تجربة عبد الله زريقة: الشعر من النضالي.. إلى الكوني

عز الدين بوركة *
إلى جانب أسماء قليلة في كارطوغرافيا شعرنا العربي، يُحاول الشاعر المغربي عبدالله زريقة بما استطاعه من شعر وفلسفة، أن يكتب القصيدة عامرة بالمتن الفلسفي، تَنْحَل عسلها وأفكارها من المدارس العلمية والأدبية (تفكيكية، تحليلية، نفسية… إلخ) وأخرى فنية وصوفية تاريخية… في محاولة جاهدة لخلق معجمه الشعريّ الخاصِّ.  وإن كان شعر النثر العربي عموما مدين بقوة لمحمد الماغوط، فإن شعر النثر في المغرب مدين بقوة لعبدالله زريقة.
– وكذبابةِ شمعةٍ /أطفئُ ضوئي فيَّ /وكممحاة أمحُو /وجهي بوجهي.(1)
لقراءة عبدالله زريقة، قد يحتاج القارئ لمعرفةٍ مسبقة بفلسفات ونظريات وأفكار كونية وإنسانية كبرى، كما الإلمام بفترات سياسية التي عرفها المغرب، خاصة في البدايات، وتمتدّ خفيةً في نصوصه المتأخرة، يجعل منها الشاعر متنًا يستند عليه في كتابة شعره. هذه الكتابة التي تتخذ من الرؤية الصوفية والفلسفية خاصة أسلوبا لها. إذ نجذ نصوصه الشعرية مكتنزة بالمعاني والرموز والإشارات، تتوالد ذاتيا أو فيما بينها، داخل نسق النصّ الواحد، وإيقاعه الداخلي، أو بين- النصوص. وتبتعد عنها إلى الكتابة الحديثة والمعاصرة، تتنكر لكل فكر ولكل روحانية وتخلُص للغة. مما يجعل من المتلقي لنصوص زريقة، ملزما بأن يكون عارفا –أيضا- بالحساسية الشعرية الجديدة التي تنتمي إليها قصائد هذا الشاعر، ليتمكّن له كشف تلك الدلالات والأبعاد التي تحملها هذه القصائد في طيّاتها، وآفاقها. كأني به الشاعر يذهب إلى بُعدٍ ميتافيزيقي لا يعيه إلا هو، فيقول:
– لم أفهم هذه الميتافيزيقا /إلا حين سال مني دم كثير(2).
عبدالله زريقة، الشاعر الذي اختار لنفسه الانعزال والاستفراد بالذات، يقول الناقد اللبناني جهاد الترك عن هذا الانعزال(3): “هل هذا نهاية الشعر-يتحدث الناقد عن مجموعة الشاعر إبرة الوجود- لدى عبدالله زريقة؟ هل من شأن الشعر وهو يشقّ طريقه إلى الغياب الذي لا عودة منه، أن يحكم على نفسه بهذه العزلة الأبديّة وراء جدران يتعذّر تسلّقها من الداخل والخارج؟ قد يخيّل إلينا، للوهلة الأولى، أن الشاعر يسرع الخطى إلى مصير كهذا لا نجاة منه. أو أنه يوحي بأن الرؤية الشعرية لا بدّ وأن تصطدم بحتفها في نهاية المطاف. الأرجح أن لا شيء من هذا القبيل وإن بدا أن الشاعر يضعنا في هذه الأجواء القاتمة. إنه أحد المشاهد التي يشيعها في هذه النصوص تعبيرا عن التحولات الذاتية العميقة التي تداهمه، وهو ينظر إلى العالم من موقع الغياب، الذي بلغه بعد نزاع عنيف مع اللغة وتداعياتها وانكساراتها”. وها هو الشاعر يعلن توجّسه من الآخر، من الإنسان الميال إلى القتل والعنف وسفك الدماء، الإنسان الذي يعتاش من المائدة نفسها لضحاياه والتي يأكل منها يقتل عليها، لهذا كان ولا بدّ من الإعلان عن الانعزال والاكتفاء بالذات، بالذات الشاعرية، يقول في ديوانه “فراشات سوداء”:
– وأخشى المائدة /لأن الذي يجتمع /حولها للأكل /يجتمع حولها للقتل /وأخشى الإنسان /يملك عينين اثنتين / عين تأكل /وعين تقتل.(4)
ويعود ليعلن عن ذلك بعد سنوات عشرين، بنفس شعري مخالف، ورؤية شعرية أكثر اتساعا، وتعبير أكثر تكثيفًا وإيجازًا، في مجموعته الشعرية “حشرة اللامنتهى”:
– أما الأرض فجوع يقتات ببعض /الأعشاب المُحترقة ببرد الظّلمة(5)
اختلفت لغة عبدالله زريقة بشكل واضح وكلّي عن تلك التي بدأ بها شعره أول مرة في دواوينه (رقصة “الرأس والوردة” (1977)، “زهور حجرية” (1980)، “ضحكات شجرة الكلام” (1984)… ):
– ماذا أقول /يا عالم الذي ما راعني /كي أفرح بضحاياك /وأعدهم لقطعة حلوى في فمي /أكثر من الأشياء أقول الفقر /أقول القتل اليومي /أقول القتل اليومي.(6)
يتضح جليّا، في ديوان “ضحكات شجرة الكلام”، شعرية أدب السجون، إذ نلحظ توارد أسماء مناضلين وسياسيين مغاربة، وأسماء أشخاص يبدو أنهم زملاء السجن –بالأمس- ومناضلون سياسيون، إذ يذكرهم بحسرة وألم، ويذكرهم بعذاب الجسد والعين المعصبَة.. كما يتوجّع الشاعر لآلام الفقراء، فيقول:
– رأيت قتلايا /لم ينقذهم الموت حتى من الجوع /أنا أذكّركم الآن بباطن اسمي: /بنبركة أين؟ /عبد الكريم أين؟.(7)
– وأنا فقط /عجبت لمال الفقراء /يُصرف في شراء جلد السّياط / وبناء بركة المتوكل /وإطعام الحراس /عجيب للكفر يحكم في الناس…(8)
في دواوينه الأخيرة (فراغات مرقّعة بخيط شمس؛ سلالم الميتافيزيقا؛ حشرة اللامتنهي؛ إبرة الوجود…)، ابتعدت لغة عبدالله زريقة الشعرية بشكل شبه مطلق، عن تلك الكتابات السياسية المؤدلجة وتلك اللغة الشاعرية الرتيبة. إلى لغة استثنائية، يمكن الاصطلاح عنها بكونها “إقامة في اللغة”. ففي عمله الشعري «إبرة الوجود» يواصل عبدالله زريقة كتابته الشذرية القائمة على تفكيك أوصال المعنى وعلى الصقل العميق للفكرة الشعرية غير مأخوذ بأي غنائية مهما كان إغراؤها.. إنه، بجملة واحدة، من الشعراء الذين لا تلهيهم موسيقى الكلمات عن جوهر الكلمات، ولذلك فإنه يؤلّف بالمعنى، ويشيد الدلالة جنب الدلالة، عمل الشاعر هو أن يُجوهر فكرته لا أن يمنحها طبولا جوفاء تغني مع كل ريح”(9).
– الشاعر أعمى في أرضٍ /مُبلّطة بحصى النسيان(10).
– وظُلمات تفصلني عن الكتابة /لا أُبصر فيها ضوءا إلاّ حين أعثُرُ /على ذبابة كلمة.(11)
وقد يكون الانعطاف الشاعر عن الشعر المؤدلج بدأ مع ديوان “تفاحة المثلث” (1985)، هذا الديوان الذي نَلْحظ فيه عكس سابقيه نوعا جديدا من الاشتغال، فقد سعى الشاعر إلى الاشتغال على المتن الفلسفي بشكل مكثف، عبر الاتكاء على الرؤية الحكيمة للشعر والعالم، كما أنه قد اشتغل عليه برفقة صديق إقامته الجامعية والجامعة الفنان التشكيلي الراحل “عباس صلادي”، هذا الفنان الذي حاول نقل معاني النصوص الشذرية التي غطّت سطح كل الديوان، العبارة عن قصيدة واحدة من نصوص شعرية شذرية قصيرة، ففي هذا الديوان إلى جانب ديوانه الآخر «فراشات سوداء»، اختار زريقة أن يقوم بنوع من القطيعة –غير المكتملة- مع الصوت النضالي العالي الذي لازمه، في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ليستبدله بصوت شعري داخلي، موغل في ميتافيزيقا شخصية، تستمد عناصرها من رياح العبث وروح الدعابة والكتابة البيضاء، التي طبعت قطاعا من الأدب العالمي الطلائعي بعد الحرب العالمية الأولى(12)….:
– فحين يفنى الكون /ستبقى الحِكمة وحدها /وحدها.(13)
إلا أن الصوت الشعري المرتبط بمرحلة السجن ظلّ في ناحية من النواحي حاضرا، ضمنيا وبشكل مرموز، وذلك عبر صور مُغْرَقة في السريالية أو الغموض والترميز:
– وسمعتُ هذا العصفورَ الذي في القفصِ يُخاطِبُ العصفورَ /الذي في قفص صدري(14)
يولّف الشاعر جملته وعبارته أكثر من مرة، في شكل دوراني والتفافي، لكنه كل مرة يتحاشى الوقوع في التكرار والسقوط في مطب إعادة إنتاج القول مرة أخرى، خالقا دهشات متشظّية، كأنه يكتب عبر تقنيات الكولاج، لكنه كولاج تركيب منساب يراعي وحدة الموضوع، كأنما يرغب في تقليب اللغة على وجوهها المختلفة بنًى وأساليب وتراكيب، بغية كتابة الداخل حتى لو ذهب بعيدا، وحاذى تخوم المجازفة، فما يهمه أولا وأخيرا هو الانهمام في قول ذاته، أكثر من الصنع والتركيب مجردين، مدفوعا إلى إخراج زمن النسيان الذي يقبع فيه، فيما قوله الشعري يحفر مجراه وحيدا، بنفسه.
هذا وتحضر داخل قصائد الشعر عبدالله زريقة توظيفات معجمية تميّزه عن باقي شعراء هذا الأسلوب، موظفا المعاجم الفنية والفلسفية والصوفية بالخصوص داخل دواوينه الأخيرة بالخصوص (ماتيس، ابن عربي، اسبينوزا، الحلاج، دولاكروا، فان خوخ، مونيه، بيسارو، رونوار،… إلخ). وإن يتفرّد بتلك المقاطع (آه أه آه/ واه أواه/ ياهاه/ها هاه/ يا هيا…) كأني به الشاعر يصرخ ويصيح في وجه العالم، نداءً للقارئ ولاستدراجه داخل غياهب ذاته والنص، من حيث إنهما بدن واحد، وعوالمه الخاصة.
“ابتداءً من ديوانه: رقصة الرأس والوردة، مرورا بزهور حجرية، ضحكات شجرة الكلام، تفاحة المثلث، فراشات سوداء، سلالم الميتافيزيقا، إبرة الوجود، حشرة اللامنتهى. وكل الأعمال الشعرية والنثرية التي نحتها في صخرة الإبداع الكوني والمغربي، رسخ رؤيته للشعر كوسيلة للتفكير والوصول إلى المطلق. فهو شاعر يكتب بالمعنى ليصل إلى الكلمة. الكلمة هنا سؤال عال لثيمات: الكتابة /الموت /الجمال /السؤال، ثيمات ترافقها طفولة الانتباه، أما الجوهر، فيقول الناقد عبد الواحد مفتاح، فسطر شعري مقتنص ومُشتغَل بإمعان حر وتأمل يفيض. تَحضر السريالية، كأسلوب ومدرسة يمكن تجاوزها بسهولة. فما يقترفه زريقة هو كتابة لا شيء آخر.. كتابة رقيقة يمكن أن تُحبط خطة أي سؤال مبني للمجهول وتعتقل قارئها، داخل إيقاع يتأسس على التفاعل والمجاورة. بفعل شرنقة القراءة التي هي هنا كتابة ثانية بالضرورة، أمام قصيدة تربك الصمت ولا ترخي ضفيرتها أمام قراءة لمجرد العادة.”(15)
تتعدّد إذن آليات وأساليب الاشتغال الشعري عند الشاعر عبدالله زريقة، منذ بداياته الشعرية الأولى وإرهاصاته النضالية، التي سرعان ما تخلى عنها –بالشكل المباشر- في أعماله المتأخرة. إذ صارت تنحو نحو الصوفي الغائص في الغموض وجمالياته الشعرية، إذ الغموض هنا هو تلك الدلالة المعبّرة عما بالشاعر، وعن كيفية رؤيته للعالم ومن الزاوية الفلسفية التي يُلامسه بها، فالشعر المعاصر، الذي باتت تنتمي إليه كتابات عبدالله زريقة، ليس إلا قول حلم به الباطن والظاهر، نوع من المزج بين السريالي والصوفي. فالقصيدة المعاصرة، وخاصة قصيدة النثر، بارتهانها إلى الغموض في انكتابها فلأنها لم توضع للتفسير بل للتأويل، ولم يأت شعراؤها للأخذ والرد، ولتفسير شيء، وقول حقيقة ما موجودة في الخارج أو الداخل، بل للعب اللغوي والمرح وكتابة الذات والهامشي واليومي وكسر كل قيود الشعر واللغة ذاتها. فالعالم لم يعد في حاجة لقول شيء أو إيضاح شيء، فالغاية الشعر هي الرهيف واللامنتهى في الكائن.
– وكيف هربتُ في تلك الدّار من عقارب ساعة تتحرك كرجلي معطوبة. ودفنت وجهي في فراغ يستريح في ظل قميص يلعب مع الريح. ولم أر زغب الموت النابت في ذقن رجل لم يحلق منذ مدة(16)….
إلى جانب السريالي تصورا والغموض أسلوبا، وإن ليس بالشكل الدائم والحتمي، فكل الأساليب ممكنة في نص زريقة بما فيها البسيط والسطحي (بالمعنى المعاصر)، يأخذ النص الشعري عنده منحى مغايرا، يروح إلى النحْل من الصوفي متْــنه وتصوّراته. فـ”يتمثل الشاعر في قصيدته جماليات النص الصوفي، من دون أن تشكل استفادته في هذا الجانب سياقا عاما تنطبع به لغته هذه الاستفادة تتجلى من خلال تمثله لتقنيات النص الصوفي خصوصا تجريد الكلام، والانفصال عن عالم الحواس”(17).
ففي مطلع قصيدته من ديوانه “سلالم الميتافيزيقا”، المعنونة: “لقاءات بيضاء وصفراء.” نتحسس ذلك الهروبٌ من تلك الشعرية الفضفاضة على رقعة المجاز، والضيقة على سماء اللغة.
فالقصيدة جاءت عامرة بالتلميحات الصوفية (الحرف، الكلمة، الصلب، العقل، الخلق، العزلة، الحقّ، الحقيقة) تارة، والإشارات التقاربية بين فلاسفة ومتصوفة (ابن عربي وابن رشد، ابن عربي واسبينوزا، الحلاج…) تارة أخرى. وللأمكنة والفضاءات حضها الوفير داخل القصيدة (الساحات، مراكش، الدار، فاس…). وبين الشخوص والأمكنة، كان هناك لقاءات. لقاءات كان لها من الحقيقة ما كان (بيضاء)، وأخرى كانت في اللامنتهى في التلاقي المعرفي (صفراء).
– سْبينوزا وابن عربيّ /لم ير أحدهما الآخر /لكنهما التقيا في اللامنتهي /بعد أن أسلم كل واحدٍ /منهما روحه للآخر.(18)
إنه وعيٌ مائز وفهمٌ ركيز بالمتن الصوفي والفلسفي، في اشتغال مدهش داخل النص الشعري. إذ يوظف الشاعر عبر سرد شعري، أو شعر سردي إن أردنا القول، تلك اللقاءات الفلسفية الصوفية، (الحقيقية والمجازية / البيضاء والصفراء)، بين ابن عربي وابن رشد تارة، وابن عربي واسبينوزا تارة. فبين الأولين، يستحضر لقاءها الذي حدث على مرتين، الأولى بينهما والأشهر الحاضر عبر حوار (لا –نعم –لا –نعم…) والثاني حينما عاد ابن رشد محمّلا ميتا من مراكش إلى الأندلس، إذ ينتقل الشاعر من الدلالة على اللقاء الأول إلى اللقاء الثاني، فيقول:
– ومن هذا اللقاء بقيت فقط: /لا /ومن لا / إلى الجنازة /جنازة ابن رشد /قيل أن هناك من رأى /ابن عربي في جنازة /ابن رشد.(19)
أما عن تلك اللقاءات (الصفراء) المجازية اللاملموسة، لابن عربي واسبينوزا، هو إحالة واضحة كلّ الوضوح لإلمام الشاعر بالحقل المعرفي التاريخي، وذلك الصراع المفاهيمي حول مفهوم الوجود. حيث يلتقيان- الشيخ الأكبر واسبينوزا- في شرح فكرة “وحدة الوجود”، وان يبتعدا نسبيا، فذلك راجع للخلفية الميثولوجية لكل منهما. في حين كان ابن عربي يلجأ إلى النصوص الدينية لتفسير مذهبيه، كان اسبينوزا يرتكز إلى العقل والفلسفة العقلانية التي وضع أسسها ديكارت، كما أنه كان يشنع على مقولات العهدين القديم والجديد في ما يتعلق بذات الله، وبالصلة به. لسنا هنا للتفصيل في هذا المفهوم عندهما، بل للوقوف على ما كتبه الشاعر عنهما بين أسطر نصه.
وداخل هذا النص الشعري، وغيره في المتن الشعري للشاعر عبدالله زريقة، يحضر الوصف كنوع من تعالي اللغة على مستطاعها. ويحضر المجاز كإضافة وليس كضرورة.
من بلاغة الشعر عند هذا الشاعر، يحضر تذويت الكائنات ومنحها حضورا في الهنا والآن، باعتبارها فاعلا أساسيا في الوجود وصيروراته: (الحشرات: النمل، فرشات، الذباب، الدود…) وهذا يتضح حتى في عنوان ديوان “حشرة اللامنتهى”، ويحضر التذويت أيضا للكلمات والأحرف واللاملموس (الخوف، الظل، الملائكة، الشياطين، الكتابة، القراءة…) في قصائده، عبر جعلها تنطق أو تتفاعل أو عبر تشبيهها بالكائن:
– ثمّ من الجنازة /إلى الحروفِ /الحروفِ /كثرة الحروف ككثرة الخلق.(20)
– الكلمات لا تدخل إلى جهنّم /لأنّ كلاب الأبواب لا تجد فيها لحما تنهشه.(21)
– العري لا يخاف إلا منَ الكلمات التي تخرج /من الفم بالرغم عنها /وتلبسه.(22)
– وصحت في نملةٍ/ لا تعودي إلى بيتك /فهناك سجّان /يلعب بمفاتيحه /في انتظارك.(23)
أما الموت فله حضور بارز في المتن الشعري لدى هذا الشاعر، منذ الإرهاصات الشعرية الأولى. ففي ديوان “زهور حجرية” نقرأ حضور الموت، مرتبطا بالأساس بجروح الأصدقاء، وآلام الوطن، بل هو عبارة عملية شعرية لتذويت الوطن وجعله كائنا يستشعر الشاعر آلامه ويرى سفوك دمائه:
– هل حقا تموت يا وطني وتعطيني أبيض الكتان ومرارة العرعار. وأنت تجري بالماء. يا أمي الغاطسة في لبن المغرب. هل يقتلنا العشق وجرجرة الرحالات(24).
أما في ديوانه “حشرة اللامنتهى” فالأمر مغاير، فحضور الموت له علاقة بالضرورة بذات الشاعر، وبالغموض الذي يكتنز الديوان منذ أولى أبياته، إذ يوف الشاعر فعل المضارع في صيغة المتكلم.
– لا أريد أن أكون الكرسي /المُقابل لجثة الميّت / ولا حشرة الخواء الميّتة /بين الكلمات(25).
تتناول قصائد “حشرة اللامنتهى”موضوعات الكتابة والموت والفراغ. وهي موضوعات شكلت هاجساً رافق دائماً الشعر والشعراء، لكنها تتجه، في تجربة عبدالله زريقة، نحو أن تكون موصولة بحساسية شعرية خاصة، تجمع بين تلوينات العبث والقسوة والاشمئزاز واللاجدوى، كأفعال سلبية تسم فاعلية الذات في هذه اللحظة من تجربتها في العالم. لذلك فهي تجد العالم شبيهاً بـ”الثلاجة”، عندما تفتحه لا تجد “سوى رائحة البياض المتعفن بالثلج”، كما تجده رديفاً للتيه والسقوط والعماء، لذلك تتساءل “وأين أروح/ والمرآة تقود إلى العمى/ والظل إلى الشيطان/ والصحراء إلى الكتابة”، وتضيف “وكل ما في الورقة كلمة بدون لحم/ دمعة بدون ملح/ وبياض يهرب منه حتى الموتى”. ويلاحظ أن البياض يأتي دائماً عند زريقة مقروناً بإيحاءات جنائزية، ونادراً ما يأخذ الموت عنده ألواناً أخرى، إذا استثنينا هذه الصورة المشعة بغرابتها “فالموت ليس إلا زمردة خضراء في ظلمة قبر أزرق”. إن هذه الصور وسواها، التي تتناسل أمام أعيننا بغزارة، مشكّلة، من داخل مأتمها الخاص، عرساً لنا “عرس قارئ”، هي مع ملمحها السريالي تبقى أبعد ما تكون عن الكتابة الآلية. لذلك فإن صوراً مثل “سماء بنهد واحد من سحاب” وبـ”صحراء تنتهي بعانة غابة” وبـ”شخير الخواء المتطاير فوق حلمات القمح”، هي على رغم صداميتها وفجائيتها، تبقى خاضعة لتصميم في البناء يجعل الشعر كتابة قصدية صادرة عن اختيار جمالي ونزوع فلسفي واع(26).
بهذا يكون النص الشعري المعاصر عند الشاعر المغربي عبدالله زريقة قد استوفى شروط شعريته، وشروط انتمائه للميتافيزيقا التي يتخذ سلّما لا للصعود إليها بل ليجاوزها ، والتي جاء تتبناها لكنه يدعي انتماءها للما بعد Au-delà/Post (ما بعد الميتافيزيقا؟). فالشاعر يبتغي أفقا مغايرا، أفقا متجددا للشعر، فيقول في ديوانه “سلالم الميتافيزيقا”:
-وأريد أفقا عموديا /حتّى إذا تعبت منه /صَعدت فيه.
الهوامش
1 – عبدالله زريقة، حشرة اللامنتهى، منشورات الفينك، 2004. ص 15.
2 – عبدالله زريقة، سلالم الميتافيزيقا، منشورات الفينك، 2000 ص 20.
3 – إدريس علوش، عبدالله زريقة.. شاعر مغربي استثنائي ينأى عن الزعيق العام عن موقع هسبريس بتاريخ لخميس 29 غشت 2013.
4 – عبدالله زريقة، فراشات سوداء، منشورات دار تبقال للنشر، الطبعة الأولى1988 ص59
5 – حشرة اللامنتهى، ص 64
6 – عبدالله زريقة، زهور حجرية (قصائد الدار البيضاء)، منشورات “البديل؟” 1980، ص 54.
7 – عبدالله زريقة، ضحكات شجرة الكلام، الدار العالمية للطبع والنشر والتوزيع، 1984، ص48.
8 – نفسه ص94
9 – أدب السجون.. عبدالله زريقة السجين الأبدي، نشر في جريدة المساء يوم 19 – 03 – 2008 (عن موقع مغرس)
10 – عبدالله زريقة، إبرة الوجود، دار النهضة العربية، بيروت 2008، ص26.
11 – نفسه، ص 38
12 – نبيل منصر، المغربي عبد الله زريقة في إبرة الوجود، نشر في المساء يوم 01 – 08 – 2008 (بتصرف)
13 – عبدالله زريقة، تفاحة المثلث، الطبعة الأولى مارس 1985، ص35.
14 – عبدالله زريقة، فراغات مرقعة بخيط شمس، منشورات الفنك، الطبعة الأولى 1995، ص 84
15 – إدريس علوش، مذكور.
16 – فراغات مرقعة بخيط شمس، ص 20
17 – إدريس علوش، مذكور.
18 – عبدالله زريقة، سلالم الميتافيزيقا، ص 74.
19 – سلالم الميتافيزيقا، ص70
20 – نفسه ص 70-71
21 – حشرة اللامنتهى، ص30
22 – نفسه ص 111.
23 – فراشات سوداء، ص 25.
24 – زهور حجرية، ص 26
25 – حشرة اللامنتهى، ص 7.
26 – نبيل منصر، جريدة الحياة، عدد 2 دجنبر 2006، رقم 15947.

شاهد أيضاً

الوصف في فكر ابن رشيق (ت 456هـ/ 1067م) الغرابةُ تحفز الإبداع وتقتحم حاجز الطرافة

فوزية بنت سيف الفهديّة حوى ديوان ابن رشيق العديد من المقطوعات الشعريّة التي تندرج تحت …