تشيلي : «إنها تمطر فوق سانْتياغو» (j)

تـــواريخ
في 1520، كان «ماجلاّنْ» أول مَنْ وطئ أرض ما يُسمّى اليوم بــ«تشـــيلي»، وقد وصلها بعد عدة محاولات فاشلة.
هذه المرة، جاء عابراً من المضيق الذي سيُسَمّى، باسمه: «مضيق ماجلاّن». وأول جزء وصله من التشيلي هو جزيرة : «شيلويْ».
في 1536، «دييغو آلْـماغْرو» بعد أن احتَلّ «البيرو» مع «فرانسيسكو بيزارو» سنة 1525، سيصل إلى «تشيلي» عابراً وادي «كوبْيابو» الخصيب. وكان «الأنكا»، سكان المنطقة الأصليون، قد قالوا له إن الجنوب يفيض بالذهب والمعادن الثمينة الأخرى. قالوا له خدعة، ليجرّوه إلى هناك، حيث لم يجد سوى «المابوش»: المحاربين الشجعان الذين سيخوضون معه حرباً طاحنة سيضطر بسببها إلى التراجع إلى «البيرو».
وفي 1540، سينظم «بيدرو دي فالْديفيا» حملة جديدة بأمر من «بيزارو» الذي يطمح إلى توسيع الإمبراطورية الإسبانية فيما وراء البحار، إنطلاقاً من «البيرو». وسيستطيع، أخيراً، أن يصل إلى وادي «مابوشو» الخصيب، في أعلى القسم الجنوبي من الشريط التشيلي. وسينشئ هناك عام 1541 مدينة «سانتياغو».
 وبعد ذلك بقليل ستنشأ حولها مدن أُخرى: «فالْباريزو» و «سيرينا» في الشمال. و«كونْسيبْسيونْ» و «فالْديفيا» و «فيلاّريكا» في الجنوب. وفي هذه المنطقة الجنوبية سيظل «المابوش» الشجعان يدافعون عن أرضهم بعناد لا مثيل له. وفي سنة 1553 سيقتلون القائد «بيدرو دي فالديفيا».
وفي 1557، سيبدأ الاستعمار الحقيقي للتشيلي، حيث ستفرض عليها التبعية لملك إسبانيا رسمياً. وكان الإسبان قد استولوا من قبل على «المكسيك»، و «البيرو»، وعيَّنوا على كل واحدة منهما نائباً للملك.
لقي الإسبان صعوبات كثيرة في السيطرة على البلاد. وأكثر من مرة استطاع «المابوش» (رجال الأرض) أن يطردوهم من الأمكنة التي احتلّوها، وأن يدمّروا بعض المدن التي أنشأها المحتلون. وبسبب هذه المقاومة العنيفة اضطر الإسبان إلى التراجع حتى حدود نهر «بيو بيو».
بسبب هذه العوائق والصعوبات لجأ الإسبان إلى نظام الــ «أنْكومينْدا» التوسعي. بموجب هذا النظام يحصل كل جندي إسباني على قطعة من أرض التشيلي المحتلّة، ويصبح الهنود، سكان البلاد الأصليون، عمّال سُخْرَة، أو «عبيد أرض» يعملون بالقوّة لدى المحتلّين، دون أن يكون لهم حق في أي شيء.
1810، بتحريض من حركات التحرر العالمية، وبتأثير من عصر الأنوار الأوربي، قامت أول محاولة لتحرير التشيلي . وهذا التاريخ ما زال يعتبر «العيد الوطني» في البلاد.
لكن التحرر الحقيقي تمَّ بعد سنوات من هذه المحاولة الأولى، وبعد أن تغيّرت البُنْيَة الإجتماعية للبلاد، وتبدَّلَت أفواج القادمين إليها من «العالَم القديم». وكان ذلك في شهر مارس، سنة 1818، بعد حروب عديدة، وبمساعدة الأرجنتيني العظيم، الجنرال : «خوزيهْ سانْ مارتان».
من شعرائها الكبار : الشاعرة الراعية : «غابرييلاّ ميسْترال» الحائزة على جائزة نوبل. وأول مرة رأيت تمثالها مع «بورخيس»، وعازف الجاز الشهير …. في مقهى«تورتوني؟؟؟؟» في «بوينس إيرس» ومرة أخرى في قلب «ستوكهولم».
والشاعر الكونيّ، المتيّم بالحرية والنساء والخمر، والذي كان بعض تلاميذها : «بابلو نيرودا» الحائز هو الآخر على جائزة نوبل. وقد زرتُ بيته في «فالْباريزو»، بالقرب من «سانتياغو».
شريط القاع
 لنحَلِّق الآن، في الفضاء. في فضاء الكون المليء بالألاعيب.
يطول الليل كثيراً بين «باريس» و «سانتياغو» حتى ليكاد يتضاعف. وفي الصبح نرى الجبال. جبالا عملاقة تحدُّ شريط الأرض الطويل الهابط من «البيرو» حتى «أرض النار».
«التشيلي» شريط أرضيّ محصور بين سلاسل جبال «الآنديز» المقدسة، وبين المحيط الهاديء، بطول 4500 كم تقريباً. و«أرض النار» هي أسفل نقطة في القطب الجنوبي. إنها «تشيلي» بلاد العجائب والأساطير.
شريط أرضيّ مخيف من شدة الجمال، ينحدر من أعالي الكرة الأرضية إلى أسفلها، متجاوزاً «مضيق ماجلاّنْ» إلى الجنوب، إلى أغرب نقاط الكوكب الأرضي، حيث الهنود الأوائل كانوا يشعلون نيرانهم مساء للتقرب من آلهة «الآنديز»، ممّا جعل «ماجلان» يعتقد أن النار تنبجس من القاع : تلك هي «التشيلي».
سلاسل جبال «الآنديز» العملاقة، تبدو وكأن سطح الأرض لا يكفيها عُرْضاً، ولذا فهي تتطاول، وتَـنْـمَـطُّ، من أعلى إلى أسفل، حاضنة شريط الأرض المسكين، المُـلْتَمّ على نفسه، لتقدمه «قُرْباناً» للمحيط لتهدِّئه، ُممَهِّدة، هكذا، للسيطرة الأزلية عليه ( المحيط الهاديء).
خدعوا الهنود
خدعوهم عندما وصلوا على خيولهم.
وقد كان الهنود يعتقدون، حسب مزاعم الغزاة، بأن آلهتهم بيض، ويمتطون الخيل. ولكن، من أين جاءتهم فكرة لا معقولة كهذه، وهم على العكس من ذلك؟ لعلّ الاسبان لا يَصْدقون فيما يَـرْوون. على أي حال، براءة الهنود العفوية، وطبعهم المسالِم بالفطرة، وغياب مفهوم التوسّع والعبودية لديهم، وكلها قِيَم إنسانية خالصة، إضافة إلى أنهم يجهلون تماماً «مفهوم تراكم الثروة» حتى ولو على حساب قتل الآخرين، هو الذي خدعهم بالأحرى.
يقول مؤرخو الاسبان إن الهنود استقبلوهم مهللين فرحين بقدومهم، وكأنهم هبطوا من السماء! ( والمقصود في الحقيقة : من أعالي جبال الآنديز المقدسة، لأن مفهوم السماء غير متمكّن من لا شعور الهندي. وهو ما يفضح التفاوت العميق بين الديني عند الاسبان، وبين الطبيعي عند الهنود. ويجعلنا نُخَمِّن بسهولة عمق التَلْفيق والكذب عند مَنْ أرّخوا لهذه الفترة من الأوربيين). ويضيف هؤلاء المؤرخون أن الهنود منذ أن اكتشفوا الخدعة، وعرفوا الطبيعة العدوانية للقادمين، قاوموهم بعنف.
وأتصوّر أن هذا«العنف» المزعوم، وهو بالتأكيد نسبي و «بدائي» عند الهنود، كما هو حال العنف «الفلسطيني» اليوم، كان مبرراً لإبادة الهنود والاستيلاء على أرضهم.
ومنذ أن استقر لهم الحال، بنى الإسبان «سانتياغو» لتكون عاصمة للبلاد. بنوها في البدء على جزيرة صغيرة وسط النهر الذي يمر بها. وأول ما أفعلُه، عندما أصل إليها، هو الذهاب لزيارة «لا مونيدا»: القصر الجمهوري الذي قُتِل فيه «سلفادور أليندي». أمام القصر التاريخي، الذي أصبح تاريخياً بالأحرى، يقوم تمثاله المهيب، وعليه مَرْقوم قوله الأخير: «إنني مؤمن بتشيلي، وبشعبها». كلماته الأخيرة، هذه، قالها في راديو تشيلي. وأطلق النار.
أقف في ساحة القصر، طويلاً. حولي جمهور صامت ومتأثّر إلى حد البكاء. ومثلهم أنا. لا أحب العاطفة الجيّاشة عندما أكون «غريباً». أصمد أمام دموعي، هذه المرة، وأنا أقول : سأعود إلى هنا، مرة أخرى، وحدي. أقول هذا وأُغْمِض عينيَّ للحظات، استعيد خلالها وقت الهجوم في «دمشق».
مقابل القصر يقع الفندق الذي صار هو الآخر من معالم «سانتياغو»، الفندق الذي منه صَوَّر الصحفيون الأجانب الذين كانوا يتكدّسون فيه، وقائع الهجوم البربري على «أليندي» وحاشيته. وعندما أدرك «أليندي» مصيره المُفجع، طلب من أهله، أن يغادروا القصر، لأنه يريد أن يظل وحيداً بعض الوقت. كان يريد أن يمهّد لخطابه الإذاعيّ الأخير، وأن يلقيه بشجاعة مَـنْ يعرف أنه سينتصر بعد قليل. وإن كان هذا الــ«قليل» بعيداً. وأي أهمية لزمن لا يحمل موقفاً ولا سلوكاً جديداً. يومها، يوم قتله، ألقى خطابه الشهير، المحفورة كلماته الأخيرة على التمثال، والتي لا زال صداها يرنُّ في عيون التشيليين الذين كنت أراهم ساهمين، وكأنهم يقرأون الوقت.
الآن سيأخذوننا إلى «ساحة الأسلحة»، والدليل يحكي:  أنظروا إلى اليمين.القصر العربي الأندلسي. بنى على طراز قصر الحمراء في أسبانيا. وهو اليوم متحف للفنون . ويتابع الدليل :  أنظروا حولكم. هل لاحظتم غياب نمط معماري موحد في سانتياغو» ؟ ويضيف مشمئزاً : من السهل أن يلاحظ الزائر ذلك وسط هذا الامتزاج العشوائي الصاخب للعمارة هنا». ويتابع بحماس :  أنظروا هناك، على اليمين، في أفق النظر، البيت الجميل الأحمر هو أول بيت بُني بعد الإستقلال عام 1810. وه أجمل دار في سانتياغو، كلها».
وبالفعل يبدو القصر عندما نقترب منه : جميلاً، رائعاً، وعلى نمط العمارة الكولونيالية. أُفكِّر. ويقطعني صوت الدليل من جديد : «نحن الآن في مركز المدينة. وكما رأيتم فإن البساطة والفقر هما السائدان». وبعد لحظة صمت أمام المشهد المحزن، يتابع : «على العكس من أوروبا، هنا يسكن البسطاء وذوو الدخل المحدود في مراكز المدن. والأثرياء يذهبون بعيداً، يختبئون في قصورهم، ولا يراهم أحد منا». أحسه يحرِّضنا. ولكن، كيف، وبأية وسيلة، يمكن للإنسانية أن تحقق المساواة؟
«وسط المدينة» فقير، قريب من القلب، وكثير الألوان والفقاعات. لستُ أنا الذي سيتأفَّفُ من مشهد كهذا، أكاد أعرفه مغمض العينين، أنا الذي تَلَوَّعْتُ صغيراً بما هو أشنع منه. أنا، في الحقيقة، في مقامي. وأُطيل التأمّل والنظَر. أستدير إلى الجهات جميعاً. أريد أن أشتمل بكل ما يمكن للعين أن ترسله إلى القلب. أحاول أن أُدرك كيف تتماثل أقطاب الإنسانية رغم افتراقها الكبير. كيف يحس الكائن الذي لم يسعفه الحظ بأن يتًَخلَّص من بؤسه القديم. أريد، ويريد الدليل شيئاً آخر. وأفترق عنهم. أصير وحيداً في جسدي، عديداً في مشاعري وارتكاساتي.
في «ساحة الجيوش»( بلازا دي آرماس)، أجد مقهى صغيراً، خاتلاً في الزاوية. أجلس فيه على وَجَل. أطلب القهوة بالحليب. وأدع نفسي تتأمل العابرين بحرية، وتتمَعَّن في أنحاء المكان بلا قيود. المكان هو الوحيد الذي يشفُّ عن خفايا الكائنات التي تقيم فيه. لماذا نلجأ إلى الأساليب الأخرى، إذن؟
جو «سانتياغو» لطيف هذا النهار. لا برد، ولا حر، والناس لُطَفاء. وأتساءل : « كيف تتكوّن ذاكرتنا النقدية حول الأمكنة وسُكّانها»؟ و« كيف ننتقل من موضع إلى آخر، ونحن، أحياناً، لا نغادر المكان»؟ لا نُغادره بالمعنى النفسي، أو المعرفي، مع أننا نبعد عنه آلاف الكيلو مترات.
وتحاصرني الذكرى: في «دمشق»، عندما صعد «أليندي» إلى قمة السلطة، كنتُ متحمّساً له، ومنحازاً إليه بلا حدود. كان الفضاء الدمشقي، آنذاك، يُفرِز مثل هذه العواطف الجَيّاشة، والتي تبدو، أحياناً، غير مفهومة. كنتُ أحلم بأن أراه. بأن أرى تشيلي. وعندما قُتِل، لم يبقَ على لساني كلما ذُكِر سوى: « إنها تمطر فوق سانتياغو». وقبل أن أذهب بعيداً، يسحبنا الدليل نحو قمة الهضبة المطلة على المدينة. هضبة «سانْ كريسْتوبالْ»، قديس الرَحّالة، حيث يقوم تمثال العذراء حامية «سانتياغو»، أو كما يلفظونها محلياً : «سانْ جياكو»( ومعناها سان جاك).
أمرُّ سريعاً على التمثال. فليس ثمة ما يثير الدهشة فيه. عندما تكون قد رأيت تمثال المسيح فوق أعلى جبل في «ريو دي جانيرو»، فسيبدو هذا لعبة طفولية، شديدة البساطة. أعود إلى «أليندي». في أواسط السبعينيات جئت إلى «باريس». وكنتُ أتردد على صالة سينما تجريبية في قلب الحي اللاتيني، تعرض، وحدها، الفيلم الذي شدّني كثيراً : «إنها تمطر فوق سانتياغو». كان الفيلم يتعلّق بالهجوم على «لامونيدا». وكنتُ أضطرب شغفاً للبلاد البعيدة التي تملؤني بالرُؤى والأحلام.
كان «أليندي «قد قُتل، وكنتُ حزيناً لذلك وكأنه أبي. كنتُ متحفِّزاً ومتعاطفاً لا معه فحسب، وإنما، مثل كثيرين غيري في ذلك العهد الذي يبدو الآن جميلاً، مع كل الحركات المناهضة للقمع في العالم. كنتُ أقف طويلاً أمام الصور والعلامات، مأخوذاً. لم يكن يخطر لي أنني سأقف ذات يوم أمام قصر«لا مونيدا»، نفسه. أقف طويلاً وأنا أستعيد واجهة السينما العتيقة وصورها المعلقة في الفراغ.
اليوم، سيأخذوننا، صباحاً باكراً، إلى «فالْباريزو» وهي أشهر مدينة في الجنوب، قبل أن نعود لنسافر نحو أقصى الشمال، على حدود «البيرو». أحب أن يكون لدي وقت لأعود إلى «ساحة الجيوش» (بلازا دي آرماس)، وإلى «لامونيدا»، في قلب «سانتياغو» العتيقة، حيث الضوء يلتهم الفضاء. وسأخطف، إن اقتضى الأمر ذلك، هذا الوقت المُتَمَنّى من قرارة الزمن.
أوه! الجو غائم قليلاً هذا النهار في «سانتياغو». الأشجار خُضْر كثيفة. الأزهار منتشرة، وزاهية الألوان: فنحن، الآن، في الربيع. شهر نوفمبر هنا، هو أيار في دمشق. «وفي أيار، كما كان أبي يقول، يطلع العشب من تحت الأحجار». تمَتَّعْ! إذن، يارجل. أصير أخاطب نفسي وأنا أتَلَخْلَخُ بين العابرين والأزهار.
الناس في «سانتياغو» متوسطو الطول. سُمْر أحياناً، وأحياناً بيض. لهم شكل ملتبس بين الهندي والأوروبي. السود قليلون جداً. وسبب ذلك أن البلاد عند الإستيلاء عليها لم تكن غنية (على الأقل ظاهريا)، وصحراوية في معظمها. وهي لذلك لم تستوجب جَلْب العبيد من أفريقيا السوداء إليها، كما حدث، مثلاً، في كوبا، حيث الزراعة منتشرة، وبالأخص قصب السكّر، وما يتَطَّلبُ ذلك من يد عاملة تزداد باستمرار.
وهذا«الغياب التاريخي للعبيد»، وبخاصة في شكله المعمم الذي كان سائداً آنذاك، هو الذي يشرح، ربما، المظهر المسالِم لدى أهل التشيلي، اليوم. فالمستعمرون الأوائل (من أسبانيا، وغيرها)، «اكتفوا» بجريمة الإبادة، إبادة الهنود، سكان البلاد الأصليين، ولم يُضيفوا إليها جريمة «جلب العبيد» من أجل العمل القسري في الأرض إلا نادراً.
كانوا يبحثون عن الذهب. عن الذهب السهل. الذهب المرمي. ولذا عافوا التشيلي في البداية. وأرض التشيلي مليئة بالذهب والنحاس والمعادن الثمينة الأخرى. لكنها مدفونه تحت قشرة الأرض . وهذه المعادن، وبخاصة النحاس، هي اليوم مصدر ثروة التشيلي الأساسية. لكن الُمسْـتولين يبحثون عمّا يسهل الاستيلاء عليه، حتى ولو كان زائلاً وسريع النَّـفاد. كانوا يريدون المعادن مكوَّمة أمامهم. ولمّا لم يروا شيئاً، خاب أمل الكثيرين منهم، فاستوطنوا أماكن أُخرى. ومع ذلك بقي منهم ما يكفي لاستغلال البلاد وأهلها.
 الطريق إلى «فالْباريزو»
شريط الأرض المحصور بين سلاسل جبال «الآنْديزّ» المقدسة وبين المحيط الهاديء، والبالغ 4300 كم من الطول، والممتَدّ من «البيرو» شمالاً إلى ما تحت «مضيق ماجلاّن» جنوباً، متجاوزاً «أرض النار» إلى آخر قطعة يابسة من القاع في القطب الجنوبي، ذلك هو «تشيلي». وهو بلد ذو جاذبية لا مثيل لها. إنه الجبل الذي يصافح المحيط ماداً أذْرُعه الهضابية له، وباسطاً تحت أقدامه صحراءه الخلاّبة، وكأنه يُغْري ماء المحيط بالطلوع إلى الغيم. الماء التي بلا حدود.
 قبل أن نذهب إلى الجنوب أمرُّ على النهرالذي أُنشِئتْ حوله «سانتياغو». وهو نهر صغير متعدد الفروع يشبه إلى حد بعيد نهر «بَـرَدى» في «دمشق»، واسمه «مابوشو». له غوطة تشبه، هي الأخرى، غوطة الشام. أمرُّ لأرى النهر الصغيرالذي يبدو أهليّاً، قليل الماء، قريباً من القلب، وينقسم إلى مَسالات هي أشبه ما تكون بالنُـهَيْرات الضحلة. ماؤه بيضاء. وحصاه أملس. وجَرَيانه هاديء ومستديم. لكأنه ذاهب لمُـلاقاة قلب الأرض بعد أن تمتّع بالسيلان فوق جسدها النبيل.
منذ أن نترك سانتياغو نقع في الهضاب. هضاب تتوارد نحو الشريط السهليّ وكأنها رُسُل جبال الآنْديزْ المختفية خلف الغمام. للطبيعة نظامها ومحاذيرها. وهذه التي أراها الآن هي أم الفنون. فبدلاً من أن ترسل الجبل العظيم إلى الماء والناس مباشرة، تبعث إليهما الهضبة تلو الهضبة ليتعوّدوا على الأعالي، وليأْلَفوا تدريجياً هذه العينة التي لا مثيل لها في الكون، قبل أن يتجاوزوها نحو قُمَم «الآنديز» المكللة بالثلوج والبراكين.
ويظل السؤال يحاصرني: مَـنْ أتى بالأوربيين إلى هذه الأنحاء القصية والعصية على الترويض وقد كانوا في قلب العالَم القديم يربُضون؟ مَـن، سوى شهوة المغامرة والإكتشاف؟ لكن هذا، كله، كان تراجيدياً. والآن؟
في الطريق إلى «فالباريزو»، صفائح الهضاب مثل أنصال مَسْنونة، تتوالى بلا حدود. لكأن المحيط صقَلَها عمداً على هذا الشكل قبل أن يُلْقي بها على وجه القاع . المحيط الذي يُسَمّى هادئاً.
هضاب بركانية قذفَتْ بها الماء ذات يوم، وتدحْرَجَتْ متلاحقة حتى أسفل نقطة في القطب الجنوبي. الأرض، هي الأُخرى، تَلْحق الإنحدار مثل الماء. بين الهضاب نكتشف الوديان. لأن العلوَّ لا يوجد دون انخفاض. والإنخفاض في الأرض، كما في الجسد، هو مصدر الثروة والخَصْب. وهنا، في هذه الإنخفاضات العظمى، تجمَّع الماء الثريّ، والبشر، والشجر، وأكاد أقول والجَمال. والجمال أصلاً خُصوبة. أما قمـم الجبال الصاعدة نحو السماء فلا تحتاج إلى شيء «ثانويّ» كهذا، لأنها مكتفية بعلوّها حتى ولو كان قاحلاً. أوَليس البشر كذلك، أيضاً؟
في الوديان سَكنَ الهنود. وفي أعالي الجبال تعَبَّدوا.لأن القمة العالية هي السلَّم الذي يقرِّبهم من المقدّس. والمقدّس الهندي قريب من الأرض. إنه بعض «ثمرها»، كما يقولون.
في الوديان بنوا بيوتهم، وتكاثروا، وزرعوا، وعاشوا. ومن موقعهم هذا ظلوا يحلمون بالصعود إلى قمم الجبال للتكلِّم مع الرب. للتحدُّث المنعزل مع الذات. للقاء الطمأنينة التي لم يعرفوها بين الناس. وفي كل مرة يعودون، من رحلتهم هذه، هادئين وقد تخلَّصوا من «نفاياتهم النفسية»، قبل أن يحتقنوا بها، من جديد، فيعاودون الصعود، مرة أخرى.
بابلو نيرودا
في «فالباريزو» سنزور بيت الشاعر «بابلو نيرودا» الحائز على جائزة «نوبل» 1971.
ولد 1904، في مقاطعة حدودية بعيدة، في جنوب التشيلي بالقرب من القطب الجنوبي. أبوه عامل في السكك الحديدية. واسمه الحقيقي : «ريكادو نيفتالي ريّس»، و تَسَمّى أيضاً، بـ «فاسوالْتو» اسم أمه. وقد أتخذ في حياته أكثر من اسم ( يذكرنا هذا بفرناندو بيسوا البرتغالي)، ولكنه اشتهر فقط بـ«بابلو نيرودا». تعرّف وهو فتى على الشاعرة التشيلية الشهيرة: «غابرييلا ميسترال»، وكانت قد حازت قبله على«نوبل» عام 1945، وهي تُعَدُّ بشكل من الأشكال معلمة له.
اشتهر بحبه للنساء. وعاش مع الكثيرات، دون أن يكون مخلصاً لأي منهن. كان فقيراً، ولكنه لم يكن بائساً ولا معدماً. عمل في مهن كثيرة، كان آخرها سفيراً لبلاده في باريس. توفي عام 1973.
مأخوذاً بالودْيان والهضاب ذات الروعة اللامحدودة، ونحن نسير نحو «فالباريزو»، أتساءل: كيف تتحدد الأرض، وما هو دور الهضاب والوديان في جلالها؟ وخارج التناقض الشكلي البسيط بينهما، ماذا يعني هذا اللاتماثل المستمر لعناصر الكون؟ وأي فضاء مرهق للعين سيكون فضاء العالم لو كانت الأرض منبسطة فقط؟ أيكون هذا التكَسُّر، هذا الإنحدار والصعود المتواليان، هذا التناقض الخلاّق الذي نحسه بوضوح في صفائح الأرض العظمى، هو، وحده، مصدر السعادة التي بها تَـمْلأ عيونُنا أنفسَنا الوالهةَ إلى الإختلاف؟ وفي الحقيقة ليس الجَمال سوى شعور الدهشة العميق إزاء مظاهر الكون ( والكائن جزء منها).
«فالْباريزو» مدينة «َيَمَـنيّة». أُريد أن أقول إنها مبنية على شاكلة المعلَّقات المدائنية في اليمن. مدينة مبنية في الريح. العَيْن ترقى إليها قبل العقل. وتتردد الأقدام كثيراً قبل أن تبدأ الزحف الهاديء نحو «أعشاشها» المعلقة في الفراغ. في فراغ هضاب التشيلي المنثورة فوق الأرض كالشآم. أُنْظُرْ! آمر نفسي، وأنا أغمض عينيّ، في الوقت نفسه، رائياً : «تعزْ»، و«شبام»، و«كوكبان»، وبعض مدائن «عدن» السود العالقة كالأعشاش العملاقة في قمم الجبال. أعشاش بَيات الهنود الذين هجروها، ذات يوم، ولم يبقَ على الأرض سوى الحُطامات. أي إغراء أراه، الآن!
أية مدينة هي هذه؟ تكاد تشبه أي شيء؟ الجنة؟ وديان وهضاب وأبنية ملوّنة تخرج من بطن القاع لترقى إلى السماء. إلى قمم هي نفسها جنائن كونية مرمية للبشر ليستأنسوا بها من أجل اكتشاف روح الكون بلا توتر أو ضغينة. ومع ذلك أُبيد أهلها ذات يوم. واسمها الحقيقي «فالْ بارا ئيزو» ( أو وادي الجنة). ياسلام.
أصعد إلى أعلى قمة في الجبل. أرى الماء في الأسفل باهتاً وبعيداً. ومن قاع الوادي تَتَراقى الأبنية الملونة إلى أن تصل إليَّ. إلى القمة التي لافوق لها سوى السماء. أستدير. وأتطلّع. وأرى. تلالا مملوءة بتلال. تلال الأبنية التي تعلو الأبنية الأخفض منها تتراصف مثل ركام أسطوري يريد أن يدفن كوناً عملاقاً ولا يحالفه الحظ. وحدها، الشمس تسطع بهدوء فوق ارتجاجات المحيط الذي لا يتململ ولا يغضب مهما راح من البشر ومهما جاء. بَشَرُه في قلبه. وهو حريص على ألاّ يسمح للمتطفلين بأن يؤذوهم كثيراً. عسى أن يستطيع تحقيق ذلك. ولكن لِـمَ لا؟ أوَلم يكن إلهاً بالنسبة للهنود الذين قَدَّسوه؟
أتساءل، وأنا أعرف الجواب (أحياناً، المعرفة الصامتة لا تكفي. لكأنها ميِّتـَة. الَحيّ بحاجة إلى صوت) أتساءل : كيف وصل الغزاة الأولون إلى هنا؟ ومتى ابتدأوا بإنشاء جذور ما أراه الآن؟ ( هل يكفي السؤال؟). التاريخ ليس تَعاقُب السنين، وإنما هو تراكُمُ الآثار. ومَنْ لا أثَرَ له ليس له تاريخ. فهمت.
فجأة، ينقشع الغمام عن أعالي الهضاب، وتأخذ ألوان البنايات بالسطوع وكأنها تريد أن تزهو بنفسها بعد أن امتلأت بنور الشمس. بنايات «فالباريزو» أعجوبة التشيلي الحقيقية. ألوان وأساطير تملأ فضاء هذه المدينة التي تشبه في وجه من وجوهها مدينة «عَمّان» الأردنية. وإذا كانت «عَمّان» سوداء، وشهباء، وأحياناً بلالون، فإن هذه مَـنْجم لونيّ لا يُقارن. لها أشكال وأحجام من اللون والإشعاع. لكأن الفضاء، فضاءها، لا يستقيم وجوده إلاّ باللون والنور. حتى الشمس تبدو من علٍ وكأنها إحدى التزيينات اليومية لهذه المدينة التي بلا نظير. وكل ذلك من أجل أن يشعر الزائر بالسعادة : سعادة ألوان الطيف اللامحدودة.
غياب اللون بلادة.
بلادة حقيقية، تجعل الكائن يشبه الحجر، والأرض تشبه التراب. سَكَن الكائن هو الكائن نفسه. هذا ما صرتُ مقتنعاً به في «فالباريزو». والعربي القديم الذي سَكَن بيت الشَعر ذا اللون الواحد لقرون طويلة، لم يتغيّر إحساسه اللَّوْنيّ، ولا شعوره بالضوء ( ألأن ضوء الشمس الباهر ضَأََّل الفُروق لديه؟) عندما حوَتْه ألْواح الحجر والطين في المدن الكثيرة. لكأنه يستحي من التعبير عن مشاعره اللونية. بيوتنا تكاد تكون أضْرِحة، وهي هنا جِنان.
 لِنتجاوَزْ حالات البذخ في القصور والمضافات. إننا نتكلم هنا عن مدينة «هامشية» أنقذَتْها ألوانها من الإهمال. وألوانها تشبه إلى حد بعيد ألوان أحياء التانغو التاريخية البائسة في «بوينس ايرس» في الأرجنتين. وهو ما يجعلنا نحس أننا نشارك السكان بعض ما يسكنون : ألوان بيوتهم.
لَوِّنوا بيوتكم قبل أن يأخذكم السيل. سيل الزمان الذي لا يُفِّرق الأسود عن الأبيض.
في أعلى الهضبة المركزية في «فالباريزو» سنزور بيت الشاعر التشيلي الشهير، كما قيل من قبل، «بابلو نيرودا». منزل جميل مصمم على هيئة باخرة عملاقة بطوابق ثلاث. «بابلو نيرودا» كان يحب البحر، ولكنه يخشى السفر في البواخر. ولذا بنى هذا البيت الباخرة، في أعلى قمة على المحيط الهاديء ليعيش فيه. وكان عندما يشرب، و«ينبسط»، يقول لأصحابه :«أرأيتم! يمكن أن نُصاب بدُوار البحر دون أن نكون مضطرين للركوب في باخرة». وقد أصبح اليوم متحفاً يضمّ مخلفات الشاعر وأغراضه وأثاثه.
أمام البيت الباخرة أقف طويلاً متأملاً الفضاء الرائع، والمحيط الهاديء، وأعالى الهضاب المحيطة به، وأتذكَّر أسماء نظائر «بيسوا» وأحدها المدعو: «ريكادو ريس». وبالاسم نفسه رواية للبرتغالي الآخر، حائز جائزة نوبل : «ساراماغو»، والتي تدور أحداثها حول «ثنائية» «فيرنانْدو بيسوا».
«بابلو نيرودا» يتربع فوق المحيط الهاديء، وفمه ممتليء بالضحك. بضحك كبير وسعيد. كان يحب الحياة كثيرا. ولقد شَرحَتْ صَدْره لهذه الفضيلة «غابرييلا ميسترال» شاعرة البؤساء والرعاة، عندما كان «غضّ الإهاب». وحفظ الدرس جيداً. لا بد أنه يتذكّر، الآن، في غمرة الضحك السعيد، النساء الكثيرات اللواتي عشقهنّ بلا إخلاص. وانتقل من واحدة إلى أخرى دون تأنيب ضمير. لقد كان قلبه مُفْعَماً بحب الإنسانية وليس فيه مكان للهفوات.
وأجدني أُردد، في باحة بيته الجميل : «أُرْقُدْ بسلام، سيدي بابلو نيرودا. بعد أن تَمَتَّعْتَ بحياتكَ، تَمتَّع الآن بموتك».
في متحف «الآنكا»
اليوم شمس. «سانتياغو» مشرقة وهادئة. يوم مشرق في «سانتياغو» لا يعادله يوم آخر في أي مكان سوى في «دمشق». الأشجار تضحك وكأنها نسيت المجزرة. والعابرون يسيرون ببطء وكأنهم خارجون من قدّاس. الشوارع نصف خالية، ونظافتها تملأ العَيّن. أمشي، وأقف، وأمشي من جديد. أنا في طريقي إلى متحف «الآنْكا». متحف الآثار ما قبل الكولومبية. آثار الحُقَب قبل أن يطأ هذه الأرض «كريستوف كولومبس».
أمام التحف المعروضة والتماثيل، الآثار الفنية العالية، والإحترافات الدقيقة التي لا مثيل لها، نكتشف كم كانت حضارتهم البائدة عظيمة. ندرك أن الإبادة كانت للإنسانية، قبل أن تكون «للمايا».
تماثيل من الفخار الملوّن بألوان خارقة وبأشكال دقيقة للغاية، ألوان جميلة وحيَّة لا زالت تثير دهشتنا وإعجابنا. تماثيل لآلهتم وخيولهم وحيواناتهم وثقافتهم وفنونهم، أية روعة معروضة لنا الآن؟ لقد كانوا شعباً عظيماً، عميق الثقة بالنفس وبالوجود. ولكن الغزاة الجَهَلَة القادمين من «غرب» يغرق في الظُلُمات، دمَّروا كل شيء. ولم يبقَ لنا من تلك الحضارة إلا حُطامها. حضارة كانت شديدة الإعتداد باعتقاداتها وبذاتها.
كانوا يمضغون «القات»، أو «الكوكا»، كما هي الحال في اليَمَن، اليوم. ونشعر بالدهشة أمام لُغودهم المنفوخة من شدة حَشْوها بالقات. وكانوا قبل أن يَدْحسوا الأوراق الخضراءفي أفواههم ينفخون عليها وهم يقدِّمونها للشمس، تقَرُّباً منها. فقد كانت الشمس إحدى معبوداتهم. ونلقى الجماجم المشوَّهة «بمَطِّها» طلباً للجمال، كما عند الفراعنة ذوي الرؤوس المتطاوالة إلى الأعلى والخلف. ونقف مشدوهين أمام «السفنْكِسْ»، أو «أبو الهول» الفرعوني، مصَغَّراً.
ومما يثير الإعجاب هي أُنوفهم العظيمة (مثل أنفي). مثل أُنوف أهل الصحراء العربية التي خُلِقَتْ لِـتَعُبّ الهواء عَبّاً. ولا بد أن حياتهم في الصحارى القاسية، وفوق سلاسل جبال الآنديز، يجعلهم بحاجة دائمة إلى متَّسع من الريح. كذلك نقف بعجب أمام آلات الموسيقى البدائية، ولكن الشديدة الدقة التي كانوا يستخدمونها. آثار تدل على قوم متميّزين في تصوّرهم للعالم وللوجود، وفي احترامهم لأنظمة الكون.
«الآنكا»، «الآسْتيكْ»، «المايا»، شعوب بادتْ، أو تكاد، ومع ذلك، خَلَّفَتْ حضارة لا مثيل لها بالنسبة لمَـنْ هو في موضع التقدير. ونفهم، اليوم، كَمْ تأثَّر «بيكاسو» بهذه الحضارة وبفنونها،عندما نرى إلى الأقنعة ذات البساطة الهائلة، والتعابير اللامحدودة التي تتجلّى على قَسَمات تماثيلها.
ثُقْبان، وقوس، وخط بينهما، وتحس بالحياة تتفجّر أمام عينيك المدهوشتين. تحس بالغبطة تخترق الحجر المنحوت لتصل إليك. وسنرى، أخيراً، «المومياء» التي أخترعوها، ومارسوها منذ 8000 عام ( قبل الفراعنة؟)
ولكن، لماذا كانوا يشعلون النيران في الغروب؟ ولماذا كان أبي عندما يعود من البرية مساء، ويرى الظلام الباديء في الصحراء الفاحشة القسوة، يصير ينادي، يكاد أن يصرخ : «اشعلوا النار. اشعلوا النار»؟ وكان عندما يريد أن يصف الموت، يقول : «فلان انطفأت ناره». أي سحر للنار على الأقوام البرية، حتى لا نقول البدائية؟ وأي أثر لها في نفوس الذين يتحلقون حولها صامتين؟ ولا بد أن الدهشة القوية التي اعترت «ماجلاّن»، صاحب المضيق المشهور في أسفل الأرض، عندما رأى النيران في الغروب ترسل ألسنة لهبها العالية في الفضاء، حين مَرَّ بالقرب من القطب الجنوبي، هي التي دفعته لأن يسمّيها «أرض النار». ولم يكن يحسب أن الهنود هم الذين كانوا يشعلونها ( مثل أبي) لغاية ذات طبيعة تقديسية. ولكن ما هي هذه الغاية؟ وإلى أي زمن سحيق يمكن أن تقودنا؟
في المتحف الشهير المخصص للفترة التي تسبق وصول «كولومبس»، نستمع مدهوشين إلى شرح الدليل حول أهمية الخرز الأزرق ( الخرزة الزرقاء في ثقافتنا الشعبية): «لابيسْ لازولي». وهو حجر استخدم منذ القدم للسحر وللتجميل. ومنه صنع «أخناتونْ» الفرعون التوحيدي الشهير، لنفسه لَـبَّة، أو طوقاً، يتَزَيَّن بها. وكانت «كليوباترا» تتكَحَّل بذُروره. وتعد التشيلي، اليوم، من أهم البلاد التي تنتجه، مع «أفغانستان».
«كان اليوم جميلاً يشبه أيام دمشق».
شمس، وهدوء، وشجر غافل عن مرور الزمن، ونساء ممتلئات يمشين الهوَيْنى، والضوء ساطع ورحيم. لكأننا في ربيع دمشق، مع أن الوقت الكوني هو أواخر نوفمبر. وأجدني أسير متبختراً، وأنا أتمتم بكلمات.
ما يعطي الكون روحه الحقيقية هي الشمس. الشمس التي تُفَرِّق بين الشارِق والغارِب. وهي عندما تغدق نورها على العالَم يغدو الوجود بلا عدم. وأصير أَتَـذَبْذب، وأنا ُأتابع السير بهدوء متملِّياً الآلاء حولي: بثور الربيع الدمشقية التي كنتُ أراها صغيراً. وأكاد أرى سعادتي ترقص في فضاء «سانتياغو» الممتلئ بالنور.
وحدي، في «سانتياغو» استعيد ذكريات الهجوم البربري على قصر «لامونيدا»، حيث كان «أليندي» وعائلته، ومساعدوه. ويُذكَر أنه عندما أدرك أن «النهاية» لا مفر منها، قال لهم : «اخرجوا. سأغلق الأبواب وألحق بكم». وأغلق باب حياته بطلقة (وربما كان أحد آخر مَنْ أطلق النار). لا يهمّ. المهم أن عملاً مأساويا كهذا يفصل عصراً عن عصر. يخلق مفهومات جديدة، ويُلقي بغيرها إلى العدم. ولا تعود الحياة كما كانت.
رغم شقاء ذكرياتي، سعيد أنا اليوم بحياتي. أحب الشمس عندما تكون كريمة. وأمتلئ بنوع من الفيض، فيض سعادة غافية في القلب، عندما أتحقق من أنني لازلتُ حيّاً. أريد أن أرى العالم، كله، بلا استثناء. أحب أن أصير ريحاً.
 تحت شمس سانتياغو الرائعة، أتذكّر ماكان يقوله أبي: «أمْسَيْنا اليوم هنا، وغداً أين ُنَمْسي»؟ ويصير يُمَسِّد قدمه السوداء الكبيرة، وقد أثْخَنها الحَـفى، وكثرة المسير، سائلاً إياها: «كم أرضاً مشيتِ»؟ ويتابع حواره معها بمودة، وكأنه يريد أن يطمئنها: «نامي الآن، وغداً سوف نَسْري». إلى أي الأصقاع كان يريد أن يصل؟ وأي طعم للأرض في مسامه يدفعه دائماً إلى المزيد من الرحيل؟
لكنه لم يكن بحاجة إلى ذريعة ميتافيزيقية لكي يؤكِّد ضرورة السفر. حكمته كانت بسيطة : «لا يفهم الأرض إلاّ مَنْ يمشيها». يقول. يكرر القول. وأكون لابِداً تحت إبطه مثل جرْو صغير.
«أرض النار»
هذا الصباح، سنسافر إلى الصحراء التشيلية، ذات العجائب الكثيرة : صحراء «آتاكاما» التي تُطاوِل سلاسل جبال «الآنْديز» منذ بداياتها إلى نهاياتها في القطب الجنوبي للكوكب الأرضي.
 وكما أوضح علماء البيئة والجيولوجيا، حديثاً، يستحسن استعمال عبارة : «الكوكب الأرضي»، على التسميات «الدينية» القديمة، مثل الأرض، واليابسة (تذكيرًا بالطوفان)، والقاع ( تذكيراً بالسماء)، والكرة الأرضية، وغيرها. لأن الاكتشافات الحديثة بيَّنَتْ كم هو شديد الوسع واللامحدودية هذا«الكوزموس»، أوهذا «الكون». وليست الأرض، أقصد «الكوكب الأرضي» إلا ذرة في رماله. ويقولون أننا لا نستطيع حتى مقارنتها بذرة رمل إذا ما أخذنا في اعتبارنا بعض ما يحتويه مركب الكوزموس اللامتناهي من كواكب وضَخامات. لنعُدْ إلى الأرض.
جبال الآنديز هي العمود الفقري للقارة. وهي صلة الوصل لكل بلدان الجزء الجنوبي من القارة الأمريكية. وعبْرها تصعد الدروب حتى «آلاسكا» في القطب الشمالي للكوكب. تبدأ من أقصى الشمال فوق «بوليفيا»، وتنحدر مطاولة ماء المحيط حتى أرض النار في الجنوب.
تبدأ عالية وشامخة ومليئة ببؤر البراكين الحيَّة والميتة، أو «المقتولة» حسب المعتقدات الهندية. لأن بركاناً «فَحْلاً» يمكن أن يقطع رأس بركان آخر أقلَّ فُحولة منه، أي أقل عنجهية وارتفاعاً، وخاصة إذا كان مجاوراً له. وهي تكون، في البدء، متعددة الأنواء والمشاهد والقمم، ولها صفحات أرضية عجيبة تكاد أن تَقْرأ عليها تاريخ الكوزموس. وشيئاً فشيئاً تتَطامَنْ كلما انْحَدَرَتْ نحو الجنوب حتى تتحَوَّل، عند«كابْ دو هورْنْ»، إلى فُتاتٍ جبلية متناثرة، وهضاب متفرقة لا هيبة لها وإن كانت مملوءة بالجَمال، وجُزُر صغيرة محدودة، قبل أن تغرق في ماء المحيط. أريد أن أقول «المحيطات»، لأن التقاء الماء بالماء لا حدود له، وإن كان البحارة الشياطين أعطوا لكل بقعة من الماء فوق سطح الكوكب الأرضي إسمًا.
تعتبر «آتاكاما» الصحراء التشيلية من أقسى صحارى «الكوكب الأرضي». وكان «ماجلاّنْ،» العنيد، الذي هو في الأصل بحار برتغالي، ولكن يعمل في خدمة الأمبراطورية الاسبانية، أول مَنْ لاحظ أرض التشيلي العجيبة، وقرر اكتشافها، وسَبْرها من أجل تجارة البهارات التي كانت مطلوبة جداً في ذلك الوقت.
 وقد كان هو نفسه يبحث عن مَعْبَر، أو قناة إتصال، أو منْفَذ، أو ممر بحري يسمح له بعبور القارة الجديدة دون أن يكون مضطرًا للدَوَران حول الأرض. وعندما وجد بالصدفة مضيقاً جنوبيًا سَلَكَه. وهذا المضيق قاده من «بحر الظُلمات» الذي أرعب البحارة العرب عندما رأوه، إلى بحر آخر جديد أكثر هدوءًا وأقل اضطرابًا، سَمّاه : «المحيط المسالم»، أو المحيط الهاديء. وسُمِّيَ المضيق الذي اتخذه طريقاً بـ«مضيق ماجلاّن».
وعلى طول الطريق المضيقيّ كان الهنود يشعلون النيران فوق الأكمات، وتنعكس الُّلهابات المنطلقة من النار على صفحات الماء، فظَنّ «ماجلاّن» أن الأرض هي التي تقذف نيرانها، فسمّاها: «أرض النار». وما هي، في الحقيقة، إلاّ النَثْرات الأخيرة الباقية من جبال الآنديز قبل أن يبتلعها ماء المحيط في أقصى نقطة من جنوب الكوكب الأرضيّ.
 هكذا نرى أن تاريخ الإنسانية يتلخَّص بأمرين : التجارة والإكتشاف.
علامات
في التشيلي اُكِتشفتْ أقدم مومياء في العالم، تعود إلى حوالي 8000 سنة قبل الميلاد.
تشتهر البلاد بمناجم النحاس العديدة والغنية بالمعادن، فيها أكبر بركان في العالم.
وعلى أرضها توجد أعمق حفرة في الأرض.
وفي أعالي جبال «الآنْديزْ» توجد أعلى بحيرة وأصغرها على سطح الكوكب الأرضي، بالقرب من «البيرو».
«سانتياغو دي تشيلي» ستة ملايين. طولها 60 كيلومتراً. وعرضها 40كم.
أحياؤها الفقيرة، ومدن الصفيح، تحيط بها وتمتد إلى مالانهاية.
وقد أُنشِئتْ المدينة حول نهر «مابوشو». وهو نهر صغير يشبه «بَرَدى» في «دمشق». ماؤه وَحْليّ، أحمر، وسريع الجريان. ينحدر من جبال «الآنديز» جارفاً مخلفات التربة الغنية بنثار المعادن والأملاح. وهو ما يعطيه اللون الَّلحْميّ الخاص به، وذاك الملمس الثخين. لكأن ماءه مخلوطة بالشوكولاته.
حول «سانتياغو» تتمركز مزارع العنب، وكهوف الخمور العملاقة التي أنشأها المستعمرون الأوائل. وهي اليوم تحتوي على أشهر الخمور وأعذبها. ومنها كهوف «دونْ مالْكيورْ»، وكهوف «كونشا إيْ تورْ».
«كالاما»
جمال الطبيعة المحصورة بين «الباسيفيك» و«الآنديز» لا يدع مجالاً للشك. وسيذكرني الفضاء المتخم بالروعة بغوطة دمشق، كثيراً. بدمشق وضواحيها. وبخاصة نور الشمس التشيلية ذات اللون الفضي، ذلك النور الباهر الذي يبدو وكأنه انعكس للتو على رقرقات «بردى». يؤكد ذلك الإحساسَ الخارقَ بالسعادة، مشهدُ قمم «الآنديز» المكللة بالثلوج. وأصير أتملّى الفضاء بأبهة وكأنني أفيق قبل الفجر تحت أقدام «جبل الشيخ».
قبل أن نأخذ الطائرة للذهاب إلى أقصى الشمال التشيليّ، حيث الصحراء الكونية العظمى تطاول سلاسل الجبال المتدرِّجة من أقصى الشمال إلى آخر نقطة في جنوب الكون، سنتغدى في مطعم «لا فاشيتا إيشا»( البقرة المستلقية)، بالقرب من كروم العنب، وكهوف النبيذ، المتمركزة حول «سانتياغو».
في الصحراء القَحول هبطنا.
في الصحراء التشيلية الشديدة الجفاف، هبطنا في مطار «كالاما». مطار أُنشيء لاستقبال عمال مناجم النحاس والمعادن الأخرى في أعلى الصحراء. وعندما حطت الطائرة وخرجنا تذكرت الكلمات الأولى من رواية «البلدة الأخرى» لــ«إبراهيم عبد المجيد»: «وفجأة رأيت الصمت».
كانت الشمس تميل للغروب مثل فتاة عاشقة تلقي برأسها على كتف حبيبها. وحبيب هذه هو الجبل. الجبل الذي يحيط بالقارة مثل أفعى تمد ذيلها إلى ما لا نهاية.
أقــف
لا أتبع الماشين. أشرب المنظر كله مثل ماء عذب يدلقه الظامئ فوق قلبه، ولا يُروى.
أقف طويلاً. أرى الغروب الآخذ بالنزول من أعالي الكون. أتساءل : هنا أيضاً تغرب الشمس؟ بعد أن قطعنا الكوكب الأرضي من المشرق إلى المغرب، نقع في الغروب، أيضاً؟ ولكن أين هي «العين الحمئة»؟
يمشون، وأقف.
أريد أن آكل الأرض.
أمام مشهد الغروب الصحراويّ الآسر تخيفني تفاهة الوجود.
وأعرف أن هذا هو مكاني.
حتى السكون يغدو حركة
الصحراء التشيلية! تعالوا ترَوا عجباً. هذه الصحراء الآسرة ليست من عجائب الدنيا، وإنما هي من عجائب الكون. ضوء، وزمرد، وياقوت. ألوان صحراوية خرافية تنقلها الريح الجافة مثل لَهَب منثور.
الأفق بعيد. السماء في متناول اليد. الأرض تتلَوّى بغنج تحت أشعة الشمس الساكنة في قبة الكون. الكائن هنا ليس في معزل عن عناصر الكون الأخرى، وإنما هو جزء منها. يحس بنفسه مثل هذا الحجر المرمي، ولكن في مكانه. عبقرية الوجود لم تعد الكلمات قادرة على التعبير عنها، وإنما البصر الذي يرتئيها.
الوقت عصراً. الفضاء ممتليء بالضوء. والضوء يحمل آلاف الإشارات. وأكاد أتساءل: ماحاجة الكائن إلى كل هذا القدر من الروعة؟
حتى السُكون يغدو حركة
غمام أوروبا عوّدنا على العتمة حتى في النهار. وهنا نكتشف بعداً آخر للطبيعة: البعد الضوئيّ. أو البعد «النورانيّ» بالمعنى الصوفي البسيط. وهو شيء خارق. لأن النور ينبثق من القاع. يتفرّق بلاتمييز في الفضاء. يشمل أنحاء المرئيات، كلها، بالتساوي وكأنه موكل بإنارة هيئاتها ليغدو وجودها غير قابل للإفلات منه.
ثمة الجبل، والصحراء، وذوائب الشجر، والزواحف البَرّاقة، والتراب، ونثار المعادن، كلها تتلَقّى القدر نفسه من الضوء. وكل حسب مساحة كيانه، وحاجته.
هنا، في بداية هذه الصحراء الخرافية، ننسى البعد الجمالي للضوء، لأنه يبهرنا على الفور من قوته، ومن شدة استيعابه للبصر. لكأنه يَلْقُف العَيْن قبل أن تحط على المرئيات.
حُدَيْبات الهضاب العالية، الأقرب إلى الشمس، والأبعد من الأفق، وحدها تفلت من حصار الضوء، وتُلقي ببعض ظلالها على الأرض. وللظلال مهمة ترسيمية. إنها توحي للرائي بمدى العظمة التي تتمتّع بها هذه الهضاب الصاعدة نحو الغيم.
وأصير أُتمتِم : لتحل نعمة الله على الصحراء.
«كالاما» مدينة مهجع. بنايات مصطنعة للنوم . إقامات ملونه من الإسمنت في أعالي الكون. يؤمها عمّال المناجم والمشردون. وهي قد أُنشئت بالقرب من واحة صغيرة، لاقيمة لها في هذا الفضاء المحترق بالنور. فوقها، تماماً، في الأعلى قليلاً، أشتات من جبال الآنديز التي تاهت في هذه الصحراء العظمى، قبل أن يلتقِطَها المحيط.
ما يشفع لهذا العدم الخلاّق هو الضوء المفعم بالحياة. ضوء تراه يتحرك أمامك، وكأنه يدلُّك على الطريق. طريق الجحيم الغارق في الجَمال. إنه نور الرب الذي صَبَّه على الصحراء. ضوء يوحي للكائن بأنه أقرب ما يكون إلى الأعلى. ولولا الخشية من الحاضرين لتَكلَّم مع الغيب. وتكلَّم مع ذلك. ولكن هل لكلام القلب صدى؟ وأي صدى يمكنه أن يقاوم مثل هذا الجَلال؟؟ وأصير أُثرثر بمتعة حسية، متوجهاً إليه: «ترَيَّثْ قليلاً، فالضوء قادم».
مناجم النحاس التشيلية هائلة. قطرها عدة كيلومترات، وعمقها أيضاً. العمل فيها مستمر طيلة اليوم، وكل أيام السنة بلا توقف. عدد العمال فيها يقدر بعشرات الأُلوف. أممها «أليندي» عام 1971، وكان ذلك أحد أسباب موته.
سلاسل جبال الآنديز التشيلية هي أحدث الجبال على الكوكب الأرضي (حسب الجيولوجيين). انشقّ عنها المحيط منذ حوالي 620 مليون عام. طولها 6000 آلاف كيلومتر، والقسم التشيلي منها طوله حوالي 4300 كيلومتر. تنحدر من أقصى الشمال إلى آخر نقطة من الأرض في القطب الجنوبي. وتعتبرهذه الجبال الأسطورية ُلْحـمَة القارةالأمريكية وسُداها.
جبال «الآنديز» مليئة بالبراكين. هناك المِئات من البُؤر البركانية فيها. منها ما هو ناشط، ومنها ما هو الآن في حالة كُمون. وعلماء البراكين لم يعودوا يستعملون، الآن، كلمة «بركان خامد»، لأن أي بركان يمكن أن يستيقظ في أي وقت.
سر هذه الصحراء اللامثيل لها يمكن في التواطؤ المعقود بين «الآنديز»، وبين «المحيط الهاديء»، والصحراء، نفسها. إنه تواطؤ ثلاثيّ الأبعاد، وهو لذلك يقتضي منا الكثير من التمعّن لإدراكه.
إنها صحراء قاحلة. قاحلة بشدة. حتى الزواحف لا تسكنها، أو تكاد. نَوْؤها شديد الجفاف، إلى درجة أنك تحس بأغشيتك المخاطية تغدو مثل الرُقَع اليابسة. فمك، وأنفك، وأشياؤك الأخرى، كلها، تجفُّ وكأنها عُرِضَتْ على نار هادئة، ولمدة طويلة. ولشساعتها، فإن مناخها متباين ومختلف بشكل كبير.
إنها صحراء بلا واحات، بلا أحياء «مرئية»، أو زواحف. ولا يؤمُّها من الطَيْر سوى اللقالق الوردية (فلامانْ روزْ). وبعد أيام من السَيْر فيها والإقامة لمْ أَرَ إلاّ ثُعَيْلِباً واحداً هزيلاً جاء يبحث عن الفُتات الذي خَـلَّفْناه. «ثعلبي الجميل» ظل يربض في مواجهتنا بهدوء، منتظراً بفارغ الصبر، أن نترك المكان. ومن أجله تركناه.
أكثر من مرة، كنتُ أصعد الأعالي، ضارباً في الفضاء بحدة بصري، باحثاً عن زَوْل أو مآل، دون جدوى. لاشيء يملأ فضاء هذه الصحراء العظمى سوى الريح، والغبار الناعم، والجفاف.
باركها الله.

j مقطع من نص طويل عن تشيلي وصحراء «آتاكاما» في شمالها.
 
خليــل النعيــمــي
روائي من سورية يقيم في فرنسا

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …