أخبار عاجلة

تـقــاعـد جـنـــرال(1) للكاتب: نْغــــويّين هُويْ ثيِّيبْ

تقديم: 
ولد الكاتب الفيتنامي نْغـويّين هُويْ ثيِّيبْ Ngyyên Huy Thiêp، في العاصمة هانوي سنة 1950. تخصص أولاً في دراسة التاريخ بجامعة هانوي البيداغوجية، إلا أنه ما لبث أن انشدّ الى الفنون الجميلة، فكتب بعد تخرجه من الجامعة، الأدبَ: قصةً وروايةً ومسرحاً. ويعدّ نغويّين هُويْ ثيِّيبْ اليوم، واحداً من أبرز كُتّاب الجيل الجديد، الذين ظلوا يلحون على الرغبة في التميز والانزياح، عن ضوابط المدّ الواقعي الاشتراكي في الكتابة.
وقد أحدثت قصته «تقاعد جنرال»، التي نشرها في مجموعة تحمل نفس العنوان، في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، ضجةً كبيرة في بلده، وزلزالاً رجّ بعنف وقوة الرأي العام الفيتنامي، غداة انعقاد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الفيتنامي، تحت يافطة «التجديد»، صيف سنة 1987.
وتستمدّ قصة تقاعـد جـنرال قوتها وتميزها، من واقعيتها الحادة، الى بلغت حدّ النخس الغائر. إنها قصة لا تترك محايداً، وإنما هي تفعل فيك فعلها الخادش، لما تصوره من بذاءة وفظاظة، سرعان ما انتشرت كالفُطر في مجتمع الفيتنام المعاصر. فقد كتبها نْغـويّين هُويْ ثيِّيبْ بطريقة مقتصدة في التعبير، تعتمد الجملة القصيرة المتوترة، وتتكئ على التلميح أكثر من التصريح، وتراهن على الكشف عن تناقضات المجتمع الفيتنامي ما بعد الثورة، ضمن إطار أسروي صغير يجمع بين ثلاثة أجيال: الجدّ، والأبناء، والحفدة. يمثل الجدّ وكان جنرالا بالجيش «حارس القيم» المرتبطة بزمن الثورة، بينما يمثل الأبناء جيلاً جديداً، نشأ ليستفيد من الوضع الذي حققته الثورة، لا يؤمن بقيمة أخرى غير البحث عن سبل الكسب المادي، أما جيل الأحفاد فهو جيل العولمة، الذي يختلف عن الجيلين السابقين، لأن روابطه مع تاريخ بلده، ومع لغتها وثقافتها، تكاد تكون منقطعة بالكامل!
للكاتب الفيتنامي نْغـويّين هُويْ ثيِّيبْ، ربيرتوارٌ متنوعٌ من المؤلفات الأدبية، يجمع بين المسرح والرواية والقصة القصيرة. فمن مجاميعه القصصية، نذكر: تقاعد جنرال، وقد صدرت بالفرنسية سنة 1990. وقلب النّمر، 1995. وانتقام الذئب، 1997. وحكاية حبّ في مساء ماطر، 1999. والذهب والنار، 2002. وعمّي هواتْ، 2008. والآنسة سنيت وقصص أخرى، 2010. أما مسرحياته، فأهمها: الجنّ يحيون بيننا، 1996. ومنبع زلال وهادئ، 2002. وله في الرواية: لنشرب نخب سنّ العشرين، 2005. 
ونظراً للأهمية الكبرى لهذا النص القصصي، سواء في فيتنام أو خارجها، وهو بالمناسبة من بين أشهر نصوص الكاتب على الإطلاق، وأكثرها تداولاً في حظيرة الآداب العالمية، فإننا ارتأينا نقله اليوم الى القارئ العربي، ليس من اللغة الفيتنامية للأسف، وإنما من خلال اللغة الفرنسية وحسب، معتمدين في ذلك على ترجمة أنجزتها كيم لوفيفر Kim Lefèvre، هي مترجمة فرنسية نشأت وترعرعت في فيتنام، ثم انتقلت للاستقرار بعد ذلك، الى فرنسا.
النص:
بكتابة هذه الأسْطر، أكون قد أيقظتُ لدى بعض الأصدقاء، مشاعرَ وأحاسيسَ عفا عليها الزمان، مثلما أكون قد عرّضْتُ قبرَ والدي الغارقِ في صمته، للتّدنيس. لقد اضطررتُ الى التصرفِ هكذا اضطراراً. ومن ثمة، فإني ألتمسُ من القارئ الكريم، أن يصفحَ عن ريشتي الخرقاء، على الأقل باسم بعض دواعي الكتابةِ المستغورةِ في النفوس، وهو كلُّ ما حرّكني كي أقدِم على هذا الفعل، ما دام أن همّي هو، أولاً وقبل أي شيء، الدفاع عن ذاكرة الوالد.
 كان والدي يُدعى ثْيُوانْ. وكان بِكْرَ أسرةِ آل نْغويِّين. وقد ظلّ آلُ نْغويّين يكوّنون في قريتنا، عائلةً ممتدة الأفراد، بحيث يحتلّ عددُ الذكور المنحدرين من صُلبها، موقعَ الصدارة في القرية كلها، لأن ما من عائلة أخرى استطاعت أن تبزّ آل نْغويّين في العدّ والعدد، وتتجاوز من ثمة مجموع الذكور لديهم، باستثناء عائلة فْيّ ربما.
 درَسَ جدي من جهة الوالد، اللغةَ الصِّينية القديمة، قبل أنْ يصيرَ معلمَ مدرسة. وكانتْ له زوجتان. ماتتِ الأولى بعد أيام قليلة من تاريخ وضْعها للوالد، فأُجْبرَ على الزواج للمرة الثانية. وكانت زوجتُه الثانية تعملُ في تنظيف الملابس. أنا لم أعرفها أبداً، وإنما سمعتُ عنها أنها كانت امرأة متسلّطة، وشرسة للغاية. لذلك، أكاد لا أشكُّ في أنّ والدي قد يكون تعرضَ لمعاملة قاسية في طفولته، لا سيما أنه عاش تحت كنف هذه المرأة، التي كانت زوجة أبيه. إذ ما أن بلغ سنّ الثانية عشرة، حتى فرّ من البيت، وانخرط في سلك الجندية، ولم يكن يعود الى البيت، إلا في النادر.
 عاد والدي في حوالي سنة (…) الى القرية، لكي يتزوج. لم يكن ذلك زواج والدي زواجاً نابعاً بحق وحقيقة عن تجربة في الحبّ. إذ لم تكن لديه سوى إجازة بعشرة أيام، هي كل المدة الزمنية التي رُخّصَ له بها، بينما ظلت تنتظره فيها حزمةٌ من الأشغال، التي كان ينبغي عليه قضاءها. في حين يتطلب الحبّ وقتاً أكبر، حتى يحصل.
 لقد ترعْرَعتُ من دون أن أعرف أي شيء يذكر عن والدي. وإني لأفترض أن أمي هي الأخرى، لم تكن تعرفه بما يكفي. فقد ظلت حياته بكاملها، مُكرّسة للحرب والسلاح. ثم اشتغلتُ بعد ذلك، وتزوجتُ، وأنجبتُ. في حين ظلت أمي تكبر، وتهرم هي الأخرى، بينما ظلّ والدي غائباً. صحيح أنه كان يمرّ في بعض الأحيان على بيتنا، إلا أن ذلك لم يكن يتعدّى بعض المُدَد الزمنية القصيرة. بل حتى الرسائل التي كان يبعث بها إلينا، ما كانت سوى كلام شديد الاختصار، إلا أني كنتُ أستطيعُ مع ذلك، أن أقرأ بين سطوره تلك العاطفة الرقيقة، التي ظل هو يسبغها علينا، كما أني كنتُ أتعرف في كلامه على تلك المشاغل، التي ظلت تستبد به حيالنا، وإزاء ما كنّا نواجهه من صروف.
 أنا الابن الأوحد لوالدي. لذلك، فإنني مدين له بكل شيء. إذ بفضله، استطعتُ أن أدرس، وأن أسافر الى الخارج. ثم إنه هو أيضاً مَن سهر علينا، حتى لا ينقصنا شيء. وكان بيتي يقع في ضاحية المدينة، شيّدته قبل أن يُحال والدي على التقاعد، بثماني سنوات. إنه بيت جميل بحديقة، غير أنه غير مريح بشكل كبير. بنيته وفق تصميمِ مهندسٍ مشهورٍ من أصدقاء والدي، عَمِل عقيداً في الجيش، وتخصّصَ في البناء العسكري.
 لما بلغ والدي سنّ السبعين، أحيل على المعاش. وكان حينها، برتبة جنرال. وكنتُ أنا أنتظرُ عودته الى البيت بفارغ الصبر، إلا أن عودته ما فتئت أن رجّتْني. فقد فقدَتْ أمي (وهي امرأة تكبر الوالد بستّ سنوات) رُشدَها، وبقيتُ أنا العنصر الوحيد في مجموع العائلة، الذي تفاعل بفرط التأثر، مع حادث تقاعده. فبنتاي كانت وقتها صغيرتين، ولم تكن زوجتي بالذات تعرف والدي سوى بشكل عابر، لأن أخباره بقيت مفقودة، لمّا كنّا قد تزوجنا. إذ كانت الحرب وقتها، قائمة. ومع كل ذلك، بقي الوالد بالنسبة للجميع، مثال الشرف وموضع افتخار. زدْ على ذلك، أن اسمه قد ظل محلّ تقدير، في القرية كلها.
 حلّ الوالد بين ظهرانينا، ولم يكن معه سوى متاع قليل، إلا أنه كان يتمتع بصحة جيدة. «لقد أنجزتُ في حياتي، أشياء مهمة»، قال، ثم انخرط في الضحك. بعد ذلك، سرَتْ فرحةُ عودته بين جميع أفراد العائلة، فمكثنا لأسبوعين اثنين على التوالي، أشبه ما نكون بسكارى، لا نعبأ على الإطلاق بالوقت. إذ كنّا في بعض الأحيان، نتجاوز حدود منتصف الليل، ونحن لم نتعشّ بعد. كما ظل الضيوف يتقاطرون على بيتنا. وكانت زوجتي تردّد بأن من غير الممكن، أن نترك الأمور تمضي بتلك الكيفية غير المنظمة. وعلى الرغم من كلامها، ذبحتُ خنزيراً، ليتوافد الأقاربُ والضيوفُ علينا، ويقاسموننا الفرحَ والطعام، لأنّ قريتنا رغم قربها من العاصمة، لم تفقد أي شيء من تقاليدها البدوية، بالمرة.
 إنني لم أستطع الانفراد بوالدي، والتحدث معه في بعض الأمور العائلية الخاصة، إلا بعد أن مضى على حلوله بيننا، شهر بالكامل.
 اسمحوا لي قبل الاسترسال في الحكاية، بأن أقدّم إليكم أفراد عائلتي، واحداً واحداً.
 أنا أعمل مهندساً في معهد للفيزياء، وأبلغ من العمر سبعاً وثلاثين سنة. أما زوجتي ثوي فطبيبة، تعملُ في أحدِ أقسام الولادة. ولدينا طفلتان، تبلغ الكبرى أربع عشرة سنة، بينما الصغرى اثنتي عشرة سنة. أمّا والدتي فما عادتْ تتحكّم في مجموع قواها العقلية، لذلك فإنها تظل طيلة النهار، جالسة في نفس المكان. والى جانب هؤلاء الأعضاء الذين أشرتُ إليهم، تضم عائلتنا عنصريْن اثنين آخرين، هما كو وابنته الساذجة لايي. يبلغ كو من العمر ستين سنة، وهو ينحدر من منطقة تانْه هوا. تعرّفتْ عليه زوجتي، هو وابنته، على إثر الحريق الذي التهم بيتهما، وفقدا بسببه كل شيء. لقد أشفقتْ زوجتي عليهما، فآوتهما. وظلا يسكنان في محلّ تابع لبيتنا، ويعيشان بمعزل عنّا، إلا أن وضعهما المادي ظلت زوجتي هي التي تؤمنه، والسبب هو أنهما بخلاف بقية سكان الحي الآخرين، الذين تضرروا من حادثة الحريق، لم يقع إحصاؤهما، فبقيا لا يتمتعان نتيجة لذلك، بحق حيازة بطاقة التموين.
 ظل كو رجلاً وديعاً وخدوماً. فقد أوْكَلنا إليه أمرَ الاعتناء بحقل الخُضروات، والعناية بتربية الخنازير، والدجاج، والكلاب ذات السلالة الأصيلة كذلك. إننا نربّي منذ وقت ليس باليسير، الكلاب الألمانية الأصيلة. وكنتُ أنا حين شرعنا في مزاولة هذا النشاط، لا أكاد أشك في قدرة ذلك النشاط، على درّ الكثير من المال. إذ صار بالفعل، مصدرنا الرئيسي في الكسب. أما الآنسة لايي فقد ظلت رغم سذاجتها، متفانية في عملها، وموهوبة بشكل خاص في أعباء البيت، فقد علمتها زوجتي كيف تجيد طبخ جيوب السمك والفطائر بشكل فني خالص، وكيف تطبخ الدجاج المبخّر بنجاح، كذلك. وظلت لايي تردد وقتها: «أنا لم أذق مثل هذه الأطباق في حياتي، قط». وكانت بالفعل صادقة في ما تقوله، لأنها لم تذق مثل ذلك من قبل، أبداً.
 لقد كنّا نتّكل على كو وابنته في كل شيء، بدءاً من تنظيف الملابس الى تحضير الطعام. وبفضلهما، تخلصنا بشكل كلي، من همّ الأعباء المنزلية. واكتفت زوجتي بعد ذلك، بمراقبة مصاريف البيت مراقبة حازمة. أما أنا فقد غرقتُ في عملي، لأني كنتُ في تلك الأثناء تحديداً، منغمساً في كتابة تقرير عن الكهرباء المطبّقة.
 وفي هذا المقام، ينبغي أن أوضح بأن العلاقة التي تربط بيني وبين زوجتي، هي بشكل تام علاقة متناغمة. إذ ان ثوي زوجة متعلمة، وهي بذلك امرأة عصرية. بالطبع، لكل منّا طريقته في التفكير. زد على هذا، أن وجهتيْ نظريْنا حول أمور الحياة، ظلت بشكل نسبي غير معقدة. فقد كانت ثوي تحيط أمور الأسرة المالية بعناية فائقة، مثلما تهتم كذلك بتربية البنتين. أما أنا، فيبدو أني ظللت امرأ قديماً بما يكفي، ومفعماً بالتناقضات، وعديمَ المهارة.
 أعود الآن الى الحديث الذي تجاذبناه معاً، والدي وأنا، بخصوص بعض الأمور العائلية. فقد سألني والدي: «ماذا سأعمل الآن، بعد أن تقاعدتُ؟». «أكتبْ مذكراتِك»، اقترحتُ عليه. «لا، لن أفعل»، أجاب. وبعد ذلك، اقترحتْ عليه زوجتي أن يتعاطى لتربية طيور الببغاء. وأضافت تقول بأن الكثير من الناس صاروا يتعاطون في الآونة الأخيرة، لتربية الببغاء والهزار. «من أجل كسب المال؟»، سألها والدي، غير أنها لم تحر جواباً. «سأرى»، أضاف هو، جبراً لخاطرها.
 بعد ذلك، أهدى الوالد لكلّ واحد منا، أربعةَ أمتار من القماش الذي جاء به من العسكر، دون أن ينسى كو، وابنته الآنسة لايي. «أنت تطبّقُ المساواة بين الجميع!»، قلتُ له مازحاً، فردّ قائلاً: «تلك طريقتي في الحياة». حينها، قالتْ زوجتي على سبيل الدعابة، بأن البيت سيبدو أشبه بثكنة عسكرية، حين يرتدي الجميع نفسَ الزي! فإذا الجمع ينفجر بالضحك.
 كان والدي يرغب في السكن بالبيت الملحق ببيتنا، بجوار والدتي، غير أن زوجتي رفضت ذلك. اغتم للأمر كثيراً، وحزن له، لأن عيش الوالدة بمعزل عنه، ظلّ يؤرقه ويعذبه. «لا يمكن أن يحصل هذا أبداً، أوضحتْ زوجتي. لأن عقل الوالدة مختل». غير أن والدي بقي واجماً، وساهماً.
 أنا لم أفهم كثيراً، سببَ الفتور الذي وقع بين بنتيّ وجَدّهما. فقد حرصتُ على أن تدرسا اللغاتِ الأجنبيةَ والموسيقى، فظلتا بفعل ذلك، منشغلتين طول الوقت. وفي أحد الأيام، سألهما والدي: « ألديكما شيءٌ صالح للقراءة؟». ابتسمتْ ماي للسؤال، وبادرته فاي بسؤال آخر: «وما الذي تودّ قراءته؟». «أي شيء سهل»، أجاب والدي. «في هذه الحالة، ليس لدينا أي شيء»، أجابت البنتان بطريقة مشتركة. فسددتُ للوالد على إثر ذلك، ثمن انخراطه في صحيفة يومية، لأنه لم يكن يحب الأدب. وجدير بالإقرار في هذا السياق، أن الآداب والفنون قد صارت في هذه الأيام، عسيرة على فهم الناس.
 وذات يوم، وبينما كنت أنا راجعاً من عملي المكتبي، إذا بي أجد الوالد يقف بالقرب من الأقفاص، حيث تُربّي زوجتي الكلاب والدجاج. بدا عليه التضايق والانزعاج. «أثمة ما يضايقك؟»، سألته. «إن كو والآنسة لايي يضطلعان بأعباء كثيرة، ولا يستطيعان إلا بالكاد إنهاء أعبائهما. فما رأيك وهذه رغبتي، في أن أمد لهما يد العون والمساعدة؟». «دعني أفاتح ثوي في الموضوع»، قلت له. إلا أنها لم تكن ترغب. «ولماذا؟»، سألها والدي، وهو يصر على معرفة الجواب. «أنت أيها الوالد، جنرال، أوضحت ثوي. ولسوف تبقى جنرالا، حتى في وضع تقاعدك. فإن اندحرت، واشتغلت شغلَ الجندي البسيط، فإن الصفوف حينذاك ستختل، والفوضى ستعمم!». فلم ينبس والدي بأي كلمة.
 ورغم إحالته على التقاعد، ظل والدي يستقبل زواراً كثيرين، يلتمسون منه أن يتدخل بنفوذه، ليقضوا بعض مآربهم. وكنتُ أنا إزاء ذلك، أشعر بالدهشة والإعجاب. «لا تفرط في الفرح لذلك»، قالت ثوي محذرة. ثم أضافت بعدها: «إنهم ليتوخون بشكل خاص، أن يستفيدوا منك أيها الوالد. فلا تفرط في الإحسان إليهم». «أنا لا أقوم من أجلهم، بأي شيء ذي قيمة، أجاب والدي ضاحكا. أكتب لهم بعض الرسائل فقط… رسائل من قبيل: عزيزي ن… قائد منطقة (…)، إني أكتب إليك اليوم، هذا الخطاب،،، الخ. وإنها للمرة الأولى، التي أحتفل فيها منذ خمسين سنة خلت، باليوم الثالث، من الشهر الثالث، وأنا ببيتي! ولشدّ ما حلمنا معاً بذلك، لما كنّا ما نزال في الجبهة!،،، الخ. أتذكر تلك الضيعة الصغيرة، التي تقع على جانب الطريق، حيث كانت الآنسة هوييه تُعدّ لنا الحلوى، بدقيق تعَفّن كله، وتطلي جميع جسمها بنثاره، حتى الظهر أيضا؟!،،، الخ، ولهذا، أغتنم هذه المناسبة، كي أقدّم لك (م)…، فهي من معارفي، وتودّ أن تشتغل تحت إمرتك،،، الخ… هذا هو نوع الرسائل التي أكتبها… أفي هذا شيء غير ملائم؟». «لا»، قلتُ. «بل فيه»، قالت زوجتي. حينها، حكّ والدي ذقنه، وأضاف: «إن ذلك لمجرد معروف بسيط، يلتمسه مني الناس».
 احتفظ والدي بعادة استعمال المظاريف الرسمية، ذات المقاس 20×30، التي كُتِب على رأسها وزارة الدفاع. وكان هو يسلم الرسائل لأصحابها، حتى يدفعوا عنها رسوم البريد، لتصل الى الجهة التي يهمهم أمرها. وحين استنفد خلال ثلاثة أشهر، ذخيرته كلها من تلك المظاريف، التي خزّنها لديه حين أشْعِر بالتقاعد، اضطرَّ الى صنع مظاريف أخرى تحترم نفس المقاس. وبعد ذلك بعام واحد، اكتفى باستعمال المظاريف العادية، من ذلك النوع الذي يُباع في مكاتب البريد، بخمسة دونغات للدزينة الواحدة.
 وحين حلّ شهر يوليو، أي بعد ثلاثة أشهر على تاريخ إحالة والدي على المعاش، زوّج عمّي بونْغ ابنه. إن بونغ أخٌ غيرُ شقيق لوالدي. وكان ابنه ثُيَانْ يعمل سائق طنْبُر(2). لقد ظل الأب وابنه مهابي الجانب في القرية كلها، لأن قامتيهما كانتا بطول فارع، ولأنهما يتكلمان بصوت عال. ولم تكن هذه المرة الأولى، التي يتزوج فيها ثيان، وإنما الثانية. فقد هجرته زوجته الأولى، لأنها لم تعد تتحمّل منه ضربها. إلا أنه صرّح لقاضي المحكمة، بأنه هو الذي هجرها، لكونها قد اتخذت من دونه عشيقا. وبذلك، حصل على وثيقة الطلاق. أما الزوجة الثانية، فكانت تدعى كيم تشي. وهي امرأة تنحدر من عائلة متعلمة، وكانت تعمل مربية في مدرسة للحضانة. وقد شاع بين الأوساط المقرّبة، بأنها كانت حاملاً منه، فاضطرت الى الزواج منه، للتستر فقط على ذلك. إذ هي كانت فتاة جميلة. ومن ثمة، شُبه إقدامها على الزواج من ثيان الطُنبر، بمجرد نثر الأحجار الكريمة في حظيرة الخنازير الوسخة. والواقع أننا لم نكن في الأسرة، نحب لا الزوج، ولا والده. إلا أنهما ظلا يُحْسَبان للأسف، «من أفراد عائلتنا». وبذلك، لم نكن نقوى على صدهما، وإنما كنّا نكتفي باستقبالهما، إما في مناسبة أعياد رأس السنة، أو أيام الاحتفال بذكرى الموتى. بينما نكتفي بتجاهلهما، في ما تبقى من الأيام الأخرى.
وقد اعتاد بونغ أن يقول عني، وعن أسرتي الصغيرة، بأن: «كلَّ المثقفين أوغاد. وأنّهم لا يتعاملون مع العُمّال سوى بالمزيد من الازدراء والاحتقار. ولولا أنّي أحترمُ والدَه، ما دخلتُ بيتَه في يوم من الأيام، أبداً». ورغم تلك التصريحات المدوية، ما تورّع بونغ قط في أي يوم، عن المجيء إلينا للاستدانة. وكانت زوجتي لتوجسها، تشترط عليه أن يوقّع لها دائماً، صكَّ إقرار بالدَّيْن. وكان هو حين يندم على مجيئه إلينا للاستدانة، يحكي لأيٍّ كان ممَن يتكرم عليه بالإنصات، قائلاً: «لقد أذللتُ نفسي بالاستدانة منها، إلا أنها عاملتني أنا عمّها، وكأنما هي صاحبة عقارات، تماماً!».
 إلا أنه ظل ينسى في أغلب الأحيان، تسديد الدّين.
 قال بونغ لوالدي، بخصوص زواج ابنه: «أنت مَن ينبغي تسييرَ الحفل. إن والد الآنسة كيم تشي في منصب نائب رئيس المحافظة، وأنت في رتبة جنرال. ولسوف يرث أبناؤهما فيما بعد، من مجدك. وعليه، فأنتما تنتميان لنفس الفئة الاجتماعية. أما أنا فلست سوى طُنبر، أي لا شيء يذكر على الإطلاق». وعلى إثر هذا، قبِل والدي.
 كان ذلك الحفل من صنف حفلات أهل الضواحي بالزواج، أي مجرد بهرجة وبذاءة. كانت فيه ثلاث سيارات، وبعض السجائر الأجنبية ذات المصفاة، التي اضطر الناس في نهاية المطاف، بالنظر الى الخصاصة التي حصلت فيها، الى لفّ سجائر أخرى بطريقة يدوية. أما الأطباق التي قُدّمتْ في ذلك الحفل، فمن خمسين لم يمْسُس الناسُ اثني عشر طبقا منها، على الإطلاق. وطيلة الوقت الذي دام فيه الحفل، ظل العريس يتباهى أمام الحاضرين ببذلة سوداء، وضع لها ربطة عنق حمراء. لقد اضطررتُ أنا الى أن أعيره أجمل ربطة عنق، في مجموع التشكيلة التي كنتُ أملكها! «أعيره»، ليس سوى طريقة في الكلام، لأني لستُ متأكداً من استردادها منه أبداً، في يوم من الأيام. وظل محاطاً كذلك، بستة من فتيان الشرف الذين لبسوا لباساً موحداً، حتى بدوا في بِدَلهم الموحدة، وشواربهم الكثة، وكأنما هم عصابة من القتلة المأجورين.
 في البداية، عزفت الفرقة الموسيقية نشيد السلام عليك يا مريم. ثم قفز أحد أصدقاء ثيان الى المنصة بعد ذلك، وكان مثله صاحب طنبر، ثم شرع وقد غمره الفرح، يرتجل أغنية يقلد فيها لحناً رائجاً وقتها، بنبرة فظة وخشنة:
 «أوه… إيه… يا دجاجتي المشوية
 طُفتُ بحَدَبتي جهاتِ العالم الأربعةَ
 هرَباً من البؤس
 أوه… إيه… يا أيتها القطع الرّنانة والرّاجحة
 تساقطي، تساقطي في صرّتي
 أوه… إيه… يا دجاجتي المستاءة…».
 ثم حلّ الدور على والدي، كي يلقي خطبته. بدا عليه الضيق والحزن. وفجأة، صار النص الذي هيأه بعناية فائقة، عديم الجدوى. إذ ظلت آلة الكلارينيت توقّع كيفما اتُّفِق، كلَّ جملة من الجمل التي كان يتلفظ بها، بينما المفرقعات النارية تنفجر هنا وهناك، متسببة في لغط يصمّ الآذان. وللتسلية فيما بينهم، كان بعض الأطفال يتلفظون بصوت عال، ببعض التعليقات البذيئة. قفز والدي وهو في ذروة الجنون، على عدّة فقرات من خطبته. وظل يمسك الورقة بيد، أرادها أن تكون صلبة، بينما كان بقية جسمه يرتجف. لقد جرحت الضوضاء كبرياءه، وأرعبَه الصّخب، ولامبالاةُ الحاضرين الوقحة، وحتى بذاءتهم. وكان والد العروسة، الذي اضطرب هو الآخر، قد تسبب في نقع تنورة ابنته، بسائل النبيذ الذي أهرقه عليها، من دون قصد. وهكذا انتهى الحفل الى أن ما من أحد عاد يستمع الى الآخر. إذ غمرت الفرقة الموسيقية الجميعَ، بإيقاعات صاخبة استدعتْ ألحاناً شهيرة لفرقة البيتلز!
 بعد هذه الحادثة، اضطر والدي الى مواجهة وضع حرج آخر، هو ولادة كيم تشي بعد زواجها بأيام. شرب بونغ حدّ التعتعة، وطرد زوجة ابنه من البيت، بعد ذلك، . ثم حاول ثيان وكان في ذروة غضبه، أن يطعن والده، غير أنه كان لحسن الحظ، قد أخطأ الهدف. وهكذا، لم يتبق أمام والدي من حل آخر، سوى لملمة الزوجة وابنتها من الشارع. وبذلك، انضاف الى عائلتنا بطنان آخران، لزم إطعامهما. امتنعتْ زوجتي عن التعليق. أما الآنسة لايي فكثُر عملها، إلا أنها لم تكن لحسن الحظ، قد انتبهت لذلك. زد على هذا، أنها كانت تحبّ الأطفال.
 وذات مساء، وبينما كنتُ أنا منهمكاً في قراءة عدد من مجلة: سبّوتْنيك، إذا بوالدي يدخل علي الغرفة، دون أن يكون قد أحدث أية ضجة. قال: «أودّ التحدُّثَ إليك». صببتُ القهوة لكلينا، إلا أنه رفض الاقتراب منها. «أأنت على علم بما تزاوله ثوي؟ سألني فجأة. إن القشعريرة لتسري في كامل بدني، لمجرد التفكير في ذلك!».
 كانت زوجتي مُكلّفةً في قسم الولادة حيث تشتغل، بعمليات الإجهاض الطّوْعي والاضطراري. وكانت هي في كل يوم، تجمع تلك الأجنّة المُتخلى عنها، وتعود بها الى البيت في زجاجة الثيرموس. بعدها، يطبخ كو تلك الأجنّة، ويُطعِم بها الخنازير والكلاب. وقد كنتُ أنا والحق يقال، على علم تامٍّ بهذه المسألة، غير أني ما اعترضتُ عليها أبداً. إذ ليس فيها بحسب اعتقادي، أي شيء ذي بال أبداً، حتى أوليها اهتماما خاصاً، وأعترض عليها.
 أشار والدي، وهو يقودني من يدي الى المطبخ، نحو القدور التي كانت تغلي فوق النار، وقد طفتْ فوق سطحها قطعٌ من اللّحم، التي اتخذت بوناً بُنّياً. مكثتُ ذاهلاً، بينما كان والدي يبكي، ثم قذف بزجاجة الثرموس صوب جماعة الكلاب والجراء، وهو في ذروة الحنق، مردّداً: « أنا لست في حاجة الى كل هذا الثراء، يا بؤساء!»، فشرعت الكلاب والجراء في النباح.
 خرج والدي، وقد تركني بالمطبخ. ولما تناهى بعد ذلك، الى علم زوجتي ما وقع، نزلت باللائمة على كو، وقالت له مؤنبة: «لماذا تركت تلك القطع خاما، ولم تفرمها قبل الطبخ؟»، فتلجلج صوت كو، وردّ عليها قائلاً: «ألتمس عفوك يا سيدتي، فقد نسيت».
 وفي شهر ديسمبر، جاءت زوجتي بأحد التجار، وباعته جماعة الكلاب الأصيلة، دفعة واحدة. ثم لفتت انتباهي بقولها: «عليك أن تقلع عن تدخين السجائر المستوردة، لأن إيراداتنا ستقلّ هذه السنة، بما مجموعه سبعة وعشرين ألف دونغ، بينما ستزيد نفقاتنا بما مجموعه ثمانية عشر ألف دونغ. وهو ما يعني عجزاً قدره خمسة وأربعون ألف دونغ، يلزمنا أن نغطيه!».
 وما أن انتهت رخصةُ ولادةِ كيم تشي، حتى استأنفَتْ عملها. قالت لنا: «أشكركم جزيل الشكر لحسن ضيافتكم. ينبغي لي الآن أن أمضي الى حال سبيلي». «والى أين ستمضين؟»، سألتُها، خاصة وقد عاد زوجها ثيان مرة أخرى، الى السجن. قالت إنها ستذهب للعيش مع والدَيْها، فرافقها والدي في سيارة أجرة. ثم اغتنم الفرصة، فقضى النهار كله رفقة والدها. وبما أن والد كيم تشي قد عاد من مهمة قضاها في الهند، فإنه أهدى والدي قطعة منمنمة من قماش الحرير، ونصف أوقية من مرهم للدهن. بعد ذلك، أعطى والدي قطعة الحرير الى الآنسة لايي، والمرهم الى كو.
 وقبل حلول عيد رأس السنة، ابتدر كو زوجتي قائلاً: «أودّ منك أن تتفضلي علي بمعروف». «وما نوع ذلك المعروف؟»، سألته ثوي. بقي كو إثر ذلك السؤال يلفُّ، ويدور في فراغ من التعليلات الغائمة، فاقداً الجرأة على التعبير الدقيق. لقد كان بوضوح، يودّ زيارة مسقط رأسه من جديد. لقد جَمَع بعضَ المال خلال السنوات الست الأخيرة، التي قضاها بيننا، ويرغب في صيانة قبر زوجته من جديد، ذلك القبر الذي من غير المستبعد أن يكون قد أصيب بإهمال شديد، خاصة وأن ما من أحد هناك، ليعتني به. «إن الوفاء للموتى لمن أوجب واجباتنا»، أضاف معلقاً. ثم إنه ليودّ الى جانب هذا أيضاً، أن يعود الى البلدة ليراه أهاليها، خاصة بعد غياب طويل عنها. هذا كل ما عنده الآن، أما بالنسبة للمستقبل، «فإن الثعالب غالباً ما تظل محتفظة، حتى وهي ميتة، بحنين دائم الى الجبل!»، أضاف… فقاطعته زوجتي بالقول: «حسناً، حسناً… ومتى ترغب في السفر؟». حكّ كو رأسه، وأجاب: «أودّ لو أني أتغيب لبعض الأيام. سأعود الى هانوي في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، أي قبل عيد التّيت(2)». وبعد أن أجرت زوجتي عملية حسابية سريعة في ذهنها، أعطته الموافقة. بعدها أضاف، وهو يتجه إلي بالكلام: «أتعتقد يا ثوان (وهذا هو اسمي)، أن بمقدورك الحصول على إجازة من العمل». «أظن ذلك»، أجبته. «نحن نرغب في استضافة الجدّ بيننا. سيكون ذلك فرصةً بالنسبة إليه، لكي يقوم هو برحلةِ استجمام في منطقتنا». لم ترق هذه الفكرة لزوجتي، فابتدرتني بالسؤال: «وما الذي تقوله أنت، في هذا؟». عندها، أضاف كو موضحاً: «إن الجنرال موافق. إذ لولاه لما فكرت أصلاً، في الاعتناء بقبر المرحومة». «وما المبلغ الذي تتوفر عليه، لتحقيق كل هذا؟»، سألته ثوي. «لدي ثلاثة آلاف دونغ، سيضيف إليها الجنرال ألفي دونغ، وهو ما مجموعه خمسة آلاف دونغ». قاطعته زوجتي قائلة: «كفى، كفى. لا تأخذ من الجدّ الألفي دونغ، التي وعدك بها، لأني سأعطيها لك، وسأزيدك عليها خمسة آلاف دونغ أخرى. وهكذا سيصبح في حوزتك عشرة آلاف… لعل هذا كاف للسفر».
 أعدّتْ زوجتي بمناسبة هذا السفر، وليمة لتوديع المسافرين. تناولنا طعام العشاء هذه المرة، بشكل جماعي. وكانت الآنسة لايي قد ارتدت لباساً جديداً، أعدّته على مقاسها بذلك القماش العسكري، الذي أهداها اياه والدي. وظلت تشعر بفعل ذلك بفرح غامر، فسخرت منها بنتاي بالقول: «إن لايي هي التي تبدو أجمل!»، فإذا بها تحمرّ من أثر الخجل، وتقول: «هذا غير صحيح، أمُّكما هي الأجمل!». حينها قالت لها زوجتي: «عليك أن تعتني جيداً بالجنرال، أثناء السفر!». «وماذا لو بقيتُ هنا؟!»، قال والدي. «هذا مستحيل! صرخ كو. فقد سبق لي أن بعثت ببرقية للإشعار بقدومك. وهذا لائق بمقامك الشريف، يا جنرال». «عن أي شرف تتحدث؟، قال أبي زافراً. ما دام لم يعد لي منه شيء».
 سافر والدي الى بلدة تانهْ هوا، صبيحة يوم من أيام الآحاد، رفقة كو وابنته. وفي مساء يوم الاثنين الموالي، وبينما أنا أتفرّج على التلفزيون، إذا بي أسمع صوت ارتطام على الأرض. نهضتُ من مكاني أسرع الخطى، فألفيتُ والدتي في إحدى زوايا الحديقة، منكفئة على نفسها فوق الأرض. فقد أصيبت أمي منذ أربع سنوات بخبل الشيخوخة، وظلت لا تأكل إلا حين نطعمها، ولا تشرب إلا حين نرويها، ولا تقضي حاجتها إلا حين تجد من يساعدها على ذلك. وكنتُ أنا هذه المرة، قد سهوت عنها. ساعدتها كي تنهض، ثم عدتُ بها الى البيت. لم تكن قد تعرضتْ لأي أذى، غير أنها وجدَتْ بعض العنت في الإبقاء على رأسها مستقيماً. ولما عدتُ لرؤيتها عند منتصف الليل، لاحظتُ بأن نظراتها غدت تائهة، وبأن أعضاءها صارت باردة. أسرعتُ نحو زوجتي لأوقظها، وأنا مذعور. «الوالدة مثلما تعلم، امرأة طاعنة في السّن»، قالت وهي تغمغم، وسط النوم… وفي الغد، امتنعت والدتي عن تناول أي نوع من أنواع الطعام. واستمرت على هذا النحو في اليوم الموالي. ثم صارت تقضي حاجتها في الفراش. وهكذا اضطررتُ الى تغيير ثيابها وغطاء سريرها المبللين، لأكثر من عشر مرات في اليوم، إلا أن الرائحة قد ظلت غير محتملة، مع ذلك. ولكي لا أتسبب لثوي ولا للصغيرتين في الانزعاج، كنت أغيّر ثياب أمي طوال الوقت، وأمتنع عن غسلها في البيت. لقد كنت أذهب الى قناة الماء البعيدة عن البيت، لأغسلها هناك. بينما ظلت أمي تمتنع عن كل ما كان يقدم لها، من طعام وشراب.
 ولدهشتنا الكبيرة، نهضت من فراشها فجأة، يوم السبت الموالي. رأيناها تتنزه بخطو وئيد في حديقة البيت، بل إنها قبلت منا أيضاً، مكيلة أرز. «تبدو عليها أماراتُ التحسّن»، قلتُ لزوجتي. لكن ثوي لم تكن تشاطرني هذا التفاؤل. وقد رأيتها في نفس ذلك اليوم، تعود الى البيت وقد حملتْ معها عشرات الأمتار من القماش الأبيض، الذي تصنع منه ملابس الحداد. «أتستعدين للأسوأ؟» سألتُ ثوي، فردت: «أبدا». 
 بعد مضي يومين على ذلك، لزمتْ أمي الفراش من جديد. لم تعد تأكل شيئاً، ومضت كسابق عهدها، تفرغ أمعاءها في ملابسها وفراشها. وهكذا أخذت تهزل بسرعة، وتسقم أمام أنظارنا، حتى لم يعد برازها سوى مجرد سائل بُني. حينها، أردت أن أسقيها من شراب الجنسينج، غير أن زوجتي صرفتني عن ذلك، وهي تقول: «لا تعطها أيَّ شيء منه، لأن وعيها إنْ صحا، سيجعلها شديدة الحزن». وعلى إثر ذلك، انفجرت باكيا. منذ مدة طويلة، لم أكن قد بكيت بتلك الطريقة، أبداً. بقيت زوجتي تلتزم الصمت للحظة، ثم أردفت قائلة: «حسناً، افعل ما يحلو لك».
 وحين جاء بونغ لزيارة والدتي، قال: «لا تكف أمُّك عن الارتجاف كلها، وعن تحريك الساقين… إن ثمة شيء يُجْهدها، ويعييها». ثم أضاف، وهو يدنو منها: «أتعرفين من أنا، أيتها الأخت الكبرى؟». «نعم»، همست أمي. «ومَن أكون، إذن؟». «إنك رجل»، قالت بصوت خافت، فانفجر دمع بونغ: «ما من أحد غيرُك يحبني، أيتها الأخت الكبرى. الجميع يتعامل معي هنا، وكأني كلب. زوجتي تقول بأني نصاب ولئيم. وابنك ثوان يعتبرني مجرد وغد… لا أحد غيرك، يقول إني رجل!».
 لقد كانت تلك هي المرة الوحيدة، التي رأيت فيها ذلك الطُّنبُريّ الفظ، ذلك العم الذي لا دين له ولا ملة، يتحوّل بقدرة قادر تحت ناظري، فيصير طفلاً حقيقياً!
 ماتت أمي بعد ست ساعات، على عودة والدي من السفر. وعلى إثر ذلك، لم يكف كو ولا الآنسة لايي، عن تقريع نفسيْهما، معتبريْن أنّ غيابها هو المسؤول عن موتها. «إن ما حدث قد نجم عن خطأ منا. فلو كنّا موجودين بالبيت، ما ماتت الوالدة». «كفى هراء»، قالت زوجتي مقاطعة. إلا أن الآنسة لايي بقيت تلوم نفسها مع ذلك، وتقول وهي نائحة: «آه، يا جدّة… لقد احتلتِ عليّ احتيالاً، فرحلت أثناء غيابي. فلماذا لم تصحبينني معك، حتى أستطيع الاعتناء بك، هناك؟!». «إن كنت ترغبين حقاً في الالتحاق بالجدة، فلا تتحرجي… سأصنع لك نعشاً يليق بك!»، قال لها بونغ مازحاً.
 حين غُسِّل جثمان الفقيدة، لم يستطع والدي أن يُكَفْكِف دموعَه. «لكمْ هَزُلَ جسدُها، في وقت وجيز! غمغم قائلاً. أيموت جميع المسنّين هكذا، بعد أن يكونوا عانوا مثل هذه المعاناة؟!». «يا له من سؤال غريب! ردّ بونغ. إن الآلاف من الناس في هذا البلد، تموت موتاً فظيعاً كل يوم. وحدكم أنتم أيها الجنود، مَن يموت موتاً سهلاً».
 نصبتُ في ناحية من البيت خيمةً، وطلبتُ من بعض النجارين صنعَ تابوت. وظلّ كو يطوف دون توقف، حول الألواح الخشبية التي كانت زوجتي قد أوصت بقطعها، في الليلة السابقة عن المأتم. وبذلك، غضب منه النجارون، وقال له واحد منهم: «أتخافنا أن نسرق أعوادك، أم ماذا؟». وفي تلك الأثناء، سألني بونغ: «كم هو سُمْك تلك الأعواد؟». «أربعة سنتمترات»، أجبته. «إذن، هي صالحة لتأثيث قاعة الجلوس بأكملها! أضاف زافراً. من الخسارة حقاً، أنْ تستعمل تلك الأعواد الجميلة في صنع التابوت! لا تنس أن تعطينها، حالما تحوّلُ جثمانَ أمّك الى مثواه الأخير».
 كان والدي طيلة ذلك الوقت قد اعتزل، وهو في غاية من الأسى والحزن.
 كُلّف عمّي بونغ بتدبير شؤون المأتم، فأمر زوجتي بأن تنضج له دجاجة، وتعدّ قدراً من الأرز الدّسم. «وما الكمية التي ينبغي إعدادها من الأرز، يا عم؟»، همستْ هي في أذنه. لم يصدّق بونغ ما سمعه، فصاح بها: «يا إلهي! ما الذي دهاك هذا اليوم، حتى صرتِ حلوة المَعْشر هكذا؟! ألا، فلتعدّي ثلاثة كيلوغرامات من الأرز». وعندما عَبَرتْ ثوي بالقرب مني، همست لي قائلة: «أفراد عائلتك أفظاظ!».
 بعد ذلك، سألني بونغ بعدما اختلى بي: «قلْ لي، مَن منكم يتحكّم في مصاريف البيت؟». «زوجتي»، أجبت. «أنا أعرف أنها تتحكّم في مصاريف البيت، خلال الأيام العادية. إلا أني أودّ أن أعرف المتحكّم فيها، بهذه المناسبة؟». «زوجتي»، أجبت مجدّداً. «لا، يا بني. هذا غير لائق. هي ليست من سلالتنا. وبذلك، يلزمها أن لا تقرر في هذه المناسبة. سأفاتح والدك في الشأن». قاطعته قائلا: «دعِ الأمر لي. أنا من سيتولى الإنفاق». «إذن، هاتِ أربعة آلاف دونغ… ثم قل لي بالمناسبة، كم عدد الأطباق الذي تتوقعه أن يكفي من الطعام؟». «عشرة أطباق»، أجبتُ من غير تفكير. حينها، صاح في وجهي: «تلك الأطباق العشرة التي تفترض، لن تكفي حتى لفتح شهية حَمَلة النعش وحدهم، وأحرى أنْ تكفي الوفودَ الأخرى، التي ستتقاطر على البيت! أنا أقول بأنّا في حاجة الى أربعين طبقاً. فاتِحْ زوجتك في الأمر، إنْ شئت». أعطيته أربعة آلاف دونغ التي طلب مني، والتحقتُ بزوجتي في المطبخ، بعد ذلك. «سمعتُ كلَّ ما دار بينكما، قالت. ستكون ثلاثون طبقاً كافية بشكل كبير. وإن قدّرنا أن الطبق الواحد سيكلّف ثمانمائة دونغ، فإن الحصيلة سوف تكون أربعة وعشرين ألف دونغ. وإذا ما أضفنا إلى ذلك ستة آلاف دونغ أخرى، تحسّباً للنفقات الأخرى الطارئة، فسيكون علينا أن ننفق ثلاثين ألف دونغ. أما بالنسبة للإعداد والطبخ، فأنا من سيتولى أمرَ التّبضّع، بينما ستهتم الآنسة لايي بالطبخ. لذلك، عليك أن لا تهتم لما قاله عمّك بونغ. إنه ليس سوى نشال». «لكني أعطيته أربعة آلاف دونغ»، قلت. «أنت دائماً هكذا، لا تتغير أبداً!»، قالت وهي تزفر. «أتريدين مني أن أستعيدها منه؟». «لنكفّ عن الحديث في هذا الأمر الآن، ولنعتبر أنك قد أدّيتَ ثمنَ مساعدته لنا. إنه في جميع الأحوال شخص غير سيء، إلا أنه فقير. فما العمل؟!».
 في حوالي الرابعة بعد الزوال، وُضِع جثمان الوالدة في النعش، وقد رافق ذلك عزفٌ موسيقي، أدته فرقة مكوّنةٌ من أربعة عازفين. بعد ذلك، دسّ بونغ في فم الفقيدة تسعَ قطعٍ نقدية، ومزيجاً من السّبيك(3) الذي يعود الى عهد الإمبراطور خاي دينه، وقطعاً نقدية أخرى من الألومينيوم، بقيمة عشرة سنتيمات. «هذا لأداء ثمن السفر، على متن قارب الموتى»، قال بونغ. كما وضع بداخل النعش كذلك، أوراق اللعب. «لقد كانت الفقيدة في حياتها، تحبّ لعبَة الورق»، أضاف.
 سهرتُ في تلك الليلة، بالقرب من جثمان والدتي، وذهني شاردٌ. وفي قرارتي، بتّ أردّدُ بأن الموت لا يستثني أحداً، وبأنه سيأتي للبحث عنا واحداً وراء الآخر، حين سيحين أجل كل منّا.
 بات بونغ وبعض سائقي الطّنبر الآخرين من فصيلته، يلعبون الورق في ساحة البيت. وكان كلما غامر بحصة كبيرة من المال، ينهض بخطى سريعة نحو النعش، ويناشد جثمان أمي بصوت ضارع، مردداً: « أيتها الأخت الكبرى، إني أتوسل إليك، طالباً أن تساعديني على تفريغ جيوب ذلك الرّهط، الى آخر قطعة نقدية يملكها».
 تمسّكتْ ماي وفاي بالسهر بالقرب من جثمان جدتهما أيضاً. ردّدتْ ماي متسائلة: «ولِمَ يلزمنا تسديد ثمن العبور، على متن القارب الذي يحمل الموتى؟ ثم لماذا وُضعتْ تلك القطع بالضبط، في فم الجدة؟». «أنا أعرف الجواب، ردّت عليها أختها. إن ذلك لشبيه بما يشير إليه المَثل القائل: اقبضْ، واسْكتْ. أليس هذا صحيحاً، يا أبي؟». «أنتما غير قادرتين على فهم تلك الأمور، قلتُ وأنا أشرق بالدمع. أنا نفسي لا أستطيع فهم ذلك. كل ما هناك، أن ذلك ضربٌ من الشعوذة». «أنا فهمت كل شيء، قالت الصغيرة فاي، بنوع من الاعتداد بالنفس. معنى ذلك أننا نحتاج دائما الى المال. سواء في حياتنا، أو عندما نموت!».
 شعرتُ بوحدتي الشديدة، في تلك الأثناء. كما كانت بنتاي أيضاً، وحيدتين. وكان والدي كذلك. ولاعبو الورق أيضاً.
 لم تكن المقبرة تبعد عن بيتنا، سوى بمسافة خمسمائة متر. لكن ما أن نعرّج على الزقاق الرئيسي، حتى نضطر الى قطع حوالي كيلومترين اثنين. وبما أن الزقاق ظل ضيق المنفذ بما يكفي، للحيلولة دون اختراق السيارات له، فقد تكلّف أربعة رجال بحمل النعش، فوق أكتافهم. ظل ثلاثون حمالاً، أجهل أغلبهم، يتناوبون على حمل التابوت فيما بينهم، طوال المسافة التي كانت تفصل بين البيت والمقبرة. وقد ظلوا يفعلون ذلك، في نوع من اللامبالاة التامة، وكأنما كان ذلك مجرد شغل عادي وحسب، وكأنما كانوا يحملون فوق الأكتاف جذعاً خشبياً. لقد كانوا إما يدخنون، وهم يمشون بالنعش، أو يمضغون أوراقِ التّنْبولة، أو يتحدثون لبعضهم البعض حول أمور، وأخرى. وفي لحظات توقف الجنازة، كانوا يرمون بكل شيء يحملونه فوق النعش، فيجلس بعضهم، ويتمدد البعض الآخر على الأرض، ويحكي البعض منهم بنبرة امتنان قائلاً: «ما ألطف هذه الرطوبة! فلو كان الأمر بيدي، لمنحتُ نفسي وقتاً كافياً للاستمتاع بقيلولة مستحقة، تمتد الى أن تأذن هذه الشمس اللعينة بالمغيب!». وعلى إثر ذلك، تدخّل بونغ بقسوة منه وفظاظة، وقال لهم: «هيّا يا رجال. أسرعوا في إنهاء الشغل المطلوب منكم، إن كنتم ترغبون في النهاية، في الفوز بالطعام». ثم تحرّك الطواف مجدّداً، بعد ذلك.
 وكنتُ أنا أمشي متكئا على عكاز، في الاتجاه المعاكس لسير الجماعة، وقد وجهتُ رأسي صوب النعش حتى «أستقبل والدتي»، مثلما تشير إلى ذلك التقاليد المتبعة عندنا. حينها، سمعتً بونغ يقول، ونحن نشيّع الجنازة: «سيكون الحمّالون الذين سيتولون حملَ نعشي بعد الموت، من فصيلة لاعبي الورق. وبدل لحم الخنزير، سيأكل الحاضرون لحمَ الكلاب!». عندها، تدخّل والدي ليؤاخذه على ذلك الكلام، قائلا: «قل لي بربّك، كيف تستطيع أن تهزل في مثل هذه اللحظات الرهيبة؟». عندها، شرع بونغ يبكي، وينتحب، وهو يردد: «أختاه العزيزة! لقد خدعتني، واحتلتِ عليّ بالرحيل، وتركتني بعدك تائهاً». «لماذا (خدعتني) هذه؟، قلتُ في نفسي. فإنْ كان الموتى يخدعون الأحياء حقاً، لما عُدّت المقابرُ سوى مآوي للغشاشين والمخادعين!».
 بعد الانتهاء من مراسيم الدفن، التمّ الشملُ من جديد في بيتنا، وكان في انتظاره ثمانية وعشرون طبقاً. أطلْتُ النظر في الأطباق، فشعرت بالتقدير تجاه ما تملكه الآنسة لايي، من مواهب في الطبخ. كان الكل ينادي باسمها، من جميع الاتجاهات: «الآنسة لايي!… أين الآنسة لايي؟». وظلت هي مثل ذلك العصفور الذي تورّم لسانه، لا تجيب سوى بـ: «نعم… نعم… نعم…»، واضعة زجاجة كحول هنا، وطبق لحم هناك،،، الخ. وحينما حلّ المساء، اغتسلتْ، وارتدتْ ثياباً نقية، وتقدّمتْ نحو الهيكل برأس مطأطئة في ذلة، ثم أخذت تبكي، وتنوح قائلة: «ألتمس صفحك يا جدّة، لأني ما استطعتُ أن أرافقك، الى حيث مثواك الأخير… آه، يا ربي! حين أستعيد في ذهني أني بكسل محض، رفضت أن أهيئ لها ذلك الطبق، الذي كانت يومها قد طلبته مني!… فلمَن أشتري الحلوى والمُلبّسات، بعد اليوم؟». ملأتني كلماتها بالأسى والمرارة. فقد مضى علي أنا أزيد من عشر سنوات، لم أهد فيها لأمي بالفعل، لا قطعة حلوى ولا كيس ملبس واحد! انخرطت الآنسة لايي بعد ذلك في بكاء حار، وهي تردد: «أتُراك كنتِ ستموتين اليوم يا جدة، لو أني بقيت الى جانبك؟!». «لا تبك»، أمرتها زوجتي، فغضبتُ أنا لذلك، وقلت لها: «اتركيها تبكي. فليس ثمة ما يدعو للحزن الشديد حقاً، سوى ذلك المأتم الذي لا دموع فيه. ثم بالله عليك، مَن منّا قادِرٌ على بكاء الفقيدة بهذا الشكل؟». تمتمتْ زوجتي، وكانت مستغرقة في همّها، وقالتْ: «ثلاثون طبقاً بالتمام والكمال! ألا تعترف بأن هذا قد خضع لحساب مضبوط؟!». «ما من أحد يستطيع أن يبزك في ذلك»، قلت. 
 «لقد ذهبتُ أستشير الأبراج، فوجدتُ بأن أمك قد ماتتْ في ساعة نحس، قال بونغ. لذا، ينبغي التزوّد بأعواد الثقاب، لطرد الطالع السيئ». «لا حاجة لنا بأعواد الثقاب، ردّ والدي. فقد دفنتُ أنا ثلاثة آلاف جندي في مجموع حياتي، وما كنت لا ولا الآخرين معي، نحتاج الى كل هذا في ذلك الوقت، أبداً». «لأنكم كنتم محظوظون وحسب، أجاب بونغ. فقد كانت رصاصة واحدة تكفي، لينتهي كل شيء!». ثم ضغط بسبابته على زند متخيل، وأخرج من فمه صوت طلقة: «بومْ».
 في ذلك العام، استقبلنا حلول السنة الجديدة من غير أزهار الخوخ، ولا حلوى تقليدية. وفي ظهيرة اليوم الثاني من السنة الجديدة، أرسلتْ لنا الفرقة العسكرية التي كان ينضوي الوالد ضمنها، ممثلاً رسمياً عنها لزيارة قبر الوالدة. قدّم لنا شوانغ بهذه المناسبة، وكان من قبل برتبة مساعد أول، ليصير بعد تقاعد والدي جنرالاً، هديةً بمبلغ ألف دونغ. وفي المقبرة، أطلق الضابط الذي رافقه وهو العقيد ثانه ثلاث طلقات نارية في الهواء من بندقيته تشريفاً للفقيدة، بينما أشعل الجنرال النار في أعواد النّد. وقد أكّد الأطفال فيما بعد، بأن العسكر أطلقوا يومئذ، طلقات متواصلة من سلاح المدفعية، بلغت إحدى وعشرين طلقة.
 ثم قال الجنرال شوانغ بعد ذلك لوالدي، لما مضت بعض اللحظات، طاف خلالها بين أطراف البيت، وكان كو هو دليله في ذلك: «إن لك لمِلْكِية رائعة، بها أشجار مثمرة، وحوض لتربية الأسماك، وزريبة للخنازير، وخُمّ كبير للدواجن، دون احتساب الفيلا الجميلة! بإمكانك الآن، أن تشيخ بسلام!». «إن ما رأيته هو صنيعةُ ابني»، قال والدي موضّحاً. وعلى الفور، قلت أنا: «إن الفضل في كل ذلك، يعود لزوجتي». وقالت هي: «الفضل لجهود الآنسة لايي». وابتسمت لايي، وقد احمرّ وجهها من أثر الخجل. وكانت منذ وقت ليس بالبعيد، تُميل رأسها وكأنما هي بين لحظة وأخرى، على أهبة السقوط بنوبة الصَّرْع. «هذا غير صحيح»، قالت بصوت عال. «الفضل إذن، للأنشطة الثلاثة (4)!»، قال والدي مازحاً.
 وقبل توديعنا، توجه الجنرال شوانغ الى والدي، يسأله بنبرة هادئة: «ألا تودّ القيام بزيارة صغيرة لنا، تتفقد فيها أحوال فرقتك العسكرية القديمة؟ ستخوض وحدتنا في شهر مايو القادم، مناورات عسكرية. فإنْ شئتَ زيارتنا، بعثنا لك بسيارة خاصة، كي تقلّك». وما كان من والدي إلا أن قبِل الدعوة.
 وفي صباح اليوم الثالث بعد مستهل العام الجديد، زارتنا كيم تشي، فأعطتها زوجتي ألف دونغ هدية، بمناسبة رأس السنة. ثم سألها والدي بعد ذلك: «ألديك أخبار عن زوجك؟». «لا»، ردتْ هي. «إن ما وقع كان بسببي، أضاف. أنا لم أكن أعرف بأنك كنت حاملاً، وقتها». «الحكاية صارت عادية، قالت زوجتي. لم تعد ثمة عذراوات في هذه الأيام. إني أشتغل في قسم للولادة، وبذلك فإني في وضع جيد، يسمح لي بمعرفة ما يحصل في الواقع، حقيقة». بدتْ كيم تشي بمظهر يدعو للرثاء. قلتُ أنا لزوجتي: «لا تقولي هذا. ثم ينبغي على المرء أن يعترف بأنه صار من الصعب في هذه الأيام، أن تحافظ الفتاة على عذريتها دون مساس». أذرفت كيم تشي دمعاً غزيراً، وقالت وهي تشرق في دمعها: «العار هو المصير الذي تشترك فيه جميع الإناث، يا ابن العم. لهذا ينفطر قلبي أسى وحسرة، لكوني أنجبت طفلة». «أتعتقدين أنّا لا نعرف العار، نحن معشر الرجال؟»، قلت أنا، فتدخل والدي قائلاً: «الرجل الذي يملك في جوفه قلباً حقيقياً، هو وحده من يعرف معنى العار. وكلما كان له قلب حقيقي، إلا وكان شعوره بالعار أكبر». «كفى هذيانا! قالت زوجتي مقاطعة. ولنلتحقْ بمائدة الطعام. فقد هيّأتُ لكم، دجاجة محشوة بقلوب زهر اللوتس، إكراماً لكيم تشي. وها هي ذي القلوب والحمد لله وفيرة، مثلما ترون!… إذن، هيا للأكل. هذا هو المهم».
 كان يسكن قرب بيتنا، شاب يدعى خونغ، يطلق عليه الأطفال لقب كونفوشيوس. وكان خونغ يعمل في تعاونية نيوكْ مام(5)، إلا أن موهبته المميزة هي قراءة الشعر. وكان هو نفسه يكتب بعض القصائد، ويبعث بها الى مجلة الآداب. وكان حين يأتي لزيارتنا، وذلك أمر ظل يتواتر، عادة ما يحلو له بأن يصرح بأن ما من شيء ثمة، يعادل الشعر جمالاً. وكان يقرأ لنا بعض القصائد من أشعار لوركا، وويتمان، وغيرهما. وكنت أنا لا أحب خونغ أبداً، لأني ظللت أشك في أنه لا يزورنا إلا لدوافع أحطّ من محبة الشعر، التي يريدنا أن نتقاسمها معه. وذات يوم، كنتُ قد عثرت على مخطوطة من ديوان شعري، تحت وسادة نوم زوجتي. «خونغ هو الذي نظمها، قالت لي حين سألتها عن ذلك. أتريد أن تلقي عليها نظرة؟». حركت رأسي بإيماءة رفض، فعلّقتْ هي على ذلك قائلة: «لقد هرمتَ». وشعرتُ على إثر ذلك، برعشة تسري في بدني كله.
 وفي يوم آخر، وبينما أنا أعود من المكتب متأخراً، بسبب دورة الدوام التي شاركتُ فيها، إذا بي أجد والدي ينتظر عودتي، أمام بوابة الفيلا. «إن خونغ بالبيت منذ بداية الظهيرة، قال لما رآني. لستُ أعرف ما الذي يصنعه مع زوجتك، إلا أنهما ما يزالان الى الآن، مجتمعين مع بعضهما البعض. هذا من الأمور غير المقبولة». «لا تكترث للأمر يا والدي، قلت له. اذهب الآن للنوم». ابتعد والدي على مضض، محركاً رأسه. ثم امتطيتُ أنا الدراجة النارية بعد ذلك، وعدتُ الى المدينة. ظللت أطوف بين الأزقة والشوارع من غير هدف واضح، الى أن توقف محرك الدراجة لنفاد البنزين. وفي الأخير، اضطررتُ لدفعها، الى أن بلغت حديقة عمومية، فتهاويتُ على أحد الكراسي، وجلستُ هناك وكأني متشرد لا مأوى له. مرّتْ بالقرب مني امرأةٌ شابة، لوّنتْ وجهها بألوان فاقعة، وقالت لي: «أتأتي معي، أيها الحبيب؟». غير أني أجبتها بإيماءة رفض من رأسي.
 ذهبتُ الى الخزانة بعد ذلك، لأستعير بعض الكتب. ثم انهمكت في قراءة لوركا، وويتمان، وغيرهما. وهكذا أخذ يكبر عندي الاعتقاد، بأن أعظم الفنانين إنما أشدّهم عزلة ووحدة. ولذلك، قلت في قرارتي إن خونغ كان من دون شك، على حق. إلا أنه ظل للأسف، غير شريف. وإلا لماذا عرض قصائده على زوجتي، وليس على أحد آخر؟
 «أنت شخص ضعيف، قال لي الوالد. الحقيقة هي أنك لا تقدر على العيش وحدك، دون هذا الزواج المخجل». «أنت مخطئ يا والدي، أجبته. الحقيقة كل الحقيقة، أن هذه الحياة ليست سوى مزحة فظيعة!». «إذن، أنت ترى بأن ما يجري في بيتك، ليس سوى مجرد مزحة؟!»، سألني في نبرة غاضبة. «بالطبع لا، أجبت. إلا أن ذلك، وينبغي أن تقرّ بذلك، ليس كذلك شيئاً جاداً للغاية». «الحاصل، أني لم أعد أفهم شيئاً»، قال والدي زافراً. 
 طُلِب مني في المكتب، أن أذهب الى جنوب البلاد، في مهمة خاصة. فقلت لزوجتي: «ماذا لو أني قبلت هذا الطلب؟». فقالت: «لا، لا تذهب الى هناك. ينبغي أن تصلح باب حجرة الحمّام، غداً. فقد صار لا يُغلق، بالمرة. لقد مرّ خونغ من أمام حجرة الحمّام، في اليوم السابق، بينما كانت ماي تغتسل، وحاول أن يمارس معها بعض الأعمال الشنيعة، وهو ما تسبب لها في خوف شديد. لقد منعتُ على ذلك الوغد، من أن يجتاز عتبةً البيت». ثم انفجرت تبكي: «لقد أخطأتُ في حقك، وفي حق البنتين، فعلاً». أشحتُ بوجهي عنها، وأنا أشعرُ بالحرج. ولو كانت الصغيرة فاي متواجدة معنا، لسألتني من غير شك، إنْ كان ما تراه مجرد «دموع التماسيح؟!».
 وفي شهر مايو، بعثت الفرقة العسكرية القديمة، التي كان ينضوي الوالد ضمنها، بسيارة خاصة لتُقلّه، مثلما كان متفقاً عليه. أعطاه العقيد ثانه رسالة من الجنرال شوانغ، عندما وصل بالسيارة، فرأيت والدي يفتح المظروف بيد مرتجفة. تقول الرسالة: «نحن في حاجة إليك، وفي انتظار قدومك… إلا أن لك الاختيار في أن تفعل ما تشاء، لأننا لن نرغمك على المجيء…». رأيتُ أنا بأن على والدي أن لا يقبل هذه الدعوة، غير أني لم أكن أعرف كيف أعبّر له عن ذلك. فقد شاخ هو بشكل كبير، منذ أن أحيل على التقاعد. لكن هذه الرسالة ما لبثت أن حوّلته في الحال، الى إنسان آخر نشيط عادت له بشكل ما، معالم الشباب. لذلك، لم أستطع صدّ نفسي عن الفرح لتغيّر حاله، رغم ألمي لرؤيته وهو يفارقنا. جمعتْ زوجتي أغراضه في حقيبة، إلا أن والدي رفض ذلك، وقال لها: «ضعيها في حزمتي الخاصة».
 استأذن من أصدقائه ومعارفه في الانصراف، ثم اتجه صوب قبر الوالدة بعد ذلك، وهناك أمر العقيد ثانه بإطلاق ثلاثة أعيرة نارية من بندقيته. وفي المساء، استدعى كو وابنته، فأعطى للأب ألفي دونغ، وطلب منه أن يشيد مسلة على قبر الوالدة. ثم قال وهو يتوجه بكلامه الى لايي: «ابحثي لك عن زوج، يا ابنتي». غير أن لايي سرعان ما انفجرت بالبكاء، وقالت: «أنا ذميمة للغاية، وما من أحد ثمة يرغب في الزواج مني. ثم إني الى جانب هذا، ساذجة حدّ الإفراط…». فقال والدي بصوت مخنوق بالتأثر: «ألا تفهمين يا بُنيّتي، بأن السذاجة قوة تساعدنا على تحمّل العيش؟». إلا أني كنت أستبعد أن يكون ذلك الكلام وداعاً لنا، بالفعل.
 قبل الصعود الى السيارة، أخرج من حزمته الخاصة، دفتراً شبيهاً بتلك الدفاتر التي يستعملها التلاميذ في المدرسة، وأمدّه لي وهو يقول: «سجّلتُ هنا بعض الأشياء القليلة. القِ عليها نظرة».
 كانت العائلة كلها مجتمعة لتوديعه. «أأنت ذاهبٌ الى الجبهة، يا جدّي؟»، سألته ماي. «نعم»، ردّ والدي. «هذا إذن، شبيه بما تردّده الأغنيات!»، صاحت فاي. ثم دندنت بلحن أغنية:
 «الطريق التي تفضي الى الجبهة، 
 صارت في هذا الفصل من السنة، أجمل!…».
 «لكم تفرطين في الحماس، أيتها الشيطانة الصغيرة!»، صاح بها والدي.
 بعد رحيل الوالد بوقت قليل، حصلت ببيتنا حادثة طريفة، أغرقتنا جميعاً في ضحك متواصل، طفرت له دموعنا. فقد أبصر كل من كو، وبونغ (الذي دفعتْ له زوجتي مبلغ مائتي دونغ، مقابل عمله ذلك اليوم)، الجانبَ السفلي من جرة كانت غارقة في قعر الحوض. وعلى إثر ذلك، أخذ الرجلان يحفران قاع الحوض، لاستخراج الجرة. ثم ما لبثا أن اكتشفا جرة أخرى، كانت تتواجد بالقرب من الأولى. عندها، اقتنع بونغ بأنه قد وضع يده على كنز. وفي الحال، أبلغ الرجلان زوجتي، التي انضمت إليهما على التوّ، لتساعدهما على استخراج الجرتين. ثم ما هي إلا لحظات معدودة، حتى حلّ الدور على الآنسة لايي. بل حتى الطفلتان بالذات، كانتا قد شاركتا في تلك العملية.
 وهكذا انكبّ أعضاء الفريق جميعهم، على أعمال النبش والحفر دون توقف، من غير أن يأبهوا بتلطّخ أطرافهم بالطين والوحل، من أخمص القدمين الى أعلى الرأس. ولتسهيل العمل أكثر، أمرتْ زوجتي بإنشاء سدّ صغير وسط الحوض، واكترت مضخة «كهولر»، لتجفيف المنطقة التي تقع فيها الجرتان. وكان الجوّ الذي خيّم على أعضاء الفريق، احتفالياً بكل المقاييس. ظلّ بونغ أثناءه يفتخر بنفسه. قال لهم: «من الطبيعي أن أحتفظ بجرّة كاملة لنفسي، لأني أنا من اكتشف الكنز!».
وبعد نهار كامل، استغرقوه في العمل المضني والمتواصل، عثروا على جرتين أخريين، إلا أنهما كانتا متصدعتين، وبدون أي شيء يذكر بداخلهما. إلا أن بونغ مع ذلك، لم يكن قد فقد الأمل. «ربما كانت هناك جرّات أخرى»، قال. ثم استأنف الجميع أعمال الحفر. وعندها برزت جرة أخرى للعيان، إلا أنها كانت كذلك فارغة. استبد بالجميع الجوع والإجهاد الشديدين. وعلى إثر ذلك، تكرمت زوجتي من غير تلكؤ في الإنفاق، فاشترت خبزاً لإطعام الجميع. ثم تواصل العمل بشكل أفضل. وبعد عدة أمتار من الحفر الغائر في الأعماق، عُثر على مزهرية من الفخار الصيني. شعر الجميع بفرحة غامرة تلفهم، لأن هذه المزهرية وكانوا متأكدين من ذلك لا يمكنها إلا أن تحوي الذهب. ولشدّ ما كانت خيبتهم كبيرة، حين اكتشفوا بأن كل ما كانت تحتوي عليه هو بعض النياشين المتآكلة بفعل الزمن، وبعض القطع النقدية التي تعود الى عهد الإمبراطور باو داي!
 حينها، تذكر بونغ شيئاً ما، وصاح قائلاً: «تبّاً لي! لقد تذكّرتُ الآن. إن أصل هذه المزهرية يعود الى عملية سطو، كنتُ أنا وزعيم العصابة نهام، قد قمنا بها في بيت هان تين. ولدى خروجنا من البيت، لحق بنا رجال الشرطة، فتخلصت أنا من المزهرية، بقذفها وسط الحوض». بعد ذلك، غرق الجميع في الضحك. لقد كان الزعيم نهام رجلاً شريراً، يُعرَف عندنا في الضاحية كلها، وكان هان تين جندياً انخرط في صفوف جيش فرنسا الاستعماري. وكان عندما نشبت الحرب العالمية، قد شارك في حركة تُدعى «تنين الجنوب»، كانت معادية للألمان. مات الرجلان معاً، الشرير والجندي، منذ وقت لا يستهان به، ولم يبق منهما غير الذكرى! «على كل حال، نحن لم نحفر سدى، قال بونغ. فقد حصلتُ على قطع نقدية كثيرة من السكة القديمة، تكفيني لسداد ثمن السفر بقارب الموت، لجميع موتى القرية!».
 وفي اليوم الموالي، أفقتُ على طرق ملحّ، ظل متواصلاً بالباب. خرجتُ، فإذا بي أرى خونغ يقف أمام بوابة البيت. «إن طائر الشؤم هذا، لن يأتيني سوى بأخبار السوء، قلت في قرارتي. لن يحمل لي سوى المزيد من النحس، وحسب». قال لما رآني: «ثوان! هناك برقية باسمك. والدك مات!».
 كان الجنرال شوانغ هو الذي حرّر البرقية. «ننعي لكم وفاة الجنرال نغويين ثوان… مات من أجل الوطن، في مهمة، ب… على الساعة… في يوم…». صعقني الخبر صعقاً شديداً، فتكفلت زوجتي ثوي بكل شيء. وحين عدتُ الى البيت بسيارة الكراء، وجدتُ الكل جاهز للسفر. «لا تغلق بالمفتاح سوى المسكن الرئيسي، قالت لي زوجتي. إن كو سيبقى هنا، لحراسة البيت».
 للوصول الى مدينة كاو بانغ، سلكنا الطريق الأقصر، وهي طريق وطنية رئيسية. إلا أنّا ما أن وصلنا، حتى وجدنا بأن إجراءات التشييع الرسمية لجثمان الوالد، قد تمت منذ ساعتين.
 قال لي الجنرال شوانغ، وهو يستقبلني: «لقد أخطأنا إزاء أسرتكم، بشكل كبير». «لستم مسؤولين عن أي شيء، قلت له. كان ذلك مصيره المقدر». «والدك كان مثلما تعلم، رجلاً شهماً وذا قدر كبير». «وهل شيعتموه مثلما يليق بجندي باسل؟»، سألته. «بالطبع»، أجاب الجنرال. «شكراً»، أضفت. ثم استطرد شوانغ يقول: «لم نستطع منعه من التواجد في الخط الأمامي…». فقاطعته قائلا: «لقد فهمت. أرجو ألا تضيف المزيد».
 وُضع قبر والدي في المقبرة المخصصة للأبطال. وقد أخذت له زوجتي ثوي، التي كانت قد فكّرت في كل شيء، صوراً من آلة التصوير التي أحضرتها معها. وعلى الرغم من استبقاء شوانغ لي بإلحاح، فإني تمسكت بالعودة في اليوم الموالي.
 التمستْ مني زوجتي، ونحن في طريق العودة، أن أسوق السيارة بمهل، حتى يتملى الجميع بالمناظر الطبيعية الجميلة. وظل بونغ الذي كان ذلك أول سفر في حياته كلها، يصيح متعجباً من كل شيء يراه: «إن جمال بلادنا لشبيه بجمال اللوحات الفنية! الآن، صرت أفهم لماذا ينبغي على المرء أن يحب بلاده. لأن قريتنا حتى وإن كانت أقرب من العاصمة مثلما تعرفون، فإنّي لا أطيقها البتة!». «لأنك فقط قد تعودت عليها بإفراط!، قالت زوجتي. إنّ الناس التي تسكن بعيدا، تحبُّ هانوي». «تلك حلقة دائرية لا تكتمل، أشار بونغ. الناس التي تسكن هنا، تفضل كل ما هو بعيد، والعكس صحيح. ومهما يكن، فأينما ولينا وجهنا، فثمة وطننا وشعبنا! ألا فليحيا الوطن والشعب معاً! وليحيا الفانوس السحري!».
 هنا تنتهي قصتي. استأنفت الحياة عندنا جريانها مثلما كان معتاداً، قبل تقاعد الوالد. فقد عادت زوجتي الى سالف انشغالاتها، وأنهيت أنا بحثي عن الكهرباء المطبقة. وغدا كو صموتاً أكثر فأكثر، بسبب استفحال حالة الآنسة لايي على الخصوص. وفي أوقات فراغي، أنزوي لأعيد قراءة تلك المذكرات، التي تركها لي الوالد. وبذلك، أحسستُ بأنّي صرتُ أفهم والدي، بشكل أفضل.
 لقد رويتُ لكم هنا، بطريقة مفكّكة للغاية، بعضَ الأحداث والوقائع التي لم تحصل إلا في ذلك الحيز الزمني الضيق، الذي زارنا فيه الوالد. وعلى الرغم من كل شيء، فإني أعدّ هذه السطور بمثابة أعواد الندّ، التي ينبغي أن أضرم فيها النار إكراماً مني، وإخلاصاً لذكرى والدي. لذا، أتوسل من القارئ الكريم، أن يصفح عني، وأن يدعو لي بالغفران.
الهوامش
1) تقـاعـد جنرال، نْغـويّين هُويْ ثيِّيبْ، ترجمته الى الفرنسية كيم لوفيفر Kim Lefèvre، منشورات: الفجر Editions de L’Aube 1990 – 1994. 
 الطنْبُر: عربة لنقل الأشخاص، تساق بطريقة يدوية(المترجم).
2) عيد الثيت: عيد حلول السنة الجديدة، وهي بتقويم صيني(المترجم). 
3) السّبيك هو ضرب من النقود الصينية القديمة(المترجم).
4) الأنشطة الثلاثة: نمط اقتصادي فيتنامي، يجمع بين البستنة وتربية الأسماك والحيوانات الداجنة(عن الترجمة الفرنسية).
5) نيوك مام: تعاونية فيتنامية شهيرة لتصبير السمك(عن الترجمة الفرنسية).

تقـديم وترجمــة: أحمد الويزي
كاتب وقاص من المغرب
 

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …