفولته على حد قوله، إذ كان لديهم مقصورة في ولاية الحوقين، والمقصورة هي البستان، لكن شح الماء وعوامل أخرى دفعت أسرته لبيع البستان.
أيضا من أهم الانجازات التي أنجزتها من هذه التجارة أنني استطعت دفع الدين المستحق للبنك، كما تمكنت من شراء بيت جاهز خاص بي ولم أشتر أرضا خاوية. النجاح التجاري والتغيرات التي جرت في حياتي وأبي لا يدري من أين لي بهذا المال؛ لا يعرف نوع التجارة التي حققت لي الأرباح الكثيرة، يظن أن نجاحي ناتج من تميزي في الوظيفة. حتى إخوتي لا يعرفون، ولحسن الحظ أبي لا يسأل كثيرا عن نوع الوظيفة وتفاصيل الدخل الشهري لأولاده وبناته. وحتى الجيران في حيرة من النقلة المادية التي حدثت لنا ولكن ليس من عاداتنا في عمان السؤال عن نوع الوظيفة والمرتبات التي نستلمها في نهاية الشهر؛ يعتبر عيبا أو تدخلا في شؤون الناس إن سألت عن أعمالهم ودخلهم وأوضاعهم المالية. وإن سألك أحدا غريبا عن نوع وظيفة أولادك، يمكنك أن ترد عليه بأنهم يعملون في مسقط دون الدخول في التفاصيل المتعلقة بنوع الوظيفة وطبيعتها. هذه العادة العمانية والتي جرت لصالحي، يتبعها الناس تفاديا للحسد والعين وأحيانا تفاديا لتزويد السائل بمزيد من التفاصيل حول عمل تجاري خاص أو مهنة لها أسرار يجب إلا يعرفها الآخرون.
تلاشى الخوف وبدأت أنخرط في تجارة الملابس النسائية وكثرت الرحلات، إلى دبي والبحرين والهند وباكستان وإيران وتركيا، بغرض شراء الأقمشة ومستلزمات تفصيل الملابس. أصبحت ملما بدرجات الألوان وأشكال وخامات الأقمشة ونوعية الخرز والكريستال وأحجامها ومعايير جودة الخيوط المستخدمة في التطريز. تجدني في البوتيك حاملا مقصا في يدي اليمنى وشريط القياس في يدي الشمال، أتحسس وأفحص الفصوص والخرز. تراني فتظن للوهلة الأولى أنني أحد المصممين اللبنانيين الكبار مثل إلي صعب أو جورج حبيقة، أو أحد المصممين السعوديين مثل عدنان أكبر وزهير مراد. كنت أقارن نفسي بمصممين يعملون في شركة حناين للعباءات الموجودة في مجمع ستي سنتر وسط السيب بسلطنة عمان. هؤلاء المصممون عملوا في مجال خياطة ملابس النساء وجعلوا منه فنا راقيا واكتسبوا شهرة وبعضهم وصل إلى العالمية وحققوا أموالا طائلة وشهرة واسعة. اشتروا القصور وسافروا في طائرات خاصة وعاشوا في ترف، تحيط بهم كوكبة من العاملين والعاملات هبوا لخدمتهم من شتى بقاع الدنيا.
إنه حقا لمجال كبير، أما بالنسبة لي فذاع صيتي على النطاق المحلي فكنت معروفا في مسقط ويشار لي بالبنان، وتأتي النساء من مناطق أخرى في البلاد. النساء أحببن تصاميمي وعشقنها، لذا اشتهرت بينهم وصرن يأتينني من كل أرجاء العاصمة ومن غيرها. أصبحن يطلبن رأيي في الأقمشة والكيفية التي يمكن أن تطرز بها، في الواقع صرن يحبذن رأيي على رأي عيسى وهو من ألهمني. عيسى الآن تنحى عن منصبه ليشغل دوراً ثانويا بعد أن فاقت خبراتي خبرته القديمة وصرت العمود الفقري لعملنا التجاري المشترك. أصبح يتعامل مع الخياطين والشركات التي نستورد منها الأقمشة والشركات التي نصدر لها العباءات وتوليت أنا الجوانب الفنية والإدارية والتعامل مع زبائن المحل. لقد حققت النجاح في زمن وجيز لا يزيد عن بضع سنوات وكأنني خريج من معهد لفنون التصميم والموضة؛ إنها موهبة مطمورة لم تكن لتخرج دون مساعدة شريكي وملهمي وصديقي عيسي.
لم أكن في سالف الأيام أميز من ألوان الأقمشة سوى اللون الأبيض، فكل المحلات التي دخلتها في حياتي كانت متاجر لبيع جلباب الرجال المعروف في عمان بالدشداشة. ولم تسنح لي فرصة لرؤية الأقمشة بألوانها المختلفة، حتى أن أبي كان يمنعنا من ارتداء الدشداشة الملونة. كان يرى أن الدشداشة الملونة موضة جديدة مستهجنة، ويجب أن تكون بيضاء في كل أجزائها بما في ذلك العروة التي تنحدر من أعلى الرقبة. أما العمامة الصوفية ذات الألوان الزاهية فلم نقترب منها يوما أنا واخوتي ولم يبتعها لنا أبي؛ لبسناها عندما أصبحنا نتقاضى أجورا من عملنا، ولكن لا نلبسها أمام أبي.
وترن في أذني كلمات أبي: حصص الفنون في المدرسة شر لا بد منه ولو أن الأمر بيدي لمنعتكم من حضورها فهي مادة لا داعي لها. أذكر أن أخي الصغير عبدالله عاد ذات مرة من المدرسة برسومات تصور الزي التقليدي للرجل والمرأة في عمان؛ طلبوا منهم توضيح أسماء كل جزء من أجزاء الزي العماني، فصرخ أبي واعترض اعتراضا شديدا. لم يقبل فكرة الزي النسائي، كيف لهم أن يعلموا ابني مثل هذه الأشياء؟ لذا طلب من أخي الأكبر كتابة رسالة للمدير يبلغه فيها اعتراضه على هذا النوع من التعليم، إلا أن المدير لم يرد على رسالة أبي.
وذات يوم كنت في البوتيك أساعد زبونة مهمة في اختيار الأقمشة وقطع الزينة والخرز وأضع لها تصورا لشكل العباءات التي تود تفصيلها. كنت أتحدث بكل ثقة وبصوت عال غير متردد، أخذت مقاسات المرأة وكل شيء سار على ما يرام. هذه الزبونة كانت مهمة للغاية بالنسبة لي، كانت تريد شراء كمية كبيرة من العباءات كما أنها وعدت بأن لا تذهب لشخص آخر غيري. على كل حال كانت قطع الخرز متناثرة في كل الأرجاء والأقمشة النسائية والشرائط مبعثرة، وحديثي مع الزبونة لا ينقطع ولو للحظة. التفت لأنزل لفة قماش من على رف المحل، حينها أحسست بوخز عصا في كتفي الايمن. استدرت بغضب لأرى الشخص الذي تجرأ على وخزي بالعصا داخل محلي الشهير. لدهشتي الكبرى وجدت نفسي وجها لوجه أمام أبي حاملا في يده العصا. نظر لي نفس النظرة عندما شاهدني بمنظر الشعر اللامع في الواقعة التي حدثتكم عنها. وقع القلم وشريط القياس من يدي من شدة الخوف، تجمدت في مكاني واحتقن الدم في وجهي.
واقترب مني أكثر ودق كتفي بالعصا وبغضب شديد قال: حمود هذا شغلك؟ هذه تجارتك؟ بالطبع بدأت أفسر له وأبرر وأقول كلام لا أتذكر أغلبه، لم يبح بكلمة وسار وقد بدت علامات الاستياء على وجهه. الزبونة ارتبكت للغاية وأشارت لي بيدها أن أترك الأمر ليوم آخر واختفت من الأنظار. خرجت مسرعا لألحق بأبي، لكنه اختفى في زحام السوق. عدت إلى الداخل وبدأت الأسئلة تتلاطم في رأسي، كيف سأقنع أبي بتجارتي الملعونة؟ وكيف سأتعامل معه بعد الآن؟
وفي غضون عشر دقائق سمعت ضوضاء بالخارج، وأنا ما زلت أعاني من هول الصدمة. وفجأة فتح باب البوتيك بقوة واندفع إلى داخله عدد من رجال الشرطة ومعهم أبي. أحاطوني من كل الجهات وشكلوا حلقة حولي، حاولوا سحبي إلى الخارج فقاومت مثل أسد هصور؛ ولكن الكثرة تغلب الشجاعة. وانتبه أصحاب البوتيكات الأخرى لما يجري وخرجوا ليروا رجلا وقورا يمسك عصاه وبرفقته رجال من الشرطة فظنوا أنني قمت بسرقته أو فعلت شيئا بحقه. ساعدوا رجال الشرطة وأنا أعاركهم ووقفوا في صف أبي دون علم منهم بما يجري. لا عجب، فهم يكرهوننا أنا وعيسى لما حققناه من نجاح باهر، أخذنا منهم زبائنهم فهي فرصة للتخلص من دكاننا.
وتمكنوا مني وجروني إلى داخل سيارة الشرطة وأمروني بالجلوس وعدم الحركة. هدأت قليلا وقلت محدثا نفسي: لا فائدة من مقاومة هؤلاء الناس فأبي برفقتهم ولا بد من التسليم بقضاء الله وقدره. سارت بنا السيارة إلى مخفر شرطة مطرح وهناك ترجلت منها ودخلت وأنا أسال نفسي: أي ذنب جنيت؛ وأي مصير ينتظرني؟ كنت في حالة من الذهول والتعب والدهشة لا يعلمها إلا الله؛ كنت كمن وقعت عليه صاعقة من السماء، أو ضربه تيار من الكهرباء.
ودخلت مكتب الضابط المناوب وقد وطنت نفسي على الاستسلام لما سيقوله من لوم وعتاب. وعندما رفعت رأسي وجدت أمامي وجها مألوفا، إنه مسلم بن ثاني رجل أعرفه منذ الصغر. كان جارا لنا في حيّنا القديم، نال ترقيات في عمله بصورة متواصلة مما مكنه من الانتقال من الحي الفقير المزدحم والسكن في حي الغبرة الشمالية. منزله الجديد محاط بسور عال يحجب ما في الداخل، ويوجد حراس يتناوبون ليل نهار على حراسته وحراسة ساكنيه. بالرغم من النقلة المادية التي حدثت لمسلم بن ثاني لم يتغير كثيرا ومازال صديقا مقربا لأبي، حاله كحال جميع العمانيين؛ فنحن شعب لا تغيره المادة وحطام الدنيا الزائل.
وقابل مسلم أبي بحفاوة ورحب به ترحيبا شديدا، وقدم له القهوة. ثم سأله: خير إن شاء الله يا ناصر، كيف لي أن أساعدك؟
أشار أبي بيده تجاهي وبدأ يحكي بأسى وحسرة: يا ابن الحلال أريد مساعدتك في أمر ولدي هذا. تلبسه مس من الجنون، أحتجزه في المخفر لمدة يوم أو يومين على الأقل حتى يشفى.
هز مسلم بن ثاني رأسه بغضب لما ألحقته بأبي، وهو يعلم تماما مدى تفانيه في تربيتي وتربية أخوتي وأخواتي على الرغم من فقره حتى أحرزنا درجات عالية في التعليم، وتوظفنا في وظائف مرموقة نحسد عليها. وقال لأبي: أخي ناصر هذه القضية لا تحتاج لمخفر، صدقني أنت لا تحتاج لمساعدة الشرطة، وأعرف المكان المناسب للتعامل مع وضع ولدك.
ورفع سماعة الهاتف وقال: هذا مخفر شرطة مطرح؛ أريد مساعدتكم فورا. ثم أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها وأخذ يتطلع في وجهي بتمعن وكأنه يحاول قراءة ما حدث بيني وبين والدي على وجه اليقين. أما أنا فأعلم تماما أنني لم أرتكب جرما يعاقب عليه القانون، بينما والدي يرى إن ما فعلته يتنافى مع تقاليد المجتمع وقيمه. لذا لم أكن مستغربا أن الضابط المناوب في شرطة مطرح نظر لي ثم نظر لوالدي ولكنه ظل في حيرة من أمره فظل صامتا حتى ظننا أنه لن يتكلم في المسألة مجددا.
ومن ثم إنحاز لوجهة نظر والدي حينما قال: ناصر يا ابن الحلال، العصر الحديث الذي هاجم مجتمعنا سبب لشبابنا انحرافا وجنونا واعوجاجا سلوكيا وعلينا محاربة الحالات الشاذة حال ظهورها ومن دون تردد. سأساعدك لردعه عما يفعل وبكل السبل والوسائل. لقد تعاملت يا أخي مع هذه المشكلة كما يجب فكما يقولون «وسمت العضل في المكان الصحيح»؛ بذلك ستكون قد قطعت واستأصلت جذور المعضلة قبل نموها، النار من مستصغر الشرر. هز أبي رأسه موافقا لمسلم بن ثاني، وشعر بنصر لكنه نصر يشبه الهزيمة.
وقبل أن ينتهي أبي من شرب فنجان القهوة، فإذا بمجموعة من الشرطة دفعت الباب ودخلت. اقتربوا مني واقتادوني إلى خارج المكتب وسار أبي معهم، هذه المرة سرت من دون ممانعة وأنا ليس لدي أدنى فكرة عما يحدث في الخطوة التالية. فعلت ذلك مسايرة لرغبة أبي وشفقة عليه، فقد حز في نفسي رؤية الأسى وخيبة الأمل مرتسمتان على وجهه.
يمكنني أن أنتظر لكن أبي كان في عجلة من أمره وكأنما ستقوم الساعة في نفس ذلك اليوم وفي نفس تلك اللحظة. انتابني شعور داخلي بالمنعة والقوة فكأنني طائر يطير في عنان السماء لا تحده حدود ولا تقيده قيود، شاقا طريقي من غابات اللبان في سهول ظفار، مارا ببساتين النخيل في سهل الباطنة، قاصدا البحر عند جبال مسندم. لكنني في نفس الوقت كنت أشعر بضعف يحوم حول جسدي ويشقق جلدي والناس حولي من الرجال والنساء والأطفال يصرخون غضبا في وجهي، يأتون من الجبال والسهول والصحارى والمزارع والمراعي محتجين على فعلتي ومستنكرين عملي.
حقا أن منظري واقفا بالقرب من تلك الزبونة وأنا أقيس المقاسات من على كتفها وأردافها في مكان مفتوح لم يعد منظرا غير مقبول البتة عند كبار الناس ويصعب على أبي تقبله. وربما ما زاد غضبه منظري وأنا أتحسس العباءات بيدي وأتحسس الفصوص والأشرطة والقطع الملونة بحرية مطلقة وانسجام؛ تلك جرعة سامة سرت في جسد أبي المسكين. عملي مع النساء يصور لأبي أنني أريد أن أتحرر من القيود والتقاليد وأن أتخلص من كل ما تعب وعلمني إياه أنا واخوتي واجتهد كثيرا في تثبيته وترسيخه داخل نفوسنا. ما غرسه من قيم وأخلاق تلاشى اليوم أمام ناظريه وظهرت له في شكل شيطان رجيم وولد عاق متمرد يجب إيقافه عند حده، أو سيعم البلاء فيغمر البلاد ويقتل العباد مثل طوفان هادر مدمر.
وظننت لوهلة أنهم يريدون اصطحابي إلى عنبر من عنابر الشرطة حتى يحين إطلاق سراحي، لكنهم بدلا من ذلك دخلوا بي إلى سيارة إسعاف كانت تنتظر خارج المركز. وسارت بنا السيارة في الشارع الرئيس وسط مسقط حتى توقفت أمام مبنى مستشفى ابن سينا وهو مستشفى متخصص في تشخيص وعلاج الأمراض العقلية والنفسية. لم أزر ذلك المكان المخيف من قبل لأي سبب من الأسباب ولا حتى لزيارة مريض، ولعلني اليوم أدخله مريضا. هل أنا في صحو أم في منام؛ حقيقة أم خيال؟ واقتادوني إلى الداخل وقدموني لطاقم الممرضات، كنت في هدوء تام ولم أتفوه بكلمة بل أنصاع للأوامر من كل حدب وصوب. وبدأت الممرضات في مراقبتي مثلما يراقب شخص معتوه، وبعد أن جلست وتكلمت، ظهر لي إن الطاقم الطبي عنده شكوك حول وضعي العقلي والنفسي. تعجبوا من عدم وجود علامات اضطراب ظاهرة على مريضهم الجديد، وتهامسوا بكلام لم أفهمه. وبعد قليل أتى الطبيب المختص برصد أسماء المرضى وحالاتهم، فأخذ أبي إلى غرفة خاصة وظل معه لمدة نصف ساعة، ثم خرج وسار من أمامي في طريقة إلى خارج المستشفى. لا أعرف نوع الحديث أو النقاش الذي دار بين أبي والطبيب، ومن ثم خرج أبي وتوارى عن الأنظار. وتقدمت نحوي أربع ممرضات وأخذوني إلى غرفة صغيرة وسألوني عن حالي فأجبت: الحمد لله في أتم الصحة البدنية والعقلية والنفسية.
قالوا لي: بعد قليل سيحضر الطبيب المختص لمقابلتك. بعد أقل من نصف الساعة دخل غرفتي طبيب شاب لا أظن أنه يفوقني سنا، يحمل سجلا طبيا مكتوب عليه اسمي وعنواني. وقف بجانب سريري وأخذ يتطلع في وجهي تماما كما فعل الشرطي ومن ثم جس نبضي.
وقال لي: الحمد لله كل شيء على ما يرام نبضك ودقات قلبك متزنة. قبض طرف ذقنه وطأطأ برأسه ثم أكمل: أريد منك شرحا لحالتك. نظرت إليه بدوري بتمعن أريد أن أعرف أهو مستعد فعلا لسماع قصتي الطريفة. على أي حال، شرحت له القصة من بدايتها وحتى وصولي إلي المستشفى. حاول الطبيب كتم الضحكة، وسادت بيننا فترة صمت قصيرة؛ اختفت من ناظري صورة الطبيب الشاب وحلت محلها صورة الضابط المناوب في مركز شرطة مطرح. ما أعجبه من منظر: رجلان مختلفان في العمر والوظيفة وطريقة التفكير، يتحدان في صورة رجل واحد بوجهين، وأنا معلق بينهما بحبل كمثل خيط العنكبوت فيه من القوة والشدة بقدر ما فيه من الضعف والمرونة.
وقال لي الطبيب الشاب: سأكتب تصريحا يسمح بخروجك من المستشفى الآن؛ أنك معافى من أي مرض، وبقاؤك يشغل سريرا يجب توظيفه لعلاج مريض يعاني من مرض حقيقي وليس خياليا كما أثبتت الفحوصات التي أجريناها عليك.
لم أرد على ما قاله الطبيب، فقط أومأت برأسي وغادرت المستشفى في الحال. أوقفت سيارة أجرة وعدت إلى البيت ووجدت صديقي وشريكي في التجارة عيسى ينتظرني خارج البيت وهو في قلق عظيم. منظره ذكرني بمنظري عندما كنت أنتظره في سوق مطرح، وكأنه يعوضني عن عدم حضوره لمقابلتي في ذلك اليوم المشهود. دخلت ومعي عيسى إلى البيت وبدأت في سرد قصتي الطويلة. ضحكنا ضحكا يشبه الحزن، وأعدنا المرة تلو الأخرى منظر رجال الشرطة وهم يهجمون على البوتيك الضيق ويجروني للشارع الواسع ويساعدهم في عملهم البطولي عصبة من التجار يدفعهم الحسد والطمع وتسيطر عليهم روح الاحتكار والربح الفاحش. وسألت عيسى: هل نستسلم للواقع المرير، أم نعلن ثورة لا تبقي ولا تذر، أم نجنح للتغيير السلمي والإصلاح الذي يربح فيه الجميع؟
ووضعنا استراتيجية للعمل تمكننا من التقدم للأمام وتمكننا في نفس الوقت من تفادى مثل هذا الحادث المؤسف الذي حكيته لكم في قصتي العجيبة الغريبة. نصت الاستراتيجية الجديدة على عدم عملي داخل البوتيك أو اقترابي منه ناهيك عن الاتصال المباشر بالزبونات والأقمشة والفصوص والخرز؛ يواصل عيسى اتصالاته الخارجية ويضيف لمهامه الإشراف المباشر على المتجر نفسه. أساهم في التخطيط والتصميم الفني والتقييم للتجارة الحرة، تلبية لرغبات الشباب وتطلعاتهم، لكن من مكتب بعيد كل البعد عن عيون كبار السن، مع تأكيد قاطع على الإفلات من عين أبي الغاضبة النادمة ومن وخز عصاه الطويلة الغليظة.

 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …